Indexed OCR Text

Pages 121-140

بخوف الفتنة بالقبر ، لا بمجرد نجاسته، كما يظن ذلك بعض الناس ؛ ولهذا
كان السلف يأمرون بتسوية القبور وتعفية ما يفتتن به منها، كما أمر
عمر بن الخطاب بتعفية قبر دانيال لما ظهر بتستر فإنه كتب إليه أبو
موسى يذكر أنه قد ظهر قبر دانيال، وأنهم كانوا يستسقون به
فكتب إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبراً ثم يدفنه بالليل
فى واحد منها ويعفيه لئلا يفتتن به الناس .
والذي ذكرناه عن مالك وغيره من الأئمة كان معروفا عند
السلف، كما رواه أبو يعلى الموصلي فى ((مسنده)) وذكره الحافظ أبو
عبد الله المقدسى فى ((مختاره)) عن علي بن الحسين بن علي بن أبى
طالب - المعروف بزين العابدين - أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة
كانت عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فيدخل فيدعو فيها فنهاه ،
فقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبى عن جدي عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ قال: (( لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم
قبوراً ؛ فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنتم)). وهذا الحديث فى سنن أبى
داود من حديث أبى هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبرى عيداً، وصلوا
علي ، فإن صلاتكم تبلغنی حیث کنتم » وفي سنن سعيد بن منصور : حدثنا
عبد العزيز بن محمد ، أخبرنى سهيل بن أبى سهيل، قال : رآنى الحسن بن
١٢١

الحسين بن علي بن أبى طالب عند القبر ، فنادانى وهو فى بيت فاطمة
يتعشى ، فقال : هلم إلى العشاء ، فقلت: لا أريد .. فقال : مالي رأيتك
عند القبر ؟! فقلت : سلمت على النبى صلى الله عليه وسلم . فقال :
إذا دخلت المسجد فسلم ، ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( لا تتخذوا بيتى عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر ؛ لعن الله اليهود اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد ، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم، ما أنتم ومن
بالأندلس إلا سواء )). وقد بسط الكلام على هذا الأمل فى غير
هذا الموضع .
فإذا كان هذا هو المشروع في قبر سيد ولد آدم وخير الخلق
وأكرمهم على اللّه فكيف يقال فى قبر غيره ؟! وقد تواتر عن الصحابة
أنهم كانوا إذا نزلت بهم الشدائد - كمالهم فى الجدب والاستسقاء
وعند القتال والاستنصار - يدعون الله ويستغيثونه فى المساجد والبيوت،
ولم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم ولا
غيره من قبور الأنبياء والصالحين ؛ بل قد ثبت في الصحيح أن عمر
ابن الخطاب قال : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ،
وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. فتوسلوا بالعباس، كما
كانوا يتوسلون به ، وهو أنهم كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته ،
وهكذا توسلوا بدعاء العباس وشفاعته ، ولم يقصدوا الدعاء عند قبر
١٢٢

النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا أقسموا على الله بشيء من مخلوقاته ، بل
توسلوا إليه بما شرعه من الوسائل ، وهي الأعمال الصالحة ، ودعاء
المؤمنين ، كما يتوسل العبد إلى الله بالإيمان بنبيه ، وبمحبته ، وموالاته ،
والصلاة عليه والسلام ، وكما يتوسلون فى حياته بدعائه وشفاعته كذلك
يتوسل الخلق فى الآخرة بدعائه وشفاعته . ويتوسل بدعاء الصالحين ،
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وهل تنصرون وترزقون إلا
بضعفائكم: بدعائهم، وصلاتهم واستغفارم)».
ومن المعلوم بالاضطرار أن الدعاء عند القبور لو كان أفضل من
الدعاء عند غيرها، وهو أحب إلى الله وأجوب : لكان السلف أعلم
بذلك من الخلف ، وكانوا أسرع إليه ؛ فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله
ويرضاه ، وأسبق إلى طاعته ورضاه ، ولكان النبى صلى الله عليه وسلم
يبين ذلك ، ويرغب فيه ؛ فإنه أمر بكل معروف، ونهى عن كل
منكر، وما ترك شيئاً يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث أمته به ، ولا
شيئا يبعد عن النار إلا وقد حذر أمته منه، وقد ترك أمته على البيضاء
ليلها كنهارها ، لا ينزوي عنها بعده إلا هالك. فكيف وقد نهى عن
هذا الجنس وحسم مادته بلعنه ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد ؟ !فنهى
عن الصلاة للّه مستقبلا لها وإن كان المصلي لا يعبد الموتى ولا يدعوم ،
كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب ؛ لأنها
١٢٣

وقت سجود المشركين للشمس ، وإن كان المصلي لا يسجد إلا لله؛ سدا
للذريعة . فكيف إذا تحققت المفسدة بأن صار العبد يدعو الميت
ويدعو به ، كما إذا تحققت المفسدة بالسجود للشمس وقت الطلوع
ووقت الغروب .
وقد كان أصل عبادة الأوثان من تعظيم القبور ، كما قال تعالى :
(وَقَالُوْ لَا نَذَرُنَّءَ الِهَنَّكُمْ وَلَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)
قال السلف كابن عباس وغيره : كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح ،
فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ، ثم عبدوم .
ثم من المعلوم أن بمقابر ((باب الصغير)) من الصحابة والتابعين
وتابعيهم من هو أفضل من هؤلاء المشايخ الأربعة ، فكيف يعين هؤلاء
للدعاء عند قبورم دون من هو أفضل منهم ؟! ثم إن لكل شيخ
من هؤلاء ومحوهم من يحبه ويعظمه بالدعاء دون الشيخ الآخر ، فهل
أمر الله بالدعاء عند واحد دون غيره، كما يفعل المشركون بهم؟! الذين
( اَتَّخَذُوَ أْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اُللَّهِ
ضاهوا الذين
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُّوْاْ إِلَّا لِيَعْبُدُ وَأْ إِلَهَا وَحِدًا لَّ إِلَهَ إِلَّا
هُوَّسُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
١٢٤

فصل
وأما ما حكي عن بعض المشايخ من قوله : إذا نزل بك حادث أو
أمر تخافه فاستوحنى يكشف مابك من الشدة حياً كنت أو ميتاً. فهذا
الكلام ونحوه إما أن يكون كذبا من الناقل أو خطأ من القائل ؛ فإنه
نقل لا يعرف صدقه عن قائل غير معصوم ، ومن ترك النقل المصدق
عن القائل المعصوم واتبع نقلا غير مصدق عن قائل غير معصوم فقد
ضل ضلالا بعيداً . ومن المعلوم أن اللّه لم يأمر بمثل هذا، ولا رسله
أمروا بذلك؛ بل قال الله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب )
ولم يقل : ارغب إلى الأنبياء والملائكة ، وقال تعالى : ( قُلِ
أُدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ
عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا )
قالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الغزير، والمسيح ، والملائكة:
فأنزل اللّه هذه الآية .
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لأحد من أصحابه: إذا
١٢٥

نزل بك حادث فاستوحنى ؛ بل قال لابن عمه عبد الله بن عباس وهو
يوصيه: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى
الله فى الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت
فاستعن بالله )) .
وما يروبه بعض العامة من أنه قال: ((إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي؛
فإن جاهي عند الله عظيم)). فهو حديث كذب موضوع، لم يروه أحد
من أهل العلم ، ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة فى الدين ؛
فإن كان للميت فضيلة فرسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بكل فضيلة
وأصحابه من بعده . وإن كان منفعة للحي بالميت فأصحابه أحق الناس
انتفاعا به حيا وميتاً . فعلم أن هذا من الضلال ، وإن كان بعض الشيوخ
قال ذلك فهو خطأ منه، والله يغفر له إن كان مجتهداً مخطئا . وليس
هو بنبي يجب اتباع قوله ، ولا معصوم فيما يأمر به وينهى عنه. وقد
قال الله تعالى ( فَإِن تَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَ كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
اُلْآَخِرِ ) .
فصل
وأما قول القائل: من قرأ (« آية الكرسى)) واستقبل جهة الشيخ
١٢٦

عبد القادر الجيلاني - رضي الله عنه - وسلم عليه، وخطا سبع
خطوات ، يخطو مع كل تسليمة خطوة إلى قبره قضيت حاجته ، أو
كان فى سماع فإنه يطيب ويكثر تواجد . . فهذا أمر القربة فيه شرك
برب العالمين ، ولا ريب أن الشيخ عبد القادر لم يقل هذا ، ولا أمر
به ، ومن يقل مثل ذلك عنه فقد كذب عليه ، وإنما يحدث مثل هذه
البدع أهل الغلو والشرك : المشبهون للنصارى من أهل البدع الرافضة
الغالية في الأئمة ، ومن أشبههم من الغلاة فى المشايخ . وقد ثبت في
الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تجلسوا على القبور،
ولا تصلوا إليها » فإذا نهى عن استقبال القبر في الصلاة الله فكيف يجوز
التوجه إليه والدعاء لغير الله مع بعد الدار؟! وهل هذا إلا من جنس
ما يفعله النصارى بعيسى وأمه وأحبارهم ورهبانهم فى اتخاذم إياهم أربابا
وآلهة يدعونهم ويستغيثونهم فى مطالبهم ويسألونهم ويسألون بهم .
فصل
وأما قول : من قال : إن الله بنظر إلى الفقراء في ثلاثة مواطن :
عند الأكل ، والمناصحة ، والسماع . فهذا القول روى محوه عن بعض
الشيوخ قال : إن الله ينظر إليهم عند الأكل ؛ فإنهم بأ كلون بإيثار،
١٢٧

وعند المجاراة فى العلم ؛ لأنهم يقصدون المناصحة ، وعند السماع ؛ لأنهم
يسمعون لله. أو كلاما يشبه هذا. والأصل الجامع فى هذا أن من عمل
عملا يحبه الله ورسوله - وهو ما كان لله بإذن الله - فإن الله يحبه
وينظر إليه فيه نظر محبة . والعمل الصالح هو الخالص الصواب .
فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان بأمر الله ، ولا ريب أن كل
واحد من المواكلة والمخاطبة والاستماع منها ما يحبه الله ، ومنها مالا يحبه
اللّه، ومنها ما يشتمل على خير وشر، وحق وباطل، ومصلحة ومفسدة ،
وحكم كل واحد بحسبه .
فصل
وما يفعله بعض الناس من بحري الصلاة والدعاء عند ما يقال : إنه
قبر نبي ، أو قبر أحد من الصحابة والقرابة، أو ما يقرب من ذلك، أو
إلصاق بدنه أو شيء من بدنه بالقبر ، أو بما يجاور القبر من عود
وغيره ، كمن يتحرى الصلاة والدعاء في قبلي شرقى جامع دمشق عند
الموضع الذي يقال إنه قبر هود - والذي عليه العلماء أنه قبر معاوية
ابن أبى سفيان - أو عند المثال الخشب الذي يقال تحته رأس يحيى
ابن زكريا، ونحو ذلك: فهو مخطئ، مبتدع ، مخالف للسنة ؛ فإن
١٢٨

الصلاة والدعاء بهذه الأمكنة ليس له مزية عند أحد من سلف الأمة
وأتمتها ، ولا كانوا يفعلون ذلك؛ بل كانوا ينهون عن مثل ذلك ، كما
نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن أسباب ذلك ودواعيه، وإن لم
يقصدوا دعاء القبر والدعاء به ، فكيف إذا قصدوا ذلك ؟ !.
فصل
وأما قوله : هل للدعاء خصوصية قبول، أو سرعة إجابة : بوقت
معين ، أو مكان معين : عند قبر نبي ، أو ولي ؟ فلا ريب أن الدعاء
فى بعض الأوقات والأحوال أجوب منه فى بعض . فالدعاء في جوف
الليل أجوب الأوقات ، كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير
- وفى رواية نصف الليل -، فيقول: ((من يدعوني فأستجيب له،
من يسألني فأعطيه ، من يستغفرنى فأغفر له ، حتى يطلع الفجر )» وفى
حديث آخر: (( أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الأخير )
والدعاء مستجاب عند نزول المطر ، وعند التحام الحرب ، وعند الأذان
والإقامة، وفى أدبار الصلوات ، وفى حال السجود ، ودعوة الصائم .
ودعوة المسافر ، ودعوة المظلوم ، وأمثال ذلك . فهذا كله مما جاءت به
١٢٩

الأحاديث المعروفة فى الصحاح والسنن ، والدعاء بالمشاعر ، كعرفة ،
ومزدلفة ، ومنى ، والملتزم ، ونحو ذلك من مشاعر مكة، والدعاء بالمساجد
مطلقاً . وكلما فضل المسجد كالمساجد الثلاثة كانت الصلاة والدعاء
فيه أفضل .
وأما الدعاء لأجل كون المكان فيه قبر نبي أو ولي فلم يقل
أحد من سلف الأمة وأئمتها : إن الدعاء فيه أفضل من غيره، ولكن
هذا مما ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة للنصارى وغيرهم من
المشركين . فأصله من دين المشركين ؛ لا من دين عباد الله المخلصين؛
كاتخاذ القبور مساجد؛ فإن هذا لم يستحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها
ولكن ابتدعه بعض أهل القبلة : مضاهاة لمن لعنهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم من اليهود والنصارى.
فصل
وأما قول السائل : هل يجوز أن يستغيث إلى الله في الدعاء بنى
مرسل، أو ملك مقرب ، أو بكلامه تعالى، أو بالكعبة ، أو بالدعاء
المشهور باحتياط قاف ، أو بدعاء أم داود ، أو الخضر ، أو يجوز أن
يقسم على الله فى السؤال بحق فلان ، بحرمة فلان ، بجاء المقربين ،
١٣٠

بأقرب الخلق ، أو يقسم بأعمالهم وأفعالهم ؟ فيقال : هذا السؤال فيه
فصول متعددة. فأما الأدعية التى جاءت بها السنة ففيها سؤال الله
بأسمائه وصفاته ، والاستعاذة بكلامه ، كما فى الأدعية التى فى السنن :
مثل قوله: ((اللهم! إني أسألك بأن لك الحمد ، أنت الله ، بديع
السموات والأرض، ياذا الجلال والإكرام . يا حي يا قيوم)) ومثل
قوله: ((اللهم إنى أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد
ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد)» «ومثل الدعاء الذي فى المسند :
((اللهم إنى أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو
أنزلته فى كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم
الغيب عندك )) .
وأما الأدعية التى يدعو بها بعض العامة ، ويكتبها باعة الحروز من
الطرقية ، التى فيها : أسألك باحتياط قاف، وهو يوف المخاف، والطور
والعرش، والكرسي ، وزمزم ، والمقام، والبلد الحرام . وأمثال هذه
الأدعية . فلا يؤثر منها شيء؛ لا عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن
الصحابة ولا عن أئمة المسلمين ، وليس لأحد أن يقسم بهذه بحال ؛ بل قد
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من كان حالفاً فليحلف
بالله، أو ليصمت)) وقال ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) فليس
لأحد أن يقسم بالمخلوقات ألبتة . وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم :
١٣١

((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) لما قال أنس
ابن النضر : أتكسر ثنية الربيع؟ لا! والذي بعثك بالحق لا تكسر
ثنية الربيع، وكما قال البراء بن مالك: أقسمت عليك أي رب ؛ إلا
فعلت كذا وكذا)) وكلاهما كان ممن يبر الله قسمه.
والعبد يسأل ربه بالأسباب التي تقتضى مطلوبه، وهى الأعمال
الصالحة التي وعد الثواب عليها ، ودعاء عباده المؤمنين الذين وعد إجابتهم
كما كان الصحابة يتوسلون إلى الله تعالى بنبيه، ثم بعمه ، وغير عمه
من صالحيهم : يتوسلون بدعائه وشفاعته ، كما في الصحيح : أن عمر
ابن الخطاب - رضي الله عنه - استسقى بالعباس ، فقال : اللهم
!
إنا كنا نتوسل إليك بنيينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ،
فيسقون. فتوسلوا بعد موته بالعباس ، كما كانوا يتوسلون به ، وهو توسلهم
بدعائه وشفاعته . ومن ذلك ما رواه أهل السنن وصححه الترمذي :
(( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرد علي بصري،
فأمره أن يتوضأ ، ويصلي ركعتين ، ويقول : اللهم إني أسألك وأتوجه
إليك بنبيك محمد ، نبى الرحمة ، يا محمد ! يا رسول الله! إنى أتوجه بك
إلى ربي فى حاجتى ليقضيها ، اللهم : فشفعه في )) فهذا طلب من النبى
صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يسأل الله أن يقبل شفاعة النبي له
فى توجهه بنبيه إلى الله هو كتوسل غيره من الصحابة به إلى الله ، فإن
١٣٢

هذا التوجه والتوسل هو توجه وتوسل بدعائه وشفاعته .
وأما قول القائل: أسألك أو أقسم عليك بحق ملائكتك ، أو بحق
أنبيائك أو بنبيك فلان أو برسولك فلان ، أو بالبيت الحرام، أو بزمزم
والمقام، أو بالطور والبيت المعمور، ونحو ذلك. فهذا النوع من الدعاء لم ينقل
عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أصحابه ، ولا التابعين لهم بإحسان،
بل قد نص غير واحد من العلماء، كأبى حنيفة وأصحابه - كأبي يوسف وغيره
من العلماء - على أنه لا يجوز مثل هذا الدعاء ، فإنه أقسم على الله
بمخلوق ، ولا يصح القسم بغير الله، وإن سأله به على أنه سبب ووسيلة
إلى قضاء حاجته .
أما إذا سأل الله بالأعمال الصالحة وبدعاء نبيه والصالحين من عباد.
فالأعمال الصالحة سبب للإثابة ، والدعاء سبب للإجابة ، فسؤاله بذلك
سؤال بما هو سبب لنيل المطلوب، وهذا معنى ما يروى فى دعاء الخروج
إلى الصلاة: ((اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، ويحق ممشاي
هذا)) وكذلك أهل الغار الذين دعوا الله بأعمالهم الصالحة. فالتوسل إلى الله
بالنبيين هو التوسل بالإيمان بهم، وبطاعتهم ، كالصلاة والسلام عليهم ،
ومحبتهم، وموالاتهم ، أو بدعائهم وشفاعتهم. وأما نفس ذواتهم فليس
فيها ما يقتضي حصول مطلوب العبد، وإن كان لهم عند الله الجاه العظيم
والمنزلة العالية بسبب إكرام الله لهم وإحسانه إليهم وفضله عليهم ، وليس
١٣٣

فى ذلك ما يقتضى إجابة دعاء غيرم ، إلا أن يكون بسبب منه إليهم كالإيمان
بهم والطاعة لهم، أو بسبب منهم إليه: كدعائهم له، وشفاعتهم فيه. فهذان
الشيئان يتوسل بهما .
وأما الإقسام بالمخلوق فلا. وما يذكره بعض العامة من قوله :
( إذا سألتم اللّه فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم)) حديث
كذب موضوع .
فصل
وأما قول السائل : هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران ؛
لكون النبي صلى الله عليه وسلم رؤي عنده ؟ فيقال : بل تعظيم
مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال
أهل الكتاب ، الذين نهينا عن التشبه بهم فيها . وقد ثبت أن عمر
ابن الخطاب كان في السفر فرأى قوما يبتدرون مكانا ، فقال : ما هذا؟!
فقالوا : مكان صلى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال :
ومكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! أتريدون أن تتخذوا
آثار أنبيائكم مساجد؟! من أدر كته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض ،
وهذا قاله عمر بمحضر من الصحابة .
ومن المعلوم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلي فى أسفار.
١٣٤

فى مواضع ، وكان المؤمنون يرونه فى المنام فى مواضع ، وما اتخذ السلف
شيئا من ذلك مسجدا ولا مزارا. ولو فتح هذا الباب لصار كثير من
ديار المسلمين أو أكثرها مساجد ومزارات ؛ فإنهم لا يزالون يرون
ء
النبى صلى الله عليه وسلم في المنام وقد جاء إلى بيوتهم، ومنهم من يراه
مرارا كثيرة ، وتخليق هذه الأمكنة بالزعفران بدعة مكروهة .
ء
وأما ما يزيد الكذابون على ذلك مثل أن يرى فى المكان أثر قدم ،
فيقال : هذا قدمه، ونحو ذلك: فهذا كله كذب ، والأقدام الحجارة التى
ينقلها من ينقلها ويقول : إنها موضع قدمه كذب مختلق ، ولو كانت
حقا لسن للمسلمين أن يتخذوا ذلك مسجدا ومزارا ، بل لم يأمر الله
أن يتخذ مقام نبى من الأنبياء مصلى إلا مقام إبراهيم بقوله: (وَأَتَّخِذُواْ
مِن مَّقَامِ إِبْرَهِتَ مُصَلّى) كما أنه لم يأمر بالاستسلام والتقبيل الحجر من
الحجارة إلا الحجر الأسود ، ولا بالصلاة إلى بيت إلا البيت الحرام، ولا
يجوز أن يقاس غير ذلك عليه باتفاق المسلمين ، بل ذلك بمنزلة من جعل
للناس حجا إلى غير البيت العتيق ، أو صيام شهر مفروض غير صيام
شهر رمضان ، وأمثال ذلك .
فصخرة بيت المقدس لا يسن استلامها ، ولا تقبيلها باتفاق المسلمين ،
بل ليس للصلاة عندها والدعاء خصوصية على سائر بقاع المسجد .
والصلاة والدعاء فى قبلة المسجد الذى بناء عمر بن الخطاب للمسلمين
١٣٥

أفضل من الصلاة والدعاء عندها ، وعمر بن الخطاب لما فتح البلد قال
لكعب الأحبار : أين ترى أن أنى مصلى المسلمين ؟ قال : ابنه خلف
الصخرة. قال خالطتك يهودية يا ابن اليهودية ! بل أبنيه أمامها ؛ فإن لنا صدور
المساجد. فبنى هذا المصلى الذى تسميه العامة ((الأقصى)). ولم يتمسح
بالصخرة ولا قبلها ولا صلى عندها ، كيف وقد ثبت عنه فى الصحيح
أنه لما قبل الحجر الأسود قال: والله! إنى لأعلم أنك حجر لا تضر
ولا تنفع ، ولو لا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك
لما قبلتك. وكان عبد الله بن عمر إذا أتى المسجد الأقصى يصلي فيه ولا
يأتى الصخرة ، وكذلك غيره من السلف . وكذلك حجرة نبينا صلى
الله عليه وسلم ، وحجرة الخليل ، وغيرهما من المدافن التى فيها فى أو
رجل صالح: لا يستحب تقبيلها ولا التمسح بها باتفاق الأئمة ؛ بل منهى
ء
عن ذلك. وأما السجود لذلك فكفر ، وكذلك خطابه بمثل ما يخاطب
به الرب : مثل قول القائل : اغفر لي ذنوبي ، أو انصرنى على عدوی،
ونحو ذلك .
فصل
وأما الأشجار والأحجار والعيون ونحوها مما ينذر لها بعض العامة ،
١٣٦

أو يعلقون بها خرقا ، أو غير ذلك ، أو يأخذون ورقها يتبركون به،
أو يصلون عندها ، أو نحو ذلك : فهذا كله من البدع المنكرة ، وهو
من عمل أهل الجاهلية ، ومن أسباب الشرك بالله تعالى ، وقد كان
للمشركين شجرة يعلقون بها أسلحتهم يسمونها ((ذات أنواط)) فقال
بعض الناس: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط،
فقال: ((الله أكبر! قلتم: كما قال قوم موسى لموسى (أَجْعَل لَّنَاً
إِلَهَا كُمَالَهُمْءَاِهَةُ ) ؛ إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم: شبراً
بشبر ، وذراعا بذراع ، حتى لو أن أحدم دخل جحر ضب لدخلتم ،
وحتى لو أن أحدم جامع امرأته فى الطريق لفعلتموه )». وقد بلغ عمر
ابن الخطاب أن قوما بقصدون الصلاة عند ((الشجرة)) التى كانت تحتها
بيعة الرضوان ، التى بايع النبى صلى الله عليه وسلم الناس تحتها ، فأمر
بتلك الشجرة فقطعت . وقد اتفق علماء الدين على ان من نذر عبادة
فى بقعة من هذه البقاع لم يكن ذلك نذرا يجب الوفاء به ، ولا مزية
للعبادة فيها .
فصل
وأصل هذا الباب أنه ليس فى شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة
١٣٧

الله فيها بالصلاة والدعاء والذكر والقراءة ونحو ذلك إلا مساجد المسلمين،
ومشاعر الحج . وأما المشاهد التى على القبور ، سواء جعلت مساجد
أو لم تجعل ، أو المقامات التى تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين،
أو المغارات والكهوف، أو غير ذلك: مثل ((الطور)) الذي كلم الله
عليه موسى ومثل ((غار حراء)) الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم
يتحنث فيه قبل نزول الوحي عليه، و«الغار)) الذي ذكره الله فى
قوله: (ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ) والغار الذي يجبل قاسيون بدمشق ،
الذي يقال له ((مغارة الدم)) والمقامان اللذان بجانبيه الشرقي والغربي :
يقال لأحدهما: ((مقام إبراهيم)) ويقال للآخر: ((مقام عيسى)) وما
أشبه هذه البقاع والمشاهد فى شرق الأرض وغربها : فهذه لا يشرع
السفر إليها لزيارتها ، ولو نذر ناذر السفر إليها لم يجب عليه الوفاء
بنذره باتفاق أئمة المسلمين ؛ بل قد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى
الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبى سعيد ــ وهو يروى
عن غيرهما - أنه قال ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام ، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا )).
وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحوا هذه البلاد
بلاد الشام والعراق ومصر وخراسان والمغرب وغيرها لا يقصدون هذه
البقاع ، ولا يزورونها ، ولا يقصدون الصلاة والدعاء فيها . بل كانوا
١٣٨

مستمسكين بشريعة نبيهم : يعمرون المساجد التى قال اللّه فيها : (وَمَنْ
وقال: ( إِنَّمَا يَعْمُرُ
أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اَللَّهِ أَنْ يُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ )
مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ
وقال تعالى: (قُلْ أَمَرَرَتِى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ
إِلَّا اللَّهَ )
وقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ
(
عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ
. وأمثال هذه النصوص . وفي الصحيحين عن
اللَّهِ أَحَدًا»
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((صلاة الرجل فى المسجد تفضل
على صلاته فى بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة ، وذلك أن الرجل
إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى المسجد ، لا ينهزه إلا الصلاة فيه :
كانت خطوناء إحداهما ترفع درجة، والأخرى محط خطيئة . فإذا جلس
ينتظر الصلاة، كان فى صلاة مادام ينتظر الصلاة ، فإذا قضى الصلاة فإن الملائكة
تصلي على أحدثم ما دام فى مصلاء: تقول : اللهم اغفر له، اللهم ارحمه .
وقد تنازع المتأخرون فيمن سافر لزيارة قبر نبي أو نحو ذلك من
المشاهد . والمحققون منهم قالوا : إن هذا سفر معصية ، ولا يقصر
الصلاة فيه ، كما لا يقصر فى سفر المعصية، كما ذكر ذلك ابن عقيل
وغيره ، وكذلك ذكر أبو عبد الله بن بطة : أن هذا من البدع المحدثة
في الإسلام . بل نفس قصد هذه البقاع للصلاة فيها والدعاء ليس له
أصل فى شريعة المسلمين، ولم ينقل عن السابقين الأولين - رضى الله
١٣٩

عنهم وأرضام - أنهم كانوا يتحرون هذه البقاع للدعاء والصلاة ؛ بل
لا يقصدون إلا مساجد الله، بل المساجد المبنية على غير الوجه الشرعى
لا يقصدونها أيضا، كمسجد الضرار الذي قال اللّه فيه: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ
مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِبِقَابَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن
قَبْلُّ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * لَا نَقُمُ فِيهِ أَبَدًّا لَّمَسْجِدُ
أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَظَهَرُواْ وَاللَّهُ
يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ).
بل المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا يجوز الصلاة
فيها ، وبناؤها محرم ، كما قد نص على ذلك غير واحد من الأئمة ؛ لما
استفاض عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الصحاح والسنن والمسانيد
أنه قال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، الا
ء
فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنهاكم عن ذلك )) وقال فى مرض
موته: (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد )) يحذر ما فعلوا ، قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ؛
ولكن كره أن يتخذ مسجدا .
وكانت ((حجرة النبى صلى الله عليه وسلم)» خارجة عن مسجده.
فلما كان فى إمرة الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بن عبد العزيز
١٤٠