Indexed OCR Text

Pages 241-260

وهذا من أظهر الخطأ .
ومنها ظنه أن القول بتحريم السفر لم يقل به أحد من أهل
العلم ؛ بل إنما نقله المجيب إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه، ولا يعتد
بخلافه . وهو نص مالك الصريح في خصوص قبر الرسول ، ومذهب
جمهور أصحابه ، وجمهور السلف والعلماء.
ومنها زعمه أن الذين حكى المجيب قولهم - وم الغزالي وابن
عبدوس وأبو محمد المقدسى - لا يعتد بخلاف من سواهم ، ولا يرجع فى
ذلك لمن عدام ؛ ومثل هذا الكلام لا يقال في أحد من الأئمة الكبار؛
بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ؛ إلا صاحب الشرع ،
فكيف يسوغ أن يقال في مثل هؤلاء ؟!
ومنها أنه لما أراد أن يثبت أن النبى يسمع من القرب ، ويبلغ
الصلاة والسلام من البعد: لم يذكر ما فى ذلك من الأحاديث
الحسان التي في السنن؛ بل إنما اعتمد على حديث موضوع ((من
صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً بلغته)) وهذا إنما
يرويه محمد بن مروان السدي، عن الأعمش . وهو كذاب بالانفاق
وهذا الحديث موضوع على الأعمش بإجماعهم.
ثم قد غير لفظه. ففي النسخة التي رأيتها مصححاً: ((ومن
٢٤١

صلى علي نائياً سمعته)) وإنما لفظه ((بلغته)) وهكذا ذكره القاضي
عياض عن مسند بن أبى شيبة، وهو نقل منه . ومن يحتج بمثل هذا
الحديث الموضوع ويعرض عن أحاديث أهل السنن الحسان فهو من أبعد
الناس عن أهل العلم والعرفان . وإذا كان قد حرف لفظه فهو ظلمات
بعضها فوق بعض، من جنس فعل الملاحدة فى قوله: ((أول ما خلق
الله العقل قال له: أقبل فأقبل)) الحديث فهو كذب موضوع.
ومع هذا فحرفوا لفظه، فقالوا: أوَّلُ بالضم ولفظه ((أوَّلَ
ما خلق)) بالنصب على الظرف، كما روي (( لما خلق)).
ومنها أنه احتج بإجماع السلف والخلف على زيارة قبره ؛ وظن أن
الجواب يتضمن النهي عما أجمع عليه ، وقد صرح في الجواب بأن السفر
إلى مسجده طاعة مجمع عليها ، وكذلك ما تضمنه مما يسمى بزيارة لقبره
من الأمور المستحبة : مثل الصلاة عليه ، والسلام عليه ، والدعاء له
بالوسيلة وغيرها ، والشهادة له ، والثناء عليه بما فضله الله به ، ومحبته ،
وموالاته ، وتعزيره ، وتوقيره ، وغير ذلك مما قد يدخل فى مسمى
الزيارة : فهذا كله مستحب . والمجيب يصرح باستحباب ذلك ، وقد
تنازع العلماء هل يسمى هذا زيارة ؟ وذكر تنازع العلماء فيما تنازعوا
فيه من ذلك ، وإجماعهم على ما أجمعوا عليه . فذكر جواز ما ثبت
بالنص والإجماع من السفر إلى مسجده وزيارة قبره ، وذكر بعض ما
٢٤٢

تتوزع فيه من ذلك . وهذا ظن أن السفر إلى زيارة نبينا كالسفر إلى
غيره من الأنبياء والصالحين ، وهو غلط من وجوه .
أحدها : أن مسجده عند قبره ، والسفر إليه مشروع بالنص
والإجماع ؛ بخلاف غيره .
والثانى : أن زيارته كما يزار غيره ممتعة، وإنما يصل الإنسان إلى
مسجده ، وفيه يفعل ما شرع له .
الثالث: أنه لو كان قبر نبينا يزار كما تزار القبور لكان أهل مدينته
أحق الناس بذلك ، كما أن أهل كل مدينة أحق بزيارة من عندم من
الصالحين ، فلما اتفق السلف وأئمة الدين على أن أهل مدينته لا يزورون
قبره ، بل ولا يقفون عنده للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا . وإن لم
يسمى هذا زيارة بل بكره لهم ذلك عند غير السفر ، كما ذكر ذلك
مالك ، وبين أن ذلك من البدع التى لم يكن صدر هذه الأمة يفعلونه :
علم أن من جعل زيارة قبره مشروعة كزيارة قبر غيره فقد خالف
إجماع المسلمين .
الرابع: أنه قد نهى أن يتخذ قبره عيدا ، وأمر الأمة أن تعلي
عليه وتسلم حيث ما كانت ، وأخبر أن ذلك يبلغه . فلم يكن تخصيص
البقعة بالدعاء له مشروعا ؛ بل يدعى له فى جميع الأماكن ، وعند كل
٢٤٣

أذان ، وفى كل صلاة ، وعند دخول كل مسجد، والخروج منه ،
بخلاف غيره . وهذا لعلو قدره ، وارتفاع درجته . فقد خصه الله من
الفضيلة. بما لم يشركه فيه غيره ؛ لئلا يجعل قبره مثل سائر القبور ؛
بل يفرق بينهما من وجوه متعددة ، ويبين فضله على غيره ، وما من
الله به على أمته .
ومنها أنه قال: لم يلزم من دعواه بأن ذلك مجمع على تحريمه أن
يكون السادة الصحابة مع التابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين للإجماع
خارقين مصرين على تقرير الحرام ، مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم
ما لا يجوز عليه الإقدام ، مجمعين على الضلالة ، سالكين طريق
العماية والجهالة.
وفي هذا الكلام من الجهل بالشريعة ، وما أجمع عليه المسلمون ،
والتسوية بين عبادة الرحمن - التى أجمع عليها أهل الإيمان - وبين
عبادة الأوثان - التى أجمعوا على تحريمها وغير ذلك : مما يبين اشتمال
هذا الكلام على أنواع من مخالفة دين الإسلام ، ولو كان صاحبه ممن
يفهم ما قال ولوازمه لكان مرتدا يجب قتله ؛ لكنه جاهل قد يتكلم بما
لا يتصوره ويتصور لوازمه .
فيقال له ولأمثاله - ممن ظن أن فى الجواب ما يخالف الإجماع -
٢٤٤

الذي أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا قرنا بعد قرن هو السفر إلى
مسجده صلى الله عليه وسلم، والصلاة والسلام عليه فيه ، ونحو ذلك مما
يحبه الله ورسوله من الأعمال المتضمنة لعبادة الله وحده، والقيام بحق رسوله :
من أفضل العبادات لله، كشهادتنا له ، وثنائنا عليه . وصلاتنا وسلامنا
عليه من أفضل ما عبدنا الله به، وهذا ومحوه هو المشروع في مسجده،
سواء سمي زيارة لقبره أو لم يسم .
فإن لفظ الزيارة لقبره واستحباب ذلك لا يعرف عن أحد من
الصحابة ، بل المنقول عن ابن عمر ومن وافقه السلام عليه هناك ،
والصلاة . وهم لا يسمون هذا زيارة لقبره . فكيف بالذين لم يكونوا
يقفون عند القبر بحال ؟! وم جمهور الصحابة .
وأما ما ابتدعه بعض الناس من الشرك والبدع وسمى ذلك «زيارة
لقبره )) فهو من جنس الزيارة البدعية التي تفعل عند قبر غيره ،
ليس هو من الزيارة الشرعية .
وأما ما يدخل فى الأعمال الشرعية فهذا هو المستحب بسنته الثابتة
عنه ، وبإجماع أمته. ثم من أئمة العلم من لا يسمي هذا ((زيارة لقبره))
بل بكره هذه التسمية ؛ فضلا عن أن يقول : إن ذلك سفر إلى قبره.
وقد صرح من قال ذلك مثل مالك وغيره بأن المسافر إلى هناك إذا
٢٤٥

كان مقصوده القبر أنه سفر منهى عنه، داخل فى قوله: ((لا تشد الرحال
إلا إلى ثلاثة مساجد )) وأن السفر الذي هو طاعة وقربة أن يقصد
السفر لأجل الصلاة فى المسجد وأنه لو نذر أن يسافر إلى المدينة لغير
الصلاة في المسجد فإنه ينهى عن الوفاء بنذره ؛ لأنه نذر معصية .
فإذا كان هذا من قولهم معروفا فى الكتب الصغار والكبار ، فكيف
يظن أن السفر لمجرد زيارة القبور هو مجمع عليه بين الأئمة . وطائفة
أخرى من العلماء يسمون هذا زيارة لقبره . ويقولون : تستحب زيارة
قبره ، أو السفر لزيارة قبره ، ومقصودهم بالزيارة هو مقصود الأولين،
وهو السفر إلى مسجده ، وأن يفعل في مسجده ما يشرع من الصلاة
والسلام عليه ، والدعاء له والثناء عليه ، وهذا عندهم يسمى زيارة لقبره
مع اتفاق الجميع على أن أحداً لا يزور قبره الزيارة المعروفة فى سائر
القبور ؟! فإن تلك قبور بارزة يوصل إليها، ويقعد عندها ، أو يقام عندها
ويمكن أن يفعل عندها ما يشرع: كالدعاء للميت، والاستغفار له ، وما ينهى
عنه : كدعائه ، والشرك به ، والنياحة عند قبره ، والندب . فهذا هو
المفهوم من ((زيارة القبور)).
والرسول دفن فى بيته فى حجرته ، ومنع الناس من الدخول إلى
هناك، والوصول إلى قبره ، فلا يقدر أحد أن يزور قبره كما يزور
قبر غيره ؛ لا زيارة شرعية ، ولا بدعية ؛ بل إنما يصل جميع الخلق
٢٤٦

إلى مسجده ، وفيه يفعلون ما يشرع لهم ، أو ما يكره لهم . والسفر إلى
مسجده - لما شرع - سفر طاعة وقربة بالإجماع؛ وهو الذي أجمع
عليه المسلمون .
والمجيب قد ذكر استحباب هذا السفر ، وأنه يستحب بالنص
والإجماع فى مواضع كثيرة ، وقد ذكر ذلك في هذا الجواب ، وبين
ما ثبت بالنص والإجماع من السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية ، وبين
مالم بشرع من السفر إلى زيارة قبر غيره مما فى قبور الأنبياء والصالحين؛
فإن السفر إلى هناك ليس هو سفر إلى مسجد شرع السفر إليه ، بل
المساجد التى هناك إن كانت مما يشرع بناؤه والصلاة فيه - جوامع
المسلمين التى فى الأمصار - فهذه ليس السفر إليها قربة ولا طاعة ؛
لا عند الأئمة الأربعة، ولا عامة أئمة المسلمين . والسفر إليها داخل
في قوله: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) باتفاق الناس. فإن
هذا استثناء مفرغ . والتقدير فيه أحد أمرين :
إما أن يقال: ((لا تشد الرحال)) إلى مسجد ((إلا المساجد
الثلاثة)) فيكون نهياً عنها باللفظ ، ونهياً عن سائر البقاع التى يعتقد
فضيلتها بالتنبيه والفحوى وطريق الأولى ؛ فإن المساجد والعبادة فيها
أحب إلى الله من العبادة فى تلك البقاع بالنص والإجماع، فإذا
كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضولة
٢٤٧

أولى وأحرى .
وكذلك من جعل معنى الحديث : لا يستحب السفر إلا إلى الثلاثة.
إن جعل معناه لا يجب إلا إلى الثلاثة وأراد به الوجوب بالنذر - كما
ذكر ذلك طائفة - فهؤلاء يقولون: ما سوى الثلاثة لا يستحب السفر
إليه ، ولا يجب بالنذر . ومن حمل معنى الحديث على نفي الاستحباب
أو نفي الوجوب بالنذر فقولهما واحد في المعنى ، فإذا لم يجب بالنذر
إلا هذه الثلاثة فقد وجب بالنذر السفر إلى المسجدين ، وليس واجباً
بالشرع . فعلم أن وجوبه لكونه مستحباً بالشرع . فإذا لم يوجب إلا
هذان مما ليس واجباً بالشرع علم أنه ليس مستحباً إلا هذان . وقد بسط
هذا فى موضع آخر .
وإما أن يقال : التقدير لا تسافروا إلى بقعة ومكان غير الثلاثة .
أو يكون المعنى لا يستحب إلى مكان غير الثلاثة ، وهو معنى كل من
قال : لا يجب بالنذر إلى غير الثلاثة . أي لا تسافروا لقصد ذلك المكان
والبقعة بعينه ؛ بحيث يكون المقصود والعبادة فى نفس تلك البقعة ،
كالسفر إلى المساجد الثلاثة ؛ بخلاف السفر إلى الثغور فإن المقصود
السفر إلى مكان الرباط .
و ((الثغر)» قد يكون مكاناً ثم يفتح المسلمون ما جاورم فينتقل
٢٤٨

الثغر إلى حد بلاد المسلمين ؛ ولهذا يكون المكان تارة ثغراً ، ونارة
ليس بثغر ؛ كما يكون تارة دار إسلام وبر ، ونارة دار كفر وفسق ؛
كما كانت مكة دار كفر وحرب ، وكانت المدينة دار إيمان وهجرة ومكاناً
للرباط ، فلما فتحت مكة صارت دار إسلام ، ولم تبق المدينة دار هجرة
ورباط كما كانت قبل فتح مكة ؛ بل قد قال صلى الله عليه وسلم:
((لا هجرة بعد الفتح؛ ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)» وصارت
الثغور أطراف أرض الحجاز المجاورة لأرض الحرب : أرض الشام .
وأرض العراق . ثم لما فتح المسلمون الشام والعراق صارت الثغور
بالشام سواحل البحر ؛ كعسقلان ، وعكة ، وما حاور ذلك . وبالعراق
عبادان ونحوها؛ ولهذا يكثر ذكر ((عسقلان)) و((عبادان)) فى
كلام المتقدمين؛ لكونهما كانا ثغرين، وكانت أيضاً ((طرطوس)) تغرا
لما كانت للمسلمين ، ولما أخذها الكفار صار الثغر ما يجاور أرض العدو
من البلاد الحلبية .
فالمسافر إلى الثغور أو طلب العلم أو التجارة أو زيارة قريبه ليس
مقصوده مكاناً معيناً إلا بالعرض إذا عرف أن مقصوده فيه ، ولو كان
مقصوده في غيره لذهب إليه. فالسفر إلى مثل هذا لم يدخل فى الحديث
باتفاق العلماء ، وإنما دخل فيه من يسافر لمكان معين لفضيلة ذلك بعينه ،
كالذي يسافر إلى المساجد، وآثار الأنبياء : كالطور الذي كلم الله
٢٤٩

عليه موسى ، وغار حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء على الرسول ،
وغار ثور المذكور فى القرآن فى قوله : ( إِذْهُمَا فِى الْغَارِ ) وما هو
دون ذلك من المغارات والجبال: كالسفر إلى جبل لبنان ، ومغارة الدم ،
ونحو ذلك . فإن كثيراً من الناس يسافر إلى مايعتقد فضله من الجبال
والغيران . فإذا كان الطور الذي كلم الله عليه موسى وسماء البقعة
المباركة والوادي المقدس لا يستحب السفر إليه فغير ذلك من الجبال
أولى أن لا يسافر إليه .
وقولي بالإجماع . أعنى به إجماع السلف والأئمة ، فإن الصحابة
كابن عمر وأبى سعيد وأبى بصرة وغيرهم فهموا من قول النبى صلى
اللّه عليه وسلم ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) أن الطور
الذي كلم الله عليه موسى، وسماء (بِلَوَادِالْمُقَدَّسِ) و (الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ)
داخل فى النهي ، ونهوا الناس عن السفر إليه ، ولم يخصوا النهي
بالمساجد . ولهذا لم يوجب أحد ذلك بالنذر ، وما علمت فى هذا نزاعا
قديماً ، ولا رأيت أحدا صرح بخلاف ذلك ؛ إلا ابن حزم الظاهري
فإنه يحرم السفر إلى مسجد غير الثلاثة إذا نذره كقول الجمهور ، وإذا
نذر السفر إلى أثر من آثار الأنبياء أوجب الوفاء به ؛ لأنه لا يقول
بفحوى الخطاب وتنبيهه ، وهذا هو إحدى الروايتين عن داود ، فلا
يجعل قوله: ( فَلاَتَقُل لَُّمَا أُفِي ) دليلا على النهي عن السب والشتم
٢٥٠

والضرب ، ولا نهيه عن أن يبال فى الماء الدائم ثم يغتسل فيه نهيا
عن صب البول ثم الاغتسال فيه ، وجمهور العلماء يرون أن مثل هذا
من نقص العقل والفهم، وأنه من ((باب السفسطة)) فى جحد مراد
المتكلم ، كما هو مبسوط في موضع آخر .
وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكة يصعدون إليه للتعبد فيه،
ويقال : إن عبد المطلب سن لهم ذلك ، وكان النبى صلى الله عليه
وسلم قبل النبوة يتحنث فيه ، وفيه نزل عليه الوحي أولا ؛ لكن من
حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك ، ولا قربه ؛ لا هو ولا
أصحابه ، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد
إليه ، وكذلك المؤمنون معه بمكة. وبعد الهجرة أتى مكة مراراً فى عمرة
الحديبية ، وعام الفتح ، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً ، وفى عمرة
الجعرانة ، ولم يأت غار حراء ، ولا زاره . فإذا كان هذا الغار لا يسافر
إليه ولا يزار فغيره من المغارات كمغارة الدم ونحوها أولى أن لا تزار .
فإن العبادات بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كالصلاة
والذكر والدعاء مشروعة فى كل مكان جعلت الأرض كلها له ولأمته
مسجداً وطهوراً )).
والأماكن المفضلة هي المساجد ، وهي أحب البقاع إلى الله ؛ كما
ثبت ذلك فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها الاعتكاف ،
٢٥١

فلا يكون الاعتكاف إلا فى المساجد باتفاق العلماء ، كما قال تعالى :
لا يكون الاعتكاف لا
(وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ )
بخلوة ولا غير خلوة ؛ لا فى غار ولا عند قبر ، ولا غير ذلك مما
يقصد الضالون السفر إليه والعكوف عنده، كمكوف المشركين على
وقال
أوثانهم. قال الخليل: (مَاهَذِهِالتَّمَاثِلُ الَّ أَنْتُمْلَهَا عَلَكِّفُونَ)
تعالى: (وَجَوَزْ نَابِبَنِىّ إِسْرَّاءِيلَ الْبَحْرَ فَأَنَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعَّكُفُونَ عَلَىّ أَصْنَامِ لَّهُمْ قَالُواْ
يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَالَهُمْءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرُمَّاهُمْ فِيهِ
وَطِلُ مَّا كَانُوايَعْمَلُونَ ).
وبسط هذا له موضع آخر .
وقد صح عن سعيد بن المسيب أنه قال : من نذر أن يعتكف
فى مسجد إيليا فاعتكف فى مسجد النى صلى الله عليه وسلم بالمدينة
أجزأ عنه ، ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف فى المسجد
الحرام أجزا عنه، ومن نذر أن يتكف على رؤوس الجبال فإنه لا
ينبغي له ذلك ، ليعتكف فى مسجد جماعة . وهذا الذي نهى عنه سعيد
متفق عليه عند عامة العلماء ، وإن قدر أن الرجل لا يسمي ذلك
اعتكافا، فمن فعل ما يفعل المعتكف فى المسجد فهو معتكف فى غير
المسجد ، وذلك منهى عنه بالاتفاق . وبسط هذا له موضع آخر .
والمقصود هنا: أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة من قبر ، وأثر
٢٥٢

نى ، ومسجد وغير ذلك : ليس بواجب ولا مستحب بالنص والإجماع،
والسفر إلى مسجد نبينا مستحب بالنص والإجماع ، وهو مراد العلماء
الذين قالوا : تستحب زيارة قبره بالإجماع . فهذا هو الذي أجمع عليه
الصحابة والتابعون ومن بعدهم من المجتهدين . ولله الحمد . والمجيب قد
ذكر استحباب هذا بالنص والإجماع، فكلام المجيب يبين أنه متبع
للصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين ، وأنهم منزهون عن
تقرير الحرام ، أو غرق الإجماع ، منزهون أن يجمعوا على ضلالة ، أو
يسلكوا طريق العماية والجهالة .
وهذا المعترض وأشباهه من الجهال سووا بين هذا السفر الذي
ثبت استحبابه بنص الرسول وإجماع أمته ، وبين السفر الذي ثبت
أنه ليس مستحباً بنص الرسول وإجماع أمته . وقاسوا هذا بهذا ،
والمجيب إنما ذكر القولين فى النوع الثاني : في الذي لا يسافر إلا لقصد
زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، وذكر أن الذي يسافر إلى مسجد
الرسول وزيارته الشرعية يستحب السفر إليه بالنص والإجماع . فحكوا
عن المجيب أنه ينهى عن زيارة قبر الرسول والسفر إليه ، ويحرم ذلك،
ويحرم قصر الصلاة فيه ، بحيث جعلوه ينهى عما يفعله الحجاج من السفر
إلى مسجده ، وأن من سافر إلى هناك لا يقصر الصلاة . وهذا كله
افتراء وبهتان .
٢٥٣

وذلك أنه لا حجة لهم على السفر إلى سائر قبور الأنبياء إلا السفر
إلى نبينا . فلما كان السفر إلى ذلك المكان مشروعا فى الجملة قاسوا عليه
السفر إلى سائر القبور ، فضلوا، وأضلوا ، وخالفوا كتاب الله وسنة
رسوله وإجماع المسلمين . وضلوا من وجوه كثيرة .
منها : أنه ليس فى الأرض قبر نبي معلوم بالتواتر والإجماع إلا
قبر نبينا ، وما سواه ففيه نزاع .
ومنها : أن الذين استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا مرادم السفر
إلى مسجده ، وهذا مشروع بالإجماع ، ولو قصد المسافر إليه فهو إنما
يصل إلى المسجد ، والمسجد منتهى سفره ؛ لا يصل إلى القبر ؛ بخلاف
غيره فإنه يصل إلى القبر ؛ إلا أن يكون متوغلا فى الجهل والضلال .
فيظن أن مسجده إنما شرع السفر إليه لأجل القبر ، وأنه لذلك كانت
الصلاة فيه بألف صلاة ، وأنه لولا القبر لم يكن له فضيلة على غيره ،
أو يظن أن المسجد بي أو جعل تبعا للقبر، كما تبنى المساجد على قبور
الأنبياء والصالحين ، ويظن أن الصلاة فى المسجد تبع ، والمقصود هو
القبر ، كما يظن المسافرون إلى قبور الأنبياء والصالحين غير قبر نبينا .
وكما أن الذي يذهب إلى الجمعة يصلي إذا دخل تحية المسجد ركعتين ؛
ولكن هو إنما جاء لأجل الجمعة ، لا لأجل ركعتى التحية . فمن ظن هذا
فى مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم فهو من أضل الناس وأجهلهم بدين
٢٥٤

الإسلام ، وأجهلهم بأحوال الرسول وأصحابه ، وسيرته ، وأقواله
وأفعاله . وهذا محتاج إلى أن يتعلم ما جهله من دين الإسلام حتى
يدخل في الإسلام ، ولا يأخذ بعض الإسلام ويترك بعضه ؛ فإن مسجده
أسس على التقوى في السنة الأولى من الهجرة ، وهو أفضل مسجد
على وجه الأرض إلا المسجد الحرام . وقيل : هو أفضل مطلقا .
فهل يقول عاقل إن مساجد المسلمين - مساجد الجوامع التى
يعلى فيها الجمعة وغيرها - فضيلتها واستحباب قصدها للصلاة فيها لأجل
قبر عندها . فإذا لم يجز أن يقال هذا فى مثل هذه المساجد فكيف
يقال فيما هو خير منها كلها وأفضل .
و((المسجد)) الحرام أفضل المساجد مطلقاً عند الجمهور، والصلاة
فيه بمائة ألف صلاة ، كما فى المسند والسنن . فهل يقول عاقل : إن
فضيلته لقبر هناك .
و ((المسجد الأقصى)) أفضل المساجد بعد المسجد النبوي، وببيت
المقدس من قبور الأنبياء مالا يحصيه إلا الله . فهل يقول عاقل إن
فضيلته لأجل القبور ؟! نعم ! هذا اعتقاد النصارى: يعتقدون أن فضيلة
بيت المقدس لأجل ((الكنيسة)) التى يقال إنها بنيت على قبر المصلوب،
ويفضلونها على بيت المقدس . وهؤلاء من أضل الناس وأجهلهم ،
٢٥٥

وهذا يضاهي ما كان المشركون عليه فى المسجد الحرام لما كانت فيه
الأوثان ، وكانوا يقصدونه لأجل تلك الأوثان التى فيه ، لم يكونوا
يصلون فيه؛ بل كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَآءُ
وَنَصْدِيَةً) لكن كانوا يعظمون نفس البيت ، ويطوفون به ، كما كانوا
يحجون كل عام ، مع ما كانوا غيروه من شريعة إبراهيم ، حتى بعث
الله محمداً بالهدى ودين الحق، وأمره باتباع ملة إبراهيم ، فأظهرها ،
ودعا إليها ، وأقام الحج على ما شرعه الله لإبراهيم ، ونفى الشرك عن
البيت ، وأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ
عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِّ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِهُمْ خَلِدُونَ * إِنَّمَا
يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ
يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَىَ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) .
فبين أن عمار المساجدم الذين لا يخشون إلا الله، ومن لم يخش
إلا اللّه فلا يرجو ويتوكل إلا عليه، فإن الرجاء والخوف متلازمان.
والذين يحجون إلى القبور يدعون أهلها، ويتضرعون لهم ، ويعبدونهم،
ويخشون غير الله ، ويرجون غير الله ، كالمشركين الذين يخشون
آلهتهم ويرجونها ؛ ولهذا لما قالوا لهود عليه السلام: (إِن نَّقُولُ إِلَّا
أُعْتَرَنكَ بَعْضُءَ الِهَتِنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوْ اْ أَنِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن
٢٥٦

دُونِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّلَا نُظِرُونِ * إِنِّى تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُمْمَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّهُوَ
ج
ءَاخِذٌ بِنَاصِيَنْهَإِنَّ رَبِى عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
ولما حاجوا إبراهيم عليه السلام قال لهم: (أَتُحُكَّجُوْنِّ فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ
وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِ: إِلََّ أَن يَشَآءَ رَبِىِ شَيْئاً وَسِعَ رَبِى كُلّ شَىْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ
تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَ كْتُمْ بِاللَّهِ
مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنَّا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بَآلْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )
ولما خوفوا محمدا - عليه الصلاة والسلام - بمن دون الله قال الله
تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ وَيُحَوِفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَالَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَالَهُ مِن مُضِلٍ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِعَزِيزِ ذِى أَنْتِقَامٍ * وَلَيْنِ
سَأَلْتَهُمِ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُمِ مَاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ
أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍٍِّ أَوْأَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُرَ مُمْسِكَتُرَحْمَتِهِ،
قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكُونَ )
وقال تعالى: (قُلِ آَدْ عُواْ شُرَّكََّكُمْ تُمَّكِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ * إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ
اُلْكِتَبِّ وَهُوَيَتَوَلَى الصَّلِينَ ).
٢٥٧

فصل
و ((المسجد الأقصى)) صلت فيه الأنبياء من عهد الخليل ، كما فى
الصحيحين عن أبى ذر قال: قلت يا رسول الله! أي مسجد وضع
أولا؟ قال: ((المسجد الحرام)) قلت: ثم أي؟ قال: ((المسجد
الأقصى)) قلت: كم بينها ؟ قال: ((أربعون سنة، ثم حيث ما أدركتك
الصلاة فصل فإنه مسجد)) وصلى فيه من أولياء الله ما لا يحصيه إلا
الله، وسليمان بناء هذا البناء ، وسأل ربه ثلاثا : سأله ملكا لا ينبغى
لأحد من بعده ، وسأله حكما يوافق حكمه ، وسأله أنه لا يؤم هذا
المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا غفر له .
ولهذا كان ابن عمر يأتى من الحجاز، فيدخل ، فيصلي فيه ،
ثم يخرج ولا يشرب فيه ماء ، لتصيبه دعوة سليمان. وكان الصحابة ثم
التابعون يأتون ، ولا يقصدون شيئاً مما حوله من البقاع ، ولا
يسافرون إلى قرية الخليل ، ولا غيرها .
وكذلك ((مسجد نفينا)) بناه أفضل الأنبياء ، ومعه المهاجرون
٢٥٨

والأنصار ، وهو أول مسجد أذن فيه فى الإسلام، وفيه كان الرسول
يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وفيه كان
يأمرهم بما يأمرهم به من المغازي، وغير المغازي. وفيه سنت السنة،
والإسلام منه خرج، وكانت الصلاة فيه بألف ، والسفر إليه مشروعا
في حياة النبى صلى الله عليه وسلم، وليس عنده قبر ؛ لا قبره ولا
قبر غيره ، ثم لما دفن الرسول دفن فى حجرته وبيته ، لم بدفن
فى المسجد .
والفرق بين البيت والمسجد مما يعرفه كل مسلم ؛ فإن المسجد
يعتكف فيه والبيت لا يعتكف فيه ، وكان إذا اعتكف يخرج من بيته
إلى المسجد، ولا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، والمسجد لا يمكث
فيه جنب ولا حائض، وبيته كانت عائشة تمكث فيه وهي حائض، وكذلك
كل بيت مرسوم تمكث فيه المرأة وهي حائض، وكانت تصيبه فيه
الجنابة فيمكث فيه جنباً حتى يغتسل ، وفيه ثيابه، وطعامه، وسكنه،
وراحته ؛ كما جعل الله البيوت.
وقد ذكر الله ((بيوت النسى)) في كتابه ، وأضافها نارة
إلى الرسول ، وتارة إلى أزواجه ؛ وليس لتلك البيوت حرمة المسجد
وفضيلته ، وفضيلة الصلاة فيه، ولا تشد الرحال إليها ، ولا الصلاة في
شىء منها بألف صلاة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم فى حال
٢٥٩

حياته كان هو وأصحابه أفضل ممن جاء بعدهم ، وعبادتهم أفضل من
عبادة من جاء بعدهم ، وهم لما ماتوالم تكن قبورهم أفضل من بيوتهم
التى كانوا يسكنونها فى حال الحياة ، ولا أبدانهم بعد الموت أكثر
عبادة اللّه وطاعة مما كانت فى حال الحياة.
والله تعالى قد أخبر أنه جعل الأرض كفانا، أحياء وأمواتا.
تكفت الناس أحياء على ظهرها ، وأمواتا في بطنها ، وليس كفتهم
أموانا بأفضل من كفتهم أحياء ؛ ولهذا تستحب زيارة أهل البقيع وأحد
وغيرهم من المؤمنين . فيدعى لهم ، ويستغفر لهم ، ولا يستحب أن
تقصد قبورهم لما تقصد له المساجد من الصلاة ، والاعتكاف، ونحو ذلك
وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((أحب البقاع إلى الله المساجد)، فليس فى البقاع أفضل منها، وليست
مساكن الأنبياء لا أحياء ولا أمواتا بأفضل من المساجد . هذا هو
الثابت بنص الرسول وسي﴿ ، واتفاق علماء أمته .
وما ذكره بعضهم من أن قبور الأنبياء والصالحين أفضل من
المساجد ، وأن الدعاء عندها أفضل من الدعاء فى المساجد ، حتى فى
المسجد الحرام والمسجد النبوي . فقول يعلم بطلانه بالاضطرار من دين
الرسول ، ويعلم إجماع علماء الأمة على بطلانه إجماعا ضروريا، كإجماعهم
على أن الاعتكاف في المساجد أفضل منه عند القبور . والمقصود
٢٦٠