Indexed OCR Text

Pages 101-120

قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم .
ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا فى دينهم ولا في دنيام ؛ فإن
دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي - صلى الله عليه وآله وسلم -
الذي علمهم الكتاب والحكمة، وقال لهم نبيهم: ((لو كان موسى حياً
ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم » وعيسى بن مريم - عليه السلام -
إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم . فأي حاجة
لهم مع هذا إلى الخضر وغيره ؟! والنبى صلى الله عليه وآله وسلم
قد أخبرهم بنزول عيسى من السماء ، وحضوره مع المسلمين ، وقال :
((كيف تهلك أمة أنا فى أولها وعيسى فى آخرها ). فإذا كان النبيان
الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ، ومحمد
صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم، ولم يحتجبوا عن هذه
الأمة لاعوامهم ولا خواصهم ، فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم .
وإذا كان الخضر حياً دائماً فكيف لم يذكر النبى صلى الله عليه وآله
وسلم ذلك قط ، ولا أخبر به أمته ، ولا خلفاؤه الراشدون .
وقول القائل : إنه نقيب الأولياء . فيقال له من ولاء النقابة .
وأفضل الأولياء أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ وليس فيهم
الخضر . وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب ،
وبعضها مبني على ظن رجل : مثل شخص رأى رجلاظن أنه الخضر ،
١٠١

وقال : إنه الخضر ، كما أن الرافضة ترى شخصاً نظن أنه الإمام المنتظر
المعصوم ، أو تدعي ذلك ، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال
- وقد ذكر له الخضر - من أحالك على غائب فما أنصفك . وما
ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان . وقد بسطنا الكلام على هذا
في غير هذا الموضع .
وأما إن قصد القائل بقوله (( القطب الغوث الفرد الجامع )» أنه
رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن ، لكن من الممكن أيضاً
أن يكون فى الزمان اثنان متساويان فى الفضل ، وثلاثة وأربعة ،
ولا يجزم بألا يكون فى كل زمان أفضل الناس إلا واحدا ، وقد تكون
جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجه دون وجه ، وتلك الوجوه إما
متقاربة وإما متساوية .
ثم إذا كان فى الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان فتسميته
((بالقطب الغوت الجامع)) بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا تكلم
بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها ، وما زال السلف يظنون فى بعض
الناس أنه أفضل أو من أفضل أهل زمانه ولا يطلقون عليه هذه
الأسماء التى ما أنزل الله بها من سلطان ؛ لا سيما أن من المنتحلين لهذا
الاسم من يدعى أن أول الأقطاب هو الحسن بن علي بن أبى طالب
- رضي الله عنهما - ثم يتسلل الأمر إلى ما دونه إلى بعض مشابخ
١٠٢

المتأخرين ، وهذا لا يصح لا على مذهب أهل السنة ، ولا على مذهب
الرافضة. فأين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والسابقون الأولون من
المهاجرين والأنصار ؟! والحسن عند وفاة النبى صلى الله عليه وآله
وسلم كان قد قارب سن التمييز والاحتلام .
وقد حكى عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا : أن
((القطب الفرد الغوث الجامع)) ينطبق علىه على على الله تعالى وقدرته
على قدرة الله تعالى ، فيعلم ما يعلمه الله ، ويقدر على ما يقدر عليه الله .
وزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان كذلك ، وأن هذا انتقل
عنه إلى الحسن ، وتسلسل إلى شيخه . فبينت أن هذا كفر صريح ،
وجهل قبيح ، وأن دعوى هذا فى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛
كفر، دع ما سواه، وقد قال الله تعالى: (قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اللَّهِ
وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكُ ) وقال تعالى :
(قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَاضَرَّا إِلََّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْكُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ
مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِ السُّوءُ ) الآية ، وقال تعالى:
( يَقُولُونَ لَوْكَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّاقُتِلْنَاهَهُنَا) الآية وقال تعالى :
( يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ ) وقال تعالى:
( لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْيَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ خَيِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ
أَوْيَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ )
١٠٣

وقال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ).
والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نطيع رسوله صلى الله عليه وآله
وأمرنا أن
وسلم فقال: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )،
نتبعه فقال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)
وأمرنا أن نعزره ونوقره وننصره ، وجعل له من الحقوق ما بينه فى
كتابه وسنة رسوله ، حتى أوجب علينا أن يكون أحب الناس إلينا
من أنفسنا وأهلينا ، فقال تعالى: ( النَّبِىُّأَوْلَى ◌ِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ )
وقال تعالى: (قُلْإِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجْكُمْوَعَشِيرَتُكُمْ
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَ فْتُمُوهَا وَتِجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِنَ
اُللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوْ حَتَّ يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْرِهِ)
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم
حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) وقال له عمر
رضي الله عنه : يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من
نفسى فقال: ((لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك - قال:
فلأنت أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر)) وقال: (( ثلاث
من كن فيه وجدبهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه
مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن
١٠٤

يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار)).
وقد بين في كتابه حقوقه التى لا تصلح إلا له وحقوق رسله
وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض ، كما بسطنا الكلام على ذلك في غير
هذا الموضع، وذلك مثل قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ
فالطاعة للّه والرسول والخشية والتقوى
وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْغَائِزُونَ )
لله وحده، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ)
فالإيتاء للّه والرسول والرغبة لله وحده، وقال تعالى: (وَمَآءَانَنَكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ) لأن الحلال ما أحله الله ورسوله ،
والحرام ما حرمه الله ورسوله وأما الحسب فهو لله وحده، كما قال: (وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللَّهُ) ولم يقل: حسبنا الله ورسوله، وقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ
اُللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي يكفيك اللّه ويكفي من اتبعك من المؤمنين،
وهذا هو الصواب المقطوع به فى هذه الآية ؛ ولهذا كانت كلمة إبراهيم
ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - حسبنا الله ونعم الوكيل. والله
سبحانه وتعالى أعلم وأحكم . وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم .
١٠٥

وسئل رحمه اللّه
عن هؤلاء ((الزائرين قبور الأنبياء والصالحين)» كقبر الخليل وغيره
فيأتون إلى الضريح ويقبلونه والقوام بذلك المكان، أي من جاء يأتونه،
ويجيئون به إلى الضريح ، فيعلمونهم ذلك ، ويقرونهم عليه. فهل هذا
مما أمر الله تعالى به ورسوله أم لا؟ وهل فى ذلك ثواب وأجر أم لا ؟
وهل هو من الدين الذي بعث الله سبحانه به رسوله صلى الله عليه
وسلم أم لا ؟ وإذا لم يكن كذلك وكان أناس يعتقدون أن هذا من
الدين ويفعلونه على هذا الوجه فهل يجب أن ينهوا عن ذلك أم لا ؟ وهل
استحب هذا أحد من الأئمة الأربعة أم لا ؟ وهل كانت الصحابة
والتابعون يفعلون ذلك أم لا ؟ وإذا كان فى القوام أو غيرهم من يفعل
ذلك أو بأمر به أو يقر عليه لأجل جعل يأخذه أو غير ذلك فهل يثاب
ولي الأمر على منع هؤلاء أم لا ؟ وهل إذا لم ينتهوا عن ذلك فهل لولي
الأمر أن يصرف عن الولاية من لم ينته منهم أم لا ؟ والكسب الذي
يكسبه الناس من مثل هذا الأمر هل هو كسب طيب أو خبيث ؟
وهل يستحقون مثل هذا الكسب ؟ أم يؤخذ منهم ويصرف في
١٠٦

مصالح المسلمين ؟ وهل يجوز أن يقام إلى جانب ((مسجد الخليل))
السماع الذي يسمونه ((النوبة الخليلية)) ويقام عند ذلك سماع يجتمعون له
- الفقراء وغيرهم وفيه الشبابة أم لا؟ والذي يصفر بالشبابة مؤذن
بالمكان المذكور هل يفسق أم لا ؟ وهل إذا لم ينته بصرفه ولي
الأمر أم لا ؟ وإذا لم يستطع ولي الأمر أن يزيل ذلك فهل له أن
ينقل هذه النوبة المذكورة إلى مكان لا يمكن الرقص فيه لضيق
المكان أم لا ؟ .
فأجاب رضي الله عنه : الحمد لله رب العالمين لم يأمر الله ولا
رسوله ولا أئمة المسلمين بتقبيل شيء من قبور الأنبياء والصالحين ، ولا
التمسح به، لا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل صلى الله
عليه وسلم ولا قبر غيرهما؛ بل ولا بالتقبيل والاستلام لصخرة بيت
المقدس ، ولا الركنين الشاميين من البيت العتيق، بل إنما يستلم الركنان
اليمانيان فقط: اتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يستلم إلا
اليمانيين، ولم يقبل إلا الحجر الأسود . واتفقوا على أن الشاميين لا
يستلمان ولا يقبلان.
وانفقوا على أن اليمانيين يستلمان . واتفقوا على تقبيل الأسود .
وتنازعوا فى تقبيل اليمانى ؟ على ثلاثة أقوال معروفة . قيل :
١٠٧

يقبل . وقيل: يستلم وتقبل اليد . وقيل يستلم، ولا تقبل اليد.
وهذا هو الصحيح ، فإن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
استلمه ولم يقبله ، ولم يقبل بده لما استلمه ، ولا أجر ولا ثواب فيما
ليس بواجب ولا مستحب؛ فإن الأجر والثواب إنما يكون على الأعمال
الصالحة والأعمال الصالحة إما واجبة وإما مستحبة .
فإذا كان الاستلام والتقبيل لهذه الأجسام ليس بواجب ولا
مستحب لم يكن في ذلك أجر ولا ثواب ومن اعتقد أنه يؤجر على
ذلك ويثاب فهو جاهل ضال مخطئ ، كالذي يعتقد : أنه يؤجر ويثاب
إذا سجد لقبور الأنبياء والصالحين : والذي يعتقد أنه يؤجر ويثاب إذا
دعام من دون الله والذي يعتقد أنه يؤجر ويثاب إذا صور صورم - كما يفعل
النصارى - ودعا تلك الصور ، وسجد لها، ونحو ذلك من البدع التى ليست
واجبة ولا مستحبة ، بل هي إما كفر وإما جهل وضلال.
وليس شيء من هذا من الدين الذي بعث الله به محمداً صلى
الله عليه وسلم باتفاق المسلمين . ومن اعتقد أن هذا من الدين
وفعله وجب أن ينهى عنه، ولم يستحب هذا أحد من الأئمة الأربعة ،
ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
ومن أمر الناس بشيء من ذلك أو رغبهم فيه أو أعانهم عليه
١٠٨

من القوام أو غير القوام فإنه يجب نهيه عن ذلك ، ومنعه منه .
ويثاب ولي الأمر على منع هؤلاء ، ومن لم ينته عن ذلك فإنه يعزر
تعزيراً يردعه . وأقل ذلك أن يعزل عن القيامة ، ولا يترك من يأمر
الناس بما ليس من دين المسلمين .
والكسب الذي يكسب بمثل ذلك خبيث من جنس كسب
الذين يكذبون على الله ورسوله ويأخذون على ذلك جعلا، ومن
جذس كسب سدنة الأصنام الذين يأمرون بالشرك ويأخذون على
ذلك جعلا ؛ فإن هذه الأمور من جملة ما نهى عنه من أسباب الشرك
ودواعيه وأجزائه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل
قبري وثناً يعبد)) رواه مالك فى الموطأ وغيره ، وقال صلى الله عليه
وسلم: (( لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي حيثما كنتم ، فإن
صلاتكم تبلغنى)) رواه أبو داود وغيره. وفى الصحيحين عنه أنه
قال: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))
يحذر ما فعلوا ؛ قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ؛ ولكن كر.
أن يتخذ مسجداً. وفي الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس :
(( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا
القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)) وفى المسند وصحيح أبى
حاتم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن من شرار الناس من
١٠٩

تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد)). والأحاديث
والآثار فى ذلك كثيرة.
ولهذا لم يكن الصحابة يسافرون إلى ((قبر الخليل )) ولا غيره من
قبور الصالحين، ولا سافروا إلى زيارة ((جبل طور سيناء)) وهو (البقعة
المباركة) و (الوادي المقدس ) الذي ذكره الله فى كتابه، وكلم
عليه كليمه موسى ، بل ولا كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه
فى حياته وبعد مماته يزورون ((جبل حراء )) الذي نزل الوحي على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، ولم يكونوا يزورون بمكة غير
المشاعر - كالمسجد الحرام، ومنى ، ومزدلفة وعرفة - فى الحج. وكذلك لم
يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يقصد الدعاء عند قبر أحد
من الأنبياء: لا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل، ولا غيرها.
ولهذا ذكر الأئمة كمالك وغيره أن هذا بدعة، بل كانوا إذا أتوا
إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه ، ويصلون عليه ، كما
ذكر مالك فى الموطأ : أن ابن عمر كان إذا أتى قبر النبي صلى
اللّه عليه وسلم صلى عليه، وعلى أبى بكر وعمر. وفى رواية عنه:
كان يقول : السلام عليك يارسول الله : السلام عليك يا أبا بكر ! السلام
عليك يا أبت ! - ثم ينصرف .
ومن اكتسب مالا خبيئاً : مثل هذا الذى يأمر الناس بالبدع
١١٠

ويأخذ على ذلك جعلا ، فإنه لا يملكه ، فإذا تعذر رده على صاحبه فإن
ولاة الأمور يأخذونه من هذا الذى أكل أموال الناس بالباطل ،
وصد عن سبيل اللّه؛ ويصرفونها فى مصالح المسلمين التى يحبها الله ورسوله،
فيؤخذ المال الذي أنفق في طاعة الشيطان فينفق فى طاعة الرحمن .
(( وأما السماع)) الذى يسمونه : نوبة الخليل فبدعة باطلة لا أصل
لها، ولم يكن الخليل - صلى الله عليه وسلم - يفعل شيئا من هذا،
ولا الصحابة لما فتحوا البلاد فعلوا عند الخليل شيئا من هذا ، ولا فعل
شيئا من هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه، بل
هذا إما أن يكون من إحداث النصارى ؛ فإنهم هم الذين نقبوا حجرة
الخليل بعد أن كانت مسدودة لا يدخل أحد إليها . وإما أن يكون من
إحداث بعض جهال المسلمين ، ولا يجوز أن يقام هناك رقص ولا
شبابة ، ولا ما يشبه ذلك ، بل يجب النهي عن ذلك ، ومن أصر على
حضور ذلك من مؤذن وغيره قدح ذلك فى عدالته . والله أعلم .
١١١

وسئل قدس الله روحه
عن حكم قول بعض العلماء والفقراء : إن الدعاء مستجاب عند قبور
أربعة - من أصحاب الأئمة الأربعة ((قبر الفندلاوي)) من أصحاب مالك
و ((قبر البرهان البلخى)) من أصحاب أبى حنيفة و((قبر الشيخ نصر
المقدسى)) من أصحاب الشافعى. و((قبر الشيخ أبى الفرج )) من أصحاب
أحمد رضى الله عنهم ؟ ومن استقبل القبلة عند قبورهم ودعا استجيب
له ؟ وقول بعض العلماء عن بعض المشايخ يوصيه : إذا نزل بك حادث
أو أمر تخافه استوحنى ينكشف منك ما تجده من الشدة : حياً كنت،
أو ميتاً ؟ ومن قرأ آية الكرسى واستقبل جهة الشيخ عبد القادر الجيلانى
وسلم عليه سبع مرات يخطو مع كل تسليمة خطوة إلى قبره قضيت حاجته ،
أو كان في سماع فإنه يطيب ويكثر التواجد ، وقول الفقراء : إن الله
تعالى ينظر إلى الفقراء بتجليه عليهم فى ثلاثة مواطن : عند مد السماط ،
وعند قيامهم فى الاستغفار أو المجاراة التى بينهم، وعند السماع ؟ وما
يفعله بعض المتعبدين من الدعاء عند قبر زكريا ، وقبر هود ، والصلاة
عندها ، والموقف بين شرقى رواق الجامع بباب الطهارة بدمشق ،
١١٢

والدعاء عند المصحف العثمانى ، ومن ألصق ظهره الموجوع بالعمود الذي
عند رأس قبر معاوية عند الشهداء بباب الصغير .
فهل للدعاء خصوصية قبول أو سرعة إجابة بوقت مخصوص ، أو
مكان معين : عند قبر نبي ، أو ولي، أو يجوز أن يستغيث إلى الله
تعالى فى الدعاء بنبي مرسل ، أو ملك مقرب ، أو بكلامه تعالى ،
أو بالكعبة ، أو بالدعاء المشهور باحتياط قاف ، أو بدعاء أم داود،
أو الخضر ؟؟.
وهل يجوز أن يقسم على الله تعالى فى السؤال بحق فلان ، بحرمة فلان ،
بجاه المقربين، بأقرب الخلق أو يقسم بأفعالهم وأعمالهم؟ وهل يجوز تعظيم
مكان فيه خلوق وزعفران وسرج ؛ لكونه رأى النبى صلى الله عليه
وسلم فى المنام عنده ، أو يجوز تعظيم شجرة يوجد فيها خرق معلقة ،
ويقال : هذه مباركة يجتمع إليها الرجال الأولياء ؟ وهل يجوز تعظيم
جبل ، أو زيارته ، أو زيارة ما فيه من المشاهد والآثار ، والدعاء فيها
والصلاة كمفارة الدم ، وكيف آدم ، والآثار. ومغارة الجوع ، وقبر
شيث ، وهابيل، ونوح ، وإلياس ، وحزقيل ، وشيبال الراعى ، وإبراهيم
ابن أدهم بجبلة ، وعش الغراب ببعلبك ، ومغارة الأربعين، وحمام طبرية.
وزيارة عسقلان ، ومسجد صالح بعكا - وهو مشهور بالحرمات
والتعظيم والزيارات ؟ .
١١٣

وهل يجوز بحرى الدعاء عند القبور وأن تقبل ، أو يوقد عندها
القناديل والسرج ؟ وهل يحصل للأموات بهذه الأفعال من الأحياء
منفعة أو مضرة؟ وهل الدعاء عند ((القدم النبوى)) بدار الحديث
الأشرفية بدمشق وغيره ، وقدم موسى، ومهد عيسى ، ومقام إبراهيم،
ورأس الحسين ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي ، وأويس القرني ،
وما أشبه ذلك - كله في سائر البلاد، والقرى، والسواحل والجبال،
والمشاهد، والمساجد، والجوامع ؟.
وكذلك قولهم: الدعاء مستجاب عند برج ((باب كيسان)» بين بابى
الصغير والشرقى مستدبرا له متوجها إلى القبلة ، والدعاء عند داخل
باب الفرادين ؟ فهل ثبت شيء في إجابة الأدعية فى هذه الأماكن
أم لا ؟ وهل يجوز أن يستغاث بغير الله تعالى بأن يقول : ياجاه محمد ،
أو يا ست نفيسة، أو ياسيدي أحمد! أو إذا عثر أحد ولعسر أو قفز
من مكان إلى مكان يقول : يال علي! أو يالى الشيخ فلان : أم لا؟ وهل
تجوز النذور للأنبياء أو للمشايخ: مثل الشيخ جاكير، أو أبى الوفاء،
أو نور الدين الشهيد ، أو غيرهم أم لا ؟ وكذلك هل تجوز النذور
لقبور أحد من آل بيت النبوة ، ومدركه ، والأئمة الأربعة ، ومشايخ
العراق ، والعجم ، ومصر ، والحجاز ، واليمن ، والهند ، والمغرب ،
وجميع الأرض ، وجبل قاف وغيرها أم لا؟ .
١١٤

فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أما قول القائل: إن الدعاء مستجاب عند
قبور المشايخ الأربعة المذكورين - رضي الله عنهم - فهو من جنس قول
غيره : قبر فلان هو الترياق الجرب ، ومن جنس ما يقوله أمثال هذا
القائل : من أن الدعاء مستجاب عند قبر فلان وفلان . فإن كثيرا من
الناس يقول مثل هذا القول عند بعض القبور ، ثم قد يكون ذلك
القبر قد على أنه قبر رجل صالح من الصحابة أو أهل البيت أو غيرهم
من الصالحين ، وقد يكون نسبة ذلك القبر إلى ذلك كذبا أو مجهول
الحال : مثل أكثر ما بذكر من قبور الأنبياء ، وقد يكون صحيحا
والرجل ليس بصالح فإن هذه الأقسام موجودة فيمن يقول مثل هذا
القول ، أو من يقول : إن الدعاء مستجاب عند قبر بعينه، وأنه استجيب
له الدعاء عنده، والحال أن ذاك إما قبر معروف بالفسق والابتداع ،
وإما قبر كافر ، كما رأينا من دعا فكشف له حال القبور فيهت لذلك،
ورأينا من ذلك أنواعا .
وأصل هذا: أن قول القائل : إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء
والصالحين قول ليس له أصل فى كتاب الله، ولا سنة رسوله ، ولا
قاله أحد من الصحابة ، ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا أحد من
أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة فى الدين ؛ كمالك والثوري ، والأوزاعى،
والليث بن سعد، وأبى حنيفة، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق
١١٥

بن راهويه، وأبي عبيدة ، ولا مشايخهم الذين يقتدى بهم : كالفضيل
ابن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبى سليمان الدارانى ، وأمثالهم .
ولم يكن فى الصحابة والتابعين والأئمة والمشايخ المتقدمين من يقول:
إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين ، لا مطلقاً ، ولا معينا.
ولا فيهم من قال : إن دعاء الإنسان عند قبور الأنبياء والصالحين
أفضل من دعائه فى غير تلك البقعة ، ولا أن الصلاة فى تلك البقعة
أفضل من الصلاة فى غيرها . ولا فيهم من كان يتحرى الدعاء ولا
الصلاة عند هذه القبور ؛ بل أفضل الخلق وسيدم هو رسول الله
صلى الله عليه وسلم - وليس فى الأرض قبر اتفق الناس على أنه قبر
نى غير قبره وقد اختلفوا فى قبر الخليل وغيره - واتفق الأمة
على أنه يسلم عليه عند زيارته وعلى صاحبيه ، لما فى السنن عن أبى
هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((مامن رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)» وهو
حديث جيد. وقد روى ابن أبى شيبة والدارقطنى عنه: ((من سلم
علي عند قبري سمعته ، ومن صلى علي نائياً أبلغته )) وفى إسناده لين .
لكن له شواهد ثابتة ؛ فإن إبلاغ الصلاة والسلام عليه من البعد قد
رواه أهل السنن من غير وجه ، كما فى السنن عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة ، وليلة الجمعة ،
١١٦

فإن صلاتكم معروضة علي . قالوا : كيف تعرض صلاتنا عليك وقد
رممت ؟ أي بليت . فقال : إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل
لحوم الأنبياء )) وفي النسائى وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغونى عن أمتى السلام)). ومع هذا لم
يقل أحد منهم إن الدعاء مستجاب عند قبره ، ولا أنه يستحب أن
يتحرى الدعاء متوجها إلى قبره ؛ بل نصوا على نقيض ذلك ، واتفقوا
كلهم على أنه لا يدعو مستقبل القبر .
وتنازعوا فى السلام عليه . فقال الأكثرون كمالك وأحمد وغيرهما :
يسلم عليه مستقبل القبر ، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي ، وأظنه
منقولا عنه . وقال أبو حنيفة وأصحابه : بل يسلم عليه مستقبل القبلة ؛
بل نص أئمة السلف على أنه لا يوقف عنده للدعاء مطلقاً ، كما ذكر
ذلك إسماعيل بن إسحاق فى (( كتاب المبسوط)) وذكره القاضي عياض.
قال مالك : لا أرى أن يقف عند قبر التى صلى الله عليه وسلم
ويدعو ؛ ولكن يسلم ويمضي. وقال أيضاً في ((المبسوط)) لا بأس لمن
قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه
وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبى بكر وعمر . فقيل له : فإن ناساً من
أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم
مرة أو أكثر ، وربما وقفوا في الجمعة أو فى اليوم المرة والمرفين أو
١١٧

أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة ، فقال : لم يبلغنى هذا عن
أحد من أهل الفقه بلدتنا ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح
أولها ، ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ؛
إلا من جاء من سفر أو أراده . قال ابن القاسم : رأيت أهل المدينة إذا
خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر وسلموا . قال : وذلك دأبى .
فهذا مالك وهو أعلى أهل زمانه - أى زمن تابع التابعين بالمدينة
النبوية التى كان أهلها فى زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أعلا الناس
بما بشرع عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم - يكرهون الوقوف الدعاء
بعد السلام عليه . وبين أن المستحب هو الدعاء له ولصاحبيه ، وهو
المشروع من الصلاة والسلام ، وأن ذلك أيضا لا يستحب لأهل المدينة
كل وقت : بل عند القدوم من سفر أو إرادته : لأن ذلك تحية له ،
والمحيا لا يقصد بيته كل وقت لتحيته : بخلاف القادمين من السفر .
وقال مالك في رواية أبى وهب : إذا سلم على النبى صلى الله عليه
وسلم يقف وجهه إلى القبر: لا إلى القبلة. ويدنو ويسلم، ولا يمس
القبر بيده .
وكره مالك أن يقال : زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال
القاضي عياض: كراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه
وسلم؛ لقوله : (( اللهم لا تجعل قبري وتنا يعبد، اشتد غضب الله على
١١٨

قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ينهى عن إضافة هذا اللفظ إلى
القبر والتشبه بفعل ذلك ؛ قطعاً للذريعة، وحسما للباب.
قلت: والأحاديث الكثيرة المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة، بل
موضوعة . لم يرو الأمة ولا أهل السنن المتبعة - كسنن أبى داود
والنسائى ونحوهما فيها شيئاً، ولكن جاء لفظ زيارة القبور فى غير هذا
الحديث: مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((كنت نهيتكم عن زيارة
القبور . ألا فزوروها ، فإنها تذكركم الآخرة )) وكان صلى الله عليه
وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدم: ((السلام
عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم
لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا
ولكم العافية )» .
ولكن صار لفظ ((زيارة القبور)» فى عرف كثير من المتأخرين
يتناول ((الزيارة البدعية، والزيارة الشرعية)، وأكثرم لا يستعملونها
إلا بالمعنى البدعى ؛ لا الشرعى ؛ فلهذا كره هذا الإطلاق .
فأما (( الزيارة الشرعية)) فهي من جنس الصلاة على الميت : يقصد
بها الدعاء للميت ، كما يقصد بالصلاة عليه ، كما قال الله فى حق المنافقين :
فلما نهى عن
(وَلَ تُّصَلّ عَلىَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًّا وَلَانَقُمْ عَلَىقَبْرِهِ )
١١٩

الصلاة على المنافقين والقيام على قبورم : دل ذلك بطريق مفهوم
الخطاب وعلة الحكم أن ذلك مشروع فى حق المؤمنين . والقيام على
قبره بعد الدفن هو من جنس الصلاة عليه قبل الدفن يراد به الدعاء
له . وهذا هو الذى مضت به السنة ، واستحبه السلف عند زيارة
قبور الأنبياء والصالحين.
وأما ((الزيارة البدعية)) فهي من جنس الشرك والذريعة إليه ، كما
فعل اليهود والنصارى عند قبور الأنبياء والصالحين ، قال صلى الله عليه
وسلم فى الأحاديث المستفيضة عنه فى الصحاح والسنن والمسانيد: ((لعنة
الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ماصنعوا))
وقال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا
تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك)) وقال: (( إن من شرار
الناس من تدركهم الساعة وم أحياء ، والذين يتخذون القبور مساجد)»
وقال: (( لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج))
فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد امتنع أن
يكون تحريها للدعاء مستحباً ، لأن المكان الذي يستحب فيه الدعاء
يستحب فيه الصلاة ، لأن الدعاء عقب الصلاة أجوب . وليس فى الشريعة
مكان ينهى عن الصلاة عنده مع أنه يستحب الدعاء عنده .
وقد نص الأئمة كالشافعي وغيره على أن النهي عن ذلك معلل
١٢٠