Indexed OCR Text
Pages 41-60
يناقض ما فهم من حديث عائشة ، فإنهم إذا لم يكونوا سعوا بعد طواف الفرض فألا يطوفوا قبله للقدوم أولى وأحرى . وفى ترجيح أحد الحديثين كلام ليس هذا موضع بسطه . فإن المحققين من أهل الحديث يعلمون أن هذه الزيادة في حديث عائشة ، هى من كلام الزهري ليست من قول عائشة ، فلا تعارض الحديث الصحيح . وقد روى البخاري تعليقاً عن ابن عباس ، مثل حديث عائشة . وفيه أيضاً علة . والشافعي اختار التمتع تارة ، واختار الإفراد تارة - ومن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم إحراماً مطلقاً فقد غلط ، واختلف كلامه فى إحرام النبى صلى الله عليه وسلم على هذه الأقوال الثلاثة . ومالك يختار الإفراد ، لكن قد قيل يستحب مع ذلك تأخير العمرة إلى الحرم ، فأما العمرة عقيب الحميج من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم : فهذا لم يعرف على عهد السلف ، ولا نقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من الذين حجوا معه أنهم فعلوا ذلك ، إلا عائشة - رضي الله عنها - لأنها كانت قدمت متمتعة فحاضت، فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج، وتدع العمرة . ٤١ فمذهب أحمد ومالك والشافعى أنها صارت قارنة ، ولا يجب عليها قضاء تلك العمرة . لكن أحمد فى إحدى الروايتين عنه جعل القضاء واجباً عليها لوجوب العمرة عنده في المشهور عنه، وكون عمرة القارن والعمرة من أدنى الحل لا يسقط وجوب العمرة عنده فى إحدى الروايتين . وهكذا يقولون فى كل متمتح ضاق عليه الوقت فلم يتمكن من الطواف قبل التعريف، فإنهم يأمرونه بإدخال الحج على العمرة ، ويصير قارنا كالمفرد الذي قدم وقد ضاق عليه الوقت ، فإنه يقف بعرفة أولا ولا يطوف قبل التعريف . وهكذا يصنع حاج العراق إذا قدموا متأخرين ، فإنهم يوافون عرفة يوم التعريف ، فيعرفون ولا يطوفون قبل التعريف . ومذهب أبى حنيفة أن عائشة رفضت العمرة ، وأهلت بالحج فصارت مفردة . وعنده يجب عليها قضاء العمرة التى رفضتها ، وبنى ذلك على أصله في أن القارن يطوف طوافين ، ويسعى سعيين ، فلم يكن فى القرآن لها فائدة . وأما الجمهور فبنوه على أصولهم : فى أن عمل القارن لا يزيد على عمل المفرد ، وقالوا : إن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أعمر عائشة ٤٢ تطيباً لنفسها ؛ لأنها قالت : يذهب أصحابى بحجة وعمرة ، وأذهب أنا بحجة. فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم: ((يسعك طوافك بحجك وعمرتك)). وفى رواية أهل السنن ((طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك )) . فلما ألحت أعمرها تطييباً لنفسها ، وأحمد فى رواية الأثرم وغيره ، قال : إن عمرة القارن ، والعمرة المكية لا تجزئ عن عمرة الإسلام، واحتج بحديث عائشة لما أعمرها النبي صلى الله عليه وسلم فيها كانت قارنة ، وأعمرها بعد ذلك . فجعل هذه العمرة واجبة فى هذه الرواية. كما قال أبو حنيفة . لكن اختلفا فى تنقيح المناط ، ولم يعتمر من مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة خاصة . لأجل هذا العذر . وأما عمر النبى صلى الله عليه وسلم فإنما كانت وهو قاصد إلى مكة، فأحرم بالعمرة عام الحديبية من ذي الحليفة ، وحل بالحديبية لما أحصر وصده المشركون عن البيت ، والحديبية غربي جبل التنعيم حيث بايع النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت الشجرة، وصالحه المشركون . وجبل التنعيم هو الجبل الذي عند المساجد ، التى تسمى مساجد عائشة عن يمينك، وأنت داخل إلى مكة ، وتلك المساجد مبنية في التنعيم، ٤٣ ولم تكن هذه المساجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم "" فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتمر من التنعيم، والتنعيم أدنى الحل إلى مكة، فهو أقرب الحل إلى مكة ، والمعتمر من مكة يخرج إلى الحل ليجمع بين الحل والحرم ، بخلاف الحاج من مكة فإنه يخرج إلى عرفة ، وعرفة من الحل ، ثم اعتمر من العام القابل عمرة القضية من ذي الحليفة، ثم لما لقى هوازن بوادي حنين فهزمهم، ثم ذهب إلى الطائف فحاصرم ، ثم رجع إلى الجعرانة فقسم غنائم حنين بالجعرانة ، اعتمر داخلا إلى مكة، وحنين والجعرانة والطائف كل ذلك من جهة الشرق ، شرقي عرفات ، فأقربها إلى عرفة الجعرانة ، ثم وادي حنين ، ثم الطائف. ولم يكن يخرج هو ولا أصحابه من مكة فيعتمرون ، إلا ما ذكر من حديث عائشة ، فلهذا نص أحمد فى غير موضع على أن أهل مكة ليس عليهم عمرة ، وروى أحمد عن ابن عباس أنه قال : يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم الطواف بالبيت ، فمن أبى إلا أن يعتمر فليجعل بينه وبين مكة بطن واد . وذلك لأن الصحابة المقيمين بمكة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعتمرون من مكة . (١) بياض في الأصل. ٤٤ والعمرة واجبة فى أشهر الروايتين عن أحمد : فمن أصحابه من جعل هذا رواية ثالثة . فقال : المسألة على ثلاث روايات : رواية تجب ، ورواية لا تجب، ورواية يفرق بين المكى وغيره. وهي طريقة جدنا أبى البركات وغيره. ومنهم من قال : أهل مكة يستثنون ، فلا يجب عليهم عمرة ، رواية واحدة ، وهي طريقة الشيخ أبى محمد . وهي أصح. ومن الفقهاء : من استحب لمن اعتمر من مكة أن يحرم من الحديبية، أو الجعرانة ، محتجاً بعمرة النبى صلى الله عليه وسلم . وهو غلط. فإن الحديبية كانت موضع حله لما أحصر ، لم تكن موضع إحرامه. وأما الجعرانة فإنه أحرم منها داخلا إلى مكة ؛ لأنه أنشأ العمرة من هناك. ولهذا كان أصح الوجهين لأصحابنا ، وهو المنصوص عن أحمد أنه لا يستحب الإكثار من العمرة لا من مكة ولا غيرها ، بل يجعل بين العمرتين مدة ولو أنه مقدار ما ينبت فيه شعره . ويمكنه الحلاق، وهذا لمن يخرج إلى ميقات بلده ويعتمر . وأما المقيم بمكة فكثرة الطواف بالبيت أفضل له من العمرة المكية، كما كان الصحابة يفعلون ، إذا كانوا مقيمين بمكة ، كانوا يستكثرون من الطواف ، ولا يعتمرون عمرة مكية ، فالصحابة الذين استحبوا الإفراد ٤٥ كعمر بن الخطاب ، وغيره إنما استحبوا أن يسافر سفراً آخر للعمرة ؛ ليكون للحج سفر على حدة وللعمرة سفر على حدة . وأحمد وأبو حنيفة وغيرهما اتبعوا الصحابة في ذلك ، واستحبوا هذا الإفراد على التمتع والقرآن . قال أبوبكر الأثرم : قيل لأبي عبد الله: فأي العمرة عندك أفضل؟ قال : أفضل العمرة عندى أن تكون فى غير أشهر الحج ، كما قال عمر، فإن ذلك أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم، أن تجعلوها في غير أشهر الحج. قيل لأبي عبد الله: فأنت تأمر بالتعة ، وتقول العمرة في غير أشهر الحج أفضل ؟ فقال : إنما سئلت عن أتم العمرة ، فقلت فى غير أشهر الحج ، وقلت : المتعة تجزيه من عمرته ، فأتم العمرة أن تكون فى غير أشهر الحج . وقال علي: من تمام العمرة أن تقدم من دويرة أهلك ، وكان سفيان بن عيينة يفسره أن ينتقى لها سفراً يقصد له ، ليس أن تحرم من أهلك ، حتى تقدم الميقات . وقال عمر : فى العمرة من دويرة أهلك. قيل لأبي عبد الله: فيجعل للحج سفراً على حدة ، وللعمرة سفراً على حدة، قال : نعم، قلت له: فإن اعتمر فى غير أشهر الحج ، ثم أقام بمكة حتى يحج، أيكون هذا قد ٤٦ جعل له سفراً على حدة ، وللحج سفراً على حدة ؟ فقال : لا . حتى يرجع ثم يحج . فهذا مد للعمرة من أهله ، وقصد للحج من أهله . هذا معناه . قيل لأبى عبد الله: فإنهم يحكون عنك أنك تقول : المتعة أفضل من غيرها ، فقال : أما أفضل من الحج وحده ، فليس فيه شك ، ثم قال : أيما أفضل أن يجىء بعمرة وحج؟ أو أن يجىء بحج وحده ، هي أفضل من إفراد الحج . قلت له : وأفضل من القران ، لأنه جاء بكل واحد على حدة ، فهو أفضل من أن يجمع بينها ، فقال نعم ، وأفضل من القران ، ثم قال : نحو ما قلت . وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يقول: التمتح أحب إلي هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه قال: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لصنعت كما صنعتم )) وقوله لأصحابه: ((حلوا)) وما جاء فيها من الحديث. وقال أيضاً: قيل لأبى عبد الله: أنت تذهب إلى المتعة . فقال : هى أحب إلي ، وأفضل . وذاك أنا نذهب إلى أن العمرة واجبة . ) ثم قال : هذا بين . قال تعالى ( وَأَنِقُواْالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَلِلَّهِ ٤٧ وكان ابن عباس وابن عمر بريانها واجبة ، وقال ابن عباس : والله إنها لقرينته فى كتاب الله، وقال جماعة: الحج الأصغر العمرة ، فإذا وقع عليها اسم الحج ، فهذا يدل على أنها فريضة ، فإذا خرج متمتعاً فقد أجزاء من حجه وعمرته ، جاء بعمرة مفردة ، وحجة مفردة . فأما عمرة المحرم فليست بمجزئة عنه عندى . وليست بعمرة تامة ، إنما هى من أربعة أميال . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: (( إنما هى على قدر نصبك ونفقتك)) ومعنى عمرة المحرم ، أنهم كانوا يخرجون فى المحرم من مكة ليستمروا ، من أدنى الحل ، إلى أن يعتمر ، فكيف من اعتمر فى ذي الحجة من مكة عقيب الحج ، وهذا لم يكن السلف يفعلونه . فإذا تبين أن العمرة المكية ، عقب الحج مع الحج لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، باتفاق العلماء. ولا أحد من الصحابة إلا عائشة ، ولا كان خلفاؤه الراشدون يفعلونها، امتنع أن يكون ذلك أفضل . وأما من قال من الفقهاء: الإفراد أن يحج ، ويعتمر عقب ذلك من مكة ، فهذا غالط ، بإجماع العلماء ، فإنه لا نزاع بينهم أن من اعتمر قبل أشهر الحج، ورجع إلى بلده ثم حج، أو أقام بمكة حتى يحج من ٤٨ عامه ، أنه مفرد للحج ، وكذلك لو اعتمر بعد الحمج فى سفرة أخرى ، فإنه مفرد بالاتفاق ، وهذا الافراد هو الذي استحبه الصحابة ، وهو مستحب أيضا عند أحمد وغيره ، فإن الاعتمار في رمضان ، والإقامة إلى أن يحج أفضل من التمتح ، وإن كان الرجوع إلى بلده ثم السفر للحج أفضل منها . والتمتح جائز باتفاق أهل العلم. وإنما كان طائفة من بنى أمية وغيرهم بكرهونه . وقد قيل: إن الذين كرهوا ذلك إنما كرهوا فسخ الحج إلى التمتع، فإن الناس يقدمون من الآفاق فيحرمون بالحج ، فمن جوز الفسخ جوز لهم المتعة ومن منع من ذلك منعهم منه . والفسخ فيه ثلاثة أقوال معروفة : قيل هو واجب ، كقول ابن عباس وأتباعه ، وأهل الظاهر والشيعة . وقيل : هو محرم ، كقول معاوية ، وابن الزبير ، ومن اتبعها كابى حنيفة ، ومالك ، والشافعى . ء وقيل : هو جلزْ مستحب ، وهو مذهب فقهاء الحديث ، أحمد وغيره ، والأمر به معروف عن غير واحد من الصحابة ، والتابعين ، ٤٩ ولهذا كان ابن عمر وابن عباس بأمران بالمتعة . قال أحمد : أخبرنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن الزهرى عن سالم قال : سئل ابن عمر عن متعة الحج ، فأمر بها ، فقيل له : إنك تخالف أباك ، فقال : عمر لم يقل الذى تقولون ، إنما قال عمر : إفراد الحج من العمرة، فإنها أتم للعمرة ، أو أن العمرة لا تتم فى أشهر الحج إلا أن يهدى. وأراد أن يزار البيت في غير أشهر الحج ، فجعلتموها أنتم حراما، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها الله، وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإذا أكثروا عليه قال : أفكتاب الله أحق أن تتبعوا، أم عمر ؟! وكان ابن عباس يأمر بها ، فيقولون: إن أبا بكر وعمر لم يفعلاها ، فيقول يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم : قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ! وكان عروة بن الزبير يناظر ابن عباس فيها ، فقال : إن أبا بكر وعمر أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منك ، فقال له ابن عباس: ياعرية، سل أمك، يعنى أنها تخبره، أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإحلال ، وكانت أسماء ممن أحلت . وهذه المشاجرة إنما وقعت ؛ لأن ابن عباس كان يوجب المتعة ، ٥٠ بل كان يوجب الفسخ ، وكان يقول : كل من طاف بالبيت وبين الصفا والمروة ، ولم يسق الهدي ، فقد حل من إحرامه . ويحتج بأمر النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالتحلل فى حجة الوداع ، وبقوله تعالى : ( ثُمَّ ◌ِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ). وإيجاب المتعة هو قول طائفة من أهل الحديث ، والظاهرية : كابن حزم وغيره، وهو مذهب الشيعة أيضا ، لكن الجماهير من الصحابة ، والأئمة الأربعة ، وغيرهم ، على أنه يجوز التمتع ، والإفراد ؛ والقرآن ، لكن أهل مكة وبنو هاشم وعلماء أهل الحديث يستحبونها. فاستحبها علماء سنته ، وأهل سنته، وأهل بلدته التى بقربها المناسك، وهؤلاء الثلاثة أخص الناس به ، وهو أحد قولي الشافعي . وأبو يوسف يجعل التمتع والقران سواء . وإنما جوز الجمهور الثلاثة لأنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: (( من شاء منكم أن يهل بعمرة فليفعل، ومن شاء منكم أن يهل بحجة فليفعل ، ومن شاء منكم أن يهل بحجة وعمرة فليفعل)). وأما أمره لأصحابه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يحلوا من إحرامهم ، ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي ، فلأنه أراد أن يجمعوا بين الحج والعمرة ، وألا يعتمروا عمرة مكية، وإن سافروا سفراً ٥١ آخر للعمرة . ومن كان هذه حاله فينبغي له أن يتمتع، فالتمتح كان متعيناً في حق الصحابة . إذا أرادوا أن يفعلوا الأفضل لهم، وكان أولا قد أذن لهم فى الفسخ ، ولم يأمرم به ، لاسيما إذا قيل بوجوب العمرة ، فإنه يجب التمتع على من لم يسافر سفرة أخرى ولم يعتمر عقب الحج من مكة ، وعمرة المتمتع بمنزلة التوضؤ للمغتسل، فالمغتسل للجنابة إذا توضأ كان وضوؤه بعض اغتساله الكامل ، كذلك عمرة المتمتع عند أحمد بعض حجه الكامل ، ولهذا يجوز عنده للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة من حين يحرم بالعمرة ، وقد قال الله تعالى: (فَصِيَامُ تََّةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجّ) فهو من حين أحرم بالعمرة دخل فى الحج ، كما أن المغتسل من حين توضأ دخل فى الغسل . وقوله صلى الله عليه وسلم: (( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )» أخرجاه فى الصحيحين . يدخل فيه المتمتع من حين يحرم بالعمرة . ولهذا كان أحمد ينكر على من يقول : إن حجة المتمتع حجة مكية . قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول : كان ابن المبارك زعموا يقول بالمتعة ، فقيل له: يكون مجيئه حينئذ للعمرة . فقال: أرأيتم لو ٥٢ أن رجلا خرج يريد صلاة الظهر فى جماعة ، فتطوع قبلها بأربح ركعات . ثم صلى الظهر ، أزاده ذلك خيراً ، أم نقصه ؟ ثم قال أحمد: ما أحسن ما قال ! ثم قال أبو عبد الله: يقول مجيئه حينئذ للظهر ، أو للتطوع: أي إنما مجيئه للظهر ، قال أبو عبد الله: هذا قول محدث ، يعني قولهم حجة مكية . قال: وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى وذكر قول ابن المبارك : إنه قول محدث ، يعني قولهم حجة مكية . قيل لأبى عبد الله : قول عبد الله قول محدث ؟! قال إي والله قول محدث ، كلام يغيظ ، ما أدري ما هو ، وكيف لا يكون محدثا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم به، ويأمر به أصحابه؟! وغلظ القول فيه . قال: وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى . قيل له : من قال حجة مكية ؟ قال : هذا قول محدث ، قيل له : عمن يروى ؟ فقال : عن الشعبى ، وسعيد بن جبير . فصل والدليل على أنه قد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه ٥٣ وسلم : أنه أمر أصحابه فى حجة الوداع - لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة - أن يحلوا من إحرامهم، ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي ، فإنه أمره أن يبقى على إحرامه ، حتى يبلغ الهدي محله . ولهذا لما قال سلمة بن شبيب لأحمد : يا أبا عبد الله : قويت قلوب الرافضة ، لما أفتيت أهل خراسان بالمتعة . فقال : ياسلمة ! كان يبلغنى عنك أنك أحمق ، وكنت أدافع عنك، والآن فقد تبين لي أنك أحمق. عندي أحد عشر حديثا صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أدعها لقولك ؟! فبين أحمد أن الأحاديث متواترة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالتمتع لجميع أصحابه، الذين لم يسوقوا الهدي ، حتى من كان منهم مفرداً ، أو قارناً ، والنبى صلى الله عليه وسلم لا ينقلهم من الفاضل إلى المفضول ، بل إنما بأمرهم ما هو أفضل لهم . ولهذا كان فسخ الحج إلى التمتع مستحباً عند أحمد ، ولم يجعل اختلاف العلماء فى جواز الفسخ موجباً للاحتياط بترك الفسخ ، فإن الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا تبينت السنة فاتباعها أولى . وإن كان بعض العلماء قد قال : إنه لا يجوز ذلك، لا سيما وآخرون من السلف والخلف قد أوجبوا الفسخ فليس الاحتياط بالخروج من خلاف أولئك بأولى من الخروج من خلاف هؤلاء . ٥٤ والذين منعوا الفسخ، أو المتعة مطلقاً، قالوا : كان لأصحاب النبى صلى الله عليه وسلم خاصة . قالوا : لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج . ويقولون: إذا برأ الدبر ، وعفا الأثر ، وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر . قالوا : فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه بالعمرة ؛ ليبين جواز العمرة فى أشهر الحج . وهذا القول خطأ عند أحمد وغيره لوجوه : أحدها : لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد اعتمر قبل ذلك عمره الثلاثة فى أشهر الحج ، فاعتمر عمرته الأولى عمرة الحديبية فى ذى القعدة ، واعتمر عمرة القضية في ذى القعدة ، واعتمر من الجعرانة فى ذى القعدة ، وقد ثبت فى الصحيح أن عائشة قيل لها : إن ابن عمر يقول: إن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر فى رجب ، فقالت: يغفر الله لأبى عبد الرحمن! ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رجب قط، وما اعتمر إلا وابن عمر معه . وقد اتفق أهل العلم على ما قالت عائشة بأن عمره كلها كانت فى ذي القعدة ، وهو أوسط أشهر الحج . فكيف يقال : إن الصحابة لم يعلموا جواز العمرة فى أشهر الحيج حتى أمرهم بالفسخ ، وقد فعلها قبل ذلك ثلاث مرات؟! الوجه الثانى: أنه قد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنه قال لهم عند الميقات: (( من شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل)). فبين لهم جواز ٥٥ الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات، وعامة المسلمين معه ، فكيف لم يعلموا ذلك . الوجه الثالث : أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل ، وآمر من ساق الهدى أن يتم على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله ، ففرق بين محرم ومحرم ، فهذا يدل على أن سوق الهدى هو المانع من التحلل ؛ لإحرامه الأول. وما ذكره يشترك فيه السائق (١) أمرنا أن نفضى إلى نسائنا فنأتى عرفة تقطر مذا كيرنا المنى ، قال : فقام النبى صلى الله عليه وسلم فينا فقال: ((قد علمتم أبى أتقاكم لله، وأصدقكم وأبركم، ولو لا هدبي لحللت كما تحلون ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ، فحلوا. حللنا، وسمعنا ، وأطعنا . فقدم علي من سعايته ، فقال : ((بم أهللت؟)) قال : بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فأهد وامكث حراماً)) قال: وأهدى علي له هديا ، فقال سراقة بن مالك بن جعشم : لعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال: ((بل للأبد )) وفي رواية البخاري: وإن سراقة بن مالك بن جعشم لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة ، وهو يرميها ، فقال : جعشم آلكم هذه خاصة يارسول الله؟ قال: ((لا بل للأبد)). فبين أن تلك العمرة التى فسخ من فسخ منها حجه إليها للأبد ، (١) كذا بالأصل. ٥٦ وأن العمرة دخلت فى الحج إلى يوم القيامة ، وهذا يبين أن عمرة التمتع بعض الحج . ولم رد السائل بقوله: عمرتنا هذه لعامنا هذا. أم للأبد ؟ أنه يسقط الفرض بها في عامنا هذا ، لأن العمرة إن كانت واجبة فلا تجب إلامرة واحدة، ولأنه لو أراد ذلك لم يقل بل للأبد ، فإن الأبد لا يكون فى حق طائفة معينة ، بل إنما يكون جميع المسلمين، ولا قال: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)). فإن قيل قوله: ((دخلت العمرة فى الحج)) أراد به جواز العمرة فى أشهر الحج؟ . قيل : نعم : ومن ذلك عمرة الفاسخ ، فإنها سبب هذا اللفظ ، وسبب اللفظ العام لا يجوز إخراجه منه، فعلم أن قوله: ((دخلت العمرة فى الحج)) بتناول عمرة الفاسيح، وأنها دخلت فى الحج إلى يوم القيامة . الوجه الرابع : أن يقال فسخ الحج إلى التمتع موافق لقياس الأصول لا مخالف له ، فإن المحرم إذا التزم أكبر ما لزمه جاز باتفاق الأئمة ، فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز بلا نزاع، وأما إذا أحرم بالحج ، ثم أدخل عليه العمرة، لم يجز عند الجمهور وهو مذهب أحمد ومالك ، وظاهر مذهب الشافعي . وأما أبو حنيفة فيجوز.، لأنه يصير قارناً ، والقارن عنده يلزمه طوافان ، وسعيان ، وهذا قياس الرواية المحكية عن أحمد فى القارن . ٥٧ وإذا كان كذلك فالمحرم بالحمج لم يلزمه إلا الحج ، فإذا صار متمتعاً صار ملتزماً لعمرة وحج، فكان ما التزمه بالفسخ أكبر مما كان عليه، فجاز ذلك ، وهو أفضل ، فاستحب ذلك، وإنما يشكل هذا على من يظن أنه فسخ حجاً إلى عمرة مجردة ، وليس كذلك. فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى العمرة مفردة، لم يجز بلا نزاع، وإنما الفسخ جائز لمن كان نيته أن يحج بعد العمرة . وقد قدمنا أن المتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل فى الحج ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((دخلت العمرة فى الحج)) ولهذا يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة من حينئذ ، وإنما إحرامه بالحج بعد ذلك، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل للجنابة بدأ بالوضوء. وكما قال للنسوة فى غسل ابنته: ((ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها)) فكان غسل مواضع الوضوء توضية، وهو بعض الغسل. فإن قيل : دم المتمتع دم جبران ، ونسك لا جبران فيه أفضل من نسك مجبور . قيل : هذا لا يصح لوجهين: أحدهما : أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من هديه فإنه أمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت فى قدر فأكل من المها ، وشرب من مرقها، وثبت أنه كان متمتعاً التمتع العام ، فإن ٥٨ القارن يدخل فى مسمى المتمتع ، كما سنذكره . فدل على استحباب الأكل من هدى المتمتع، ودم الجبران ليس كذلك. وثبت أيضاً فى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم نساءه من الهدى الذي ذبحه منهن، وكن متمتعات )) وهذا مما احتج به الإمام أحمد . الثاني : أن سبب الجيران محظور فى الأصل ، كالإفساد بالوط ... وكفعل المحظورات ، أو بترك الواجبات ، فإنه لا يجوز له أن يفسد حجه ، ولا أن يفعل المحظور إلا لعذر ، ولا يترك الواجب إلا لعذر ، والتمتح جائز مطلقا، فلو كان دمه دم جبران لم يجز مطلقاً، فعلم أنه دم نسك وحدي، وأنه مما وسع الله به على المسلمين ، فأباح لهم التحلل فى أثناء الإحرام ، والهدي مكانه ، لما فى استمرار الإحرام من المشقة ، فيكون بمنزلة قصر الصلاة فى السفر ، وبمنزلة الفطر للمسافر ، والمسح على الخفين للابس الخف . فإن ذلك أفضل له من أن يخلع ويغسل فى ظاهر مذهب أحمد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان لا بس الخف على طهارة مسح عليه ، ولم يكن يخلع ويغسل ، بخلاف ما إذا لم تكن رجلاه فى الخفين ، فإنه كان يغسل . وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه كان يقول فى خطبته: (( خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد)) ٥٩ وهدي محمد لمن كان مكشوف الرجلين أن يغسلها ، لا يقصد أن يلبس ليمسح عليها ، ولمن كان لابس الخفين أن يمسح عليها ، لا أن يخلعها ويغسل، مع أن مسح الخفين بدل ؛ فكذلك الهدي . وإن كان بدلا عن ترفهه بسقوط احد السفرين ، فهو أفضل لمن ء جمع بينهما وقد قدم فى أشهر الحج من أن يأتى بحيج مفرد يعتمر عقبه والبدل قد يكون واجباً كالجمعة ، فإنها وإن كانت بدلا عن الظهر فهي واجبة، وكالمتيمم العاجز عن استعمال الماء ؛ فإن التيمم واجب عليه ، وهو بدل . فإذا جاز أن يكون البدل واجباً ، فكونه مستحباً أولى بالجواز . ولهذا يستحب للمسافر أن يفطر ويقضى ، والقضاء بدل عن الأداء وكذلك المريض الذي يشق عليه الصوم يفطر ويقضي ، والقضاء بدل . وتخلل الإحلال لا يمنع أن يكون الجميع بمنزلة العبادة الواحدة. كطواف الفرض : فإنه من تمام الحج باتفاق المسلمين ، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، ورمي الجمار أيام منى من تمام الحج . وإذا طاف قبل ذلك فقد رمى الجمار أيام منى ، بعد الحل التام ، وهو السنة، كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم ، وشهر رمضان يتخلل صيام أيامه ٦٠