Indexed OCR Text

Pages 161-180

ولما رأى كراهة بعضهم للإحلال، قال: ((لو استقبلت من أمرى
ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة ، ولو لا أن معى الهدى
لأحللت )، وقال أيضاً: ((إنى لبدت رأسى، وقلدت هدبي، فلا أحل
حتى أنحر )) فحل المسلمون جميعهم إلا النفر الذين ساقوا الهدى، منهم:
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى بن أبى طالب ، وطلحة
ابن عبيد الله.
فلما كان يوم التروية أحرم المحلون بالحج ، وم ذاهبون إلى منى ،
فيات بهم تلك الليلة بمنى ، وصلى بهم فيها الظهر والعصر والمغرب
والعشاء والفجر، ثم سار بهم إلى نمرة على طريق ضب، (ونمرة)
خارجة عن عرنة من يمانيها وغربيها ، ليست من الحرم، ولا من عرفة،
فنصبت له القبة بنمرة، وهناك كان ينزل خلفاؤه الراشدون بعده، وبها
الأسواق ، وقضاء الحاجة . والأكل ، ونحو ذلك .
فلما زالت الشمس ركب هو ومن ركب معه ، وسار المسلمون
إلى المصلى ببطن عرنة ، حيث قد بنى المسجد ، وليس هو من الحرم،
ولا من عرفة ، وإنما هو برزخ بين المشعرين : الحلال والحرام هناك،
بينه وبين الموقف نحو ميل ، فخطب بهم خطبة الحج على راحلته . وكان
يوم الجمعة ، ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر مقصورتين ، مجموعتين ،
ثم سار والمسلمون معه إلى الموقف بعرفة عند الجبل المعروف بجبل الرحمة،
١٦١

واسمه (( إلال)) على وزن هلال . وهو الذى تسميه العامة عرفة فلم
يزل هو والمسلمون فى الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس .
فدفع بهم إلى مزدلفة ، فصلى المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق
قبل حط الرحال حيث نزلوا بمزدلفة ، وبات بها حتى طلع الفجر ، فعلى
بالمسلمين الفجر فى أول وقتها مغلساً بها زيادة على كل يوم ، ثم وقف
عند ((قزح)) وهو جبل مزدلفة الذى يسمى: المشعر الحرام ، وإن كانت
مزدلفة كلها هي المشعر الحرام المذكور فى القرآن ، فلم يزل واقفاً
بالمسلمين إلى أن أسفر جداً .
ثم دفع بهم حتى قدم منى. فاستفتحها برمي جمرة العقبة ، ثم رجع
إلى منزله بمنى فحلق رأسه . ثم بحر ثلاثا وستين بدنة من الهدى الذى
ساقه، وأمر علياً فنحر الباقي ، وكان مائة بدنة ، ثم أفاض إلى مكة ،
فطاف طواف الإفاضة ، وكان قد عجل ضعفة أهل بيته من مزدلفة ،
قبل طلوع الفجر ، فرموا الجمرة بليل ، ثم أقام بالمسلمين أيام منى الثلاث
يصلى بهم الصلوات الخمس مقصورة. غير مجموعة، يرمي كل يوم الجمرات
الثلاث بعد زوال الشمس ، يفتتح بالجمرة الأولى - وهي الصغرى، وهي
الدنيا إلى منى ، والقصوى من مكة - ويختتم بجمرة العقبة ، ويقف
بين الجمرتين الأولى والثانية ، وبين الثانية والثالثة وقوفا طويلا بقدر
سورة البقرة بذكر الله ويدعو فإن المواقف ثلاثة : عرفة ،
١٦٢

ومزدلفة ، ومنى .
ثم أفاض آخر أيام التشريق بعد رمي الجمرات ، هو والمسلمون
فنزل بالمحصب عند خيف بني كنانة ، فبات هو والمسلمون فيه
ليلة الأربعاء .
وبعث تلك الليلة عائشة مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم،
وهو أقرب أطراف الحرم إلى مكة من طريق أهل المدينة . وقد بنى
بعده هناك مسجد سماء الناس مسجد عائشة ؛ لأنه لم يعتمر بعد الحج
مع النبى صلى الله عليه وسلم من أصحابه أحد قط إلا عائشة، لأجل
أنها كانت قد حاضت لما قدمت . وكانت معتمرة فلم تطف قبل
الوقوف بالبيت ، ولا بين الصفا والمروة . وقال لها النبى صلى الله عليه
وسلم: (( اقضي ما يقضي الحاج . غير ألا تطوفي بالبيت ولا بين
الصفا والمروة)).
ثم ودع البيت هو والمسلمون ورجعوا إلى المدينة ، ولم يقم بعد
أيام التشريق ، ولا اعتمر أحد قط على عهده عمرة يخرج فيها من الحرم
إلى الحل إلا عائشة وحدها .
فأخذ فقهاء الحديث : كأحمد وغيره بسنته فى ذلك كله ، وإن
كان منهم ومن غيرهم من قد يخالف بعض ذلك بتأويل تخفى عليه
١٦٣

فيه السنة .
فمن ذلك أنهم استحبوا للمسلمين أن يحجوا كما أمر النبي صلى الله
عليه وسلم أصحابه ، ولما اتفقت جميع الروايات على أنه أمر أصحابه
بأن يحلوا من إحرامهم ، ويجعلوها متعة ، استحبوا المتعة لمن جمع بين
التسكين فى سفرة واحدة ، وأحرم في أشهر الحج. كما أمر به النبى
صلى الله عليه وسلم . وعلموا أن من أفرد الحج ، واعتمر عقبه من
الحل - وإن قالوا : إنه جائز . فإنه لم يفعله أحد على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة ، على قول من يقول: إنها رفضت
العمرة ، وأحرمت بالحج ، كما يقوله الكوفيون . وأما على قول أكثر
الفقهاء : أنها صارت قارنة : فلا عائشة ولا غيرها فعل ذلك .
وكذلك علموا أن من لم بسق الهدي ، وقرن بين النسكين
لا يفعله. وإن قال أكثرهم - كأحمد وغيره - إنه جائز. فإنه لم يفعله
أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة ، على قول من
قال : إنها كانت قارنة .
ولم يختلف أئمّة الحديث - فقهاء ، وعلماء ، كأحمد وغيره - أن
النبى صلى الله عليه وسلم نفسه لم يكن مفرداً للحج ، ولا كان متمتعا
تمتعاحل به من إحرامه . ومن قال من أصحاب أحمد : إنه تمتع ،
١٦٤

وحل من إحرامه فقد غلط ، وكذلك من قال : إنه لم يعتمر في
حجته فقد غلط .
وأما من توج من بعض الفقهاء : أنه اعتمر بعد حجته ، كما يفعله
المختارون للإفراد إذا جمعوا بين النسكين: فهذا لم يروه أحد، ولم
بقله أحد أصلا من العالمين بحجته صلى الله عليه وسلم . فإنه لا خلاف
بينهم : أنه صلى الله عليه وسلم لا هو ولا أحد من أصحابه اعتمر بعد
الحج إلا عائشة . ولهذا لا يعرف موضع الإحرام بالعمرة إلا بمساجد
عائشة ، حيث لم يخرج أحد من الحرم إلى الحل فيحرم بالعمرة إلا هى
ولا كان صلى الله عليه وسلم أيضا قارنا قرانا طاف فيه طوافين
وسعى سعيين. فإن الروايات الصحيحة كلها تصرح بأنه إنما طاف بالبيت ،
وبين الصفا والمروة قبل التعريف مرة واحدة .
فمن قال من أصحاب أبى حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد شيئا
من هذه المقالات فقد غلط .
وسبب غلطه : ألفاظ مشتركة سمعها فى ألفاظ الصحابة الناقلين
لحجة النبى صلى الله عليه وسلم . فإنه قد ثبت في الصحاح عن غير
واحد - منهم: عائشة، وابن عمر وغيرهما - : أنه صلى الله عليه
وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج، وثبت أيضا عنهم «أنه أفرد الحج))
١٦٥

وعامة الذين نقل عنهم: ((أنه أفرد الحج، ثبت عنهم أنهم قالوا :
(( إنه تمتع بالعمرة إلى الحج)). وثبت عن أنس بن مالك أنه قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لبيك عمرة وحجا))
وعن عمر: أنه أخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أُنانى
آت من ربي - يعنى بوادى العقيق - وقال: قل: عمرة فى حجة)»
ولم يحك أحد لفظ النبى صلى الله عليه وسلم الذي أحرم به إلا عمر
وأنس ؛ فلهذا قال الإمام أحمد : لا أشك أن النبى صلى الله عليه
وسلم كان قارنا .
وأما ألفاظ الصحابة : فإن التمتع بالعمرة إلى الحج اسم لكل من
اعتمر فى أشهر الحج وحج من عامه ، سواء جمع بينهما بإحرام واحد
أو تحلل من إحرامه . فهذا التمتع العام يدخل فيه القران . ولذلك
وجب عليه الهدي عند عامة الفقهاء . إدخالا له فى عموم قوله تعالى :
(فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِإِلَى ◌َحَجْ فَاسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)
وإن كان اسم ((التمتع)) قد يختص بمن اعتمر، ثم أحرم بالحج
بعد قضاء عمرته.
فمن قال منهم ((تمتع بالعمرة إلى الحج)) لم يرد أنه حل من
إحرامه ، ولكن أراد : أنه جمع فى حجته بين النسكين معتمرا فى أشهر
الحج ، لكن لم يبين : هل أحرم بالعمرة قبل الطواف بالبيت وبالجيلين،
١٦٦

أو أحرم بالحج بعد ذلك ؟ فإن كان قد أحرم قبل الطوافين ، فهو
قارن بلا تردد ، وإن كان إنما أهل بالحج بعد الطواف بالبيت .
وبالجيلين ، وهو لم يكن حل من إحرامه : فهذا يسمى متمتعا : لأنه
اعتمر قبل الإهلال بالحج ، ويسمى قارنا، لأنه أحرم بالحج قبل إحلاله
من العمرة؛ ولهذا يسميه بعض أصحابنا ((متمتعا)) ويسميه بعضهم
((قارنا)» ويسميه بعضهم بالاسمين ، وهو الأصوب . وهذا فى التمتع
الخاص . فأما التمتع العام : فيشمله بلا تردد .
ومع هذا: فالصواب ما قطع به أحمد من أنه صلى الله عليه وسلم
أحرم بالحج قبل الطواف؛ لقوله: ((لبيك عمرة وحجا )، ولو كان من
حين يحرم بالعمرة مع قوله سبحانه: ( فَصِيَامُ ثَلَثَةٍ أَيَّامٍ فِى الْحَجّ)
لأن العمرة دخلت فى الحج. كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم .
وإذا كانت عمرة المتمتع جزءاً من حجه ، فالهدى المسوق لا ينحر
حتى يقضى النفث، كما قال تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوْتَفَئَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ)
وذلك إشارة إلى الهدى المسوق ، فإنه نذر ؛ ولهذا لو عطب دون
محله وجب نحره ؛ لأن نحره إنما يكون عند بلوغه محله ، وإنما يبلغ
محله إذا بلغ صاحبه محله ؛ لأنه تبع له ، وإنما يبلغ صاحبه محله يوم
النحر ، إذ قبل ذلك لا يحل مطلقاً؛ لأنه يجب عليه أن يحتج، بخلاف من
اعتمر عمرة مفردة . فإنه حل حلا مطلقاً .
١٦٧

وأما ما تضمنته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المقام
بمنى يوم التروية ، والمبيت بها الليلة التى قبل يوم عرفة ، ثم المقام
بعرنة - التى بين المشعر الحرام وعرفة - إلى الزوال . والذهاب منها
إلى عرفة والخطبة ، والصلاتين فى أثناء الطريق بيطن عرنة : فهذا
كالمجمع عليه بين الفقهاء ، وإن كان كثير من المصنفين لا يميزه، وأكثر
الناس لا يعرفه لغلبة العادات المحدثة .
ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه جمع بالمسلمين
جميعهم بعرفة ، بين الظهر والعصر ، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء .
وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما
حولها . ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة فى وقتها ،
ولا أن يعتزل المكيون ونحوم فلم يصلوا معه العصر ، وأن ينفردوا
فيصلوها فى أثناء الوقت دون سائر المسلمين . فإن هذا مما يعلم بالاضطرار
لمن تتبع الأحاديث أنه لم يكن . وهو قول مالك وطائفة من أصحاب
الشافعى وأحمد، وعليه يدل كلام أحمد .
وإنما غفل قوم من أصحاب الشافعي ، وأحمد عن هذا ، فطردوا
قياسهم فى الجمع. واعتقدوا أنه إنما جمع لأجل السفر، والجمع للسفر
لا يكون إلا لمن سافر ستة عشر فرسخاً ، وحاضرو مكة ليسوا عن
عرفة بهذا البعد .
١٦٨

وهذا ليس بحق . فإنه لو كان جمعه لأجل السفر لجمع قبل هذا
اليوم وبعده ، وقد أقام بمنى أيام التشريق ولم يجمع فيها، لا سيما أنه لم
بنقل عنه أنه جمع فى السفر وهو نازل إلا مرة واحدة ، وإنما كان
يجمع في السفر إذا جد به السير ، وإنما جمع لنحو الوقوف ، لأجل
ألا يفصل بين الوقوف بصلاة ولا غيرها . كما قال أحمد : إنه يجوز
الجمع لأجل ذلك من الشغل المانع من تفريق الصلوات .
ومن اشترط فى هذا الجمع السفر من أصحاب أحمد فهو أبعد عن
أصوله من أصحاب الشافعي . فإن أحمد يجوز الجمع لأمور كثيرة غير
السفر ، حتى قال القاضي أبو يعلى وغيره - تفسيراً لقول أحمد : إنه
يجمع لكل ما يبيح ترك الجماعة - فالجمع ليس من خصائص السفر .
وهذا بخلاف القصر ، فإنه لا يشرع إلا للمسافر .
ولهذا قال أكثر الفقهاء ، كالشافعى وأحمد : إن قصر الصلاة
بعرفة ومزدلفة ومنى وأيام التشريق : لا يجوز إلا للمسافر الذي يباح
له القصر عندهم . طرداً للقياس ، واعتقاداً أن القصر لم يكن إلا للسفر
بخلاف الجمع ، حتى أمر أحمد وغيره : أن الموسم لا يقيمه أمير مكة ؛
لأجل قصر الصلاة .
وذهب طوائف من أهل المدينة وغيرم ـ منهم مالك ، وطائفة
١٦٩

من أصحاب الشافعي وأحمد، كأبى الخطاب فى عباداته الخمس - إلى أنه
يقصر المكيون وغيرهم، وأن القصر هناك لأجل النسك.
والحجة مع هؤلاء : أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم
أمر من صلى خلفه بعرفة ومزدلفة ومنى من المكيين أن يتموا الصلاة
كما أمرهم أن يتموا لما كان يصلي بهم بمكة أيام فتح مكة ، حين قال
لهم: ((أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)).
فإنه لو كان المكيون قد قاموا لما صلوا خلفه الظهر فأتموها أربعاً
ثم لما صلوا العصر قاموا فأتموها أربعاً ، ثم لما صلوا خلفه عشاء الآخرة
قاموا فأتموها أربعا ، ثم كانوا مدة مقامه بمنى يتمون خلفه - لما أهمل
الصحابة نقل مثل هذا .
ومما قد يغلط فيه الناس : اعتقاد بعضهم أنه يستحب صلاة العيد
بمنى يوم النحر ، حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه ، أخذا فيها
بالعمومات اللفظية ، أو القياسية . وهذه غفلة عن السنة ظاهرة . فإن
النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لم يصلوا بمنى عيدا قط . وإنما
صلاة العيد بمنى هي جمرة العقبة . فرمى جمرة العقبة لأهل الموسم بمنزلة
صلاة العيد لغيرهم ، ولهذا استحب أحمد أن تكون صلاة أهل الأمصار
وقت النحر بمنى . ولهذا خطب النبى صلى الله عليه وسلم يوم النحر
١٧٠

بعد الجمرة ، كما كان يخطب فى غير مكة بعد صلاة العيد ، ورمي الجمرة
تحية منى كما أن الطواف تحية المسجد الحرام .
ومثل هذا ما قاله طائفة - منهم ابن عقيل - أنه يستحب
للمحرم إذا دخل المسجد الحرام : أن يعلي تحية المسجد ، كسائر
المساجد . ثم يطوف طواف القدوم، أو نحوه. وأما الأئمة وجماهير
الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم : فعلى إنكار هذا .
أما أولا : فلأنه خلاف السنة المتواترة من فعل النى صلى الله عليه
وسلم، وخلفائه . فإنهم لما دخلوا المسجد لم يفتتحوا إلا بالطواف ، ثم
الصلاة عقب الطواف .
وأما ثانياً : فلأن تحية المسجد الحرام : هي الطواف . كما أن تحية
المساجد هي الصلاة .
وأشنع من هذا : استحباب بعض أصحاب الشافعي لمن سعى بين
الصفا والمروة أن يصلي ركعتين بعد السعي على المروة ، قياساً على
الصلاة بعد الطواف . وقد أنكر ذلك سائر العلماء من أصحاب الشافعي
وسائر الطوائف ، ورأوا أن هذه بدعة ظاهرة القبح ، فإن السنة
مضت بأن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاء. طافوا وصلوا، كما ذكر
الله الطواف والصلاة . ثم سعوا ولم يصلوا عقب السعي ، فاستحباب
١٧١

الصلاة عقب السعى ، كاستحبابها عند الجمرات ، أو بالموقف بعرفات ،
أو جعل الفجر أربعا قياسا على الظهر . والترك الراتب : سنة، كما أن
الفعل الراتب : سنة ، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض ، أو فوات
شرط ، أو وجود مانع ، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال
القرآن في المصحف ،
المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ ، تجمع
وجمع الناس فى التراويح على إمام واحد. وتعلم العربية ، وأسماء النقلة
للعلم، وغير ذلك ما يحتاج إليه فى الدين ، بحيث لا تتم الواجبات أو
المستحبات الشرعية إلا به ، وإنما تركه صلى الله عليه وسلم لفوات شرطه
أو وجود مانع .
فأما ما تركه من جنس العبادات ، مع أنه لو كان مشروعا لفعله .
أو أذن فيه ، ولفعله الخلفاء بعده، والصحابة : فيجب القطع بأن فعله
بدعة وضلالة ، ويمتنع القياس فى مثله ، وإن جاز القياس فى النوع
الأول. وهو مثل قياس ((صلاة العيدين، والاستسقاء، والكسوف))
على الصلوات الخمس ، فى أن يجعل لها أذاناً وإقامة ، كما فعله بعض
المروانية فى العيدين. وقياس حجرته ونحوها من مقابر الأنبياء
على بيت الله فى الاستلام والتقبيل ، ونحو ذلك من الأقيسة التى تشبه
قياس الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: ( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرَّوأ).
وأخذ فقهاء الحديث - كالشافعي وأحمد وغيرهما مع فقهاء
١٧٢

الكوفة - ما عليه جمهور الصحابة والسلف بتلبية رسول الله صلى
الله عليه وسلم . فإنه قد ثبت عنه أنه لم يزل يلبي حتى رمى
جمرة العقبة .
وذهب طائفة من السلف من الصحابة والتابعين وأهل المدينة
- كمالك - إلى أن التلبية تتقطع بالوصول إلى الموقف بعرفة ؛ لأنها
إجابة . فتنقطع بالوصول إلى المقصد . وسنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم هي التى يجب إتباعها .
وأما المعنى : فإن الواصل إلى عرفة - وإن كان قد وصل إلى
هذا الموقف - فإنه قد دعى بعده إلى موقف آخر ، وهو مزدلفة .
فإذا قضى الوقوف بمز دلفة ، فقد دعي إلى الجمرة ، فإذا شرع فى الرمي
فقد انقضى دعاؤه ، ولم يبق مكان يدعى إليه محرما ، لأن الحلق
والذبح يفعله حيث أحب من الحرم ، وطواف الإفاضة يكون بعد
التحلل الأول .
ولهذا قالوا أيضاً بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه يلى
بالعمرة إلى أن يستلم الحجر ، وإن كان ابن عمر ومن اتبعه من أهل
المدينة - كمالك - قالوا : يلبي إلى أن يصل إلى الحرم ، فإنه وإن
وصل إليه فإنه مدعو إلى البيت .
١٧٣

نعم يستفاد من هذا المعنى: أنه إنما يلبى حال سيره ، لا حال
الوقوف بعرفة ومزدلفة وحال المبيت بها . وهذا مما اختلف فيه
أهل الحديث .
فأما التلبية حال السير من عرفة إلى مزدلفة ، ومن مزدلفة إلى
منى : فاتفق من جمع الأحاديث الصحيحة عليه .
واختلف الناس فى أكل المحرم لحم الصيد الذي صاده الحلال ،
وذكاء ، على ثلاثة أقوال :
فقالت طائفة من السلف : هو حرام ، اتباعا لما فهموه من قوله
تعالى: (وَُِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّمَادُ مْتُمْحُرُمًا). ولما ثبت عن النبى
صلى الله عليه وسلم : من أنه رد لحم الصيد لما أهدي إليه .
وقال آخرون، منهم أبو حنيفة: بل هو مباح مطلقا ، عملا بحديث
أبى قتادة لما صاد الحمار الوحشي، وأهدى لحمه للنبي صلى الله عليه وسلم،
وأخبره بأنه لم يصده له، كما جاء فى الأحاديث الصحيحة .
وقالت الطائفة الثالثة التى فيها فقهاء الحديث : بل هو مباح
للمحرم ، إذا لم يصده له المحرم ، ولا ذبحه من أجله ؛ توفيقا بين
الأحاديث ، كما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
١٧٤

(( لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو بصاد لكم))
قال الشافعي : هذا أحسن حديث فى هذا الباب وأقيس . وهذا مذهب
مالك ، وأحمد ، والشافعي ، وغيرهم .
وإنما اختلفوا إذا صيد لمحرم بعينه . فهل يباح لغيره من المحرمين ؟
على قولين ، هما وجهان فى مذهب أحمد رحمه الله تعالى .
١٧٥

وسئل رحمه اللّه
عن طواف الحائض، والجنب ، والمحدث .
فأجاب: ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الحائض
تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت)). وقال لعائشة - رضي الله
عنها - ((اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت)). ولما
قيل له عن صفية إنها حاضت. فقال: ((أحابستنا هي ، فقيل له : إنها
قد أفاضت قال: فلا إذاً)) وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه بعث
أبا بكر عام تسع لما أمره على الموسم، ينادي: ((أن لا يطوف بالبيت
عريان))، ولم ينقل أحد عنه أنه أمر الطائفين بالوضوء ، ولا باجتناب
النجاسة ، كما أمر المصلين بالوضوء .
فنهيه الحائض عن الطواف بالبيت ، إما أن يكون لأجل المسجد ،
لكونها منهية عن اللبث فيه ، وفى الطواف لبث، أو عن الدخول
إليه مطلقا لمرور أو لبث ، وإما أن يكون لكون الطواف نفسه يحرم
مع الحيض . كما يحرم على الحائض الصلاة ، والصيام بالنص ، والإجماع؛
ومس المصحف عند عامة العلماء، وكذلك قراءة القرآن فى أحد
١٧٦

قولي العلماء .
والذين حرموا عليها القراءة كأحمد فى المشهور عنه، وكذلك الشافعي
مع أبي حنيفة ، تنازعوا في إباحة قراءة القرآن لها، وللنفساء قبل
الغسل ، وبعد انقطاع الدم على ثلاثة أقوال :
أحدها: إباحتها للحائض والنفساء ، وهو اختيار القاضي أبي
يعلى ، وقال هو ظاهر كلام أحمد .
والثانى : منع الحائض والنفساء .
والثالث: إباحتها للنفساء دون الحائض . اختاره الخلال من أصحاب
أحمد ، فإما أن يكون لكل منهما ، وإما أن يكون لمجموعها بحيث لو
انفرد أحدهما لم يحرم، فإن كان تحريمه للأول لم يحرم عليها عند
الضرورة ، فإن لبثها فى المسجد لضرورة جائز ، كما لو خافت من بقتلها
إذا لم تدخل المسجد ، أو كان البرد شديداً . أو ليس لها مأوى
إلا المسجد .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى صحيح مسلم ، وغيره .
عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال لي رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((ناولينى الخمرة من المسجد ، فقلت: إنى حائض،
١٧٧

قال: إن حيضتك ليست فى بدك)). وعن ميمونة زوج النبى صلى
اللّه عليه وسلم قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع رأسه
فى حجر إحدانا يتلو القرآن وهي حائض ، وتقوم إحدانا بخمرته إلى
المسجد فتبسطها وهى حائض )) رواه النسائي . وقد روى أبو داود من
حديث عائشة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا أحل المسجد
لجنب ، ولا حائض)) رواه ابن ماجه من حديث أم سلمة ، وقد تكلم
فى هذين الحديثين .
ولهذا ذهب أكثر العلماء كالشافعي وأحمد وغيرهما إلى الفرق
بين المرور ، واللبث ، جمعا بين الأحاديث ، ومنهم من منعها من
اللبث والمرور ، كأبى حنيفة ، ومالك. ومنهم من لم يحرم المسجد
(وَلَاجُنُبَّا إِلَّا
عليها ، وقد يستدلون على ذلك بقوله تعالى :
عَابِرِى سَبِيلٍ ).
وأباح أحمد وغيره اللبث لمن يتوضأ ؛ لما رواه هو وغيره عن
عطاء بن يسار قال: (( رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم يجلسون في المسجد ، وهم مجنبون ، إذا توضئوا وضوء
الصلاة)) وذلك والله أعلم أن المسجد بيت الملائكة، والملائكة لا
تدخل بيتا فيه جنب ، كما جاء ذلك فى السنن عن النبى صلى الله عليه
وسلم، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم الجنب أن ينام حتى
١٧٨

يتوضأ ، وروى يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة قال : أخبرنى
أبى عن عائشة أنها كانت تقول: ((إذا أصاب أحدكم المرأة، ثم أراد أن
ينام ، فلا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة ، فإنه لا يدري لعل نفسه
تصاب فى نومه)). وفي حديث آخر ((فإنه إذا مات لم تشهد الملائكة
جنازته)) وقد أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم الجنب بالوضوء عند الأكل،
والشرب ، والمعاودة وهذا دليل أنه إذا توضأ ذهبت الجنابة من أعضاء
الوضوء، فلا تبقى جنابته تامة ، وإن كان قد بقى عليه بعض الحدث ، كما
أن المحدث الحدث الأصغر عليه حدث دون الجنابة ، وإن كان حدثه فوق
الحدث الأصغر ، فهو دون الجنب ، فلا تمتنع الملائكة عن شهوده ،
فلهذا ينام وبلبث فى المسجد .
وهذا يدل على أن الجنابة تتبعض ، فتزول عن بعض البدن دون
بعض ، كما عليه جمهور العلماء .
وأما الحائض فحدثها دائم لا يمكنها طهارة تمنعها عن الدوام
فهي معذورة في مكثها ، ونومها ، وأكلها ، وغير ذلك، فلا تمح
مما يمنع منه الجنب مع حاجتها إليه، ولهذا كان أظهر قولى العلماء أنها لا
تمنع من قراءة القرآن إذا احتاجت إليه، كما هو مذهب مالك ، وأحد
القولين فى مذهب الشافعي ، ويذكر رواية عن أحمد ، فإنها محتاجة
إليها، ولا يمكنها الطهارة، كما يمكن الجنب، وإن كان حدثها أغلظ من
١٧٩

حدث الجنب من جهة أنها لا تصوم ، ما لم ينقطع الدم ، والجنب
يصوم ، ومن جهة أنها ممنوعة من الصلاة طهرت أو لم تظهر ، ويمنع
الرجل من وطئها أيضاً ، فهذا يقتضي أن المقتضي للحظر فى حقها
أقوى ، لكن إذا احتاجت إلى الفعل استباحت المحظور ، مع قيام
سبب الحظر ؛ لاجل الضرورة . كما يباح سائر المحرمات مع الضرورة:
من الدم . والميتة، ولحم الخنزير، وإن كان ماهو دونها في التحريم لا يباح
من غير حاجة : كلبس الحرير ، والشرب فى آنية الذهب والفضة
ونحو ذلك .
وكذلك الصلاة إلى غير القبلة مع كشف العورة ، ومع النجاسة
فى البدن والثوب هي محرمة أغلظ من غيرها ، وتباح بل يجب مع
الحاجة وغيرها وإن كان دونها في التحريم كقراءة القرآن الكريم مع
عدم الحاجة لا تباح .
وإذا قدر جنب استمرت به الجنابة ، وهو لا يقدر على غسل ، أو
تيمم ، فهذا كالحائض فى الرخصة ، وإن كان هذا نادرا وقد أمر النبي
صلى اللّه عليه وسلم الحيض أن يخرجن في العيد، ويشهدن الخير، ودعوة
المسلمين، ويكبرن بتكبير الناس. وكذلك الحائض والنفساء أمرهما النبى
صلى الله عليه وسلم بالإحرام ، والتلبية، وما فيها من ذكر الله
وشهودهما عرفة مع الذكر والدعاء، ورمي الجمار مع ذكر الله، وغير
١٨٠