Indexed OCR Text
Pages 21-40
النذر عند الأئمة الأربعة وغيرهم ؛ بخلاف المساجد الثلاثة ، فإنه إذا نذر السفر إلى المسجد الحرام لحج أو عمرة لزمه ذلك باتفاق الأئمة ، وإذا نذر السفر إلى المسجدين الآخرين لزمه السفر عند أكثرم كمالك وأحمد والشافعي فى أظهر قوليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) رواه البخاري . وإنما يجب الوفاء بنذر كل ما كان طاعة : مثل من نذر صلاة ، أو صوماً ، أو اعتكافا، أو صدقة لله ، أو حجاً. ولهذا لا يجب بالنذر السفر إلى غير المساجد الثلاثة ؛ لأنه ليس بطاعة لقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) فمنع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ، فغير المساجد أولى بالمنح ؛ لأن العبادة فى المساجد أفضل منها فى غير المساجد وغير البيوت بلا ريب ، ولأنه قد ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أحب البقاع إلى الله المساجد)، مع أن قوله ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) يتناول المنع من السفر إلى كل بقعة مقصودة ؛ بخلاف السفر للتجارة ، وطلب العلم ، ونحو ذلك : فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت ، وكذلك السفر لزيارة الأخ فى الله فإنه هو المقصود حيث كان . وقد ذكر بعض المتأخرين من العلماء : أنه لا بأس بالسفر إلى ٢١ المشاهد ، واحتجوا (( بأن النى صلى الله عليه وسلم كان يأتى قباء كل سبت راكباً وماشياً)) أخرجاء في الصحيحين ، ولا حجة لهم فيه؛ لأن قباء ليست مشهدا؛ بل مسجد، وهي منهى عن السفر إليها باتفاق الأئمة ؛ لأن ذلك ليس بسفر مشروع ؛ بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز ، ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يستحب ، كما يستحب زيارة قبور أهل البقيح وشهداء أحد . وأما أكل الخبز والعدس المصنوع عند ((قبر الخليل عليه السلام)) فهذا لم يستحبه أحد من العلماء ؛ لا المتقدمين ولا المتأخرين ، ولا كان هذا مصنوعا لا في زمن الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا بعد ذلك إلى خمسمائة سنة من البعثة ، حتى أخذ النصارى تلك البلاد ، ولم تكن القبة التى على قبره مفتوحة ؛ بل كانت مسدودة ، ولا كان السلف من الصحابة والتابعين يسافرون إلى قبره ولا قبر غيره ؛ لكن لما أخذ النصارى تلك البلاد فسووا حجرته واتخذوها كنيسة، فلما أخذ المسلمون البلاد بعد ذلك اتخذ ذلك من اتخذه مسجدا ، وذلك بدعة منهي عنها، لما ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذر ما فعلوا . وفي الصحيح عنه أنه قال قبل موته بخمس: ((إن من كان قبلكم كانوا ٢٢ يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنهاكم عن ذلك )) . ثم وقف بعض الناس وقفاً للعدس والخبز ، وليس هذا وقفاً من الخليل، ولا من أحد من بنى إسرائيل، ولا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من خلفائه؛ بل قد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه أطلق تلك القرية للدارميين ، ولم يأمرهم أن يطعموا عند مشهد الخليل - عليه السلام - لا خبزاً ولا عدساً ، ولا غير ذلك. فمن اعتقد أن الأكل من هذا الخبز والعدس مستحب شرعه النبي صلى الله عليه وسلم فهو مبتدع ضال ، بل من اعتقد أن العدس مطلقاً فيه فضيلة فهو جاهل . والحديث الذي يروى: (( كلوا العدس فإنه يرق القلب ، وقد قدس فيه سبعون نبياً)) حديث مكذوب مختلق باتفاق أهل العلم . ولكن العدس هو مما اشتهاء اليهود. وقال الله تعالى لهم: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَخَّ). ومن الناس من يتقرب إلى الجن بالعدس فيطبخون عدساً ويضعونه فى المراحيض ، أو يرسلونه ، ويطلبون من الشياطين بعض ما يطلب منهم، كما يفعلون مثل ذلك في الحمام ، وغير ذلك ، وهذا من الإيمان بالجبت والطاغوت . و ((جماع دين الإسلام)) : أن يعبد الله وحده لا شريك له ، ویعبد ٢٣ بما شرعه سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: من الواجبات ، والمستحبات ، والمندوبات . فمن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة فهو ضال، والله أعلم . وسئل الشيخ / حمد الله هل الأفضل المجاورة بمكة ؟ أو بمسجد النبى صلى الله عليه وسلم ؟ أو المسجد الأقصى ؟ أو بثغر من الثغور لأجل الغزو ؟ وفيما يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)). و ((من زار البيت ولم يزرني فقد جفاني)) وهل زيارة النبى صلى الله عليه وسلم على وجه الاستحباب أم لا؟ أفتونا مأجورين . فأجاب : الحمد لله رب العالمين . المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة فى المساجد الثلاثة، كما نص على ذلك أمة الإسلام عامة ؛ بل قد اختلفوا فى المجاورة : فكرهها أبو حنيفة ، واستحبها مالك وأحمد وغيرهما ؛ ولكن المرابطة عندم أفضل من المجاورة ، وهذا متفق عليه بين السلف، حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن أرابط ليلة فى سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. وذلك أن الرباط من جنس الجهاد وجنس الجهاد مقدم على جنس الحج، كما فى الصحيحين عن النبى صلى ٢٤ الله عليه وسلم أنه قيل له أي العمل أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله ورسوله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : جهاد فى سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال حج مبرور )) وقد قال تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالآخِرِ وَجَهَدَفِى سَبِيلِ * الَّذِينَءَامَنُواْوَهَاجَرُواْ وَجَهَدُوا فِى اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَاللَّهِ) إلى قوله: ( إِنَّاللَّهَ عِندَهُوَأَجْرُ عَظِيمٌ ) . وأما قوله: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي )) فهذا الحديث رواه الدار قطنى فيما قيل بإسناد ضعيف ، ولهذا ذكره غير واحد من الموضوعات، ولم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها من كتب الصحاح والسنن والمسانيد . وأما الحديث الآخر قوله: ((من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني )) فهذا لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث ؛ بل هو موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه مخالف للإجماع ؛ فإن جفاء الرسول صلى الله عليه وسلم من الكبائر ؛ بل هو كفر ونفاق ؛ بل يجب أن يكون أحب إلينا من أهلينا وأموالنا ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ». ٢٥ وأما ((زيارته)) فليست واجبة باتفاق المسلمين؛ بل ليس فيها أمر فى الكتاب ولا فى السنة ، وإنما الأمر الموجود فى الكتاب والسنة بالصلاة عليه والتسليم . فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً. وأكثر ما اعتمده العلماء فى ((الزيارة)) قوله في الحديث الذي رواه أبو داود : (( ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحى حتى أرد عليه السلام)). وقدكره مالك وغيره أن يقال : زرت قبر النبى صلى الله عليه وسلم. وقد كان الصحابة كابن عمر وأنس وغيرهما يسلمون عليه صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، كما فى الموطأ، أن ابن عمر كان إذا دخل المسجد يقول : السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر ! السلام عليك يا أبت !. وشد الرحل إلى مسجده مشروع باتفاق المسلمين، كما فى الصحيحين عنه أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا )). وفى الصحيحين عنه أنه قال : ((صلاة فى مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)). فإذا أتى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسلم عليه وعلى صاحبيه ، كما كان الصحابة يفعلون . وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي دون الصلاة فى مسجده فهذه المسألة فيها خلاف . فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن هذا غير ٢٦ مشروع، ولا مأمور به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى)) ولهذا لم يذكر العلماء أن مثل هذا السفر إذا نذره يجب الوفاء به ؛ بخلاف السفر إلى المساجد الثلاثة لا للصلاة فيها والاعتكاف ، فقد ذكر العلماء وجوب ذلك في بعضها - فى المسجد الحرام - وتنازعوا فى المسجدين الآخرين . فالجمهور يوجبون الوفاء به فى المسجدين الآخرين : كمالك والشافعي وأحمد ؛ لكون السفر إلى الفاضل لا يغني عن السفر إلى المفضول . وأبو حنيفة إنما يوجب السفر إلى المسجد الحرام ؛ بناء على أنه إنما يوجب بالنذر ما كان جنسه واجبا بالشرع ، والجمهور يوجبون الوفاء بكل ما هو طاعة؛ لما فى صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه )) . بل قد صرح طائفة من العلماء كابن عقيل وغيره بأن المسافر لزيارة قبور الأنبياء عليهم السلام وغيرها لا يقصر الصلاة فى هذا السفر ؛ لأنه معصية ، لكونه معتقداً أنه طاعة وليس بطاعة ، والتقرب إلى الله عز وجل بما ليس بطاعة هو معصية؛ ولأنه نهى عن ذلك والنهي يقتضي التحريم ورخص بعض المتأخرين في السفر لزيارة القبور ، كما ذكر أبو ٢٧ حامد فى ((الإحياء)) وأبو الحسن بن عبدوس، وأبو محمد المقدسي ، وقد روى حديثاً رواه الطبراني من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جاءنى زائراً لا تنزعه إلا زيارتى كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة ، لكنه من حديث عبد اللّه بن عبد الله بن عمر العمري، وهو مضعف. ولهذا لم يحتج بهذا الحديث أحد من السلف والأئمة. ويمثله لا يجوز إثبات حكم شرعي باتفاق علماء المسلمين . والله أعلم . ٢٨ وقال الشيخ رحم الله فصل وأما قوله: (( من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي )) وأمثال هذا الحديث مما روي فى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم فليس منها شيء صحيح ، ولم يرو أحد من أهل الكتب المعتمدة منها شيئاً : لا أصحاب الصحيح : كالبخاري ، ومسلم . ولا أصحاب السنن : كأبى داود، والنسائي ، ولا الأئمة من أهل المسانيد: كالإمام أحمد وأمثاله ، ولا اعتمد على ذلك أحد من أئمة الفقه : كمالك والشافعي ، وأحمد ، وإسحق ابن راهويه ، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأمثالهم ؛ بل عامة هذه الأحاديث مما يعلم أنها كذب موضوعة ، كقوله: ((من زارنى وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة)) وقوله: ((من حج ولم يزرنى فقد جفاني)) فإن هذه الأحاديث ونحوها كذب . والحديث الأول رواه الدارقطنى والبزار فى مسنده ، ومداره على ٢٩ عبد الله بن عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، وليس عن النبى صلى الله عليه وسلم في زيارة قبره ولا قبر الخليل حديث ثابت أصلا ؛ بل إنما اعتمد العلماء على أحاديث السلام والصلاة عليه ، كقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)) رواه أبو داود وغيره ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغونى عن أمتى السلام)) رواه النسائي. وقوله صلى الله عليه وسلم: (( أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، وليلة الجمعة : فإن صلاتكم معروضة علي ، قالوا : كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء )) رواه أبو داود وغيره . وقد كره مالك أن يقول الرجل : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم . قالوا : لأن لفظ الزيارة قد صارت في عرف الناس تتضمن ما نهي عنه ، فإن زيارة القبور على وجهين : وجه شرعي ، ووجه بدعي . («فالزيارة الشرعية ) مقصودها السلام على الميت والدعاء له ، سواء كان نبياً ، أو غير نى . ولهذا كان الصحابة إذا زاروا النبى صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه ، ويدعون له ، ثم ينصرفون ، ولم يكن أحد منهم يقف عند قبره ليدعو لنفسه؛ ولهذا كره مالك وغيره ذلك، وقالوا : إنه من البدع المحدثة . ولهذا قال الفقهاء : إذا سلم المسلم عليه ٣٠ وأراد الدعاء لنفسه لا يستقبل القبر ، بل يستقبل القبلة ، وتنازعوا وقت السلام عليه : هل يستقبل القبلة أو يستقبل القبر ؟ فقال أبو حنيفة : يستقبل القبلة ، وقال مالك والشافعي وأحمد : يستقبل القبر . وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وتنا يعبد)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تتخذوا قبري عيداً)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما فعلوا، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنهاكم عن ذلك )). ولهذا اتفق السلف على أنه لا يستلم قبراً من قبور الأنبياء وغيرهم . ولا يتمسح به ، ولا يستحب الصلاة عنده ، ولا قصده للدعاء عنده أو به ؛ لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان ، كما قال تعالى: (وَقَالُواْ لَ نَذَرُنَّ ءَ الِهَتَّكُمْ وَلَنَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) قال طائفة من السلف : هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ، فعبدوم . وهذه الأمور ونحوها هي من (( الزيارة البديعية )) وهي من جنس دين النصارى والمشركين ، وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند القبر ، أو أن يدعو الميت ويستغيث به ويطلب منه ، أو ٣١ يقسم به على الله في طلب حاجاته، وتفريج كرباته. فهذه كلها من البدع التى لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فعلها أصحابه. وقد نص الأئمة على النهى عن ذلك كما قد بسط في غير هذا الموضع . ولهذا لم يكن أحد من الصحابة يقصد زيارة ((قبر الخليل )» بل كانوا يأتون إلى بيت المقدس فقط طاعة للحديث الذي ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا )) . ولهذا اتفق أئمة الدين على أن العبد لو نذر السفر إلى زيارة ((قبر الخليل)) و ((الطور)) الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام أو ((جبل حراء)) ونحو ذلك لم يجب عليه الوفاء بنذره، وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه)) والسفر إلى هذه البقاع معصية في أظهر القولين ، حتى صرح من يقول : إن الصلاة لا تقصر فى سفر المعصية بأن صاحب هذا السفر لا يقصر الصلاة ، ولو نذر إتيان المسجد الحرام لوجب عليه الوفاء بالاتفاق . ولو نذر إتيان مسجد المدينة ، أو بيت المقدس : ففيه قولان للعلماء . أظهرهما وجوب الوفاء به، كقول مالك وأحمد والشافعى فى أحد قوليه . والثانى ٣٢ لا يجب عليه الوفاء به ، كقول أبي حنيفة والشافعى فى قوله الآخر ، وهذا بناء على أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع ، والصحيح وجوب الوفاء بكل نذر هو طاعة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ولم يستثن طاعة من طاعة. والمقصود هنا: أن الصحابة لم يكونوا يستحبون السفر لشيء من زيارات البقاع: لا آثار الأنبياء ، ولا قبورهم ، ولا مساجدم؛ إلا المساجد الثلاثة ؛ بل إذا فعل بعض الناس شيئاً من ذلك أنكر عليه غيره ، كما أنكروا على من زار الطور الذي كلم الله عليه موسى، حتى إن «غار حراء )» الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه قبل المبعث لم يزره هو بعد المبعث ولا أحد من أصحابه ، وكذا الدعاء المأثور فى القرآن . وثبت أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - كان فى بعض الأسفار : فرأى قوماً يتناوبون مكاناً يصلون فيه ، فقال : ما هذا؟ قالوا : مكان صلى فيه رسول صلى الله عليه وسلم. فقال: ومكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أتريدون أن تتخذوا أثر الأنبياء لكم مساجد ؟! إنما هلك من كان قبلكم بهذا : من أدركته الصلاة فليصل ، وإلا فليمض . وهذا لأن الله لم يشرع للمسلمين مكاناً يتناوبونه للعبادة إلا المساجد خاصة ، فما ليس بمسجد لم يشرع قصده ٣٣ للعبادة ، وإن كان مكان نبي أو قبر نبي . ثم إن المساجد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتخذ على قبور الأنبياء والصالحين، كما قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنهاكم عن ذلك)) وهذان حديثان فى الصحيح. وفي المسند، ومصحيح أبى حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد)) بل قد كره الصلاة في المقبرة عموماً ؛ لما فى ذلك من التشبه بمن يتخذ القبور مساجد كما فى السنن عنه أنه قال: ((الأرض كلها مسجد؛ إلا المقبرة، والحمام)) وهذه المعانى قد نص عليها أئمة الدين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأهل العراق وغيرم ؛ بل ذلك منقول عن أنس . ٣٤ وسئل رحمه اللّه عن قوله ((من حج فلم يزرنى فقد جفاني))؟ فأجاب: قوله: ((من حج ولم يزرني فقد جفاني)) كذب ؛ فإن جفاء النبى صلى الله عليه وسلم حرام . وزيارة قبره ليست واجبة باتفاق المسلمين ولم يثبت عنه حديث فى زيارة قبره ، بل هذه الأحاديث التى تروى ((من زارني وزار أبي فى عام واحد ضمنت له على الله الجنة)) وأمثال ذلك كذب باتفاق العلماء . وقد روى الدار قطنى وغيره فى زيارة قبره أحاديث، وهي ضعيفة. وقد كره مالك - وهو من أعلم الناس بحقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالسنة التى عليها أهل مدينته من الصحابة والتابعين وتابعيهم كره - أن يقال: زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو كان هذا اللفظ ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفاً عند علماء المدينة لم يكره مالك ذلك. وأما إذا قال : سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يكره بالاتفاق. كما فى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)). وكان ٣٥ ابن عمر يقول : السلام عليك يا رسول الله: السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا أبت! وفى سنن أبى داود عنه أنه قال: ((أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت . قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء )). وسئل رحم الله عن مكة هل هي أفضل من المدينة ؟ أم بالعكس ؟ . فأحاب : - الحمد لله : مكة أفضل لما ثبت عن عبدالله بن عدى ابن الحمراء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمكة وهو واقف بالخزورة: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ولولا أن قومي أخرجونى منك ما خرجت ، قال الترمذي حديث صحيح. وفى رواية: ((إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله)) فقد ثبت أنها خير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله وإلى رسوله . وهذا صريح في فضلها . وأما الحديث الذي يروى : ((أخرجتنى من أحب البقاع إلي فأسكنى أحب البقاع إليك)) فهذا حديث موضوع كذب لم يروه أحد من أهل العلم. والله أعلم . ٣٦ وسل عن التربة التى دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم هل هي أفضل من المسجد الحرام؟ . فأجاب : - وأما ((التربة)) التى دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم فلا أعلم أحداً من الناس قال إنها أفضل من المسجد الحرام، أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى؛ إلا القاضي عياض. فذكر ذلك إجماعاً ، وهو قول لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه . ولا حجة عليه . بل بدن النبى صلى الله عليه وسلم أفضل من المساجد . وأما ما منه خلق أو ما فيه دفن فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه خلق أفضل؛ فإن أحداً لا يقول إن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء فإن الله يخرج الحي من الميت، والميت من الحي. ونوح نبي كريم، وابنه المغرق كافر، وإبراهيم خليل الرحمن ، وأبوه آزر كافر . والنصوص الدالة على تفضيل المساجد مطلقة لم يستثن منها قبور ٣٧ الأنبياء ، ولا قبور الصالحين . ولو كان ما ذكره حقاً لكان مدفن كل نبى بل وكل صالح أفضل من المساجد التى هي بيوت الله، فيكون بيوت المخلوقين أفضل من بيوت الخالق التى أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، وهذا قول مبتدع فى الدين ، مخالف لأصول الإسلام . وسئل أبضاً عن رجلين تجادلا فقال أحدهما : إن تربة محمد النبى صلى الله عليه وسلم أفضل من السموات والأرض ، وقال الآخر: الكعبة أفضل . فمع من الصواب ؟ فأجاب: الحمد لله. أما نفس محمد صلى الله عليه وسلم هما خلق الله خلقاً أكرم عليه منه . وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام بل الكعبة أفضل منه ، ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضى عياض ، ولم يسبقه أحد إليه ، ولا وافقه أحد عليه. والله أعلم. ٣٨ وسئل رحمه الله ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين ؟ هل تفضل الإقامة فى الشام على غيره من البلاد ؟ وهل جاء فى ذلك نص فى القرآن أو الأحاديث أم لا ؟ أجيبونا مأجورين . فأجاب شيخ الإسلام والمسلمين ناصر السنة تقي الدين: الحمد لله. الإقامة فى كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله ورسوله ، وأفعل للحسنات والخير ، بحيث يكون أعلم بذلك، وأقدر عليه، وأنشط له أفضل من الإقامة فى موضع يكون حاله فيه في طاعة الله ورسوله دون ذلك . هذا هو الأصل الجامع . فإن أكرم الخلق عند الله أنقام. (وَلَكِنَّ الْبِرَّ ((والتقوى)) هى: ما فسرها اللّه تعالى فى قوله : مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِ ) إلى قوله : ( أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ) وجماعها فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله . وإذا كان هذا هو الأصل فهذا يتنوع بتنوع حال الإنسان . فقد يكون مقام الرجل فى أرض الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل: إذا كان مجاهدا فى سبيل اللّه بيده أو لسانه، آمراً ٣٩ بالمعروف، ناهيا عن المنكر ، بحيث لو انتقل عنها إلى أرض الإيمان والطاعة لقلت حسناته ، ولم يكن فيها مجاهدا ، وإن كان أروح قلباً . وكذلك إذا عدم الخير الذي كان يفعله فى أماكن الفجور والبدع . ولهذا كان المقام في الثغور بنية المرابطة فى سبيل الله تعالى أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق العلماء ؛ فإن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج ، كما قال تعالى : ( أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ اَلَْخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَ يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهِ وَاَللَّهُ لَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِمِينَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الآية، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله، وجهاد فى سبيله)) قال : ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور)). وهكذا لو كان عاجزاً عن الهجرة والانتقال إلى المكان الأفضل الذي لو انتقل إليه لكانت الطاعة عليه أهون ، وطاعة الله ورسوله فى الموضعين واحدة ؛ لكنها هناك أشق عليه . فإنه إذا استوت الطاعتان فأشقها أفضلها ؛ وبهذا ناظر مهاجرة الحبشة المقيمون بين الكفار من زعم أنه أفضل منهم ، فقالوا : كنا عند البغضاء البعداء، وأنتم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلم جاهلكم، ويطعم جائعكم، وذلك في ذات الله . ٤٠