Indexed OCR Text
Pages 41-60
وأما إذا كان دينه هناك أنقص فالانتقال أفضل له ، وهذا حال غالب الخلق ؛ فإن أكثرهم لا يدافعون ؛ بل يكونون على دين الجمهور. وإذا كان كذلك: فدين الإسلام بالشام في هذه الأوقات وشرائعه أظهر منه بغيره . هذا أمر معلوم بالحس والعقل ، وهو كالمتفق عليه بين المسلمين العقلاء الذين أوتوا العلم والإيمان ، وقد دلت النصوص على ذلك: مثل ما روى أبو داود فى سننه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون هجرة بعد هجرة، خيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ، وفى سننه أيضاً عن عبد الله بن خولة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنكم ستجندون أجناداً: جنداً بالشام ، وجنداً باليمن ، وجنداً بالعراق ، فقال ابن خولة : يا رسول اللّه! اختر لي ، فقال: عليك بالشام : فإنها غيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من خلقه، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليتق من غدره، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله)». وكان الخوالي يقول : من تكفل الله به فلا ضيعة عليه . وهذان نصان فى تفضيل الشام. وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال أهل المغرب ظاهرين . لا يضرم من خالفهم ، ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة)، قال الإمام أحمد: أهل المغرب ثم أهل الشام ، وهو كما قال : فإن هذه لغة أهل المدينة النبوية فى ذاك ٤١ الزمان كانوا يسمون أهل نجد والعراق أهل المشرق ، ويسمون أهل الشام أهل المغرب ؛ لأن التغريب والتشريق من الأمور النسبية، فكل مكان له غرب وشرق ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك في المدينة النبوية ، فما تغرب عنها فهو غربه ، وما تشرق عنها فهو شرقه . ومن على حساب البلاد - أطوالها وعروضها - علم أن المعاقل التى بشاطىء الفرات - كالبيرة ونحوها - هي محاذبة للمدينة النبوية ، كما أنما شرق عنها بنحو من مسافة القصر كران وما سامتها مثل الرقة وسميساط فإنه محاذ أم القرى مكة . شرفها الله . ولهذا كانت قبلته هو أعدل القبل ، فما شرق عما حاذى المدينة النبوية فهو شرقها ، وما يغرب ذلك فهو غربها . وفى الكتب المعتمد عليها مثل ((مسند أحمد)) وغيره عدة آثار عن النبى صلى الله عليه وسلم في هذا الأصل : مثل وصفه أهل الشام (((بأنه لا يغلب منافقوم مؤمنيهم)). وقوله ((رأيت كأن عمود الكتاب - وفي رواية - عمود الإسلام أخذ من تحت رأسي ، فأتبعته نظري فذهب به إلى الشام )، وعمود الكتاب والإسلام ما يعتمد عليه ، وهم حملته القائمون به. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((عقر دار المؤمنين الشام ، ومثل ما فى الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبى صلى الله ٤٢ عليه وسلم أنه قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)) . وفيها أيضاً عن معاذ بن جبل قال: (( وهم بالشام)) وفى تاريخ البخاري قال : ((وثم بدمشق)) وروى: ((وثم بأ كناف بيت المقدس)) وفى الصحيحين أيضا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه أخبر أن ملائكة الرحمن مظلة أجنحتها بالشام ». والآثار فى هذا المعنى متعاضدة ، ولكن الجواب - ليس على البديهة - على عجل . وقد دل الكتاب والسنة وما روى عن الأنبياء المتقدمين عليهم السلام مع ما على بالحس والعقل وكشوفات العارفين : أن الخلق والأمر ابتدآ من مكة أم القرى ، فهي أم الخلق ، وفيها ابتدئت الرسالة المحمدية التى طبق نورها الأرض ، وهي جعلها الله قياما للناس: إليها يصلون ، ويحجون ، ويقوم بها ما شاء الله من مصالح دينهم ودنياهم . فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم ، ودلت الدلائل المذكورة على أن ((ملك النبوة)) بالشام، والحشر إليها . فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر. وهناك يحشر الخلق . والإسلام فى آخر الزمان يكون أظهر بالشام. وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس. فأول الأمة خير من آخرها . وكما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى ٤٣ الشام ، كما أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . خيار أهل الأرض فى آخر الزمان ألزمهم مهاجر إبراهيم - عليه السلام - وهو بالشام . فالأمر مساسه كما هو الموجود والمعلوم . وقد دل القرآن العظيم على بركة الشام فى خمس آيات : قوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَِّى بَرَّكْنَا فِيهَا) والله تعالى إنما أورث بني إسرائيل أرض الشام. وقوله: (سُبْحَانَ الَّذِىَّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ) وقوله : (وَجَّيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ يَرَّكْنَافِيهَا) وقوله: (وَلِسُلَيْمَنَ الرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَفِيَهَا) وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَابَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَافِيهَا فُرَّ ظَهِرَةً) الآية. فهذه خمس آيات نصوص. و ((البركة)) تتناول البركة في الدين، والبركة فى الدنيا. وكلاهما معلوم لا ريب فيه . فهذا من حيث الجملة والغالب . وأما كثير من الناس فقد يكون مقامه في غير الشام أفضل له ، كما تقدم . وكثير من أهل الشام لو خرجوا عنها إلى مكان يكونون فيه أطوع لله ولرسوله لكان أفضل لهم. وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي - رضي الله عنهما - يقول له: هلم إلى الأرض ٤٤ المقدسة ! فكتب إليه سلمان : إن الأرض لا تقدس أحداً ، وإنما يقدس الرجل عمله. وهو كما قال سلمان الفارسى ؛ فإن مكة - حرسها الله تعالى - أشرف البقاع ، وقد كانت فى غربة الإسلام دار كفر وحرب محرم المقام بها ، وحرم بعد الهجرة أن يرجع إليها المهاجرون فيقيموا بها ، وقد كانت الشام فى زمن موسى - عليه السلام - قبل خروجه بني إسرائيل دار الصابئة المشركين الجبابرة الفاسقين ، وفيها قال تعالى لبني إسرائيل : (سَأُؤْرِيَكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ). فإن كون الأرض ((دار كفر)) أو ((دار إسلام، أو إيمان)) أو ((دار سلم)) أو ((حرب)) أو ((دار طاعة)) أو ((معصية)) أو ((دار المؤمنين)) أو ((الفاسقين)) أوصاف عارضة؛ لا لازمة. فقد تنتقل من وصف إلى وصف كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم ، وكذلك بالعكس . وأما الفضيلة الدائمة فى كل وقت ومكان ففى الإيمان والعمل (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ الصالح ، كما قال تعالى : هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَخْرُهُمْ (وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ عِندَ رَبِّهِمْ) الآية. وقال تعالى : هُودَّا أَوْنَصَرَىُّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْبُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِين بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَرَبِّهِ) الآية. وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِنَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًاً وَأَتَّخَذَ ٤٥ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). وإسلام الوجه لله تعالى هو إخلاص القصد والعمل له والتوكل عليه. كما قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقال: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) وقال تعالى: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِأُبَيْتُ) . ومنذ أقام الله حجته على أهل الأرض بخاتم رسله محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وجب على أهل الأرض الإيمان به وطاعته ، واتباع شريعته ومنهاجه. فأفضل الخلق أعلمهم ، وأتبعهم لما جاء به : علما ، وحالا ، وقولا ، وعملا، وهم أتقى الخلق . وأي مكان وعمل كان أمون للشخص على هذا المقصود كان أفضل فى حقه ؛ وإن كان الأفضل فى حق غيره شيئاً آخر . ثم إذا فعل كل شخص ما هو أفضل فى حقه ، فإن تساوت الحسنات والمصالح التى حصلت له مع ما حصل للآخر فهما سواء ، وإلا فإن أرجحها فى ذلك هو أفضلها . وهذه الأوقات يظهر فيها من النقص فى خراب ((المساجد الثلاثة)) علما وإيماناً ما يتبين به فضل كثير ممن بأقصى المغرب على أكثرم . فلا ينبغي للرجل أن يلتفت إلى فضل البقعة فى فضل أهلها مطلقاً ؛ بل يعطى كل ذي حق حقه ولكن العبرة بفضل الإنسان في إيمانه وعمله الصالح والكلم الطيب ، ثم قد يكون بعض البقاع أعون على بعض الأعمال كإعانة مكة حرسها الله تعالى على الطواف والصلاة المضعفة ونحو ٤٦ ٢٠ ذلك. وقد يحصل فى الأفضل معارض راجح يجعله مفضولا : مثل من يجاور بمكة مع السؤال والاستشراف ، والبطالة عن كثير من الأعمال الصالحة ، وكذلك من يطلب الإقامة بالشام لأجل حفظ ماله وحرمة نفسه، لا لأجل عمل صالح . فالأعمال بالنيات . وهذا الحديث الشريف إنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بسبب الهجرة فقال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) قال ذلك بسبب أن رجلا كان قد هاجر يتزوج امرأة يقال لها : أم قيس، وكان يقال له : مهاجر أم قيس . وإذا فضلت حملة على جملة لم يستلزم ذلك تفضيل الأفراد على الأفراد ، كتفضيل القرن الثاني على الثالث ، وتفضيل العرب على ما سوامٍ ، وتفضيل قريش على ما سوام . فهذا هذا . والله أعلم . ٤٧ وسئل رحمه اللّه عن رجلين اختلفا فى الصلاة في جامع بني أمية هل هي بتسعين صلاة ، كما زعموا أم لا ؟ وقد ذكروا: ((أن فيه ثلاثمائة نى مدفونين)) فهل ذلك صحيح أم لا؟ وقد ذكروا: ((أن النائم بالشام كالقائم بالليل بالعراق)» وذكروا: (((أن الصائم المتطوع بالعراق كالمفطر بالشام)) وذكروا: ((أن الله خلق البركة واحداً وسبعين جزءاً. منها جزء واحد بالعراق وسبعون بالشام ». فهل ذلك صحيح أم لا؟. فأجاب: الحمد لله: لم يرد فى ((جامع دمشق )) حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتضعيف الصلاة فيه ، ولكن هو من أكثر المساجد ذكراً لله تعالى . ولم يثبت أن فيه عدد الأنبياء المذكورين. وأما القائم بالشام أو غيره فالأعمال بالنيات . فإن أقام فيه بنية صالحة فإنه يثاب على ذلك. وكل مكان يكون فيه العبد أطوع للّه فمقامه فيه أفضل ، وقد جاء فى فضل الشام وأهله أحاديث صحيحة ، ودل ٤٨ القرآن على أن البركة في أربع مواضع ، ولا ريب أن ظهور الإسلام وأعوانه فيه بالقلب واليد واللسان أقوى منه فى غيره ، وفيه من ظهور الإيمان وقمع الكفر والنفاق مالا يوجد فى غيره. وأما ما ذكر : من حديث الفطر والصيام ، وأن البركة واحد وسبعون جزءاً بالشام ، والعراق على ما ذكر : فهذا لم نسمعه عن أحد من أهل العلم . والله أعلم . وسئل أيضاً هل دخلت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى دمشق ، وكانت تحدث الناس بجامع دمشق أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله. لم يدخل دمشق أحد من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لا عائشة ولا غيرها . والله أعلم . ٤٩ وسئل رحمه الله تعالى: عن « جبل لبنان» هل ورد فى فضله نص فى كتاب الله تعالى؟ أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يحل فى دين الله تعالى أن يصفع الناس إليه برءوسهم إذا أبصروه ؟ وحتى من أبصره صباحاً أو مساء يرى أن ذلك بركة عظيمة؟ وهل ثبت عند أهل العلم أن فيه أربعين من الأبدال؟ أو كان فيه رجال عليهم شعر مثل شعر الماعز ؟ وهل هذه صفة الصالحين ؟ وهل يجوز أن يعقد له نية الزيارة ؟ أو يعتقد أن من وطئ أرضه فقد وطئ بعض الجيل المخصوص بالرحمة ؟ وهل ثبت أن فيه نبياً من الأنبياء مدفونا أو فى أذياله ؟ أو قال أحد من أهل العلم: إن فيه رجال الغيب ؟ وكيف صفة رجال الغيب الذين يعتقد العوام فيهم ؟ وهل يحل فى دين الله. تعالى أن يعتقد المسلمون شيئاً من هذا ؟ وهل يكون كل من كابر فيه وحسنه أو داهن فيه مخطئاً آئماً ؟ وهل يكون المنكر لهذا كله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحالة هذه أم لا؟ فأجاب: ليس فى فضل ((جبل لبنان)) وأمثاله نص لا عن الله ٥٠ ولا عن رسوله ؛ بل هو وأمثاله من الجيال التي خلقها الله وجعلها أوناداً للأرض ، وآية من آياته ، وفيها من منافع خلقه ما هو نعم الله على عباده . وسوف يفعل بها ما أخبر به فى قوله: (وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِ نَسْفًا * فَيَذَرُهَاقَاعَا صَفْصَفًا * لََّتَرَى فِيهَا عِوَجَا وَلَا أَمْنًا). وأما ما ذكر في بعض الحكايات عن بعض الناس من الاجتماع بعض العباد فى جبل لبنان ، وجبل اللكام، ونحو ذلك . وما يؤثر عن بعض هؤلاء من جميع المقال والفعال . فأصل ذلك أن هذه الأمكنة كانت ثغوراً يرابط بها المسلمون لجهاد العدو ؛ لما كان المسلمون قد فتحوا الشام كله وغير الشام ، فكانت غزة ، وعسقلان ، وعكة، وبيروت ، وجبل لبنان ، وطرابلس ، ومصيصة ، وسيس ، وطرسوس وأذنة ، وجبل اللكام، وملطية ، وآمد ، وجبل ليسون ، إلى قزوين إلى الشاش، ونحو ذلك من البلاد ؛ كانت تغوراً، كما كانت الإسكندرية ونحوها ثغوراً، وكذلك عبادان ونحوها من أرض العراق . وكان الصالحون يتناوبون الثغور لأجل المرابطة فى سبيل الله، فإن المقام بالثغور لأجل الجهاد في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة ، ما أعلم في ذلك خلافاً بين العلماء . وثبت فى صحيح مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال ٥١ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، ومن مات مرابطاً مات مجاهداً ، وجرى عليه عمله ، وأجرى عليه رزقه من الجنة ، وأمن الفتان )) وفى السنن عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((رباط يوم فى سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواء من المنازل)) وعن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: لأن أرابط ليلة فى سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود . وذلك لأن الرباط هو من جنس الجهاد، والمجاورة من جنس النسك، وجنس الجهاد فى سبيل اللّه أفضل من جنس النسك : بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين ، كما قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِالْآَخِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِلَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِلِ اَللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُ الْفَبِرُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمُ * خَلِينَ فِيَا أَبَدًّا إِنَّاللَّهَ عِندَهُ،أَجْرٌ عَظِيمٌ) . وفضائل الجهاد والرباط كثيرة . فلذلك كان صالحو المؤمنين يرابطون في الثغور : مثل ما كان الأوزاعي ، وأبو إسحاق الفزارى ، ومخلد بن الحسين ، وإبراهيم بن ٥٢ أدهم ، وعبد الله بن المبارك ، وحذيفة المرعشي ، ويوسف بن أسباط ، وغيرهم : يرابطون بالثغور الشامية . ومنهم من كان يجىء من خراسان والعراق وغيرهما للرباط فى الثغور الشامية ؛ لأن أهل الشام هم الذين كانوا يقاتلون النصارى أهل الكتاب . وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من قتله أهل الكتاب فله أجر شهيدين )) وذلك لأن هؤلاء يقاتلون على دين . وأما الكفار الترك ومحوم فلا يقاتلون على دين ، فإذا غلب أولئك أفسدوا الدين والملك . وأما الترك فيفسدون الملك وما يتبع ذلك من الدين ؛ ولا يقاتلون على الدين . ولهذا كثر ذكر ((طرسوس)) فى كتب العلم والفقه المصنفة في ذلك الوقت ، لأنها كانت ثغر المسلمين ، حتى كان يقصدها أحمد بن حنبل ، والسري السقطي ؛ وغيرهما من العلماء والمشايخ للرباط ، وتوفى المأمون قريباً منها . فعامة ما يوجد فى كلام المتقدمين من فضل عسقلان ، والإسكندرية ، أو عكة ، أو قزوين ، أو غير ذلك . وما يوجد من أخبار الصالحين الذين بهذه الأمكنة ونحو ذلك: فهو لأجل كونها كانت ثغوراً ؛ لا لأجل خاصية ذلك المكان . وكون البقعة ثغراً للمسلمين أو غير ثغر هو من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها ؛ بمنزلة كونها دار إسلام أو دار كفر، أو دار حرب، أو دار سلم، أو دار علم وإيمان، أو دار ٥٣ جهل ونفاق . فذلك يختلف باختلاف سكانها وصفاتهم ؛ بخلاف المساجد الثلاثة ، فإن مزيتها صفة لازمة لها؛ لا يمكن إخراجها عن ذلك . وأما سائر المساجد فبين العلماء نزاع فى جواز تغييرها للمصلحة ، وجعلها غير مسجد ، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمسجد الكوفة لما بدله وجعل المسجد مكانا آخر ، وصار الأول حوانيت التمارين . وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره . فصل إذا عرف ذلك فهذه السواحل الشامية كانت ثغوراً للإسلام إلى أثناء المائة الرابعة، وكان المسلمون قد فتحوا ((قبرص)) في خلافة عثمان رضى الله عنه ، فتحها معاوية ، فلما كان فى أثناء المائة الرابعة اضطرب أمر الخلافة ، وصار للرافضة والمنافقين وغيرم دولة وملك بالبلاد المصرية والمغرب ، وبالبلاد الشرقية وبأرض الشام ، وغلب هؤلاء على ما غلبوا عليه من الشام : سواحله وغير سواحله ، وثم أمة مخذولة ليس لهم عقل ولا نقل ، ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة . فغلبت النصارى على عامة سواحل الشام ؛ بل وأكثر بلاد الشام ، وقهروا الروافض والمنافقين وغيرم ، وأخذوا منهم ما أخذوا ، إلى أن يسر ٥٤ الله تعالى بولاية ملوك السنة مثل ((نور الدين)) ((وصلاح الدين)) وغيرهما : فاستنقذوا عامة الشام من النصارى . وبقيت بقايا الروافض والمنافقين في جبل لبنان وغيره ، وربما غلبهم النصارى عليه حتى يصير هؤلاء الرافضة والمنافقون فلاحين للنصارى . وصار جبل لبنان ونحوه دولة بين النصارى والروافض ، ليس فيه من الفضيلة شيء ، ولا يشرع ، بل ولا يجوز المقام بين نصارى أو روافض يمنعون المسلم عن إظهار دينه . ولكن صار طوائف ممن يؤثر التخلي عن الناس - زهداً ونسكا ... بحسب أن فضل هذا الجيل ونحوه ، لما فيه من الخلوة عن الناس ، وأكل المباحات من الثمار التى فيه . فيقصدونه لأجل ذلك غلطا منهم، وخطأ ، فإن سكنى الجيال والغيران والبوادي ليس مشروعاً للمسلمين؛ إلا عند الفتنة فى الأمصار التى محوج الرجل إلى ترك دينه : من فعل الواجبات وترك المحرمات ، فيهاجر المسلم حينئذ من أرض يعجز عن إقامة دينه إلى أرض يمكنه فيها إقامة دينه ؛ فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه . وربما كان بعض الأوقات من هؤلاء النساك الزهاد طائفة إما ظالمون لأنفسهم وإما مقتصدون مخطئون مغفور لهم خطؤم ، فأما السابقون ٥٥ المقربون فهم الذين تقربوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح الذى رواء عن الله تعالى: (((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصر. الذي يبصر به ، ويده التى يبطش بها . ورجله التي يمشي بها ، فى يسمع ، وبى يبصر ، وبى يبطش ، وبى يمشي ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، بكره الموت ، وأكره مساءته ، ولا بد له منه)). ولا خلاف بين المسلمين أن جنس النساك الزهاد الساكنين فى الأمصار أفضل من جنس ساكني البوادي والجبال ، كفضيلة القروي على البدوي ، والمهاجر على الأعرابي ، قال الله تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّيَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) وفى الحديث: (( إن من الكبائر أن يرتد الرجل أعرابيا بعد الهجرة)) هذا لمن هو ساكن فى البادية بين الجماعة، فكيف بالمقيم وحده دائماً في جبل أو بادية ؟! فإن هذا يفوته من مصالح الدين نظير ما يفوته من مصالح الدنيا أو قريب منه ؛ فإن يد الله على الجماعة ، والشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد . ٥٦ فصل وأما اعتقاد بعض الجهال أن به ((الأربعين الأبدال)) فهذا جهل وضلال ، ما اجتمع به الأبدال الأربعون قط ، ولا هذا مشروع لهم ، ولا فائدة فى ذلك ، واعتقاد جهال الجمهور هذا يشبه اعتقاد الرافضة في الخليفة الحجة صاحب الزمان عندهم ، الذي يقولون : إنه غائب عن الأبصار ، حاضر فى الأمصار . ويعظمون قدره ، ويرجون بركته . وهو معدوم لا حقيقة له ، فكل من علق دينه بالمجهولات ، وأعرض عما بعث الله به نبيه من الهدى ودين الحق: فهو من أهل الضلال الخارج عن شريعة الإسلام ، بل فيه فى هذه الأوقات المتأخرة أهل الضلال من النصارى ، والنصيرية ، والرافضة : الذين غزام المسلمون . وكذلك قول كثير من الجهال وأهل الإفك والمحال : إن به أو بغيره ((رجال الغيب)). وتعظيمهم لهؤلاء هو نوع من الضلال الذي استحوذوا به على الجهال : من الأتراك والأعراب، والفلاحين ، والعامة ، أضلوم بذلك عن حقيقة الدين ، وأكلوا به أموالهم بالباطل ، كما قال تعالى: (إِنَّ كَثِيرًامِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ ٥٧ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) . ولم يكن من أنبياء الله وأوليائه من كان غائب الجسد عن أبصار الناس ؛ ولكن كثير منهم قد تغيب عن الناس حقيقة قلبه ، وما في باطنه من ولاية الله ، وعظيم العلم والإيمان ، والأحوال الزكية : فيكون فى الأمصار والمساجد وبين الناس من يكون من أولياء الله وأكثر الناس لا يعلمون حاله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رب أشعث، أغبر ، ذي طمرين ، مدفوع بالأبواب: لو أقسم على الله لأبره )) أي قد يكون فيمن تنبو عنه الأبصار لرثائة حاله من ببر الله قسمه ، وليس هذا وصفاً لازماً ؛ بل ولاية الله هي ما ذكرنا فى قوله: ( أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَآَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ) فأولياء الله م المؤمنون المتقون فى جميع الأصناف المباحة . وكذلك خبر الرجل الذي نبت الشعر على جميع بدنه كالماعن باطل ومحال . نعم يكون فى الضلال من الزهاد من يترك السنة حتى ينبت الشعر ويكثر على جسده ، وهذا ينبغي أن يؤمر بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من إحفاء الشوارب ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، ونحو ذلك . فإن ظن أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، ٥٨ أو أن من الأولياء من يسعه الخروج من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم - كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام - فهذا كافر يجب قتله بعد استتابته ؛ لأن موسى عليه السلام لم تكن دعوته عامة ، ولم يكن يجب على الخضر اتباع موسى - عليها السلام - بل قال الخضر لموسى : إني على علم من اللّه علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على على من اللّه علمكه الله لا أعلمه. فأما محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين : الجن والإنس : عربهم وعجمهم ، دانيهم وقاصيهم ، ملوكهم ورعيتهم ، زهادهم وغير زهادهم . قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) وقال تعالى: (قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( كان النبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة )) وهو خاتم الرسل ، ليس بعده نى ينتظر ، ولا كتاب يرتقب ؛ بل هو آخر الأنبياء ، والكتاب الذي أنزل عليه مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه . فمن اعتقد أن لأحد من جميع الخلق علمائهم وعبادهم وملوكهم خروجا عن اتباعه وطاعته وأخذ ما بعث به من الكتاب والحكمة فهو كافر . ويجب التفريق بين العبادات الإسلامية الإيمانية النبوية الشرعية التى ٥٩ يحبها الله ورسوله وعباده المؤمنون، وبين العبادات البدعية الضلالية الجاهلية التي قال اللّه فيها: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَوُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِدِينِ مَا لَمْ وإن ابتلى بشيء منها بعض أكابر النساك والزهاد. يَأْذَنَّ بِهِاللَّهُ ) . ففي الصحاح عن أنس رضي الله عنه: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بعض أصحابه قال : أما أنا فأصوم لا أفطر ، وقال الآخر : أما أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء ، وقال الآخر : أما أنا فلا آكل اللحم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لكني أصوم وأفطر ، وأقوم، وأنسام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم . فمن رغب عن سنتي فليس مني )). والراغب عن الشيء الذي لا يحبه ولا يريده ؛ بل يجب ويريد ما ينافى المشروع الذي أحبه الله ورسوله ، فقد تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل الذي يتعرى دائماً، أو بصمت دائماً، أو يسكن وحده فى البرية دائماً، أو يترك أكل الخبز واللحم دائماً ، أو يتزهب دائماً ؛ متعبداً بذلك ، ظاناً أن هذا يحبه الله ورسوله ؛ دون ضده من اللباس بالمعروف، والكلام بالمعروف ، والأكل بالمعروف ، ونحو ذلك . وإذا عرف هذا فكل ما ذكر من الانحناء للجبل المذكور ونحوه، أو لمن فيه، أو زيارته بلا قصد للجهاد، أو لأمر مشروع: فهو من الجهالات والضلالات . وكذلك التبرك بما يحمل منه من الثمار هو من ٦٠