Indexed OCR Text

Pages 201-220

أجمعين - بين لا يدفع. ومكشوف لا يتقنع. بل أوضح من
التيرين ، وأظهر من فرق الصبح لذي عينين. والعمدة في هذه المسألة :
الحديث المتفق على صحته . ومنشأ الخلاف بين العلماء من احتمالي صيغته .
وذلك : أن صيغة قوله صلى الله عليه وسلم ((لا تشد الرحال))
ذات وجهين، نفى ونهى. لاحتمالهما . فإن لحظ معنى النفي فمقتضاء:
نفى فضيلة واستحباب شد الرحال ، وإعمال المطي إلى غير المساجد
الثلاثة؛ إذ لو فرض وقوعها لامتنع رفعهما . فتعين توجه النفي إلى
فضيلتها واستحبابهما دون ذاتهما ، وهذا عام فى كل ما يعتقد أن إعمال
الملي وشد الرحال إليه قربة وفضيلة : من المساجد ، وزيارة قبور
الصالحين ، وما جرى هذا المجرى ، بل أعم من ذلك . وإثبات ذلك
بدليل ضرورة إثبات ذلك المنفى المقدر فى صدر الجملة لما بعد ((إلا)).
وإلا لما افترق الحكم بين ما قبلها وما بعدها ، وهو مفترق حينئذ :
لا يلزم من نفى الفضيلة والاستحباب نفي الإباحة . فهذا وجه متمسك
من قال بإباحة هذا السفر ، بالنظر إلى أن هذه الصيغة نفي ، وبني على
ذلك جواز القصر .
وإن كان النهي ملحوظا . فالمعنى نهيه عن إعمال المطي وشد
الرحال إلى غير المساجد الثلاثة ؛ إذ المقرر عند عامة الأصوليين أن
النهي عن الشيء قاض بتحريمه أو كراهته ، على حسب مقتضى الأدلة .
٢٠١

فهذا وجه متمسك من قال بعدم جواز القصر فى هذا السفر ، لكونه
منهياً عنه . وممن قال بحرمته : الشيخ الإمام أبو محمد الجوينى من
الشافعية، والشيخ أبو الوفاء ابن عقيل من الحنابلة ، وهو الذي أشار
القاضي عياض من المالكية إلى اختياره .
وما جاء من الأحاديث فى استحباب زيارة القبور ، فمحمول على مالم
يكن فيه شد رحل وإعمال مطي ، جمعاً بينها .
ويحتمل أن يقال: لا يصلح أن يكون غير حديث ((لا نشد
الرحال ، معارضاً له، لعدم مساواته إياه في الدرجة . لكونه من أعلى
أقسام الصحيح . والله أعلم .
وقد بلغنى أنه رزئ وضيق على المجيب . وهذا أمر يحار فيه
اللبيب ويتعجب منه الأريب ؛ ويقع به في شك مريب .
فإن جوابه فى هذه المسألة قاض بذكر خلاف العلماء . وليس حاكما
بالغض من الصالحين والأنبياء . فإن الأخذ بمقتضى كلامه ، صلوات الله
وسلامه عليه فى الحديث المتفق على صحة رفعه إليه : هو الغاية
القصوى ، فى تتبع أوامره ونواهيه، والعدول عن ذلك محذور ، وذلك
مما لا مرية فيه.
وإذا كان كذلك فأي حرج على من سئل عن مسألة فذكر فيها
٢٠٢

خلاف الفقهاء ، ومال فيها إلى بعض أقوال العلماء ؟ فإن الأمر لم يزل
كذلك على مر العصور ، وتعاقب الدهور .
وهل ذلك محمول من القادح إلا على امتطاء نضو الهوى المفضى
بصاحبه إلى التوى ، فإن من يقتبس من فوائده ، ويلتقط من فرائده،
الحقيق بالتعظيم ، وخليق بالتكريم ممن له الفهم السليم، والذهن المستقيم.
وهل حكم المظاهر عليه في الظاهر ، إلا كما قيل فى المثل السائر ، الشعير
يؤكل ويذم . وقول الشاعر :
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر
وحسن فعل كما يجزى سمار
غيره :
وحديث ألذه ، وهو مما
ينعت الناعتون يوزن وزناً
منطق رائع . ويلحن أحيا
نا . وخير الحديث ما كان لحنا
( وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَىّ
وقال الله تعالى :
أَلَّا تَعْدِ لُواْ أَعْدِ لُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
٢٠٣

وقال تعالى: ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ وَلَانَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْقَوْلًا
سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزًا
وقال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُ
عَظِيمًا )
عَزِيزٌ ) .
ولولا خشية الملالة ، لما نكبت عن الإطالة .
نسأل الله الكريم ، أن يسلك بنا وبكم سبيل الهداية ، وأن
يجنبنا وإياكم مسلك الغواية . إنه على كل شيء قدير. وبالإجابة جدير.
وحسبنا الله ونعم الوكيل ونعم النصير .
والحمد لله رب العالمين ، وصلوات الله وسلامه على سيد المرسلين،
محمد النبى وآله الطاهرين ، وأصحابه الكرام المنتخبين .
هذا جواب الشيخ الإمام العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود
ابن عبد السلام بن البتى الحنبلي رحمه الله تعالى .
قال المؤلف : ومن خطه نقلت .
٢٠٤

جواب آخر
لبعض علماء أهل الشام المالكية
الحمد لله، وهو حسبى.
السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمشروع . وأما من سافر
إلى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم ليصلي فيه، ويسلم على النبى
صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي الله عنهما، فمشروع، كما
ذكر باتفاق العلماء .
وأما لو قصد إعمال المطى لزيارته صلى الله عليه وسلم، ولم
يقصد الصلاة ، فهذا السفر إذا ذكر رجل فيه خلافاً للعلماء : وأن منهم
من قال ، إنه منهى عنه : ومنهم من قال: إنه مباح . وأنه على القولين
ليس بطاعة ، ولا قربة - فمن جعله طاعة وقربة على مقتضى هذين
القولين كان حراما بالإجماع - وذكر حجة كل قول منها، أو رجح أحد
القولين ، لم يلزمه ما يلزم من تنقص ، إذ لا تنقص ولا إزراء بالنبى
صلى الله عليه وسلم .
٢٠٥

وقد قال مالك رحمه الله ، لسائل سأله : أنه نذر أن بأتى قبر
النبى صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إن كان أراد مسجد النبي صلى
الله عليه وسلم فليأته، وليصل فيه . وإن كان أراد القبر فلا يفعل .
للحديث الذي جاء (( لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد)) والله أعلم.
كتبه أبو عمرو بن أبى الوليد المالكي .
كذلك بقول عبد الله بن أبى الوليد المالكي.
قال المؤلف رحمه الله : نقلت هذه الأجوبة كلها من خط
المفتين بها .
قال : ووقفت على كتاب ورد مع أجوبة أهل بغداد ، وصورته :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ناصر الملة الإسلامية ، ومعز الشريعة المحمدية ، بدوام
أيام الدولة المباركة السلطانية . المالكية، الناصرية؛ ألبسها الله تعالى
لباس العز المقرون بالدوام ، وحلاها بحلية النصر المستمر بمرور الليالي
والأيام ، والصلاة والسلام على النبي المبعوث إلى جميع الأنام ؛ صلى الله
عليه وعلى آله البررة الكرام .
٢٠٦

اللهم إن بابك لم يزل مفتوحاً للسائلين ، ورفدك ما برح مبذولا
للوافدين ، من عودته مسألتك وحدك ، لم يسأل أحداً سواك ، ومن
منحته منائح رفدك، لم يفد على غيرك، ولم يحتم إلا بجمالك. أنت
الرب العظيم الكريم الأ كرم، قصد باب غيرك على عبادك محرم. أنت الذي
لا إله غيرك ، ولا معبود سواك، عز جارك وجل ثناؤك ، وتقدست
أسماؤك، وعظم بلاؤك، ولا إله غيرك . ولم نزل سنتك فى خلقك
جارية بامتحان أوليائك وأحبابك، نفضلا منك عليهم ، وإحساناً من
لدنك إليهم . ليزدادوا لك في جميع الحالات ذكراً ولإنعامك فى جميع
التقلبات شكراً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، (وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ).
اللهم وأنت العالم الذي لا تعلم، وأنت الكريم الذي لا تبخل ،
قد علمت يا عالم السر والعلانية، أن قلوبنا لم تزل ترفع إخلاص
الدعاء صادقة ، وألسنتنا فى حالتى السر والعلانية ناطقة. أن تسعفنا
بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة السلطانية الناصرية . بمزيد العلا
والرفعة والتمكين ، وأن تحقق آمالنا فيها بإعلاء الكلمة فى ذلك، برفع
قواعد دعائم الدين ، وقمع مكايد الملحدين . لأنها الدولة التى برئت
من غشيان الجنف والحيف ، وسلمت من طغيان القلم والسيف.
والذي ينطوي عليه ضمائر المسلمين، ويشتمل عليه سرائر المؤمنين :
٢٠٧

أن السلطان الملك الناصر للدين ، ممن قال فيه رب العالمين ، وإله
السموات والأرضين : الذي بتمكينه في أرضه حصل التمكين الملوك
الأرض، وعظماء السلاطين ، فى كتابه العزيز الذي يتلى ، فمن شاء
فليتدبرِ: ( الَّذِينَ إِن مَّكَتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْالزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْعَنِ الْمُنكَرِ) وهو ممن مكنه الله تعالى فى الأرض
تمكينا ، يقينا لاظناً، وهو ممن يعنى بقوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ
مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّهُمْ دِينَهُمُ الَّذِ أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُ ونَنِى لَا يُشْرِكُنَ
بِ شَيْئًا ) .
والذي عهده المسلمون، وتعوده المؤمنون، من المراحم الكريمة
والعواطف الرحيمة : إكرام أهل الدين ، وإعظام علماء المسلمين.
والذي حمل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة -
وإن كانت لم تزل مرفوعة إلى الله سبحانه بالنية الصحيحة - قوله صلى
الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة ، قيل: لمن يا رسول الله ؟ قال:
لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم)) وقوله صلى الله عليه
وسلم ((إنما الأعمال بالنيات)) فهذان الحديثان مشهوران بالصحة ،
ومستفيضان في الأمة .
٢٠٨

ثم إن هذا الشيخ المعظم الجليل ، والإمام المكرم النبيل : أوحد
الدهر، وفريد العصر ؛ طراز المملكة الملكية، وعلم الدولة السلطانية
لو أقسم مقسم بالله العظيم القدير : أن هذا الإمام الكبير ، ليس
له فى عصره مماثل ولا نظير لكانت يمينه برة غنية عن التكفير ، وقد
خلت من وجود مثله السبع الأقاليم ، إلا هذا الإقليم، يوافق على ذلك
كل منصف جبل على الطبع السليم . ولست بالثناء عليه أطريه ، بل لو
أطنب مطنب فى مدحه والثناء عليه لما أتى على بعض الفضائل التى هي
فيه : أحمد بن تيمية ، درة بقيمة يتنافس فيها ، تشترى ولا تباع ، ليس
فى خزائن الملوك درة تماثلها وتؤاخيها ، انقطعت عن وجود مثله الأطماع .
لقد أصم الأسماع ، وأوهى قوى المتبوعين والأتباع: سماع رفع أبى
العباس - أحمد بن تيمية - إلى القلاع .
وليس يقع من مثله أمر ينقم منه عليه، إلا أنه يكون أمراً قد
لبس عليه، ونسب إلى ما ينسب مثله إليه . والتطويل على الحضرة
العالية ، لا يليق ، إن يكن فى الدنيا قطب فهو القطب على التحقيق ،
قد نصب اللّه السلطان أعلى الله شأنه في هذا الزمان منصب يوسف
الصديق، صلى الله على نبينا وعليه، لما صرف الله وجوه أهل البلاد
إليه ، حين أمحلت البلاد، واحتاج أهلها إلى القوت المدخر لديه. والحاجة
بالناس والآن إلى قوت الأرواح ، المشار فى ذلك الزمان إليها ، لاخفاء
٢٠٩

أنها للعلوم الشريفة ، والمعانى اللطيفة .
وقد كانت فى بلاد المملكة السلطانية - حرسها الله تعالى - تكال
إلينا جزافا بغير أثمان ، منحة عظيمة من اللّه للسلطان ، ونعمة جسيمة
إذ خص بلاد مملكته وإقليم دولته بما لا يوجد فى غيرها من
الأقاليم والبلدان ، وكان قد وفد الوافدون من سائر الأمصار ، إلى
تلك الديار ؛ فوجدوا صاحب صواع الملك قد رفع إلى القلاع ، ومثل
هذه الميرة لا توجد في غير تلك البلاد لتشترى أو تباع، فصادف
ذلك جدب الأرض ونواحيها ، جدباً أعطب أهاليها ، حتى صاروا من
شدة حاجتهم إلى الأقوات ، كالأموات ، والذى عرض للملك بالتضييق
على صاحب صواعه ، مع شدة الحاجة إلى غذاء الأرواح ، لعله لم يتحقق
عنده أن هذا الإمام من أكابر الأولياء وأعيان أهل الصلاح ، وهذه
نزغة من نزغات الشيطان ، قال الله سبحانه :
( وَقُل ◌ِعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّالشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بِنْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ
عَدُوَّا مُبِينًا ) .
وأما إزراء بعض العلماء عليه فى فتواه ، وجوابه من مسألة شد
الرحال إلى القبور . فقد حمل جواب علماء هذه البلاد ، إلى نظرائهم
من العلماء ، وقرنائهم من الفضلاء ، وكلهم أفتى : أن الصواب فى الذى
به أجاب .
٢١٠

والظاهر بين الأنام ، أن إكرام هذا الإمام ، ومعاملته بالتبجيل
والاحترام ، فيه قوام الملك ، ونظام الدولة ، وإعزاز الملة ؛ واستجلاب
الدعاء ، وكبت الأعداء ، وإذلال أهل البدع والأهواء ؛ وإحياء الأمة
وكشف الغمة، ووفور الأجر، وعلو الذكر ، ورفع البأس ، ونفع
الناس، ولسان حال المسلمين تال قول الكبير المتعال: ( فَلَمَّا
دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُوْ يَتَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَاوَأَهْلَنَالثُّرُ وَحِثْنَا بِبِضَعَةٍ مُرْجَةٍ فَأَوْفِ لَنَا اُلْكَيْلَ
وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاْ إِنَّاللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ ).
والبضاعة المزجاة : هي هذه الأوراق ، المرقومة بالأفلام ، والميرة
المطلوبة : هي الإفراج عن شيخ الإسلام ، والذى حمل على هذا الإقدام
قوله عليه السلام: ((الدين النصيحة)) والسلام.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الكرام، وسلم تسليما. هذا
آخر هذا الكتاب .
قال المؤلف: ووقفت على ((كتاب آخر)) من بغداد أيضا. صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد النى
٢١١

وآله وصحبه أجمعين .
اللهم فكما أيدت ملوك الإسلام وولاة الأمور بالقوة والأبد
وشيدت لهم ذكراً ، وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخراً، وللمكسور
العائذ بأكتاف بابهم جبرا، فاشدد اللهم منهم بحسن معونتك لهم أزراً.
وأعل لهم جداً وارفع قدراً ، وزدم عزاً وزودم على أعدائك نصراً،
وامنحهم توفيقا مسددا ، وتمكينا مستمراً .
وبعد فإنه لما قرع أسماع أهل البلاد المشرقية ، والنواحى العراقية.
التضييق على شيخ الإسلام، تقى الدين أبى العباس ((أحمد بن تيمية))
سلمه الله ، عظم ذلك على المسلمين ، وشق على ذوى الدين ، وارتفعت
رءوس الملحدين ، وطابت نفوس أهل الأهواء والمبتدعين ، ولما رأى
علماء أهل هذه الناحية ، عظم هذه النازلة ، من شماتة أهل البدع وأهل
الأهواء ، بأ كابر الأفاضل وأئمة العلماء: أنهوا حال هذا الأمر الفظيع
والأمر الشفيع، إلى الحضرة الشريفة السلطانية ، زادها الله شرفا ،
وكتبوا أجوبتهم فى تصويب ما أجاب به الشيخ. سلمه الله في فتاواه ،
وذكروا من علمه، وفضائله بعض ما هو فيه، وحملوا ذلك إلى بين
يدي مولانا ملك الأمراء. أعز الله أنصاره وضاعف اقتداءه ، غيرة
منهم على هذا الدين ، ونصيحة للإسلام وأمراء المؤمنين .
٢١٢

والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم ، لأنها ممنوحة بالهداية إلى
الصراط المستقيم .
وأفضل الصلاة وأشرف التسليم ، على النبي الأمي صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، وسلم تسليما .
٢١٣

وقال شيخ الإسلام قدس اللّه روج:
فصل
مختصر فى التنبيه على ما فى هذا المصنف (١) من الجهل والكذب مع
أنه فى غاية الاختصار. وقبل ذلك نذكر ((لفظ الجواب)) ليتبين ما في
معارضته من الخطأ والصواب، ولفظ الجواب بعد لفظ السؤال . والسؤال
سؤال مسترشد : يسأل عن السفر إلى قبور الأنبياء ، وما جاء
فى ذلك من الأقوال المختلفة، والأحاديث المتعارضة . وقد سمع
الاختلاف في ذلك، والأحاديث المتعارضة، ولم يعرف صحيحها من
ضعيفها . فقال :
ما تقول السادة العلماء: فى رجل نوى ((زيارة قبور الأنبياء
والصالحين، مثل نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره : فهل يجوز له فى
(١) وهو ما اعترض به الاخنائى على الشيخ من كلامه على حديث ((لاتشد الرحال)) وكان
الشيخ رحمه الله قد أجابه بجواب مبسوط نحو عشرين كراسة، وعلى ابن الزملكانى
بنحو ستين كراسة .
٢١٤

سفره أن يقصر الصلاة ؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا ؟ وقد روي
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من حج ولم يزرني فقد
جفانی )، و « من زارنى بعد موتي فكأنما زارنى في حياتى )» وروي
عنه أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام،
والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا )).
ولفظ الجواب : الحمد لله . أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء
والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة ؟ على قولين معروفين .
أحدهما - وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في
سفر المعصية ، ويقولون: إن هذا سفر معصية ؛ كأبى عبد الله بن بطة ،
وأبى الوفاء بن عقيل. وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين - أنه
لا يجوز القصر في مثل هذا السفر ؛ لأنه سفر منهي عنه . ومذهب
مالك والشافعي وأحمد أن السفر المنهي عنه فى الشريعة لا تقصر
فيه الصلاة .
والقول الثانى : أنه تقصر الصلاة فيه . وهذا بقوله من يجوز
القصر فى السفر المحرم ، كأبى حنيفة . ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب
الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين ،
كأبى حامد الغزالي، وأبي محمد المقدسي ، وأبى الحسن بن عبدوس
٢١٥

الحرانى . وهؤلاء يقولون : إن هذا السفر ليس بمحرم ؛ لعموم قوله :
((فزوروا القبور)).
وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر
النبى صلى الله عليه وسلم كقوله: ((من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى
في حياتي)» رواه الدار قطنى .
وأما ما ذكره بعض الناس من قوله: (( من حج ولم يزرنى فقد
جفانى)) فهذا لم يروه أحد من العلماء. وهو مثل قوله: ((من زارنى
وزار أبى في عام واحد ضمنت له على اللّه الجنة)) فإن هذا أيضاً باطل
باتفاق العلماء، ولم يروه أحد، ولم يحتج به أحد؛ وإنما يحتج بعضهم
بحديث الدار قطنى - وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ذلك - ولكن
هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في ((كتب الفقه والحديث)) لا محتجا
ولا معتضدا به وإن ذكره بعض المتأخرين فقد رواه أبو أحمد بن
عدي فى ((كتاب الضعفاء)) ليبين ضعف روايته. فذكره بحديث النعمان
ابن شبل الباهلي المصري ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من حج ولم يزرنى
فقد جفانى)) قال ابن عدي: لم يروه عن مالك غير هذا. بعنى وقد
على أنه ليس من حديث مالك ، فعلم أن الآفة من جهته . قال يونس
ابن هارون : كان النعمان هذا متهما . وقال أبو حاتم بن حبان : يأتى
٢١٦

عن الثقات بالطامات . وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث
فى الموضوعات . ورواه من طريق أبى حاتم بن حبان : حدثنا أحمد بن
عبيد، حدثنا محمد بن النعمان . حدثنا جدي ، عن مالك. ثم قال :
أبو الفرج: قال أبو حاتم: النعمان يأتى عن الثقات بالطامات . وقال
الدار قطنى الطعن في هذا الحديث من محمد بن محمد ؛ لا من نعمان .
وأما الحديث الآخر: (( من زارنى وزار أبى في عام واحد ضمنت
له على الله الجنة)) فهذا ليس فى شىء من الكتب لا بإسناد موضوع،
ولا غير موضوع. وقد قيل: إن هذا لم يسمع فى الإسلام حتى فتح
المسلمون بيت المقدس فى زمن صلاح الدين ؛ فلهذا لم يذكر أحد من
العلماء لا هذا ولا هذا ، لا على سبيل الاعتضادولا على سبيل الاعتماد ؛
بخلاف الحديث الذي قد تقدم فإنه قد ذكره جماعة ، ورووه ، وهو
معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضري صاحب عاصم - عن
ليث بن أبى سليم ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( من حج فزارنى بعد موتى كان کمن زارنى
في حياتى )».
وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن فى حديث حفص هذا
دون قراءته. قال البيهقي فى ((شعب الإيمان)) . روى حفص بن أبى
داود - وهو ضعيف - عن ليث بن أبى سليم ، عن مجاهد ، عن
٢١٧

ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حج
فزارنى بعد موتى كان كمن زارنى فى حياتى)). قال يحيى بن معين عن
حفص : هذا ليس بثقة، وهو أصح قراءة من أبى بكر بن عياش ،
وأبو بكر أوثق منه . وفى رواية عنه : كان حفص أقرأ من أبى بكر ،
وكان أبو بكر صدوقا ، وكان حفص كذابا . وقال البخاري : تركو ..
وقال مسلم بن الحجاج : متروك . وقال علي بن المدنى : ضعيف
الحديث ، تركته على عمد . وقال النسائى: ليس بثقة ، ولا يكتب
حديثه ، وقال مرة : متروك ، وقال صالح بن محمد البغدادي: لا يكتب
حديثه ، وأحاديثه كلها مناكير . وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم الرازي : لا يكتب حديثه ، وهو ضعيف الحديث ، لا
يصدق ، متروك الحديث . وقال عبد الرحمن بن خراش : هو كذاب
متروك، يضع الحديث . وقال الحاكم: أبو أحمد ذاهب الحديث. وقال
ابن عدي : عامة أحاديثه عمن روى عنه غير محفوظة .
وفى الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطنى وغيرهما من حديث
موسى بن هلال : حدثنا عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ،
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من زار قبري وجبت
له شفاعتي )) قال البيهقي : وقد روى هذا الحديث ، ثم قال : وقد
قيل عن موسى ، عن عبد الله . قال : وسواء عبد الله أو عبيد الله
٢١٨

فهو منكر عن نافع عن ابن عمر ؛ لم يأت به غيره . وقال العقيلي فى
موسى بن هلال : هذا لا يتابع على حديثه . وقال أبو حاتم الرازي :
هو مجهول. وقال أبو زكريا النووي في ((شرح المهذب)) لما ذكر قول
أبى إسحق : وتستحب زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لما
روي عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من
زار قبري وجبت له شفاعتى )). قال النووي : أما حديث ابن عمر
فرواه أبو بكر الرازي والدار قطنى والبيهقى بإسنادين ضعيفين جداً .
قال المجيب فى تمام الجواب: وقد احتج أبو محمد المقدسي على
جواز السفر لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء ، وأنه
كان يزور القبور، وأجاب عن حديث ((لا تشد الرحال)» بأن ذلك
محمول على نفي الاستحباب .
وأما الأولون فإنهم يحتجون بما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)، وهذا الحديث انفق
الأئمة على صحته والعمل به . فلو نذر الرجل أن يصلى بمسجد أو بمشهد
أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك
باتفاق الأئمة . ولو نذر أن يسافر أو يأتي إلى المسجد الحرام الحج أو
عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء . ولو نذر أن يأتى مسجد النبى
٢١٩

صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه
الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعى فى أحد قوليه وأحمد ؛ ولم يجب
عليه عند أبى حنيفة ؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه
واجب بالشرع . وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة ، كما ثبت فى
صحيح البخاري عن عائشة أن التى صلى الله عليه وسلم قال: ((من
نذر أن يطيع الله فليطعمه، ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه)) والسفر
إلى المسجدين طاعة ؛ فلهذا وجب الوفاء به . وأما السفر إلى بقعة غير
المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره . حتى
نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء ؛ لأنه ليس من الثلاثة ،
مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة ؛ لأن ذلك ليس
بشد رحل، كما في الحديث الصحيح: ((من تطهر فى بيته ثم أتى
مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة)) - وفي الحاشية وهذا
الحديث رواه أهل السنن كالنسائى وابن ماجه والترمذي وحسنه .
قال : وقالوا : ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة
لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ، ولا أمر بها رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين . فمن اعتقد
ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأمة . وهذا مما ذكره
أبو عبد الله بن بطة فى ((الإبانة الصغرى)) من البدع المخالفة للسنة.
٢٢٠