Indexed OCR Text

Pages 201-220

الطواف بالبيت)) من جنس قوله: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا
أحدث حتى يتوضأ)) وقوله: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخار))
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا أحل المسجد لجنب ولا حائض)).
بل اشتراط الوضوء فى الصلاة ، وخمار المرأة في الصلاة ، ومنع الصلاة
بدون ذلك أعظم من منع الطواف مع الحيض ، وإذا كان قد حرم
المسجد على الجنب والحائض ، ورخص للحائض أن تناوله الخمرة من
المسجد، وقال لها: ((إن حيضتك ليست فى بدك)) تبين أن الحيضة
فى الفرج ، والفرج لا ينال المسجد ، وهذه العلة تقتضي إباحته للحائض
مطلقاً، لكن إذا كان قد قال: ((لا أحل المسجد لجنب ولا حائض)
فلا بد من الجمع بين ذلك ، والإيمان بكل ماجاء من عند الله ، وإذا
لم يكن أحدهما ناسخاً للآخر ، فهذا عام مجمل ، وهذا خاص فيه إباحة
المرور ، وهو مستثنى من ذلك التحريم ، مع أنه لا ضرورة إليه ،
فإباحة الطواف للضرورة لا تنافي تحريمه بذلك النص ، كاباحة الصلاة
للمرأة بلا خمار للضرورة، وإباحة الصلاة بلا وضوء للضرورة
بالتيمم ؛ بل وبلا وضوء ولا تيمم للضرورة ، كما فعل الصحابة لما فقدوا
الماء قبل نزول الآية ، وكاباحة الصلاة بلا قراءة للضرورة ، مع قوله :
(لا صلاة إلا بأم القرآن)). وكإباحة الصلاة والطواف مع النجاسة للضرورة مع
قوله: (( حتيه ثم اقرصيه ثم صلي فيه)) وإباحة الصلاة على المكان النجس
للضرورة مع قوله: (( جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً)) بل
٢٠١

تحريم الدم ولحم الخنزير أعظم الأمور ، وقد أبيح للضرورة.
والذي جاءت به السنة أن الطواف عبادة متوسطة بين الصلاة ،
وبين سائر المناسك ، فهو أفضل من غيره لنهى الحائض عنه ، فالصلاة
أكمل منه ، وذلك لأنه يشبه الصلاة أكثر من غيره ، ولأنه مختص
بالمسجد ، فلهاتين الحرمتين منعت منه الحائض ، ولم تأت سنة تمنع
المحدث منه ، وما لم يحرم على المحدث فلا يحرم على الحائض مع
الضرورة بطريق الأولى والأحرى، كقراءة القرآن، وكالاعتكاف في
المسجد ، ولو حرم عليها مع الحدث فلا يلزم تحريم ذلك مع الضرورة
كمس المصحف وغيره . ومن جعل حكم الطواف مثل حكم الصلاة فيما
يجب ويحرم فقد خالف النص والإجماع .
وليس لأحد أن يحتج بقول أحد فى مسائل النزاع ، وإنما الحجة
النص والإجماع ، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية
لا بأقوال بعض العلماء ؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية ،
لا يحتج بها على الأدلة الشرعية . ومن تربى على مذهب قد نعوده
واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق
بين ماجاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول بحيث يجب الإيمان به
وبين ما قاله بعض العلماء، ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه ، ومن كان
لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء ،
٢٠٢

وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم ، مثل المحدث عن غيره .
والشاهد على غيره لا يكون حاكما ، والناقل المجرد يكون حاكياً لا مفتياً.
ولا يحتمل حال هذه المرأة إلا تلك الأمور الثلاثة ، أو هذا القول ،
أو أن يقال طواف الإفاضة قبل الوقوف يجزئ إذا تعذر الطواف
بعده ، كما يذكر ذلك قولا فى مذهب مالك ، فيمن نسي طواف
الإفاضة حتى عاد إلى بلده أنه يجزئه طواف القدوم ، هذا مع أنه ليس
لها فيه فرج، فإنها قد يمتد بها الحيض من حين تدخل مكة إلى أن
يخرج الحاج.
وفيه أيضاً تقديم الطواف قبل وقته الثابت بالكتاب والسنة
والإجماع. والمناسك قبل وقتها لا تجزئ . وإذا دار الأمر بين أن تطوف
طواف الإفاضة مع الحدث ، وبين أن لا تطوفه ، كان أن تطوفه مع
الحدث أولى ، فإن فى اشتراط الطهارة نزاعا معروفا وكثير من العلماء
كأبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين عنه يقولون: إنها في حال
القدرة على الطهارة إذا طافت مع الحيض أجزاها ، وعليها دم ، مع
قولهم إنها تأثم بذلك ، ولو طافت قبل التعريف لم يجزئها ، وهذا
القول مشهور معروف. فتبين لك أن الطواف مع الحيض أولى من الطواف
قبل الوقت . وأصحاب هذا القول يقولون: إن الطهارة واجبة فيها لا شرط
فيها ، والواجبات كلها تسقط بالعجز ، ولهذا كان قول أبي حنيفة وغيره
٢٠٣

من العلماء إن كل ما يجب فى حال دون حال فليس بفرض ، وإنما الفرض
ما يجب على كل أحد فى كل حال .
ولهذا قالوا : إن طواف الوداع لما أسقطه النبى صلى الله عليه
وسلم عن الحائض دل على أنه ليس بركن ؛ بل يجبره دم . وكذلك
المبيت بمنى لما أسقطه عن أهل السقاية دل على أنه ليس بفرض ؛ بل
هو واجب يجبره دم. وكذلك الرمي لما جوز فيه للرعاة وأهل السقابة
التأخير من وقت إلى وقت دل ذلك على أن فعله فى ذلك الوقت ليس
بفرض. وكذلك لما رخص للضعفة أن يفيضوا من جمع بليل دل على أن
الوقوف بمز دلفة بعد الفجر ليس بفرض بل هو واجب يجبره الدم. فهذا
حجة لهؤلاء العلماء من أصحاب أبى حنيفة والشافعى وأحمد وغيرهم ، وقد
ذكرها أصحاب أبي حنيفة كالطحاوى وغيره .
فإذا كان قولهم إن الطهارة ليست فرضا فى الطواف وشرطا فيه
بل هي واجبة تجبر بدم دل ذلك على أنها لا تجب على كل أحد فى
كل حال، فإن ما أوجب على كل أحد في كل حال إنما هو فرض عندهم
لابد من فعله لا يجبر بدم .
وحينئذ فإذا كانت الطهارة واجبة فى حال دون حال سقطت مع
العجز ، كما سقط سائر الواجبات مع العجز ، كطواف الوداع ، وكما يباح
٢٠٤

للمحرم ما يحتاج إليه الناس من حاجة عامة كالسراويل ، والخفين ، فلا
فدية عند أكثر العلماء كالشافعى ، وأحمد ، وسائر فقهاء الحديث ، بخلاف
ما يحتاج إليه في بعض الأحوال ، فإنه لا يباح إلا مع الفدية ، وأبو
حنيفة يوجب الفدية فى الجميع . وحينئذ فهذه المحتاجة إلى الطواف أكثر
ما يقال إنه يلزمها دم ، كما هو قول أبى حنيفة ، وأحد القولين في
مذهب أحمد . فإن الدم يلزمها بدون العذر ، على قول من يجعل الطهارة
واجبة ، وأما مع العجز فإذا قيل بوجوب ذلك فهذا غاية ما يقال فيها .
والأقيس أنه لا دم عليها عند الضرورة. وأما أن يجعل هذا واجبا يجبره
دم ، ويقال : إنه لا يسقط للضرورة ، فهذا خلاف أصول الشريعة .
وقد تبين بهذا أن المضطرة إلى الطواف مع الحيض لما كان فى
علماء المسلمين من يفتيها بالإجزاء مع الدم وإن لم تكن مضطرة . لم تكن
الأمة مجمعة على أنه لا يجزئها إلا الطواف مع الطهر مطلقا ، وحينئذ
فليس مع المنازع القائل بذلك لا نص ولا إجماع ولا قياس، وقد بينا أن
هذا القول مستلزم لجواز ذلك عند الحاجة ، وأن العلماء اختلفوا فى
طهارة الحدث هل هي واجبة عليها ؟ وأن قول النفاة للوجوب أظهر .
فلم تجمع الأمة على وجوب الطهارة مطلقا ، ولا على أن شيئاً من الطهارة
شرط فى الطواف .
وأما الذى لا أعلم فيه نزاعا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا
٢٠٥

كانت قادرة على الطواف مع الطهر . فما أعلم منازعا أن ذلك يحرم عليها
وتأثم به ، وتنازعوا فى إجزائه : فمذهب أبى حنيفة يجزئها ذلك ، وهو
قول فى مذهب أحمد ، فإن أحمد نص في رواية على أن الجنب إذا طاف
ناسيا أجزأه ذلك ، فمن أصحابه من قصر ذلك على حال النسيان ، ومنهم
من قال هذا يدل على أن الطهارة ليست فرضا ، إذ لو كانت فرضا
لما سقطت بالنسيان ؛ لأنها من باب المأمور به لا من باب المنهي عنه
كطهارة الحدث فى الصلاة ؛ بخلاف اجتناب النجاسة فى الصلاة ، فإن
ظاهر مذهب أحمد أنه إذا صلى ناسيا لها أو جاهلا بها لا يعيد . لأن
ذلك من باب المنهى عنه ، فإذا فعله ناسيا أو جاهلا به لم يكن عليه إثم
فيكون وجوده كعدمه .
ثم إن من أصحابه من قال هذا يدل على أن الطهارة في الطواف
ليست عنده ركنا على هذه الرواية ، بل واجبة مجبر بدم ، وحكى
هؤلاء في مصحة طواف الحائض روايتين .
إحداهما : لا يصح ، والثانية : يصح وتجبره بدم . ومن ذكر هذا
أبو البركات وغيره ، وكذلك صرح غير واحد منهم بأن هذا النزاع
فى الطهارة من الحيض والجنابة كمذهب أبى حنيفة. فعلى هذا القول تسقط
بالعجز كسائر الواجبات .
٢٠٦

وذكر آخرون من أصحابه عنه ثلاث روايات : رواية يجزئه الطواف
مع الجنابة ناسيا ولا دم عليه . ورواية أن عليه دما. ورواية أنه لا يجزئه
ذلك ، وبعض الناس يظن أن النزاع في مذهب أحمد إنما هو فى الجنب
والمحدث ، دون الحائض ، وليس الأمر كذلك ، بل صرح غير واحد
من أصحابه بأن النزاع فى الحائض وغيرها ، وكلام أحمد يدل على ذلك
وتبين أنه كان متوقفا في طواف الحائض ، وفي طواف الجنب ، وكان
بذكر أقوال الصحابة والتابعين وغيرم فى ذلك، فذكر أبو بكر عبد
العزيز في ((الشافي )) عن الميمونى قال: قلت لأحمد : من سعى وطاف
طواف الواجب على غير طهارة ، ثم واقع أهله فقال : هذه مسألة
الناس فيها مختلفون ، وذكر قول ابن عمر ، وما يقول عطاء ، وما
يسهل فيه ، وما يقول الحسن ، وأمر عائشة، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم حين حاضت: ((افعلي ما يفعل الحاج ، غير أن لا تطوفى
بالبيت ، إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم )» فقد بليت به نزل
بها ليس من قبلها. قال الميمونى : قلت : فمن الناس من يقول عليه الحج
فقال : نعم كذلك أكثر علمي ، ومن الناس من يذهب إلى أن عليه
دما ؟ قال أبو عبد الله أولا وآخراً هي مسألة مشتبهة فيها نظر ، دعنى
حتى أنظر فيها. ومن الناس من يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع حتى
يطوف. قلت : والنسيان قال : والنسيان أهون حكما بكثير ؟ يريد
أهون ممن يطوف على غير طهارة متعمداً .
٢٠٧

قال أبو بكر عبد العزيز : قد بينا أمر الطواف بالبيت في أحكام
الطواف على قولين ، يعنى لأحمد . أحد القولين : إذا طاف الرجل
وهو غير طاهر أن الطواف يجزىء عنه إذا كان ناسياً . والقول
الآخر : أنه لا يجزئه حتى يكون طاهراً، فإن وطئ وقد طاف غير
طاهر ناسياً فعلى قولين: مثل قوله فى الطواف ، فمن أجاز الطواف غير
طاهر قال ثم حجه، ومن لم يجزء إلا طاهراً رده من أي المواضع
ذكر حتى يطوف . قال : وبهذا أقول .
فأبو بكر وغيره من أصحاب أحمد يقولون في إحدى الروايتين
يجزئه مع العذر ، ولا دم عليه، وكلام أحمد بين في هذا. وجواب
أحمد المذكور يبين أن النزاع عنده فى طواف الحائض وغيره .
وقد ذكر عن ابن عمر وعطاء وغيرهما التسهيل فى هذا . ومما
نقل عن عطاء في ذلك أن المرأة إذا حاضت فى أثناء الطواف ، فإنها
تتم طوافها ، وهذا صريح عن عطاء أن الطهارة من الحيض ليست
شرطاً، وقوله : مما اعتد به أحمد، وذكر حديث عائشة ، وأن
قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا أمر كتبه الله على بنات
آدم )) يبين أنه أمر بليت به نزل عليها ليس من قبلها فهي معذورة
في ذلك .
ولهذا تعذر إذا حاضت وهى معتكفة فلا يبطل اعتكافها ، بل
٢٠٨

تقيم فى رحبة المسجد ، وإن اضطرت إلى المقام فى المسجد أقامت به،
وكذلك إذا حاضت فى صوم الشهرين لم ينقطع التابع باتفاق العلماء.
وهذا يقتضي أنها تشهد المناسك بلا كراهة، وتشهد العيد مع المسلمين
بلا كراهة، وتدعو وتذكر الله، والجنب يكره له ذلك، لأنه قادر على
الطهارة ، وهذه عاجزة عنها فهي معذورة ، كما عذرها من جوز لها
القراءة ، بخلاف الجنب الذي يمكنه الطهارة ، فالحائض أحق بأن تعذر
من الجنب الذي طاف مع الجنابة ، فإن ذلك يمكنه الطهارة ، وهذه
تعجز عن الطهارة ، وعذرها بالعجز والضرورة أولى من عذر الجنب
بالنسيان ، فإن الناسي لما أمر بها فى الصلاة يؤمر بها إذا ذكرها،
وكذلك من نسى الطهارة للصلاة فعليه أن يتطهر ويصلي إذا ذكر ؛
بخلاف العاجز عن الشرط : مثل من يعجز عن الطهارة بالماء فإنها
تسقط عنه ، وكذلك العاجز عن سائر أركان الصلاة : كالعاجز عن
القراءة والقيام، وعن تكميل الركوع والسجود ، وعن
استقبال القبلة فإن هذا يسقط عنه كل ما عجز عنه ، ولم يوجب الله
على أحد ما يعجز عنه من واجبات العبادات.
فهذه إذا لم يمكنها الطواف على الطهارة ، سقط عنها ما
تعجز عنه، ولا يسقط عنها الطواف الذي تقدر عليه بعجزها عما هو ركن
فيه أو واجب ، كما فى الصلاة وغيرها ، وقد قال الله تعالى: (فَأَنَّقُواْ
٢٠٩

اللَّهَمَاُسْتَطَعْتُمْ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا
منه ما استطعتم )) وهذه لا تستطيع إلا هذا، وقد انقت اللّه ما
استطاعت ، فليس عليها غير ذلك.
ومعلوم أن الذي طاف على غير طهارة متعمداً آثم ، وقدذكر أحمد
القولين : هل عليه دم ؟ أم يرجع فيطوف ؟ وذكر النزاع فى ذلك ،
وكلامه يبين فى أن توقفه في الطائف على غير طهارة يتناول الحائض
والجنب مع التعمد ، ويبين أن أمر الناسي أهون بكثير ، والعاجز عن
الطهارة أعذر من الناسي .
وقال أبو بكر عبد العزيز فى ((الشافى)): ( باب في الطواف بالبيت
غير طاهر ) قال أبو عبد الله فى رواية أبى طالب: ولا يطوف بالبيت
أحد إلا طاهرا، والتطوع أيسر ، ولا يقف مشاهد الحج إلا طاهراً.
وقال فى رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناس لطهارته
حتى رجع فإنه لا شيء عليه، وأختار له أن يطوف وهو طاهر ، وإن
وطئ فحجه ماض، ولا شيء عليه .
فهذا النص من أحمد صريح بأن الطهارة ليست شرطا ، وأنه
لا شيء عليه إذا طاف ناسيا لطهارته ، لا دم ولا غيره ، وأنه إذا وطئ
بعد ذلك فيجه ماض ، ولاشىء عليه ، كما أنه لما فرق بين التطوع
٢١٠

وغيره فى الطهارة ، فأمر بالطهارة فيه . وفي سائر المناسك ، دل ذلك
على أن الطهارة ليست شرطاً عنده ، فقطع هنا بأنه لاشيء عليه مع
النسيان . وقال فى رواية أبي طالب أيضاً : إذا طاف بالبيت وهو غير
طاهر يتوضأ ويعيد الطواف ، وإذا طاف وهو جنب فإنه يغتسل وبعيد
الطواف . وقال في رواية أبي داود : حدثنا سفيان عن ابن جريج عن
عطاء إذا طاف على غير وضوء فليعد طوافه . وقال أبو بكر عبد العزيز:
( باب فى الطواف فى الثوب النجس ) قال أبو عبد الله فى رواية أبى
طالب : وإذا طاف رجل فى ثوب نجس ، فإن الحسن كان يكره أن
يفعل ذلك، ولا ينبغى له أن يطوف إلا فى ثوب طاهر .
وهذا الكلام من أحمد يبين أنه ليس الطواف عنده كالصلاة فى
شروطها ، فإن غاية ماذكر في الطواف فى الثوب النجس أن الحسن
كره ذلك ، وقال لا ينبغي له أن يطوف إلا فى ثوب طاهر . ومثل هذه
العبارة تقال فى المستحب المؤكد ، وهذا بخلاف الطهارة فى الصلاة .
ومذهب أبى حنيفة وغيره أنه إذا طاف وعليه نجاسة صح طوافه ،
ولا شيء عليه .
وبالجملة هل يشترط للطواف شروط الصلاة ؟ على قولين في مذهب
أحمد ، وغيره :
أحدهما : يشترط ، كقول مالك، والشافعي ، وغيرها .
٢١١

والثانى : لا يشترط ، وهذا قول أكثر السلف ، وهو مذهب
أبي حنيفة : وغيره ، وهذا القول هو الصواب ، فإن المشترطين فى
الطواف كشروط الصلاة ليس معهم حجة إلا قوله صلى الله عليه
وسلم: (( الطواف بالبيت صلاة)) وهذا لو ثبت عن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يكن لهم فيه حجة ، كما تقدم. والأدلة الشرعية تدل على
خلاف ذلك . فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على الطائفين طهارة
ولا اجتناب نجاسة ، بل قال: ((مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها
التكبير ، وتحليلها التسليم)) والطواف ليس كذلك ، والطواف لا يجب
فيه ما يجب فى الصلاة ، ولا يحرم فيه ما يحرم فى الصلاة ، فبطل أن
يكون مثلها .
وقد ذكروا من القياس أنها عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة
وغيرها شرطاً فيها كالصلاة ، وهذا القياس فاسد ، فإنه يقال : لا نسلم
أن العلة في الأصل كونها متعلقة بالبيت ، ولم يذكروا دليلا على ذلك.
والقياس الصحيح ما بين فيه أن المشترك بين الأصل والفرع هو علة
الحكم أو دليل العلة.
وأيضاً فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة ، سواء تعلقت بالبيت أو
لم تتعلق ، ألا ترى أنهم لما كانوا يصلون إلى الصخرة كانت الطهارة
أيضاً شرطاً فيها ، ولم تكن متعلقة بالبيت ، وكذلك أيضاً إذا صلى .
٢١٢

إلى غير القبلة كما يصلي المتطوع في السفر ، وكصلاة الخوف راكبا ، فإن
الطهارة شرط وليست متعلقة بالبيت .
وأيضاً فالنظر إلى البيت عبادة متعلقة بالبيت ، ولا يشترط له الطهارة
ولا غيرها . ثم هناك عبادة من شرطها المسجد ، ولم تكن الطهارة
شرطا فيها كالاعتكاف، وقد قال تعالى: ( أَنْ طَهِرَابَيْتِىَ لِلطَِّفِينَ
وَاْفَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) فليس إلحاق الطائف بالراكح المساجد
بأولى من إلحاقه بالعاكف ، بل بالعاكف أشبه ، لأن المسجد شرط فى
الطواف والعكوف ، وليس شرطا في الصلاة .
فإن قيل : الطائف لا بد أن يصلي الركعتين بعد الطواف، والصلاة
لا تكون إلا بطهارة . قيل : وجوب ركعتى الطواف فيه نزاع ، وإذا
قدر وجوبهما لم تجب فيها الموالاة ، وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من
اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة . ومعلوم أنه لو خطب محدثا ، ثم
توضأ ، وصلى الجمعة جاز ، فلأن يجوز أن يطوف محدثا ثم يتوضأ
ويصلي الركعتين بطريق الأولى ، وهذا كثير ما يبتلى به الإنسان إذا
نسى الطهارة في الخطبة والطواف فإنه يجوز له أن يتطهر ويصلي . وقد
نص على أنه إذا خطب وهو جنب جاز .
وإذا تبين أن الطهارة ليست شرطا : يبقى الأمر دائراً بين أن
٢١٣

تكون واجبة ، وبين أن تكون سنة، وهما قولان للسلف، وهما قولان
فى مذهب أحمد وغيره ، وفى مذهب أبى حنيفة؛ لكن من يقول هي
سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول : مع ذلك عليها دم . وأما أحمد فإنه
يقول : لا شيء عليها ، لا دم ولا غيره ، كما صرح به فيمن طاف جنباً
وهو ناس ، فإذا طافت حائضاً مع التعمد توجه القول بوجوب
الدم عليها .
وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال: إن عليها دما، والأشبه أنه لا يجب
الهم ؛ لأن هذا واجب تؤمر به مع القدرة لا مع العجز ، فإن لزوم
الدم إنما يجب بترك مأمور ، وهي لم تترك مأموراً فى هذه الحالة، ولم
تفعل محظوراً من محظورات الإحرام، وهذا ليس من محظورات الإحرام؛
فإن الطواف يفعله الحلال والحرام ، فصار الحظر هنا من جنس
حظر اللبث فى المسجد ، واعتكاف الحائض في المسجد ، أو مس
المصحف ، أو قراءة القرآن ، وهذا يجوز للحاجة بلا دم ، وطواف
الإفاضة إنما يجوز بعد التحلل الأول ، وهي حينئذ يباح لها المحظورات
إلا الجماع.
فإن قيل : لو كان طوافها مع الحيض ممكناً أمرت بطواف القدوم
وطواف الوداع . والنبي صلى الله عليه وسلم أسقط طواف الوداع
عن الحائض ، وأمر عائشة لما قدمت وهي متمتعة فماضت أن تدع أفعال
٢١٤

العمرة ، وتحرم بالحج ، فعلم أنه لا يمكنها الطواف .
قيل : الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد ، أو للطواف ،
أو لهما . والمحظورات لا تباح إلا حال الضرورة ، ولا ضرورة بها إلى
طواف الوداع ، فإن ذلك ليس من الحج . ولهذا لا يودع المقيم بمكة ،
وإنما يودع المسافر عنها، فيكون آخر عهده بالبيت . وكذلك طواف
القدوم ليست مضطرة إليه ، بل لو قدم الحاج وقد ضاق الوقت عليه
بدأ بعرفة ، ولم يطف للقدوم ، فهو إن أمر بها القادر عليها إما أمر
إيجاب فيها ، أو في أحدهما ، أو استحباب . فإن للعلماء فى ذلك أقوالا .
وليس واحد منهما ركنا يجب على كل حاج بالسنة الثابتة باتفاق العلماء ؛
بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه ؛ لأنه لاحج إلا به ، وهذا
كما يباح لها دخول المسجد للضرورة، ولا تدخله لصلاة ، ولا اعتكاف
وإن كان منذوراً؛ بل المعتكفة إذا حاضت خرجت من المسجد ، ونصبت
لها قبة في فنائه .
وهذا أيضاً يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف
فيه لحرمة المسجد ، وإلا فالحيض لا يبطل اعتكافها ؛ لأنها مضطرة إليه ،
بل إنما تمنع من المسجد ، لا من الاعتكاف ، فإنها ليست مضطرة إلى
أن تقيم في المسجد ، ولو أبيح لها ذلك مع دوام الحيض لكان فى
ذلك إباحة المسجد للحيض . وأما الطواف فلا يمكن إلا في المسجد
٢١٥

الحرام ، فإنه مختص ببقعة معينة ، ليس كالاعتكاف ، فإن المعتكف يخرج
من المسجد لما لابد منه : كقضاء الحاجة ، والأكل والشرب ، وهو
معتكف فى حال خروجه من المسجد ، ليس له فى تلك الحال أن يباشر
(وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى
النساء ، وهو كما قال الله تعالى :
الْمَسَجِدِ). وقوله: (فِ الْمَسَجِدِ) يتعلق بقوله: (عَكِفُونَ )، لا
بقوله : (تُبَشِرُوهُنَ). فإن المباشرة فى المسجد لا يجوز للمعتكف .
ولا لغيره ، بل المعتكف فى المسجد ليس له أن يباشر إذا خرج منه
لما لابد منه .
فلما كان هذا يشبه الاعتكاف ، والحائض نخرج لما لا بد لها منه ،
فلم يقطع الحيض اعتكافها ، وقد جمع سبحانه بين العكوف والطواف
والصلاة في الأمر بتطهير بيته، بقوله: (أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) فمنعه من الحيض من تمام طهارته ، والطواف
كالعكوف ، لا كالصلاة ، فإن الصلاة تباح فى جميع الأرض
لا تختص بمسجد ، ويجب لها ويحرم فيها ما لا يحرم فى اعتكاف
ولا طواف .
وحقيقة الأمر : أن الطواف عبادة من العبادات التى يفعلها الحلال
والحرام ، لا يختص بالإحرام ، ولهذا كان طواف الفرض إنما يجب
بعد التحلل الأول ، فيطوف الحاج الطواف المذكور فى قوله تعالى :
٢١٦

(ثُمَّلْيَقْضُوْتَفَئَهُمْ وَلْيُوفُوْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ). فيطوف
الحجاج وم حلال قد قضوا حجهمٍ ، ولم يبق عليهم محرم إلا النساء ،
ولهذا لو جامع أحدثم فى هذه الحال لم يفسد نسكه باتفاق الأمة ، وإذا
كانت عبادة من العبادات فهي عبادة مختصة بالمسجد الحرام ، كما أن
الاعتكاف يختص بجميع المساجد ، والله تعالى قد أمر بتطهير بيته
للطائفين والعاكفين والركع السجود ، وليس هو نوعا من الصلاة
فإذا ترك من واجبه شيئاً ، فقد يقال ترك شيئا، ومن ترك شيئاً من
نسكه فعليه دم . وإذا ترك الواجب الذي هو صفة فى الطواف للعجز
فهذا محل اجتهاد : هل يلحق بمن ترك شيئاً من نسكه؟ أو يقال :
هذا فيمن ترك نسكا مستقلا، أو تركه مع القدرة بلا عذر ، أو ترك
ما يختص بالحج والعمرة.
وأما القول بأن هذه العاجزة عن الطواف مع الحيض ترجع محرمة
أو تكون كالمحصر، أو يسقط عنها الحج، أو يسقط عنها طواف الفرض
فهذه أقوال كلها مخالفة لأصول الشرع ، مع أنى لم أعلم إماما من الأئمة
صرح بشيء منها في هذه الصورة . وإنما كلام من قال عليها دم ، أو
ترجع محرمة ونحو ذلك - من السلف والأئمة - كلام مطلق ، يتناول من
كان يفعل ذلك فى عهدهم ، وكان زمنهم يمكنها أن تحتبس حتى تطهر
وتطوف، وكانوا بأمرون الأمراء أن يحتبسوا حتى تطهر الحيض ،
٢١٧

ويطفن ؛ ولهذا ألزم مالك وغيره المكاري الذي لها أن
يحتبس معها حتى تطهر وتطوف. ثم إن أصحابه قالوا : لا يجب
على مكاربها فى هذه الأزمان أن يحتبس معها. لما عليه في ذلك
من الضرر .
فعلم أن أجوبة الأئمة بكون الطهارة من الحيض شرطا أو واجباً ؛
كان مع القدرة على أن تطوف طاهراً لا مع العجز عن ذلك ، اللهم إلا
أن يكون منهم من قال بالاشتراط ، أو الوجوب فى الحالين ، فيكون
النزاع مع من قال ذلك ، والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد .
٢١٨

وسئل شيخ الإسلام
عن هذه الضرورة التى في الحيض المبتلى بها شطر النسوة فى الحج
وكثرة اختلاف الأنواع فيه : منهم من تكون حائضا في ابتداء الإحرام
ومنهم من محيض أيام التشريق .
المسألة الأولى: امرأة تحيض أول الشهر ، ولم يمكن أن تطوف إلا
حائضاً ، وعند الوقوف بعرفة ترى شيئاً من الصفرة والكدرة التى تراها
بعد القصة البيضاء ، فما الحكم فى ذلك .
المسألة الثانية : فيمن تحيض في خامس إلى تاسع ، ويبقى حيضها
إلى سابع عشر ، أو أكثر، فوقفت وهي حائض ، ورمت وهي حائض
وطافت للإفاضة وهي حائض ولم يمكنها عمرة.
المسألة الثالثة: امرأة وقفت ورمت الجمار ، وتريد طواف الإفاضة
فحاضت قبل الطواف ، فلم تطف وكتمت ، وكانت تريد العمرة فلم تعتمر
ورجعت ولم تفعل لا طوافا ولا عمرة ، ولا دماً .
فأجاب رحمه الله: الحمد لله رب العالمين. أما ((المسألة الأولى)):
٢١٩

فإن المرأة الحائض تقضي جميع المناسك . وهي حائض ؛ غير الطواف ،
بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، واتفاق الأمة. فإنه
صلى الله عليه وسلم قال: (( الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف
بالبيت )) وأمر أسماء بنت أبى بكر لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل،
وتحرم ، وأمر عائشة لما حاضت بسرف أن تغتسل ، وتحرم بالحج ، ولا
تطوف قبل التعريف .
فهذه التى قدمت مكة وهي حائض قبل التعريف ، لا تطوف بالبيت
لكن تقف بعرفة ، ولو كانت حائضاً ، فكيف إذا كانت ترى شيئاً من
الصفرة والكدرة. و((الصفرة والكدرة)) للفقهاء فيها ثلاثة أقوال
في مذهب أحمد ، وغيره : هل هي حيض مطلقاً ، أو ليست حيضاً
مطلقاً. والقول الثالث - وهو الصحيح - أنها إن كانت فى العادة مع
الدم الأسود والأحمر فهي حيض ، وإلا فلا ؛ لأن النساء كن يرسلن
إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف ، فتقول لهن : لا تعجلن حتى
ترين القصة البيضاء . وكذلك غيرها، فكن بجعلن ما قبل القصة
البيضاء حيضا . وقالت أم عطية : كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد
الطهر شيئاً .
وليس في المناسك ما يجب له الطهارة إلا الطواف ، فإن الطواف
بالبيت يجب له الطهارة باتفاق العلماء . وأما الطواف بين الصفا والمروة
٢٢٠