Indexed OCR Text

Pages 261-280

بالاعتكاف : العبادة والصلاة ، والقراءة ، والذكر ، والدعاء .
وما ذكره بعضهم من الإجماع على تفضيل قبر من القبور على
المساجد كلها . فقول محدث فى الإسلام ؛ لم يعرف عن أحد من السلف.
ولكن ذكره بعض المتأخرين ، فأخذ عنه آخر وظنه إجماعا ؛ لكون
أجساد الأنبياء أنفسها أفضل من المساجد . فقولهم يعم المؤمنين كلهم ،
فأبدانهم أفضل من كل تراب في الأرض ، ولا يلزم من كون أبدانهم
أفضل أن تكون مساكنهم أحياء وأموانا أفضل ؛ بل قد علم بالاضطرار
من دينهم أن مساجدهم أفضل من مساكنهم .
وقد يحتج بعضهم بما روي من : (( أن كل مولود يذر عليه من
تراب حفرته)) فيكون قد خلق من تراب قبره . وهذا الاحتجاج
باطل لوجهين .
أحدهما : أن هذا لا يثبت ، وما روي فيه كله ضعيف ، والجنين
فى بطن أمه يعلم قطعا أنه لم يذر عليه تراب ، ولكن آدم نفسه هو
الذي خلق من تراب ، ثم خلقت ذريته من سلالة من ماء مهين .
ومعلوم أن ذلك التراب لا يتميز بعضه لشخص وبعضه لشخص آخر ،
فإنه إذاً استحال وصار بدنا حيا لما نفخ فى آدم الروح فلم يبق ترابا.
وبسط هذا له موضع آخر .
٢٦١

والمقصود هنا : التنبيه على مثل هذه الإجماعات التى يذكرها
بعض الناس ، ويبنون عليها ما يخالف دين المسلمين : الكتاب
والسنة والإجماع .
الوجه الثانى: أنه لو ثبت أن الميت خلق من ذلك التراب ، فمعلوم
أن خلق الإنسان من مني أبويه أقرب من خلقه من التراب ، ومع هذا
فاللّه يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي: يخرج المؤمن من
الكافر ، والكافر من المؤمن، فيخلق من الشخص الكافر مؤمنا نيا
وغير نبى ، كما خلق الخليل من آزر ، وإبراهيم خير البرية هو أفضل
الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وآزر من أهل النار، كما فى
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يلقى إبراهيم أباه
آزر يوم القيامة ، فيقول إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصنى ، فيقول له :
فاليوم لا أعصيك . فيقول إبراهيم : يارب ألم تعدفى أن لا تخزيني.
وأي خزي أخرى من أبى الأبعد ؟! فيقال له : التفت ، فيلتفت ، فإذا
هو بذيخ عظيم ، والذيخ ذكر الضباع ، فيمسخ آزر فى تلك الصورة،
ويؤخذ بقوائمه فيلقى في النار، فلا يعرف أنه أبو إبراهيم(١). وكما خلق
نبينا صلى الله عليه وسلم من أبويه ، وقد نهى عن الاستغفار لأمه ، وفى
الصحيح أن رجلا قال له: أين أبى؟ قال: ((إن أباك فى النار)) فلما
أدبر دعاء فقال: ((إن أبى وأبك فى النار(٢)، وقد أخرج من نوح وهو
(١) الحديث في البخاري مجلد ٦ ص ٣٨٧. (٢) الحديث في صحيح مسلم مجلد ١ ص ١٩١
بلفظ مختلف .
٢٦٢

رسول كريم ابنه الكافر الذي حق عليه القول ، وأغرقه ، ونهى
نوعا عن الشفاعة فيه. والمهاجرون والأنصار مخلوقون من آباتهم
وأمهاتهم الكفار .
فإذا كانت المادة القريبة التى يخلق منها الأنبياء والصالحون لا يجب
أن تكون مساوية لأبدانهم فى الفضيلة ؛ لأن اللّه يخرج الحي من الميت
فأخرج البدن المؤمن من مني كافر ، فالمادة البعيدة وهي التراب أولى
أن لا تساوي أبدان الأنبياء والصالحين ، وهذه الأبدان عبدت الله
وجاهدت فيه، ومستقرها الجنة . وأما المواد التى خلقت منها هذه
الأبدان فما استحال منها وصار هو البدن فحكمه حكم البدن ، وأما
ما فضل منها فذاك بمنزلة أمثاله.
ومن هنا غلط من لم يميز بين ما استحال من المواد فصار بدنا ،
وبين ما لم يستحل ؛ بل بقي ترابا أو ميتا . فتراب القبور إذا قدر أن
الميت خلق من ذلك التراب فاستحال منه وصار بدن الميت : فهو
بدنه ، وفضله معلوم . وأما ما بقي فى القبر فحكمه حكم أمثاله ، بل
تراب كان بلاقى جباههم عند السجود - وهو أقرب ما يكون العبد
من ربه المعبود - أفضل من تراب القبور واللحود . وبسط هذا له
موضع آخر .
٢٦٣

والمقصود هنا: أن مسجد الرسول وغيره من المساجد فضيلتها بكونها
بيوت اللّه التى بنيت لعبادته ، قال تعالى :
( وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَ
وقال تعالى: ( قُلْ أَمَرَرَبِى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ
تَدْعُواْ مَعَ اَللَّهِ أَحَدًا )
وقال تعالى: (مَاكَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ
وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ )
مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ - إلى قوله - (إِنَّمَا يَعْمُرُ
مَسَجِدَ اللّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ
وقال تعالى :
إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ)
(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُأَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ *
◌ِجَالٌ لَّا قُلْهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِاللَّهِ وَ إِقَامِ الصَّلَوةَ وَإِنَاءِ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ يَوْمَا نَتَقَلَّبُ فِيهِ
الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ
بِغَيْرِ حِسَابٍ).
والمساجد الثلاثة لها فضل على ما سواها ، فإنها بناها أنبياء ،
ودعوا الناس إلى السفر إليها . فالخليل دعا إلى المسجد الحرام، وسليمان
دعا إلى بيت المقدس ، ونبينا دعا إلى الثلاثة : إلى مسجده ، والمسجدين ،
ولكن جعل السفر إلى المسجد الحرام فرضا، والآخرين تطوعا ، وإبراهيم
وسليمان لم يوجبا شيئا ، ولا أوجب الخليل الحج ؛ ولهذا لم يكن بنو
إسرائيل يحجون ، ولكن حج موسى ويونس وغيرها ؛ ولهذا لم يكن
٢٦٤

الحمج واجبا فى أول الإسلام ؛ وإنما وجب فى سورة آل عمران بقوله
تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ ) هذا هو الذي اتفق عليه المسلمون:
أنه يفيد إيجابه. وأما قوله: (وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) فقيل : إنه
يفيد إيجابهما ابتداء ، وإتمامهما بعد الشروع. وقيل : إنما يفيد وجوب
إتمامها بعد الشروع ، لا إيجابهما ابتداء . وهذا هو الصحيح ، فإن هذه
الآية نزلت عام الحديبية بإجماع الناس بعد شروع النبى صلى الله عليه
وسلم فى العمرة - عمرة الحديبية - لما صده المشركون، وأبيح فيها
التحلل للمحصر، فحل النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لما صدهم
المشركون ، ورجعوا . والحج والعمرة يجب على الشارع فيها إتمامها
بانفاق الأئمة . وتنازعوا فى الصيام والصلاة والاعتكاف ؟ على قولين
مشهورين . ومذهب الشافعي وأحمد فى المشهور عنه أنه لا يجب
الإتمام ، ومذهب مالك وأبى حنيفه أنه يجب ، كما هو مبسوط فى غير
هذا الموضع .
والمقصود أن مسجد الرسول فضيلة السفر إليه لأجل العبادة فيه ،
والصلاة فيه بألف صلاة ؛ وليس شيء من ذلك لأجل القبر بإجماع
المسلمين . وهذا من الفروق بين مسجد الرسول - صلى الله
عليه وسلم - وغيره ، وبين قبره وغيره . فقد ظهر الفرق
من وجوه .
٢٦٥

وهذا المعترض وأمثاله جعلوا السفر إلى قبور الأنبياء نوعا. ثم لما
رأوا ما ذكره العلماء من استحباب زيارة قبر نبينا ظنوا أن سائر القبور
يسافر إليها كما يسافر إليه . فضلوا من وجوه :
أحدها : أن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده ، وهو مستحب
بالنص والإجماع .
الثانى : أن هذا السفر هو للمسجد في حياة الرسول وبعد دفنه ،
وقبل دخول الحجرة ، وبعد دخول الحجرة فيه. فهو سفر إلى المساجد ،
سواء كان القبر هناك أو لم يكن . فلا يجوز أن يشبه به السفر إلى
قبر مجرد .
الثالث : أن من العلماء من يكره أن يسمى هذا زيارة لقبره .
والذين لم يكرهوه يسلمون لأولئك الحكم؛ وإنما النزاع فى الاسم . وأما
غيره فهو زيارة لقبره بلا نزاع. فللمانع أن يقول : لا أسلم أنه يمكن
أن يسافر إلى زيارة قبره أصلا ، وكل ما سمى زيارة قبر فإنه لا يسافر إليه،
والسفر إلى مسجد نبينا ليس سفراً إلى زيارة قبره ، بل هو سفر
لعبادة فى مسجده .
الرابع : أن هذا السفر مستحب بالنص والإجماع والسفر إلى
قبور سائر الأنبياء والصالحين ليس مستحباً لا بنص ولا إجماع ؛ بل
٢٦٦

هو منهى عنه عند الأئمة الكبار ، كما دل عليه النص .
الخامس : أن المسجد الذي عند قبره مسجده الذي أسس على
التقوى ، وهو أفضل المساجد غير المسجد الحرام ، والصلاة فيه بألف
صلاة ، والمساجد التى على قبور الأنبياء والصالحين نهى عن اتخاذها
مساجد والصلاة فيها ، كما تقدم . فكيف عن السفر إليها .
السادس : أن السفر إلى مسجده - الذي يسمى السفر لزيارة
قبره - هو ما أجمع عليه المسلمون جيلا بعد جيل، وأما السفر إلى
سائر القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ،
بل ولا عن أتباع التابعين ، ولا استحبه أحد من الأئمة الأربعة ، ولا
غيرم . فكيف يقاس هذا بهذا ؟! وما زال المسلمون من عهده وإلى
هذا الوقت يسافرون إلى مسجده؛ إما مع الحج ، وإما بدون الحج .
فعلى عهد الصحابة لم يكونوا يأتونه مع الحج - كما يسافرون إلى
مكة - فإن الطرقات كانت آمنة ، وكان إنشاء السفر إليه أفضل من أن
يجعل تبعاً لسفر الحج . وعمر بن الخطاب قد أمريم أن يفرد للعمرة
سفر وللحج سفر ، وهذا أفضل - باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم -
من التمتع والقرآن ؛ فإن الذين فضلوا التمتع والقران كما فضل أحمد
التمتع لمن لم بسق الهدي والقران لمن ساق الهدي - في المنصوص عنه
وصرح فى غير موضع بأن النبى صلى الله عليه وسلم كان قارناً
٢٦٧

- هو مع ذلك يقول : إن إفراد العمرة بسفر والحج بسفر أفضل
من التمتع والقران ، وكذلك مذهب أبى حنيفة ـ فيما ذكره محمد
ابن الحسن - أن عمرة كوفية أفضل من التمتع والقران . وبسط
هذا له موضع آخر .
والمقصود أن المسلمين مازالوا يسافرون إلى مسجده ولا يسافرون
إلى قبور الأنبياء : كقبر موسى ، وقبر الخليل عليه السلام ، ولم يعرف
عن أحد من الصحابة أنه سافر إلى قبر الخليل مع كثرة مجيئهم إلى الشام
والبيت المقدس . فكيف يجعل السفر إلى مسجد الرسول الذي يسميه
بعض الناس زيارة لقبره مثل السفر إلى قبور الأنبياء ؟!
السابع : أن السفر المشروع إلى مسجده يتضمن أن يفعل فى
مسجده ما كان يفعل فى حياته وحياة خلفائه الراشدين : من الصلاة
والسلام عليه والثناء والدعاء ، كما يفعل ذلك فى سائر المساجد ، وسائر
البقاع ؛ وإن كان مسجده أفضل . فالمشروع فيه عبادة لله مأمور بها،
وأما الذي يفعله من سافر إلى قبر غيره فإنما هو من نوع الشرك ،
كدعائهم وطلب الحوائج منهم، واتخاذ قبورهم مساجد، وأعيادا، وأوثانا.
وهذا محرم بالنص والإجماع .
فإن قلت : فقد يفعل بعض الناس عند قبره مثل هذا .
٢٦٨

قلت لك: أما عند القبر فلا يقدر أحد على ذلك ؛ فإن الله أحاب
دعوته حيث قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)). وأما فى مسجد.
فإنما يفعل ذلك بعض الناس الجمال ، وأما من يعلم شرع الإسلام فإنما
يفعل ما شرع ، وهؤلاء ينهون أولئك بحسب الإمكان فلا
يجتمع الزوار على الضلال ، وأما قبر غيره فالمسافرون إليه كلهم
جهال ضالون مشركون ويصيرون عند نفس القبر؛ ولا أحد هناك
ينكر عليهم.
الوجه الثامن : أن يقال قبره معلوم متواتر ؛ بخلاف قبر غيره .
ومما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى حفظ عامة قبور الأنبياء ببركة
رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتمكن الناس مع ظهور دينه أن
يتخذوا قبور الأنبياء مساجد ، كما أظهر من الإيمان بنبوة الأنبياء وما
جاءوا به : من إعلان ذكرهم، ومحبتهم، وموالاتهم، والتصديق لأقوالهم،
والاتباع لأعمالهم ما لم يكن هذا لأمة أخرى . وهذا هو الذي ينتفع
به من جهة الأنبياء ، وهو تصديقهم فيما أخبروا ، وطاعتهم فيما أمروا ،
والاقتداء بهم فيما فعلوا ، وحب ما كانوا يحبونه ، وبغض ما كانوا
يبغضونه ، وموالاة من يوالونه ، ومعاداة من يعادونه ونحو ذلك مما
لا يحصل إلا بمعرفة أخبارهم. والقرآن والسنة مملوء ان من ذكر الأنبياء.
وهذا أمر ثابت فى القلوب ، مذكور بالألسنة؛ وأما نفس القبر فليس
٢٦٩

فى رؤيته شيء من ذلك ؛ بل أهل الضلال يتخذونها أوثانا ، كما كانت
اليهود والنصارى يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد . فيبركة
رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أظهر الله من ذكرهم ومعرفة
أحوالهم ما يجب الإيمان به ، وتنتفع به العباد . وأبطل ما يضر
الخلق من الشرك بهم واتخاذ قبورهم مساجد ، كما كانوا يتخذونها
فى زمن من قبلنا .
ولم يكن على عهد الصحابة قبر فى ظاهر يزار ؛ لا بسفر ولا بغير
سفر. لا قبر الخليل، ولا غيره. ولما ظهر بتستر ((قبر دانيال))
وكانوا يستسقون به كتب فيه أبو موسى الأشعري إلى عمر بن
الخطاب ؛ فكتب إليه بأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبراً ، ويدفنه
بالليل في واحد منها ، ويعفي القبور كلها لئلا يفتتن به الناس . وهذا
قد ذكره غير واحد. وممن رواه يونس بن بكر فى «زيادات مغازي
ابن إسحق)) عن أبى خلدة خالد بن دينار . حدثنا أبو العالية ، قال :
لما فتحنا ((تستر)) وجدنا فى بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل
ميت ، عند رأسه مصحف له ، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن
الخطاب ، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية ، فأنا أول رجل من العرب
قرأ .: قرأته مثلما أقرأ القرآن هذا . فقلت : لأبى العالية : ما كان
فيه ؟ قال: سيرتكم ، وأموركم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد.
٢٧٠

قلت : فما صنعتم بالرجل ؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة،
فلما كان بالليل دفناه ، وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه.
قلت : وما يرجون فيه ؟ قال : كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا
بسريره فيمطرون . فقلت : من كنتم تظنون الرجل ؟ قال : رجل
يقال له ((دانيال)) فقلت : منذكم وجدتموه مات ؟ قال : منذ ثلاثمائة
سنة . قلت ما كان تغير منه شيء ؟ قال : لا ؛ إلا شعيرات من قفاه؛
إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ، ولا تأكلها السباع.
ولم تدع الصحابة فى الإسلام قبرا ظاهراً من قبور الأنبياء يفتتن به
الناس ؛ ولا يسافرون إليه ولا بدعونه ، ولا يتخذونه مسجداً؛ بل
قبر نبينا صلى الله عليه وسلم حجبوه فى الحجرة ، ومنعوا الناس منه
بحسب الإمكان ، وغيره من القبور عفوه بحسب الإمكان ؛ إن كان
الناس يفتتنون به ، وإن كانوا لا يفتتنون به فلا يضر معرفة قبره ، كما
قال النبي صلى الله عليه وسلم - لما ذكر أن ملك الموت أنى
موسى - عليه السلام - فقال: أجب ربك ، فلطمه موسى ففقاً
عينه! فرجع الملك إلى الله ، فقال: أرسلتنى إلى عبد لك لا يريد الموت،
وقد فقأ عينى ، قال : فرد اللّه عليه عينه، وقال: ارجع إلى موسى
فقل له : الحياة تريد ؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور،
فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بكل شعرة سنة. قال ثم ماذا ؟
٢٧١

قال : الموت قال : فمن الآن يارب ! ولكن أدنى من الأرض المقدسة
رمية بحجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم ((فلو كنت ثم الأريتكم قبره
إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)). وقد مر به صلى الله عليه
وسلم ليلة الإسراء فرآء وهو قائم يصلي فى قبره ، ومع هذا لم يكن
أحد من الصحابة والتابعين يسافر إليه ، ولا ذهبوا إليه لما دخلوا الشام
في زمن أبى بكر وعمر ، كما لم يكونوا يسافرون إلى قبر الخليل ولا
غيره، وهكذا كانوا يفعلون بقبور الأنبياء والصالحين. فقبر («دانيال))
- كما قيل - كانوا يجدون منه رائحة المسك، فعفوه لئلا يفتتن
به الناس .
و ((قبر الخليل)) عليه السلام كان عليه بناء. قيل: إن سليمان
- عليه السلام - بناه فلا يصل أحد إليه ؛ وإنما نقب البناء بعد
زمان طويل ، بعد انقراض القرون الثلاثة . وقد قيل : إنما نقبه
النصارى لما استولوا على ملك البلاد ، ومع هذا فلم يتمكن أحد من
الوصول إلى قبر الخليل - صلوات الله عليه وسلامه - فكان السفر
إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ممتنعا على عهد الصحابة والتابعين ،
وإنما حدث بعدهم . فالأنبياء كثيرون جداً، ، وما يضاف إليهم من القبور
قليل جداً ؛ وليس منها شيء ثابت عرفا. فالقبور المضافة إليهم منها ما يعلم
أنه كذب: مثل («قبر نوح)» الذي فى أسفل جبل لبنان . ومنها مالا
٢٧٢

يعلم ثبوته بالإجماع - إلا قبر نبينا والخليل وموسى - فإن هذا من
كرامة محمد وأمته ؛ فإن الله صان قبور الأنبياء عن أن تكون مساجد
صيانة لم يحصل مثلها فى الأمم المتقدمة؛ لأن محمداً وأمته أظهروا التوحيد
إظهاراً لم يظهره غيرم. فقهروا عباد الأوثان ، وعباد الصلبان ،
وعباد النيران .
وكما أخفى الله بهم الشرك فأظهر الله بمحمد وأمته من الإيمان
بالأنبياء وتعظيمهم وتعظيم ما جاءوا به وإعلان ذكرهم بأحسن الوجوه مالم
يظهر مثله في أمة من الأمم ، وفى القرآن بأمر بذكريم كقوله تعالى :
( وَأَذْكُرْ فِ اَلْكِتَبِ مُوسَىِّإِنَّهُ.
(
(وَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَّهُكَانَ صِدِيقَانِيًّا
كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) الآيات. وقوله: ( أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا
دَأُرَدَذَا الْأَيْدِّإِنَّهُ أَوَّابُ ) وذكر بعده سليمان إلى قوله: (وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ
إِذْنَادَى رَبَّهُ ) إلى قوله: ( وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَّ إَِّهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَعْقُوبَ أُوْلِ اُلْأَيْدِى
وَالْأَبْصَرِ ) إلى قوله (وَأَذَّكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَالْكِفْلِ ) . فأمر
بذكر هؤلاء . وأما موسى وقبله نوح وهود وصالح فقد تقدم ذكرم
فى قوله تعالى : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُواْلَأَوْنَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ
وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ أُوْلَكَ الْأَحْزَابُ * إِن كُلُّ إِلَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ ).
وقد أمر بذكر موسى وغيره أيضاً في سورة
٢٧٣

أخرى كما تقدم .
فالذي أظهره الله بمحمد وأمته من ذكر الأنبياء بأفضل الذكر ،
وأخبارهم ، ومدحهم ، والثناء عليهم ، ووجوب الإيمان بما جاءوا به ،
والحكم بالكفر على من كفر بواحد منهم ، وقتله ، وقتل من سب
أحداً منهم ، ونحو ذلك من تعظيم أقدارهم : مالم يوجد مثله فى ملة
من الملل .
و ((أصل الإيمان)» توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له ،
والإيمان برسله ، كما قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ) قال أبو العالية : خلتان تسأل العباد يوم القيامة عنهما : عما
كانوا يعملون ، وعما أجابوا الرسل . ولهذا يقرر الله هذين الأصلين
فى غير موضع من القرآن ، بل يقدمها على كل ما سواهما ؛ لأنهما
أصل الأصول: مثلما ذكر فى ((سورة البقرة)) فإنه افتتحها بذكر
أصناف الخلق ، وهم ثلاثة : مؤمن ، وكافر ، ومنافق . وهذا التقسيم
كان لما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فإن مكة لم
يكن بها نفاق؛ بل إما مؤمن؛ وإما كافر. و((البقرة)) مدنية من
أوائل ما نزل بالمدينة ، فأنزل الله أربع آيات فى ذكر المؤمنين ،
وآيتين فى ذكر الكافرين ، وبضع عشرة آية فى صفة المنافقين .
وافتتحها بالإيمان بجميع الكتب والأنبياء ، ووسطها بذلك ، وختمها
٢٧٤

بذلك. قال فى أولها : ( الّ* ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ *
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّا أُنزِلَ
*
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَمَا رَزَقْهُمْ يُفِقُونَ
إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْيُوقِنُونَ * أُوْلَّكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِهِمْ وَأُوْلَتِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن
والصحیح فی قوله :
قَبْلِكَ ) انه والذي قبله صفة لموصوف واحد ؛ فإنه لابد من
الإيمان بما أنزل إليه وما أنزل من قبله ، والعطف لتغاير الصفات ،
( هُوَالْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاُلِّهِرُ وَالْبَاطِنُ) وقوله: (الَّذِى
كقوله :
خَلَقَفَسَوَّى »
وَالَّذِى قَدَّرَفَهَدَى
*
وَالَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَى )
وقوله :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ
*
الَّذِينَهُمْ فِ صَلَاتِمْ خَشِعُونَ.
قَدْأَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *
)
مُعْرِضُونَ - إلى قوله - أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ
اَلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ ). ومن قال: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) أراد
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ
به مشركي العرب ، وقوله :
)
قَّلِكَ ) أن المراد به أهل الكتاب : فقد غلط ؛ فإن مشركي
العرب لم يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله ، فلم يكونوا مفلحين.
وأهل الكتاب إن لم يؤمنوا بالغيب ويقيموا الصلاة ومما رزقنام ينفقون
لم يكونوا مفلحين؛ ولهذا قال تعالى: (أُوْلَتِكَ عَلَى هُدَى مِّن رَِّهِمْ وَأُوْلَتَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فدل على أنهم صنف واحد .
٢٧٥

وقال فى وسط السورة: (قُولُوَاْءَامَنَا بِاللَّهِوَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى
إِبْرَهِمَ وَإِسْمِعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ
مِن ◌َّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) فأمر بالإيمان بكل ما
أوتي النبيون من ربهم، وقد قال فى أثنائها : (وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِيْنَ) وختمها بقوله: (ءَامَنَ
الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَمِّكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ،
لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ ).
ثم إنه بعد تقسيم الخلق قرر أصول الدين . فقرر التوحيد أولا ،
ثم النبوة ثانيا بقوله: (يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُمْ وَالَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشَا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ وَأَنْزَّلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوْلِلَّهِأَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
ثم قرر النبوة بقوله : ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّعَّانَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ
مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ
تَفْعَلُواْ ) فأخبر أنهم لا يفعلون ذلك، كما قال: (قُل لَِّ أَجْتَمَعَتِ
اُلْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْبِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ). ثم ذكر الجنة .
فقرر التوحيد، والنبوة، والمعاد . وهذه أصول الإيمان .
٢٧٦

وفى آل عمران قال: (اللَّلَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَىُّالْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَةَ وَاَلْإِنِيلَ * مِن قَبْلُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ).
فذكر التوحيد أولاً ، ثم الإيمان بما جاءت به الرسل ثانياً، وذكر أنه
أنزل الكتاب والفرقان، كما قال: (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ ).
ولفظ ((الفرقان)» يتناول ما يفرق بين الحق والباطل مثل الآيات التى
بعث بها الأنبياء : كالحية، واليد البيضاء، وانفلاق البحر . والقرآن
فرقان بين هذا الوجه : من جهة أنه آية عظيمة لنبوة محمد صلى الله
عليه وسلم وعلم عظيم. وهو أيضا فرقان باعتبار أنه فرق بيانه بين
الحق والباطل، كما قال: (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ) ولهذا فسر
جماعة الفرقان هنا به. ولفظ ((الفرقان)) أيضا يتناول نصر الله لأنبيائه
وعباده المؤمنين وإهلاك اعدائهم ؛ فإنه فرق به بين أوليائه وأعدائه
، وهو أيضا من الأعلام قال تعالى: ( إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِلَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى
عَبْدِ نَايَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ ) .
والآيات التى يجعلها الله دلالة على صدق الأنبياء هي مما ينزله كما قال: (وَقَالُواْ
لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً) وقال: (إِن تَشَأْنُنَزِّلْ
عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَا خَضِعِينَ ) وقال تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ
ظَلَمُوْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ ) . وبسط هذا له موضع آخر .
٢٧٧

والمقصود هنا: التنبيه. وكذلك فى ((سورة يونس)) قال تعالى :
( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَءَامَنُواْ أَنَّلَهُمْ
ثم قال: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
قَدَمَ صِدْقٍ عِندَرَّبِهِمْ )
فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبُِّاُلْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعِ إِلَّ مِنْ بَعْدٍ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ
صِے
رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )
وفى سورة ((الم السجدة)) قال تعالى: (الّ * نَزِيِلُ الْكِتَبِ لَاَرَيْبَ فِيهِ
مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أَمْيَقُولُونَ أَفْتَرَنَُّ بَلْ هُوَالْحَقُّ مِن ◌َّيِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمَا مَّا أَتَنْهُممِّنِنَّذِيرٍ
مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ
أَيَّامٍ ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعُ أَفَلَا نَتَذَكَّرُونَ
وقال: (تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِالْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ
فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصَا لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِالدِّينُ الْخَالِصُّ وَالَّذِينَ أَمَّخَذُواْ مِنْ دُونِهِ، أَوْلِيَآءَ
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِيُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). ومن هذا قوله تعالى: (كِنَبُ
أُخْكِمَتْءَنُهُ ثُمَ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُ وَأِلَّا اللَّهَ إِنَِّلَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)
وقوله: (فَإِلَّْيَسْتَجِيبُواْلَكُمْ فَعْلَمُوْأَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن ◌َّا إِلَهَ إِلَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُم
تُسْلِمُونَ)
وقوله: ( يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنْذِرُواأَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنَافَاتَّقُونِ ) وقوله: ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ
يدوو
تَزْعُمُونَ )
٢٧٨

ثم قال: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) وقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى
كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ أَعْبُدُ واْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّغُوتَ).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فى ركعتى الفجر بسورتي
الإخلاص تارة، وتارة قوله تعالى: (قُولُوَاْءَامَنَا بِلَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ
الآيات. وفى الثانية (قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ
إِلَ إِبْرَهِمَ )
سَوَآَعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا
مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُ واْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ).
وهذا باب واسع؛ لأن الناس مضطرون إلى هذين الأصلين، فلا ينجون من
العذاب ولا يسعدون إلا بهما . فعليهم أن يؤمنوا بالأنبياء وما جاءوا به ،
وأصل ما جاءوا به أن لا يعبدوا إلا الله وحده، كما قال: (وَمَآ أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاْفَاعْبُدُونِ)
وقال تعالى: (وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَ الِهَةَ
يُعْبَدُونَ) وقال تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ
وَاجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ ).
والأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - ثم وسائط بين الله وبين
خلقه فى تبليغ كلامه ، وأمره ، ونهيه ، ووعده ووعيده ، وأنبائه التى
أنبأ بها عن أسمائه وصفاته وملائكته وعرشه وما كان وما يكون ، وليسوا
وسائط فى خلقه لعباده، ولا في رزقهم، وإحيائهم، وإمانتهم ، ولا
٢٧٩

جزائهم بالأعمال ، وثوابهم ، وعقابهم ، ولا فى إجابة دعواتهم وإعطاء
سؤالهم : بل هو وحده خالق كل شيء ، وهو الذي يجيب المضطر
إذا دعاء ، وهو الذي يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى
شأن ( وَمَابِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الْضُّرُ فَإِلَيْهِ تَخْتَرُونَ
(
وقال تعالى: ( وَقَالَ اللهُ لَ نَّخِذُوْإِلَهَيْنِ اثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ فَإِنَ فَأَرْ هَبُونِ *
وَلَهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الّذِينُ وَصِبًا أَفَغَيَّ اللَّهِنَثَّقُونَ) كما قال تعالى: (قُلِ
أُدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ
قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُ مِّندُونِ
عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) وقال تعالى: (
اللَّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَّا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ
وَمَالَهُمِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ).
فبين أن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرم
لا يملكون مثقال ذرة ، ولا لأحد منهم شرك معه ، ولا له ظهير منهم
فلم يبق إلا الشفاعة ( وَلَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّلِمَنْ أَذِينَ لَهُ ) فالأمر
فى الشفاعة إليه وحده، كما قال تعالى: (قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا)
وقال: ( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ). وقوله ( إِلَّا مَن
٢٨٠