Indexed OCR Text

Pages 61-80

البدع الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية والشركية ، وقد جاء في
الحديث المعروف : أن بصرة بن أبى بصرة الغفاري رأى أبا هريرة
رضي الله عنه وقد سافر إلى الطور - الذي كلم الله موسى عليه -
فقال : لو رأيتك قبل أن تذهب إليه لم أدعك تذهب اليه ؛ لأن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
مساجد: المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ، . فإذا
كان السفر لزيارة الطور - الذي كلم الله عليه موسى، وسماه ((الوادي
المقدس)) و((البقعة المباركة)) - لا يشرع ؛ فكيف بالسفر لزيارة
غيره من الأطوار؟! فإن (( الطور)) هو الجبل ، والأطوار الجبال .
وأما القبر المشهور فى سفحه بالكرك الذي يقال إنه ((قبر نوح))
فهو باطل محال ، لم يقل أحد ممن له علم ومعرفة : إن هذا قبر نوح ،
ولا قبر أحد من الأنبياء أو الصالحين ، ولا كان لهذا القبر ذكر ولا
خبر أصلا؛ بل كان ذلك المكان باكورة يزرع فيها ، ويكون بها
الحاكة إلى مدة قريبة . رأوا هناك قبراً فيه عظم كبير ، وشموا فيه
رائحة ، فظن الجهلاء أنه لأجل تلك الرائحة يكون قبر نبي . وقالوا من
كان من الأنبياء كبيراً ؟ فقالوا: نوح . فقالوا : هو قبر نوح ، وبنوا
عليه فى دولة الرافضة الذين كانوا مع الناصر صاحب حلب ذلك القبر،
وزيد بعد ذلك فى دولة الظاهر ، فصار وتنا يشرك به الجاهلون ،
٦١

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله حرم على
الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء )) فلو كان قبر نبي لم يتجرد العظم .
وقد حدثني من نقات أهل المكان عن آبائهم من ذكر : أنهم رأوا
تلك العظام الكبيرة فيه ، وشاهدوه قبل ذلك مكاناً للزرع والحياكة .
وحدثني من الثقات من شاهد فى المقابر القريبة منه رؤوساً عظيمة جداً
تناسب تلك العظام . فعلم أن هذا وأمثاله من عظام العمالقة : الذين
كانوا في الزمن القديم أو نحوم .
ولو كان قبر نبي أو رجل صالح لم يشرع أن بنى عليه مسجد
بإجماع المسلمين ، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه،
كما قال فى الصحاح: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد))، وقال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد،
ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنهاكم عن ذلك)).
ولا تستحب الصلاة ؛ لا الفرض ولا النفل عند قبر نى ولا غيره
بإجماع المسلمين ؛ بل ينهى عنه ، وكثير من العلماء يقول : هي باطلة ؛
لما ورد فى ذلك من النصوص، وإنما البقاع التى يحبها الله ويحب الصلاة
والعبادة فيها هي المساجد التى قال اللّه فيها: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وقال تعالى :
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَاْلَصَالِ )
(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوةَ
٦٢

وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهُ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ).
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم ((أي البقاع أحب إلى الله ؟ قال :
المساجد . قيل : فأي البقاع أبغض الى الله ؟ قال : الأسواق )) وقال
صلى الله عليه وسلم: ((من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا
كما غدا أو راح)) وقال: ((إن العبد إذا تطهر فأحسن الوضوء ثم
خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة
والأخرى محط خطيئة )).
فدين الإسلام هو اتباع ما بعث الله به رسوله من أنواع المحبوبات،
واجتناب ماكرهه الله ورسوله من البدع والضلالات ، وأنواع المنهيات .
فالعبادات الإسلامية: مثل الصلوات المشروعة، والجماعات ، والجمعات وقراءة
القرآن ، وذكر الله الذي شرعه لعباده المؤمنين ، ودعائه ، وما يتبع
ذلك من أحوال القلوب ، وأعمال الأبدان . وكذلك أنواع الزكوات :
من الصدقات ، وسائر الإحسان إلى الخلق ، فإن كل معروف صدقة .
وكذلك سائر العبادات المشروعة . فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليها
وسائر إخواننا المؤمنين . والله سبحانه أعلم .
٦٣

وسئل أحمد بن تيمية رحمه اللّه تعالى
عمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور فى مرض به أو بفرسه أو
بعيره : بطلب إزالة المرض الذي بهم، ويقول : يا سيدي! أنا فى
جيرتك ، أنا في حسبك ، فلان ظلمني ، فلان قصد أذبتى ، ويقول :
إن المقبور يكون واسطة بينه وبين الله تعالى وفيمن بنذر للمساجد،
والزوايا والمشايخ - حيهم وميتهم - الدرام والإبل والغنم والشمع
والزيت وغير ذلك ، يقول : إن سلم ولدي فللشيخ علي كذا وكذا ،
وأمثال ذلك . وفيمن يستغيث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذاك
الواقع ؟ وفيمن يجيء إلى شيخه ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه ، ويمسح
القبر بيديه ، ويمسح بها وجهه ، وأمثال ذلك ؟ وفيمن يقصده بحاجته ،
ويقول : يا فلان ! ببركتك، أو يقول: قضيت حاجتى ببركة الله وبركة
الشيخ ؟ وفيمن يعمل السماع ويجيء إلى القبر فيكشف ويحط وجهه
بين بدي شيخه على الأرض ساجداً. وفيمن قال : إن ثم قطباً غوثا جامعا
فى الوجود ؟ أفتونا مأجورين ، وابسطو القول في ذلك .
فأحاب : الحمد لله رب العالمين. الدين الذي بعث الله به رسله
٦٤

وأنزل به كتبه هو عبادة الله وحده لا شريك له ، واستعانته ، والتوكل
عليه، ودعاؤه لجلب المنافع ، ودفع المضار ، كما قال تعالى: ( تَنزِيلُ
اَلْكِتَبِ مِنَ اْللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْنَا إِلَيَكَ الْحِكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا
لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِالدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُ هُمْ
إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) وقال تعالى:
(وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وقال تعالى: (قُلْ أَمَرَرَبِّ ◌ِاَلْقِسْطِ
وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) وقال تعالى:
(قُلِ أَدْعُوْلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَ تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ,
قالت طائفة
إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا )
من السلف : كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة ، قال الله تعالى:
هؤلاء الذين تدعونهم عبادى كما أنتم عبادي ، ويرجون رحمتی كما
ترجون رحمتى ، ويخافون عذابى كما يخافون عذابى ، ويتقربون إلي كما
تتقربون إلي . فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة فكيف
من دونهم ؟ .
وقال تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ يَتَّخِذُ واْعِبَادِى مِنْ دُونِيّ أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْنَدْنَا
وقال تعالى: (قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّندُونِ
جَهَنَّ ◌ِلَّكَفِنَ نْلًا )
٦٥

اللّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ
وَمَالَهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) .
فبين سبحانه أن من دعي من دون الله من جميع المخلوقات من
الملائكة والبشر وغيرهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة فى ملكه،
وأنه ليس له شريك فى ملكه، بل هو سبحانه له الملك ، وله الحمد،
وهو على كل شيء قدير، وأنه ليس له عون يعاونه كما يكون للملك
أعوان وظهراء ، وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا لمن ارتضى ،
فنفى بذلك وجوه الشرك .
وذلك أن من يدعون من دونه ! إما أن يكون مالكا ، وإما
أن لا يكون مالكا وإذا لم يكن مالكا فإما أن يكون شريكا ، وإما
أن لا يكون شريكا ، وإذا لم يكن شريكا فإما أن يكون معاوناً وإما
أن يكون سائلا طالباً، فالأقسام الأول الثلاثة وهي : الملك، والشركة
والمعاونة منتفية، وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه ، كما قال تعالى:
وكما قال تعالى: (وَكَم مِّن مَّلَكٍ
(مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)
فِ السَّمَوَتِ لَاتُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًاإِلَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى) وقال
تعالى: (أَمِ اتَّخَذُواْمِن دُونِ الَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا
يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ حَمِيعًا لَّهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) وقال تعالى:
( اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
٦٦

مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلٍِّ وَلَا شَفِيعِ أَفَلاَ نَتَذَكَّرُونَ) وقال تعالى (وَأَنذِرُبِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ
أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمٌ لَيْسَ لَهُمِن دُونِهِ، وَلِىٌ وَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ) وقال تعالى:
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا
لِى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَّنِيِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ *
وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُ واْلَئِكَةَ وَالنَِّنَ أَرْ بَابًا أَيَأْ مُرَّكُم بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُمُسْلِمُونَ )
فإذا جعل من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا كافراً فكيف من اتخذ من
دونهم من المشابخ وغيرهم أربابا ؟!
وتفصيل القول : أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر
عليها إلا الله تعالى : مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم
أو وفاء دينه من غير جهة معينة ، أو عافية أهله ، وما به من بلاء
الدنيا والآخرة ، وانتصاره على عدوه ، وهداية قلبه ، وغفران ذنبه، أو
دخوله الجنة ، أو نجاته من النار ، أو أن يتعلم العلم والقرآن ، أو أن
يصلح قلبه ويحسن خلقه ويزكي نفسه ، وأمثال ذلك : فهذه الأمور
كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك
ولانى ولا شيخ- سواء كان حياً أو ميتاً - اغفر ذنى، ولا انصرنى
على عدوي ، ولا اشف مريضى، ولا عافني أو عاف أهلي أو دابتى،
٦٧

وما أشبه ذلك . ومن سأل ذلك مخلوقا كائناً من كان فهو مشرك
بربه ، من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل
التى يصورونها على صورهم ، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه ،
قال الله تعالى: (وَإِذْقَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ
وَأُعِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ) الآية، وقال تعالى: (اتَّخَذُوَاْأَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أَمِرُوَأ إِلَّا
لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهًا وَاحِدًاً لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وأما ما يقدر عليه العبد فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون
بعض؛ فإن ((مسألة المخلوق)) قد تكون جائزة ، وقد تكون منهيا عنها
وأوصى
(فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب )
قال الله تعالى :
النبى صلى الله عليه وآله وسلم ابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله،
وإذا استعنت فاستعن بالله)) وأوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
طائفة من أصحابه : أن لا يسألوا الناس شيئا ، فكان سوط أحدم
يسقط من كفه فلا يقول لأحد ناولنى إياه ، وثبت في الصحيحين أنه
صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا
بغير حساب ، وهم الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون،
وعلى ربهم يتوكلون)) والاسترقاء طلب الرقية ، وهو من أنواع الدعاء ،
ومع هذا فقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما من
٦٨

رجل يدعو له أخوه بظهر الغيب دعوة إلا وكل الله بها ملكا كلما دعا
لأخيه دعوة قال الملك : ولك مثل ذلك )) ومن المشروع فى الدعاء دعاء
غائب الغائب ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة
عليه ، وطلبنا الوسيلة له، وأخبر بما لنا فى ذلك من الأجر إذا دعونا بذلك
فقال فى الحديث: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي،
فإن من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة،
فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو
أن أكون أنا ذلك العبد . فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له شفاعتى
يوم القيامة )).
ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه، فقد
روي طلب الدعاء من الأعلى والأدنى ؛ فإن النبى صلى الله عليه وآله
وسلم ودع عمر إلى العمرة، وقال: ((لا تنسنا من دعائك يا أخى))،
٠٠
لكن النبى صلى الله عليه وآله وسلم لما أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة
له ذكر أن من صلى عليه مرة صلى الله بها عليه عشراً، وأن من سأل
له الوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة ، فكان طلبه منا لمنفعتنا فى ذلك ،
وفرق بين من طلب من غيره شيئا لمنفعة المطلوب منه ، ومن يسأل
غيره لحاجته إليه فقط. وثبت فى الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم
ذكر أويساً القرني وقال لعمر: ((إن استطعت أن يستغفر لك فا فعل))
٦٩

وفي الصحيحين أنه كان بين أبى بكر وعمر رضى الله عنها شيء ، فقال
أبوبكر لعمر استغفر لي ، لكن فى الحديث أن أبا بكر ذكر أنه حنق على
عمر وثبت أن أقواما كانوا يسترقون ، وكان النبي صلى الله عليه
وآله وسلم برقيهم .
وثبت فى الصحيحين أن الناس لما أجدبوا سألوا النبى صلى الله عليه
وآله وسلم أن يستسقى لهم فدعا الله لهم فسقوا، وفى الصحيحين أيضا:
أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استسقي بالعباس فدعا ، فقال
اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم
نبينا فاسقنا ، فيسقون . وفى السنن أن أعرابيا قال النبى صلى الله عليه
وآله وسلم: جهدت الأنفس ، وجاع العيال ، وهلك المال فادع الله
لنا ، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فسبح رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ((ويحك؟!
إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك)).
فأقره على قوله إنا نستشفع بك على الله، وأنكر عليه نستشفع بالله
عليك ؛ لأن الشافع يسأل المشفوع إليه ، والعبد يسأل ربه ويستشفع
إليه ، والرب تعالى لا يسأل العبد ولا يستشفع به .
وأما ((زيارة القبور المشروعة)) فهو أن يسلم على الميت ويدعو له
بمنزلة الصلاة على جنازته، كما كان النبى صلى الله عليه وآله وسلم
٧٠

يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((سلام عليكم أهل دار قوم
مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم
والمستأخرين ، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرم ، ولا
تفتنا بعدهم)) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :
((ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد
الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)). والله تعالى يثيب الحي إذا دعا
للميت المؤمن ، كما يثيبه إذا صلى على جنازته ؛ ولهذا نهى النبي صلى
اللّه عليه وآله وسلم أن يفعل ذلك بالمنافقين، فقال عز من قائل :
(وَلَا تُصَلِّ عَلَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًّا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ )
فليس فى
الزيارة الشرعية حاجة الحي إلى الميت ، ولا مسألته ولا توسله به ؛ بل
فيها منفعة الحي للميت ، كالصلاة عليه، والله تعالى يرحم هذا بدعاء
هذا وإحسانه إليه ، ويثيب هذا على عمله ، فإنه ثبت في الصحيح عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( إذا مات ابن آدم انقطع
عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به من بعده ، أو ولد
صالح يدعو له )).
٧١

ـمـل
وأما من يأتى إلى قبر نبي أو صالح ، أو من يعتقد فيه أنه قبر
نبي أو رجل صالح وليس كذلك ، ويسأله ويستنجد. فهذا على
ثلاث درجات .
( إحداها ) : أن يسأله حاجته مثل أن يسأله أن يزيل مرضه ،
أو مرض دوابه ، أو يقضي دينه ، أو ينتقم له من عدوه ، أو يعافى
نفسه وأهله ودوابه ، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا اللّه عز وجل :
فهذا شرك صريح ، يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل .
وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى اللّه منى ليشفع لي في هذه
الأمور ؛ لأنى أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه
فهذا من أفعال المشركين والنصارى ، فإنهم يزعمون أنهم يتخذون
أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم فى مطالبهم ، وكذلك أخبر الله
(مَا نَعْبُدُ هُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
عن المشركين أنهم قالوا :
( أَمِ أَتَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ
وقال سبحانه وتعالى :
لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا لَّهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
٧٢

ثُمَّ إِلَيْهِ تُرَجَعُونَ ) وقال تعالى: (مَالَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلٍِ وَلَا شَفِيعُ أَفَلاَ
تَتَذَكَّرُونَ )
وقال تعالى: (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا
بِإِذْنِهِ ) فبين الفرق بينه وبين خلقه. فإن من عادة الناس أن يستشفعوا
إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه ، فيسأله ذلك الشفيع ، فيقضي
حاجته : إما رغبة، وإما رهبة ، وإما حياء وإما مودة ، وإما غير ذلك،
والله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى بأذن هو للشافع ، فلا يفعل
إلا ماشاء ، وشفاعة الشافع من إذنه، فالأمر كله له .
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى الحديث المتفق عليه عن أبى
هريرة رضى الله عنه: ((لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم
ارحمنى إن شئت ، ولكن ليعزم المسئلة فإن الله لا مكره له)) . فبين أن الرب
سبحانه يفعل ما يشاء لا يكرهه أحد على ما اختاره ، كما قد يكره
الشافع المشفوع إليه ، وكما يكره السائل المسؤول إذا ألح عليه وآذا.
بالمسئلة . فالرغبة يجب أن تكون إليه كما قال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ *
وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب) والرهبة تكون من اللّه كما قال تعالى: ( وَإِنَّىَ
فَأَرْهَبُونِ ) وقال تعالى: (فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ) وقد أمرنا أن
نصلي على النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى الدعاء ، وجعل ذلك من
أسباب إجابة دعائنا .
٧٣

وقول كثير من الضلال : هذا أقرب إلى الله منى ، وأنا بعيد من
اللّه لا يمكنى أن أدعوه إلا بهذه الواسطة، ونحو ذلك من أقوال
المشركين ، فإن الله تعالى يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) وقد روى : أن الصحابة قالوا يارسول
الله : ربنا قريب فتاجيه أم بعيد فتناديه ؟ فأنزل الله هذه الآية . وفى
الصحيح أنهم كانوا فى سفر وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير ، فقال
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم
فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا بل تدعون سميعا قريبا إن الذي
تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) وقد أمر الله تعالى العباد كلهم
بالصلاة له ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقولوا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ ) وقد أخبر عن المشركين أنهم قالوا (مَا نَعْبُدُ هُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآَ
إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ).
ثم يقال لهذا المشرك أنت إذا دعوت هذا فإن كنت تظن أنه أعلم
بمالك وأقدر على عطاء سؤالك أو أرحم بك فهذا جهل وضلال وكفر،
وإن كنت تعلم أن الله أعلم وأقدر وأرحم فلم عدلت عن سؤاله إلى
سؤال غيره ؟ ألا تسمع إلى ما خرجه البخاري وغيره عن جابر رضى
الله عنه قال: (( كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة
فى الأمور، كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول: إذا هم أحدكم بأمر
٧٤

فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم : إنى أستخيرك
بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر
ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب، اللهم : إن كنت
تعلم أن هذا الأمر خير لي فى ديني ومعاشي ، وعاقبة أمري ، فاقدره
لى ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي فى دينى،
ومعاشي ، وعاقبة أمري ، فاصرفه عنى ، واصرفنى عنه ، واقدر لي الخير
حيث كان ، ثم أرضى به - قال ــ ويسمى حاجته)) أحر العبد أن
يقول : أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من
فضلك العظيم .
وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى درجة عند الله منك
فهذا حق ؛ لكن كلمة حق أريد بها باطل ؛ فإنه إذا كان أقرب منك
وأُعلى درجة منك فإنما معناه أن يثيبه ويعطيه أكثر مما يعطيك ، ليس
معناه أنك إذا دعوته كان الله يقضي حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت
أنت الله تعالى: فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء - مثلا لما
فيه من العدوان - فالنبى والصالح لا يعين على ما يكرهه اللّه، ولا
يسعى فيما يبغضه الله وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول.
وإن قلت : هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا
دعوته. فهذا هو ((القسم الثاني)) وهو أ لا تطلب منه الفعل ولا
٧٥

تدعوه ، ولكن تطلب أن يدعو لك . كما تقول للحى: ادع لي ، وكما
كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطلبون من النبي صلى الله
عليه وآله وسلم الدعاء ، فهذا مشروع فى الحي كما تقدم ، وأما الميت
من الأنبياء والصالحين وغيرم فلم يشرع لنا أن نقول : ادع لنا ، ولا
اسأل لنا ربك ، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ، ولا أمر
به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث ، بل الذي ثبت فى الصحيح
أنهم لما أجدبوا زمن عمر - رضي الله عنه - استسقى بالعباس،
وقال: اللهم! إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا
نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله
عليه وآله وسلم قائلين: يا رسول الله! ادع الله لنا واستسق لنا،
ونحن نشكوا إليك مما أصابنا، ونحو ذلك. لم يفعل ذلك أحد من
الصحابة قط، بل هو بدعة ، ما أنزل الله بها من سلطان ، بل كانوا
إذا جاءوا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلمون عليه ، فإذا
أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر الشريف، بل ينحرفون
ويستقبلون القبلة، وبدءون اللّه وحده لا شريك له كما يدعونه فى
سائر البقاع .
وذلك أن فى ((الموطأ )) وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم
قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم انخذوا
٧٦

قبور أنبيائهم مساجد)) وفى السنن عنه أنه قال ((لاتتخذوا قبري
عيداً، وصلوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى » وفى
الصحيح عنه أنه قال فى مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذر ما فعلوا . قالت
عائشة رضي الله عنها وعن أبويها : ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكن كره
أن يتخذ مسجداً. وفى صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم
أنه قال قبل أن يموت بخمس: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون
القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك))
وفي سنن أبي داود عنه قال: ((لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها
المساجد والسرج)).
ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبور ، وقالوا : إنه
لا يجوز أن ينذر لقبر ، ولا للمجاورين عند القبر شيئاً من الأشياء ،
لا من درهم ، ولا من زيت ، ولا من شمع ، ولا من حيوان، ولا
غير ذلك ، كله نذر معصية. وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى
اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن
نذر أن يعصى الله فلا يعصه)) واختلف العلماء : هل على الناذر كفارة
يعين؟ على قولين ، ولهذا لم يقل أحد من أئمة السلف : إن الصلاة
عند القبور وفى مشاهد القبور مستحبة ، أو فيها فضيلة ، ولا إن
٧٧

الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة فى غير تلك البقعة والدعاء ؛
بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة فى المساجد والبيوت أفضل من الصلاة
عند القبور - قبور الأنبياء والصالحين - سواء سميت ((مشاهد)) أو لم تسم
وقد شرع الله ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء . فقال تعالى
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن قَنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِىِ خَابِهَا )
ولم يقل : المشاهد . وقال تعالى: (وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ ) ولم يقل
فى المشاهد، وقال تعالى: ( قُلْ أَمَرَرَبِّى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ
)، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
ڪُلِّمَسْجِدٍ
وَاُلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ
يَكُونُواْمِنَ الْمُهْتَدِينَ ) وقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ
وقال صلى الله عليه وآله وسلم (( صلاة الرجل في
أَحَدًا )
المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفا ))
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتا
في الجنة )).
وأما القبور فقد ورد نهيه صلى الله عليه وآله وسلم من اتخاذها
مساجد، ولعن من يفعل ذلك وقد ذكره غير واحد من الصحابة
والتابعين، كما ذكره البخاري فى صحيحه والطبراني وغيره في تفاسيرهم،
وذكره ونيمة وغيره فى ((قصص الأنبياء )) فى قوله تعالى: (وَقَالُواْ
٧٨

قالوا :
لَ نَذَرُنََّالِهَتَّكُمُوَلَانَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)
هذه أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا
على قبورهم ، ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثليهم أصناما وكان
العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو
ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه
وآله وسلم: ((اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد)).
واتفق العلماء على أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين - الصحابة وأهل البيت
وغيرهم - أنه لا يتمسح به ، ولا يقبله ؛ بل ليس فى الدنيا من الجمادات
ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود ، وقد ثبت في الصحيحين : أن عمر
رضي الله عنه قال: والله! إني لأعلى أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا
أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبلك ما قبلتك.
ولهذا لا بسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركني البيت
- اللذين يليان الحجر - ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم،
ولا صخرة بيت المقدس ، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين . حتى
تنازع الفقهاء فى وضع اليد على منبر سيدنا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم لما كان موجوداً ، فكرهه مالك وغيره ؛ لأنه بدعة ،
وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم ، ورخص
٧٩

فيه أحمد وغيره ؛ لأن ابن عمر رضي الله عنها فعله. وأما التمسح بقبر
النبى صلى الله عليه وآله وسلم وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه ؛ وذلك
لأنهم علموا ما قصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حسم مادة
الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين .
وهذا ما يظهر الفرق بين سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم
والرجل الصالح في حياته ، وبين سؤاله بعد موته وفى مغيبه: وذلك
أنه فى حياته لا يعبده أحد بحضوره، فإذا كان الأنبياء - صلوات الله
عليهم - والصالحون أحياء لا يتركون أحداً يشرك بهم بحضورهم ؛ بل
ينهونهم عن ذلك ، ويعاقبونهم عليه ، ولهذا قال المسيح عليه السلام :
( مَا قُلْتُ لَهُمْإِلَّمَا أَمَّرْتَنِع ◌َنِ اعْبُدُ واْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّاهُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا
تَوَقَّيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ )
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:
ما شاء الله وشئت، فقال: ((أجعلتنى لله نداً؟! ما شاء الله وحده))
وقال: (( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا ما شاء الله ثم
شاء محمد)) ولما قالت الجويرية : وفينا رسول الله يعلم ما فى غد. قال :
((دعي هذا، قولي بالذي كنت تقولين)). وقال لا تطرونى كما أطرت
النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله)) ولما صفوا
خلفه قياما (( قال: لا تعظمونى كما تعظم الأعاجم بعضهم بعضا)، وقال
٨٠