Indexed OCR Text
Pages 221-240
وبهذا يظهر ضعف حجة أبى محمد المقدسي ؛ لأن زيارة النبى صلى الله عليه وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل ، والسفر إليه لا يجب بالنذر. وقوله فى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال)) إنه محمول على نفي الاستحباب عنه جوابان . أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات . فإذاً من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع ، وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرما بإجماع المسلمين ، فصار التحريم من هذه الجهة. ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز ، وليس من هذا الباب . الوجه الثانى : أن هذا الحديث يقتضى النهي، والنهي يقتضى التحريم . وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث ، بل هي موضوعة. لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها ، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين ثم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل : زرت قبر النبي صلى الله عليه ٢٢١ وسلم ، ولو كان هذا اللفظ معروفا عندم أو مشروعا أو مأثوراً عن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة . والإمام أحمد أعلم الناس فى زمانه بالسنة: لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه فى ذلك من الأحاديث إلا حديث أبى هريرة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)). وعلى هذا اعتمد أبو داود فى سننه. وكذلك مالك في ((الموطأ)) روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال : السلام عليك يارسول الله ! السلام عليك يا أبابكر! السلام عليك يا أبت ! ثم ينصرف . وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى)» وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن الحسن ابن الحسين رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لاتتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي حيث ماكنتم ؛ فإن صلاتكم تبلغني)) ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى مرض موته: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما فعلوا . قالت عائشة : ولو لا ذلك لأبرز قبره ؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدا ، وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما ٢٢٢ اعتادوه من الدفن فى الصحراء؛ لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدا، فيتخذ قبره وثنا . وكان الصحابة والتابعون لما كانت ((الحجرة النبوية)) منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك لا يدخل عنده أحد ، لا لصلاة هناك ، ولا لتمسح بالقبر ، ولا دعاء هناك ، بل هذا جميعه إنما يفعلونه فى المسجد ، وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبى صلى الله عليه وسلم وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة لم يستقبلوا القبر . وأما وقوف المسلم عليه . فقال أبو حنيفة : يستقبل القبلة أيضا ، لا يستقبل القبر . وقال أكثر الأئمة : بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة . ولم يقل أحد من الأئمة يستقبل القبر عند الدعاء - أي الدعاء الذي يقصده لنفسه - إلا فى حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها . واتفق الأمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله . وهذا كله محافظة على التوحيد . فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد ، كما قال طائفة (وَقَالُواْ لَنَذَرُنَّءَ الِهَتَّكُوَلَا من السلف فى قوله تعالى : نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَ سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) قالوا : هؤلاء كانوا قوما صالحين ٢٢٣ في قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ، ثم طال عليهم الأمد فعبدوم . وقد ذكر بعض هذا المعنى البخاري فى صحيحه، كما ذكر قول ابن عباس: إن هذه الأوثان مارت إلى العرب وذكره ابن جرير الطبري وغيره فى التفسير عن غير واحد من السلف. وذكره غيره فى ((قصص الأنبياء)) من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على هذه المسائل فى غير هذا الموضع. وأول من وضع هذه الأحاديث فى السفر لزيارة المشاهد التى على القبور ثم أهل البدع - من الرافضة وغيرهم - الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد: التى يشرك فيها، ويكذب فيها ، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطاناً، فإن الكتاب والسنة إنما فيه ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ( قُلْ أَمَرَ رَبِ بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ وقال : (وَأَنَّ الْمَسَجِدَ كُلّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) وقال ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِأَحَدًا) وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ) وقال تعالى : ( وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ ) وقال تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, وَسَعَى فِى خَرَابِهَآ) وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ٢٢٤ فإني أنها كم عن ذلك)). والله تعالى أعلم . فهذه ألفاظ المجيب. فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن الجواب ، وما ادعوا أنه باطل : هل م صادقون مصيبون فى هذا؟ أو هذا؟ أو م بالعكس ؟ والمجيب أجاب بهذا من بضع عشرة سنة: بحسب حال هذا السائل واسترشاده، ولم يبسط القول فيها، ولا سمى كل من قال بهذا القول ، ومن قال بهذا القول ، بحسب ما تيسر فى هذا الوقت . وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة فى مذهب مالك والشافعي وأحمد ، وفى شروح الحديث ، وغير ذلك . والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة - وإن كان قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - هو قول مالك وجمهور أصحابه ، وكذلك أكثر أصحاب أحمد . الحديث عندم معناه بتحريم السفر إلى غير الثلاثة . لكن منهم من يقول : قبر نبينا لم يدخل فى العموم . ثم لهذا القول مأخذان. أحدهما: أن السفر إليه سفر إلى مسجده . وهذا المأخذ هو الصحيح . وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه . والمأخذ الثانى : أن نبينا لا بشبه بغيره من المؤمنين ، كما قال ٢٢٥ طائفة من أصحاب أحمد : أنه يحلف به وإن كان الحلف بالمخلوقات منهياً عنه، وهو رواية عن أحمد . ومن أصحابه من قال فى المسألتين: حكم سائر الأنبياء كمكمه : قاله بعضهم فى الحلف بهم ، وقاله بعضهم فى زيارة قبورم . وكذلك أبو محمد الجوينى ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضى تحريم السفر إلى غير الثلاثة . وآخرون من أصحاب الشافعى ومالك وأحمد قالوا : المراد بالحديث نفي الفضيلة والاستحباب ، ونفي الوجوب بالنذر ؛ لا نفي الجواز . وهذا قول الشيخ أبى حامد ، وأبى علي ، وأبى المعالي، والغزالي ، وغيرهم . وهو قول ابن عبد البر ، وأبي محمد المقدسي ، ومن وافقها من أصحاب مالك وأحمد . فهذان هما القولان الموجودان فى كتب المسلمين . ذكرهما المجيب ، ولم يعرف أحدا معروفا من العلماء المسمين في الكتب قال : إنه يستحب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين . ولو على أن في المسألة قولا ثالثا لحكاه ؛ لكنه لم يعرف ذلك ، وإلى الآن لم يعرف أن أحداً قال ذلك ، ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعا فى الجواب ؛ فإنه من المعلوم أن مسجد النبى صلى الله عليه وسلم يستحب السفر إليه بالنص والإجماع. فالمسافر إلى قبره لا بد إن كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى ٢٢٦ مسجده ، فلا يدخل ذلك فى جواب المسألة ؛ فإن الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد زيارة قبورهم ، والعالم بالشريعة لا يقع فى هذا ، فإنه يعلم أن الرسول قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه ، وهو يسافر إلى مسجده . فكيف لا يقصد السفر إليه فكل من على ما يفعله باختياره فلا بد أن يقصده ، وإنما ينتفى القصد مع الجهل . إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحب لكونه مسجده لا لأجل القبر ، وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده. فأما مع العلم بالأمرين فلابد أن يقصد السفر إلى مسجده . ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس لسائر القبور من وجوه متعددة ، كما قد بسط فى مواضع . وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو المعتاد لهم من السفر إلى زيارة قبر من يعظمونه . يسافرون إليه ليدعوه . ويدعوا عنده، ويدخلوا إلى قبره. ويقعدوا عنده، ويكون عليه أو عنده مسجد بنى لأجل القبر ، فيصلون فى ذلك المسجد تعظيما لصاحب القبر، وهذا مما لعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أهل الكتاب على فعله. ونهى أمته عن فعله، فقال فى مرض موته: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، وهو في الصحيحين من غير وجه ، وقال قبل أن يموت بخمس: (( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم ٢٢٧ عن ذلك )) رواه مسلم . فمن لم يفرق بين ماهو مشروع فى زيارة القبور وما هو منهي عنه لم يعرف دين الإسلام في هذا الباب . والمقصود التنبيه على مافي هذا المصنف الذي صنفه هذا المعترض على الجواب المذكور ، وبيان مافيه من الجهل والافتراء . فمنها أنه قال في الجواب : إنه ظهر لي من صريح ذلك الكلام وفحواه ومقصده إلي ومغزاه: وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها . فيقال : معلوم لكل من رأى الجواب أنه ليس فيه تحريم لزيارة القبور ؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم ؛ إذا لم يكن بسفر ؛ ولا فيه دعوى الإجماع على تحريم السفر ؛ بل قد صرح بالخلاف فى ذلك. فكيف يحكى عنه أنه يقول : إن نفس زيارة القبور مطلقاً معصية محرمة مجمع عليها ، فهذا افتراء ظاهر على الجواب ؛ ثم إنه تناقض في ذلك ، فحكى بعد هذا عن المجيب أنه حكى الخلاف في جواز السفر . ثم قال في آخر كلامه : إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام ، وأنه يناقض فى ذلك ، وهو الذي يناقض فى هذه الحكاية . وأما المجيب ٢٢٨ فحكى قولهم فى جواز السفر، وأنهم اتفقوا على أنه ليس بقرية ولا طاعة . فمن اعتقد ذلك فقد خالف الإجماع ، وإذا فعله لاعتقاده أنه طاعة كان محرماً بالإجماع ، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة . هذا لفظ الجواب . ومعلوم فى كل عمل تنازع المسلمون فيه هل هو محرم أو مباح ليس بقربة أن من جعله قربة فقد خالف الإجماع ، وإذا فعله متقرباً به كان ذلك حراماً بالإجماع ، كما لو تقرب بلعب النرد والشطرنج . وبيع الدرم بالدرهمين ، وإتيان النساء فى الحشوش ، واستماع الغناء والمعازف ، ونحو ذلك مما للناس فيه قولان التحريم والإباحة لم يقل أحد إنها قربة . فالذي يجعله عبادة يتقرب به كما يتقرب بالعبادات قد فعل محرماً بالإجماع . وهذا يشبه التقرب بالملاهي والمعازف ؛ فإن جمهور المسلمين على أنها محرمة ، وبعضهم أباحها ، ولم يقل أحد إنها قربة . فقائل ذلك مخالف للإجماع ؛ وإنما يقول ذلك زنديق : مثل ماحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن ابن الراوندي أنه قال : اختلف الفقهاء فى الغناء هل هو حرام أو حلال وأنا أقول إنه واجب. ومعلوم أن هذا ليس من أقوال علماء المسلمين . ٠ والذين يتقربون بسماع القصائد والتغبير ونحو ذلك م مخطئون عند عامة الأئمة ؛ مع أنه ليس فى هؤلاء من يقول : إن الغناء قربة ٢٢٩ مطلقا ، ولكن يقوله فى صورة مخصوصة لبعض أهل الدين الذين يحركون قلوبهم بهذا السماع إلى الطاعات ، فيحركون به وجد المحبة والترغيب في الطاعات ، ووجد الحزن والخوف والترهيب من المخالفات . فهذا هو الذي يقول فيه طائفة من الناس إنه قربة ، مع أن الجمهور على أنهم مخطئون لو جعل هذا قربة ؛ لكونه بدعة ليست واجبة ولا مستحبة ، ولاشتماله على مفاسد راجحة على ما ظنوه من المصالح، كما فى الخمر والميسر ؛ فإنه وإن كان فيها منافع للناس فإنمها أكبر من نفعهما . والشريعة تأمر بالمصالح الخالصة والراجحة ، كالإيمان والجهاد ؛ فإن الإِيمان مصلحة محضة ، والجهاد وإن كان فيه قتل النفوس فمصلحته راجحة، وفتنة الكفر أعظم فساداً من القتل، كما قال تعالى: ( وَالْفِتْنَةُ أَكْبرُ مِنَ الْقَتْلِ ) ونهى عن المفاسد الخالصة والراجحة ، كما نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وعن الإثم ، والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله مالا تعلمون . وهذه الأمور لا يبيحها قط فى حال من الأحوال ، ولا فى شرعة من الشرائع . وتحريم الدم والميتة ولحم الخنزير والمر وغير ذلك مما مفسدته راجحة . وهذا الضرب تبيحه عند الضرورة ؛ لأن مفسدة فوات النفس أعظم من مفسدة الاغتذاء به . والفقهاء إنما تنازعوا فى الخمر هل تشرب للعطش ؛ لتنازعهم فى ٢٣٠ كونها تذهب العطش ، والناهي قال : لا تزيد الشارب إلا عطشاً ، فلا يحصل به بقاء المهجة . والمبيح يقول بل قد ترطب رطوبة تبقى معها المهجة ، وحينئذ فأي المأخذين كان هو الواقع كان قول صاحبه أصوب . وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود أن ما اختلف فيه العلماء هل هو حرام أو مباح كان من جعله قربة مخالفاً لإجماعهم ، كما إذا اختلف الصحابة على قولين . فمن أُحدث قولا ثالثاً فقد خالف إجماعهم ؛ ولهذا لم يكن فى المسلمين من يقول: إن استماع الغناء قربة مطلقاً، وإن قال إن سماع القول الذي شرط له المكان والإمكان والإخوان - وهو ترغيب في الطاعات وترهيب من المخالفات - قربة ، فلا يقول قط إن كل من سمع الملاهي فهو متقرب، كما يقول القائل: إن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين قربة ، وإنه إذا نذر السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه يفي بهذا النذر ، فإن هذا القول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين ، وإن أطلقوا القول بأن السفر إلى زيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم ، قربة ، أو قالوا هو قربة مجمع عليها : فهذا حق إذا عرف مرادم بذلك ، كما ذكر ذلك القاضي عياض، وابن بطال وغيرهما : فمرادم السفر المشروع إلى مسجده ، وما يفعل فيه من العبادة المشروعة التى تسمى زيارة لقبره ، ومالك وغيره يكرهون أن تسمى زيارة لقبره . فهذا الإجماع ٢٣١ على هذا المعنى صحيح لا ريب فيه . ولكن ليس هذا إجماعا على ما صرحوا بالنهي عنه ، أو بأنه ليس بقربة ولا طاعة . والسفر لغير المساجد الثلاثة قد صرح مالك وغيره : كالقاضي إسماعيل ، والقاضي عياض ، وغيرهما : أنه منهي عنه ؛ لا يفعله لا ناذر ولا متطوع ، وصرحوا بأن السفر إلى المدينة وإلى بيت المقدس لغير الصلاة فى المسجدين هو من السفر المنهى عنه ليس له أن يفعله ، وإن نذره ، سواء سافر لزيارة أي نى من الأنبياء، أو قبر من قبورهم، أو قبور غيرم ، أو مسجد غير الثلاثة : فهذا كله عندم من السفر المنهى عنه؛ فكيف يقولون : إنه قربة ؛ ولكن الإجماع على تحريم اتخاذ. قربة لا يناقض النزاع فى الفعل المجرد . وهذا الإجماع المحكى عن السلف والأئمة لا يقدح فيه خلاف بعض المتأخرين إن وجد ؛ ولكن إن وجد أن أحدا من الصلحاء المعروفين من السلف قال : إنه يستحب السفر لمجرد زيارة القبور ، أو لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين كان هذا قادحا فى هذا الإجماع ، ويكون فى المسألة ثلاثة أقوال : ولكن الذي يحكى الإجماع لم يطلع على هذا القول ، كما يوجد ذلك كثيراً لكثير من العلماء ، ومع هذا فهذا القول يرد إلى الكتاب والسنة ، لا يجوز إلزام الناس به بلا حجة ؛ فإن هذا خلاف إجماع المسلمين . ٢٣٢ ـصـل ومنها ظنه أن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس الزيارة المعهودة فى قبر غيره ، حتى يحتج عليها بزيارة البقيع ، وشهداء أحد ، وزيارة قبر أمه . ومنها أنه جعل من حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور مجاهراً بالعداوة للأنبياء ، مظهرا لهم العناد . ومعلوم أن هذا قول أكثر المتقدمين : كمالك وأكثر أصحابه ، والجوينى أبى محمد ، وغيره من أصحاب الشافعى ، وأكثر متقدمى أصحاب أحمد . فيلزمه أن يكون إمامه مالك وغيره من أئمة الدين مجاهرين للأنبياء بالعداوة ، معاندين لهم. وهذا لو قاله فيما أخطأوا فيه لاستحق العقوبة البليغة ؛ فكيف إذا قاله فيما اتبعوا فيه الرسول ، واتبعوا فيه سنته الصحيحة ، فرموا ما حرم . فقد جعل المطيع لله ورسوله الذي رضى الله ورسوله وأنبياؤه عمله مجاهراً لهم بالعداوة، معانداً لهم. فكفر من حكم الله ورسوله بإيمانه . ومثل هذا يبين له الصواب ، وأن هذا القول هو الذي جاء به ٢٣٣ الرسول ، وكان عليه السابقون الأولون من الأمة وأئمتها ، وعليه دل الكتاب والسنة ، فإذا تبين له أن هذا هو الذي جاء به الرسول ثم أصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل . وكذلك إذا تبين أن هذا القول ليس بكفر ، بل هو مما اتفق المسلمون على أنه قول سائخ ، وقائله مجتهد مأجور على اجتهاد. ، سواء أصاب أو أخطأ ، فإذا أصر على تكفير من تبين بالكتاب والسنة والإجماع أنه لا يكفر ، وتبين له أنه يكفر : فأصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، كمن جعل اعتقاد أن المسيح عبد الله معاداة للمسيح ، أو اعتقد أن من قال : لا تحلف بالأنبياء فقد عادام وكفر ؛ فإن مثل هذا يستتاب . ومنها أن هذه المسألة قد نص عليها مالك إمامه وجمهور أصحابه ، وهو في كتبهم الكبار والصغار ، وهو لم يعرف ما قالوا، بل يكفر ويلعن ويشتم من قال بنفس القول الذي قالوه ، فيلزمه تكفيرهم ، وسبهم ، واستحلال دمائهم . ومنها أنه قال : ورد فى زيارة قبره أحاديث صحيحة ، وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح ؛ لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام ٢٣٤ الشرعية . وهذا كلام من لا يعرف ما روي في هذا الباب . ولا ما قال فيه علماء المسلمين ؛ بل هو بمنزلة الرافضي الذي يقول : قد روى فى النص على علي أنه الإمام بعد رسول الله أحاديث صحيحة وأخر دونها . ومعلوم أن الأحاديث التى فيها ذكر زيارة قبره لم يخرج شيئا منها أهل الصحيح ، ولا السنن المعتمد عليها : كسنن أبى داود ، والترمذي ؛ ولا المسانيد التى هي من هذا الجنس: كمسند أحمد . ولا استدل بشيء منها إمام ؛ وهو مع ذلك لم يذكر منها حديثا واحداً فضلا عن أن يعزوه إلى كتاب . وقوله : إن مالم يبلغ درجة الصحيح منها يجوز الاستدلال بها . إنما يكون إذا كانت حسنة عند من قسم الحديث إلى ثلاثة أنواع ، وهذا موقوف على العلم بحسنها ، وأئمة الحديث لم يحكموا بذلك، وهو وأمثاله لا يعرفون ذلك . فالقول بذلك من أعظم القول بلا علم في الدين ، والجرأة على سنة رسول رب العالمين : بأن يدخل فيها ما ليس منها بالجهل والضلال . فكيف إذا كان جميع ما روي فى هذا الباب مما ضعفه أهل المعرفة بالحديث ؛ بل حكموا بأنه كذب موضوع ، كما قد بسط الكلام على ما روي فى هذا الباب فى غير هذا الكتاب . ومنها أنه لم يفرق بين «الزيارة الشرعية» التى كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعلها ، ومقصودها الدعاء للميت ؛ كالصلاة على جنازته، ٢٣٥ وبين ما ابتدعه الضالون من الإشراك بالميت ، والحج إلى قبره ، ودعائه من دون الله، ومقصوده بزيارته والسفر إليه أنه يدعوه من دون الله ؛ لا أنه يدعو له . وهذه الزيارة لم يفعلها الرسول ، ولا أذن فيها قط ؛ فكيف بالسفر إليها ؟! وهو من جنس الحج إلى الطواغيت . ومنها أنه جعل زيارة الميت كزيارته حيا، واستدل بحديث («الذي زار أخا له فى الحياة)) على أنه يستحب زيارة الميت ، وهذه التسوية والقياس ما عرفت عن أحد من علماء المسلمين ؛ فإنه من المعلوم أن الصحابة الذين سافروا إلى الرسول فساعدوه، وسمعوا كلامه ، وخاطبوه وسألوه فأجابهم ، وعلمهم، وأدبهم ، وحملهم رسائل إلى قومهم، وأمرهم بالتبليغ عنه : لا يكون مثلهم أحد بالأعمال الفاضلة : كالجهاد ، والحج . فكيف يكون بمجرد رؤية ظاهر حجرته مثلهم ؟ ! أو تقاس هذه الزيارة بهذه الزيارة ؟ ! فقد ثبت بالسنة واتفاق الأمة أن كل ما يفعل من الأعمال الصالحة فى المسجد عند حجرته من صلاة عليه ، وسلام، وثناء ، وإكرام . وذكر محاسن ، وفضائل : ممكن فعله في سائر الأماكن ، ويكون لصاحبه من الأجر ما يستحقه، كما قال: ((لا تتخذوا بيتى عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم )). ولو كان للأعمال عند القبر فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجرة ؛ فلما منعوا من الوصول إلى القبر . ٢٣٦ وأمروا بالعبادة فى المسجد : على أن فضيلة العمل فيه لكونه فى مسجده، كما أن صلاة فى مسجده بألف صلاة فيما سواء، ولم يأمر قط بأن يقصد بعمل صالح أن يفعل عند قبره صلى الله عليه وسلم . ومنها افتراؤه على المجيب فى مواضع متعددة افتراء ظاهرا ، وسبب افترائه عليه أنه ذكر قول علماء المسلمين ، ورجح ما قاله مالك وغيره من السلف، لكون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة توافقهم ، وهذا يستلزم معاداة الله ورسوله؛ إذ كان من عادى سنته وشريعته ودينه فقد عاداه، ومن عادى شخصا لأجل ذلك فإنما عادى الرسول ومخل فى الحقيقة وإن لم يقصد ذلك. فكيف يجوز الكذب والافتراء مرة بعد مرة؟! وهو كذب ظاهر . ولو كان المجيب مخطئًا لما جاز ذلك ؛ فإن الكذب والافتراء حرام مطلقا . والله أوجب الصدق والعدل لكل أحد على كل أحد فى كل حال . فكيف إذا كان ماذكره المجيب من الأقوال هي أقوال المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم، والمعترض القادح فيهم وفيما قالوه الشاتم المكفر لمن آمن بالرسول وأطاعه واتبعه على نفس ماهو متابعة للرسول وإيمان به : قوله هذا المتضمن عداوة الرسول ، وعداوة ما جاء به ، وعداوة من اتبعه ، وإن لم يكن عالما بما تضمنه قوله . فقوله مع عدم العلم من جنس أقوال المحادين لله ولرسوله ، الموالين لأهل ٢٣٧ الإفك والشرك ، المضاهين للنصارى وأمثالهم ، مع أنهم لا يعلمون أن قولهم يتضمن ذلك ؛ لقلة العلم ، وسوء الفهم ، والبعد عن أهلية الاجتهاد ، والاستدلال بالأدلة الشرعية ، ومعرفة ما قاله أئمة الدين . بل م فى مثل هذه المسألة العظيمة يتكلمون بأنواع من الكلام صاحبها إلى الاستتابة والتعزير والتعليم والتفهيم أحوج منه إلى الرد عليه والمناظرة له ، كما يوجد فى جمال أهل البدع من الرافضة والخوارج وغيرهم من يسارع إلى تكفير من اتبع الرسول من السلف ؛ لقلة علمه ، وسوء فهمه لما جاء به الرسول. فهم مبتدعون بدعة بجهلهم ، ويكفرون من خالفهم . وأهل السنة والعلم والإيمان يعرفون الحق ، ويتبعون سنة الرسول ، ويرحمون الخلق ، ويعدلون فيهم ، ويعذرون من اجتهد فى معرفة الحق فعجز عن معرفته ؛ وإنما يذمون من ذمه الله ورسوله ، وهو المفرط فى طلب الحق لتركه الواجب ، والمعتدي المتبح لهواه بلا علم ، لفعله المحرم . فيذمون من ترك الواجب ، أو فعل المحرم : ولا يعاقبونه إلا بعد إقامة الحجة عليه ، كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّاً لاسيما فى مسائل تنازع فيها العلماء ، مُعَذِّبِينَ حَتَّى ◌َبْعَثَ رَسُولًا ) وخفي العلم فيها على أكثر الناس ، ومن كان لا يتكلم بطريقة أهل ٢٣٨ العلم بل جازف فى القول بلا علم . فصاحب هذا الكلام لا يصلح للمناظرة ؛ إلا كما يناظر جهال العوام المبتدعين ، المضاهين للمشركين والنصارى ، فإنهم يجعلون من قال الحق فى المخلوق سابا له شاتماً ، وهم يسبون اللّه ويشتمونه ويؤذونه، ولا يخافون من سب الخالق وشتمه والشرك به ما يخافونه من قول الحق فى حق المخلوق، كما قال الخليل لهم: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَ كْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَىُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْ لَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ * ◌ِآلْأَمْنِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وكما قال تعالى عن المشركين: (وَإِذَارَءَالَكَ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّهُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُءَالِهَتَّكُمْ وَهُم بِذِكْرِالرَّحْمَنِ هُمْ كَفِرُونَ) فلا يغضبون من ذكر الرحمن بالباطل كما يغضبون من ذكر آلهتهم بالحق . وقال تعالى: (يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلََّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْهُ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُإِلَهُ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ،وَلَدٌ لَّهُ مَا فِى اُلسَمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ). وقد ذكر أهل التفسير: (( أن النصارى - نصارى نجران - ٠ ٢٣٩ لما قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد! لم تذكر صاحبنا؟ قال : ومن صاحبكم ؟ قالوا : عيسى ، قال : وأي شيء أقول له ؟ هو عبدالله. قالوا : بل هو الله ، فقال : إنه ليس بعار عليه أن يكون عبداً لله. فقالوا : بلى! فأنزل الله هذه الآية)) وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أحد أصبر على أذى يسمعه من اللّه؛ يجعلون له ولداً وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم)) وفى الصحيحين أيضاً أنه قال: (( يقول الله : شتمنى ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبنى ابن آدم وما ينبغي له ذلك. فأما شتمه إياي فقوله إنى اتخذت ولداً، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد . ولم يكن لي كفواً أحد. وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته )) وكان معاذ بن جبل يقول عن النصارى : لا ترحموم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر . فهؤلاء ينتقصون الخالق وبأنفون أن يذكر المخلوق بما يستحقه ويجعلون ذلك تنقيصاً له ، وإنما هو إعطاؤه حقه، وخفض له عن درجة الإلهية التى لا يستحقها إلا اللّه ، وهذه حال من أشبههم من ء بعض الوجوه . ومنها ظنه أن كل ما كان قربة جاز التوسل إليه بكل وسيلة ، ٢٤٠