Indexed OCR Text

Pages 81-100

أنس لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ؛ لما يعلمون من كراهته لذلك .
ولما سجد له معاذ نهاء، وقال: (( إنه لا يصلح السجود إلا لله ، ولو
كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها -
من عظم حقه عليها )) ولما أتى علي بالزنادقة الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه
الإلهية أمر بتحريقهم بالنار .
فهذا شأن أنبياء الله وأوليائه ، وإنمايقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير
حق من يريد علواً فى الأرض وفساداً ، كفرعون ونحوه ، ومشايخ
الضلال الذين غرضهم العلو فى الأرض والفساد ، والفتنة بالأنبياء
والصالحين ، واتخاذهم أرباباً، والإشراك بهم مما يحصل فى مغيهم وفى
مماتهم ، كما أشرك بالمسيح وعزير .
فهذا مما يبين الفرق بين سؤال النبى صلى الله عليه وآله وسلم
والصالح فى حياته وحضوره، وبين سؤاله فى مماته ومغيبه، ولم يكن أحد
من سلف الأمة فى عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين يتحرون
الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ويسألونهم ، ولا يستغيثون بهم؛ لا في
مغيهم ، ولا عند قبورهم ، وكذلك العكوف .
ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب ، كما ذكره
٨١

السائل ، ويستغيث به عند المصائب يقول : يا سيدي فلان ! كأنه
يطلب منه إزالة ضره أو جلب نفعه ، وهذا حال النصارى فى المسيح
وأمه وأحبارهم ورهبانهم، ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله
نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأعلم الناس بقدره وحقه أصحابه:
ولم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك ؛ لا فى مغيبه، ولا بعد مماته. وهؤلاء
المشركون يضمون إلى الشرك الكذب ؛ فإن الكذب مقرون بالشرك ،
وقد قال تعالى : ( فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْقَوْلَ الزُّورِ
حُنَفَإِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم:
((عدلت شهادة الزور الإشراك بالله. مرتين، أو ثلاثاً)) وقال تعالى:
(إِنَّالَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْرِى
وقال الخليل عليه السلام: ( أَبِفْكَاءَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ *
اُلْمُفْتَرِينَ )
فَمَا طَتُّكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ).
فمن كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه إن المريد إذا كان بالمغرب
وشيخه بالمشرق وانكشف غطاؤه رده عليه ، وإن الشيخ إن لم يكن
كذلك لم يكن شيخاً . وقد تغويهم الشياطين ، كما تغوي عباد الأصنام
كما كان يجري فى العرب فى أصنامهم، ولعباد الكواكب وطلاعها :
من الشرك والسحر ، كما يجري للتتار ، والهند، والسودان ، وغيرهم
من أصناف المشركين : من إغواء الشياطين ومخاطبتهم ونحو ذلك ،
٨٢

فكثير من هؤلاء قد يجري له نوع من ذلك ، لا سيما عند سماع المكا.
والتصدية ؛ فإن الشياطين قد تنزل عليهم، وقد يصيب أحدم كما
يصيب المصروع : من الإرغاء ، والإزباد ، والصياح المنكر . ويكلمه
بما لا يعقل هو والحاضرون ، وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في
هؤلاء الضالين .
وأما ( القسم الثالث ) وهوأن يقول : اللهم بجاء فلان عندك ، أو
ببركة فلان ، أو بحرمة فلان عندك : افعل بى كذا ، وكذا. فهذا يفعله
كثير من الناس ؛ لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف
الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء ، ولم يبلغني عن أحد من العلماء
فى ذلك ما أحكيه ؛ إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام.
فإنه أفتى : أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك ؛ إلا للنبي صلى الله عليه
وآله وسلم - إن صح الحديث فى النبى صلى الله عليه وآله وسلم -
ومعنى الاستفتاء : قد روى النسائي والترمذي وغيرهما أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم على بعض أصحابه أن يدعو فيقول: ((اللهم: إنى
أسألك وأتوسل إليك بنبيك فى الرحمة . يا محمد: يا رسول الله! إنى
أتوسل بك إلى ربى فى حاجتى ليقضيها لي . اللهم : فشفعه في ) فإن
هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبى صلى الله
عليه وآله وسلم في حياته وبعد مماته . قالوا : وليس فى التوسل دعاء
٨٣

المخلوقين ، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغائة بالله؛ لكن فيه
سؤال بجاهه ، كما فى سنن ابن ماجه عن النبى صلى الله عليه وآله
وسلم أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: ((اللهم إنى أسألك
بحق السائلين عليك، ويحق ممشاي هذا، فإنى لم أخرج أشراً ولا
بطراً ، ولا رياء ولا سمعة . خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ،
أسألك أن تنقذفى من النار ، وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب
إلا أنت )).
قالوا ففى هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ممشاء
إلى الصلاة، والله تعالى قد جعل على نفسه حقاً، قال الله تعالى: (وَكَانَ
حَقَّ عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) ونحو قوله: (كَانَ عَلَى رَيِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا )
وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النى صلى الله عليه وآله
وسلم قال له: ((يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟)) قال الله
ورسوله أعلم، قال: ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به
شيئاً . أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن
لا يعذبهم)، وقد جاء في غير حديث: (( كان حقاً على اللّه كذا وكذا))
كقوله: ((من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب
تاب الله عليه، فإن عاد فشربها فى الثالثة أو الرابعة كان حقاً على
الله أن يسقيه من طينة الخبال - قيل: وما طينة الخبال ؟ قال :
٨٤

عصارة أهل النار )) .
وقالت طائفة ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته وفى مغيبه؛
بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره ، كما فى صحيح البخاري : أن عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس ، فقال: اللهم إنا كنا إذا
أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا .
فيسقون . وقد بين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنهم كانوا
يتوسلون به فى حياته فيسقون .
وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم.
فيدعو لهم ، وبدءون معه، ويتوسلون بشفاعته ودعائه ، كما في
الصحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلا دخل
المسجد يوم الجمعة من باب كان بجوار (( دار القضاء)) ورسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم قائما . فقال: يا رسول الله ! هلكت الأموال ، وانقطعت
السبل . فادع الله لنا أن يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله صلى
اللّه عليه وآله وسلم يدبه ثم قال: ((اللهم: حوالينا ولا علينا. اللهم
على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)) قال : وأقلعت
تخرجنا نمشي في الشمس ، ففي هذا الحديث أنه قال : ادع الله لنا
أن يمسكها عنا. وفى الصحيح أن عبد الله بن عمر قال: إنى
٨٥

لأذكر قول أبى طالب فى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
حيث يقول :
وأبيض بستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه . ولما مات توسلوا
بالعباس رضي الله عنه، كما كانوا يتوسلون به ويستسقون. وما كانوا
يستسقون به بعد موته ، ولا فى مغيبه ولا عند قبره ولا عند قبر غيره، وكذلك
معاوية بن أبى سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال : اللهم إنا
نستشفع إليك بخيارنا ! يا يزيد ارفع يديك إلى الله ! فرفع يديه ،
ودعا ، ودعوا، فسقوا . فلذلك قال العلماء : يستحب أن يستسقى بأهل
الصلاح والخير ، فإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم كان أحسن . ولم يذكر أحد من العلماء أنه بشرع التوسل
والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في
الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية. والدعاء مخ العبادة.
والعبادة مبناها على السنة والاتباع ، لا على الأهواء والابتداع ، وإنما
يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ
وقال تعالى :
شُرَكَوُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّبِهِ اللَّهُ )
( أَدْ عُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ) وقال النبى صلى
٨٦

الله عليه وآله وسلم : إنه سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون في
الدعاء والطهور.
وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئا فاستغاث بشيخه يطلب
تثبيت قلبه من ذلك الواقع ، فهذا من الشرك ، وهو من جنس دين
النصارى ، فإن الله هو الذي يصيب بالرحمة ويكشف الضر ، قال تعالى:
(وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرِّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّهُوَ وَ إِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَرَآَّلِفَضْلِهِ )
وقال تعالى: (مَّا يَفْتَحِاللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ هُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا هُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)
وقال تعالى: (قُلْ أَرَءَيَتَكُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْأَتَنْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ
إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُتَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ)
وقال تعالى: (قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّعَنَكُمْ
وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا )
فبين أن من يدعى من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف
الضر عنهم ولا تحويلا .
فإذا قال قائل : أنا أدعو الشيخ ليكون شفيعا لي فهو من جنس
دعاء النصارى لمريم والأحبار والرهبان . والمؤمن يرجو ربه ويخافه ، ويدعوه
مخلصا له الدين ، وحق شيخه أن يدعوله ويترحم عليه ؛ فإن أعظم الخلق
٨٧

قدرا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصحابه أعلم الناس
بأمره وقدره ، وأطوع الناس له ، ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الفزع
والخوف أن يقول : ياسيدى! يا رسول الله، ولم يكونوا يفعلون ذلك فى
حياته ولا بعد مماته ؛ بل كان بأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام
عليه صلى الله عليه وآله وسلم - قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْلَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *
فَأَنْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَهُ وَأَنَّبَعُواْ رِضْوَنَ اللَّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -
رضي الله عنها - أن هذه الكلمة قالها إبراهيم - عليه السلام - حين
ألقي في النار ، وقالها محمد صلى الله عليه وآله وسلم - يعنى وأصحابه -
حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان بقول
عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش
الكريم ، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم))
وقد روى أنه علم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته ، وفى السنن أن
النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حز به أمر قال: ((ياحي
يا قيوم برحمتك أستغيث)) وروى أنه علم ابنته فاطمة أن نقول : يا حي
يا قيوم، يا بديع السموات والأرض ، لا إله إلا أنت ، برحمتك أستغيث ،
٨٨

أصلح لي شأنى كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد
من خلقك )) .
وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبى حاتم البستى عن ابن مسعود
- رضى الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما
أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك،
ناصيتي بيدك، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو
لك سميت به نفسك ، أو أنزلته فى كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ،
أو استأثرت به فى علم الغيب عندك : أن تجعل القرآن العظيم ربيع
قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزنى ، وذهاب همي وغمي : إلا أذهب
الله همه وغمه ، وأبدله مكانه فرحا : قالوا : يا رسول الله : أفلا نتعلمهن؟
قال: ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن)). وقال لأمته: ((إن الشمس والقمر
آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن الله
يخوف بهما عباده ، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة ، وذكر الله ،
والاستغفار)) فأحرم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر
والعتق والصدقة، ولم يأمرم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا
ولا غيرم)».
ومثل هذا كثير في سنته : لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما
أمر الله به : من دعاء الله، وذكره والاستغفار ، والصلاة، والصدقة،
٨٩

ونحو ذلك . فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى
بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ، تضاهي دين المشركين والنصارى؟.
فإن زعم أحد أن حاجته قضيت بمثل ذلك ؛ وأنه مثل له شيخه
ونحو ذلك ، فعباد الكواكب والأصنام ونحوم من أهل الشرك يجري
لهم مثل هذا ، كما قد تواتر ذلك عمن مضى من المشركين ، وعن
المشركين فى هذا الزمان . فلو لا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها ، قال
: ( وَاجْتُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَاُلْأَصْنَامَ *
الخليل عليه السلام
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ).
ويقال : إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل
من جهة ((عمرو بن لحي الخزاعى)) الذى رآء النبى صلى الله عليه
وآله وسلم يجر أمعاء. في النار ، وهو أول من سيب السوائب ، وغير
دين إبراهيم قالوا : إنه ورد الشام ، فوجد فيها أصناما بالبلقاء ، يزعمون
أنهم ينتفعون بها فى جلب منافعهم ودفع مضارم ، فنقلها إلى مكة ،
وسن للعرب الشرك وعبادة الأصنام .
والأمور التى حرمها الله ورسوله: من الشرك، والسحر ، والقتل ، والزنا
وشهادة الزور ، وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات: قد يكون للنفس فيها
حظ مما تعده منفعة ، أو دفع مضرة ، ولو لا ذلك ما أقدمت النفوس على
المحرمات التى لا خير فيها بحال ، وإنما يوقع النفوس فى المحرمات الجهل
٩٠

أو الحاجة ، فأما العالم بقبح الشيء والنهي عنه فكيف يفعله ، والذين
يفعلون هذه الأمور جميعها قد يكون عندم جهل بما فيه من الفساد .
وقد تكون بهم حاجة إليها : مثل الشهوة إليها ، وقد يكون فيها من
الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا يعلمون ذلك لجهلهم أو تغلبهم أهواؤهم
حتى يفعلوها ، والهوى غالبا يجعل صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئا
فإن حبك للشيء يعمي ويصم .
ولهذا كان العالم يخشى الله ، وقال أبو العالية سألت أصحاب محمد
صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قول الله عز وجل: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ
عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءِ بِمَهَلَةٍ ثُمَّيَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ) الآية فقالوا:
كل من عصى الله فهو جاهل ، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب
من قريب. وليس هذا موضع البسط لبيان ما فى المنهيات من المفاسد الغالبة
وما في المأمورات من المصالح الغالبة ، بل يكفي المؤمن أن يعلم أن ما أمر
الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، ومانهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة،
وأن اللهلا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم ولاتهام عما نها هم بخلابه عليهم،
بل أمرم بما فيه صلاحهم ونهام عما فيه فسادم ولهذا وصف نبيه - صلى
اللّه عليه وسلم - بأنه (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَِّثَ ).
وأما التمسح بالقبر - أي قبركان - وتقبيله، وتمريغ الحمد عليه
٩١

همنهي عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء ، ولم يفعل
هذا أحد من سلف الأمة وأتمتها ، بل هذا من الشرك،
قال الله تعالى: (وَقَالُواْ لَنَذَرُنَّءَالِهَتَّكُ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
وقد تقدم أن هؤلاء أسماء قوم صالحين
: وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا )
كانوا من قوم نوح ، وأنهم عكفوا على قبورهم مدة ، ثم طال عليهم
الأمد فصوروا تماثيلهم؛ لا سيما إذا اقترن بذلك دعاء الميت والاستغاثة
به. وقد تقدم ذكر ذلك ، وبيان ما فيه من الشرك، وبينا الفرق
بين ((الزيارة البديعية)) التي تشبه أهلها بالنصارى و ((الزيارة الشرعية)).
وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض
ونحو ذلك ، فإنه مما لانزاع فيه بين الأئمة فى النهي عنه ، بل مجرد
الانحناء بالظهر لغير الله عز وجل منهي عنه. ففي المسند وغيره ((أن
معاذ بن جبل رضي الله عنه لما رجع من الشام سجد للنبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم فقال : ما هذا يا معاذ ؟ فقال : يا رسول الله!
رأيتهم فى الشام يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ، ويذكرون ذلك عن
أنبيائهم، فقال: كذبوا يا معاذ! لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد
لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ، يا معاذ !
أرأيت إن مررت بقبري أ كنت ساجداً ؟ قال لا - قال : - لا
تفعل هذا)، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
٩٢

بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر : أنه صلى الله عليه وآله
وسلم صلى بأصحابه قاعداً من مرض كان به ، فصلوا قياماً ، فأمرهم
بالجلوس ، وقال: ((لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضاً))، وقال
((من سره أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار)) فإذا
كان قد نهام مع قعوده - وإن كانوا قاموا فى الصلاة - حتى
لا يتشبهوا بمن بقومون لعظمائهم ، وبين أن من سره القيام له كان من
أهل النار فكيف بما فيه من السجود له ، ومن وضع الرأس، وتقبيل
الأيادي، وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ــ وهو خليفة الله
على الأرض - قد وكل أعواناً يمنعون الداخل من تقبيل الأرض،
ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض .
وبالجملة فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود :
خالق السموات والأرض ، وما كان حقاً خالصاً للّه لم يكن لغيره فيه
نصيب : مثل الحلف بغير الله عز وجل ، وقد قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم: (( من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))
متفق عليه وقال أيضاً: (( من حلف بغير الله فقد أشرك)).
فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له (وَمَآ أُمِرُ وَا إِلَّا لِيَعْبُدُ واْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الِدِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِمَةِ )
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن
٩٣

الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً . وأن
تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم))
وإخلاص الدين لله هو أصل العبادة.
ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرك دقه وجله وحقيره
وكبيره. حتى إنه قد تواتر عنه أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس
ووقت غروبها بألفاظ متنوعة: تارة يقول: ((لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس
ولا غروبها )). وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع
الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وتارة : يذكر أن الشمس
إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ،
ونهى عن الصلاة فى هذا الوقت ، لما فيه من مشابهة المشركين فى
كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت ، وأن الشيطان يقارن
الشمس حينئذ ليكون السجود له فكيف بما هو أظهر شركاً
ومشابهة للمشركين من هذا. وقد قال الله تعالى فيما أمر رسوله أن
يخاطب به أهل الكتاب: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّانَعْبُدَ إِلََّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ- شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابَ مِن دُونِ اللَّهِ
فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْأَشْهَدُ واْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)
وذلك لما فيه من مشابهة أهل الكتاب من اتخاذ
بعضهم بعضا أرباباً من دون الله، ونحن منهيون عن مثل هذا ؛ ومن
٩٤

عدل عن هدي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهدي أصحابه والتابعين
لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى فقد ترك ما أمر
الله به ورسوله .
وأما قول القائل : انقضت حاجتى ببركة الله وبركتك . فمنكر من
القول ؛ فإنه لا يقرن بالله فى مثل هذا غيره ، حتى إن قائلا قال النبى
صلى الله عليه وآله وسلم: ما شاء اللّه وشئت فقال: ((أجعلتني الله
غداً؟! بل ما شاء الله وحده)) وقال لأصحابه: ((لا تقولوا ما شاء الله
وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد » وفي الحديث أن
بعض المسلمين رأى قائلا يقول : نعم القوم أنتم لولا أنكم تتددون .
أي تجعلون لله نداً. يعني تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فنهام
النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، وفى الصحيح عن زيد بن
خالد، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر بالحديدية
فى إثر سماء من الليل، فقال: ((أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا : الله
ورسوله أعلم ، قال : قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر . فأما من
قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ،
وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن
بالكوكب )). والأسباب التى جعلها الله أسباباً لا تجعل مع الله شركاء
وأنداداً وأعواناً .
٩٥

وقول القائل : ببركة الشيخ قد يعني بها دعاء. ، وأسرع الدعاء
إجابة دعاء غائب لغائب . وقد يعنى بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير.
وقد يعنى بها بركة معاونته له على الحق وموالانه فى الدين ونحو ذلك .
وهذه كلها معان صحيحة . وقد يعنى بها دعاءه للميت والغائب ؛ إذ
استقلال الشيخ بذلك التأثير ، أو فعله لما هو عاجز عنه ، أو غير قادر
عليه ، أو غير قاصد له : متابعته أو مطاوعته على ذلك من البدع
المنكرات ونحو هذه المعاني الباطلة . والذي لا ريب فيه: أن العمل
بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض ، ونحو ذلك : هو نافع
فى الدنيا والآخرة ، وذلك بفضل الله ورحمته .
وأما سؤال السائل عن (( القطب الغوث الفرد الجامع)). فهذا
قد يقوله طوائف من الناس ، ويفسرونه بأمور باطلة فى دين الإسلام :
مثل تفسير بعضهم: أن ((الغوث)) هو الذي يكون مدد الخلائق
بواسطته فى نصرم ورزقهم ، حتى يقول : إن مدد الملائكة وحيتان
البحر بواسطته . فهذا من جنس قول النصارى فى المسيح عليه السلام،
والغالية فى علي رضي الله عنه. وهذا كفر صريح ، يستتاب منه صاحبه،
فإن تاب وإلا قتل ؛ فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون
إمداد الخلائق بواسطته ، ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة فى «العقول
العشرة)) الذين يزعمون أنها الملائكة ، وما يقوله النصارى في المسيح
٩٦

ونحو ذلك كفر صريح باتفاق المسلمين .
وكذلك عني بالغوث ما يقوله بعضهم من أن فى الأرض ثلاثمائة
وبضعة عشر رجلا، يسمونهم ((النجباء)) فينتقى منهم سبعون ثم
((النقباء)) ومنهم أربعون م ((الأبدال)) ومنهم سبعة ثم ((الأقطاب))
ومنهم أربعة م ((الأوتاد)) ومنهم واحد هو ((الغوث)) وأنه مقيم بمكة،
وأن أهل الأرض إذا نابهم نائبة فى رزقهم ونصريم فزعوا إلى الثلاثمائة
وبضعة عشر رجلا، وأولئك يفزعون إلى السبعين، والسبعون إلى
الأربعين والأربعون إلى السبعة ، والسبعة إلى الأربعة ، والأربعة إلى
الواحد . وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب ؛
فإن لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول بعضهم إنه ينزل من السماء على
الكعبة ورقة خضراء باسم غوث الوقت ، واسم خضره ـ على قول
من يقول منهم : إن الخضر هو مرتبة وإن لكل زمان خضراً فإن لهم
في ذلك قولين - وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب الله ولا سنة
رسوله ، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أمتها ، ولا من المشايخ
الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم . ومعلوم أن سيدنا
رسول رب العالمين وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً - رضي الله عنهم -
كانوا خير الخلق فى زمنهم ، وكانوا بالمدينة ؛ ولم يكونوا بمكة .
وقد روى بعضهم حديثاً فى ((هلال)) غلام المغيرة بن شعبة ،
٩٧

وأنه أحد السبعة . والحديث باطل باتفاق أهل المعرفة ، وإن كان قد
روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم فى ((حلية الأولياء )) والشيخ أبو
عبد الرحمن السلمى فى بعض مصنفاته ، فلا تغتر بذلك ؛ فإن فيه
الصحيح والحسن والضعيف والموضوع ، والمكذوب الذي لا خلاف بين
العلماء فى أنه كذب موضوع . وتارة يروبه على عادة بعض أهل الحديث
الذين يرون ما سمعوا ولا يميزون بين صحيحه وباطله ، وكان أهل
الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث ؛ لما ثبت فى الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( من حدث عني بحديث
وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )).
وبالجملة فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل
في الرغبة والرهبة : مثل دعائهم عند الاستسقاء لنزول الرزق ، ودعائهم
عند الكسوف ، والاعتداد لرفع البلاء ، وأمثال ذلك إنما يدعون فى
ذلك الله وحده لا شريك له، لا يشركون به شيئاً، لم يكن للمسلمين
قط أن يرجعوا بحواتجهم إلى غير الله عز وجل ؛ بل كان المشركون فى
جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفتراج بعد التوحيد والإسلام
لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التى ما أنزل الله بها من سلطان؟
قال تعالى : (وَإِذَامَسََّ آلْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَمَّا كَشَفْنَا
عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّكَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّمَسَّهُ)
وقال تعالى :
٩٨

٢٠٠
(وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُ فِي الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ ) وقال تعالى:
﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ
بَلِّ إِيَّاهُ تَّدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا نُشْرِكُونَ )
*
وقال ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ إِلَى أُمَعِ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْبَضَرَّعُونَ
فَلَوْلَا إِذْ جَآءَ هُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ).
والنبى صلى الله عليه وآله وسلم استسقى لأصحابه بصلاة وبغير
صلاة ، وصلى بهم الاستسقاء ، وصلاة الكسوف ، وكان يقنت فى صلاته
فيستنصر على المشركين ، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده، وكذلك أمة
الدين ومشايخ المسلمين ، وما زالوا على هذه الطريقة .
ولهذا يقال: ثلاثة أشياء مالها من أصل ( باب النصيرية) و (منتظر
الرافضة ) و (غوث الجهال ): فإن النصيرية تدعي فى الباب الذي لهم ما هو
من هذا الجنس أنه الذي يقيم العالم ، فذاك شخصه موجود ؛ ولكن
دعوى النصيرية فيه باطلة. وأما محمد بن الحسن المنتظر ، والغوث المقيم
بمكة ، ومحو هذا : فإنه باطل ليس له وجود .
وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء
الله، ويعرفهم كلهم، ونحو هذا: فهذا باطل. فأبو بكر وعمر
٩٩

- رضي الله عنهما - لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله، ولا يمدانهم،
فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين ؟! ورسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآم من أمته
بسيماء الوضوء ، وهو الغرة والتحجيل، ومن هؤلاء من أولياء الله
من لا يحصيه إلا الله عز وجل. وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم
لم يكن يعرف أكثرم؛ بل قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَارُ سُلَّا مِّن قَبْلِكَ
مِنْهُمْ مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) ،
وموسى لم
يكن يعرف الخضر ، والخضر لم يكن يعرف موسى ؛ بل لما سلم عليه
موسى قال له الخضر : وأنى بأرضك السلام ؟ فقال له : أنا موسى ،
قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم . وقد كان بلغه اسمه وخبره ،
ولم يكن يعرف عينه . ومن قال إنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم
فقد قال الباطل .
والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت ، وأنه لم يدرك الإسلام ،
ولو كان موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوجب
عليه أن يؤمن به ، ويجاهد معه ، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره،
ولكان يكون فى مكة والمدينة ، ولكان يكون حضوره مع الصحابة
للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار
ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفياً عن خير أمة أخرجت للناس ، وهو
١٠٠