Indexed OCR Text

Pages 1-20

جموع فتَاوى
شيخ الإسلام أحْمَد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّه رُوحَهُ))
جمعوترتيبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْمُحَمَّدُبْقَاسْم «رَحَمَهُالَّه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَّمَّدَ ((وَفْقَهُ اللَّه))
المجلّد السادس والعشرون.
طُبعَ بِأمْر
خَادِ مْ الْجَهَيْ الشِّرِفَيْنٌ المَلِكِ فَّدِبْ عَبْدُ العَزيز الُودِ
أجْزَل اللَّهَ مَتُوبِتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ لَكِِّ فَهَلِ لْطَبَّائَةِ المُصْبَحِ الشَّرِيفِ
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّجُومَ وَالإِنْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٣٢٨ ص : ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
×-٤٦-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٦)
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
x-٤٦ - ٧٧٠-٩٩٦٠ ( ج ٢٦ )

كتب
الفِقْـ
الجزء السادس
الحج

3
سئل شيخ الإسلام رحمه الله ورضى عنه
عن العمرة هل هي واجبة ؟ وإن كان فما الدليل عليه ؟
فأجاب:
فصل
والعمرة فى وجوبها قولان للعلماء ، هما قولان في مذهب الشافعي
وأحمد، والمشهور منها وجوبها . والقول الآخر لا يجب، وهو مذهب
أبي حنيفة ، ومالك .
وهذا القول أرجح ، فإن اللّه إنما أوجب الحج بقوله: (وَلِلَِّعَلى
النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ ) لم يوجب العمرة، وإنما أوجب إتمامهما. فأوجب
إمامها لمن شرع فيها ، وفى الابتداء إنما أوجب الحج . وهكذا سائر
الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا إيجاب الحج ، ولأن العمرة ليس فيها
جنس غير مافى الحج ، فإنها إحرام وإحلال ، وطواف بالبيت ، وبين
٥

الصفا والمروة ، وهذا كله داخل في الحج .
وإذا كان كذلك فأفعال الحج لم يفرض اللّه منها شيئاً
مرتين ، فلم يفرض وقتين ، ولا طوافين ، ولا سعيين ، ولا فرض
الحج مرتين.
وطواف الوداع ليس بركن . بل هو واجب ، وليس هو من
تمام الحج ، ولكن كل من خرج من مكة عليه أن يودع . ولهذا من
أقام بمكة لا يودع على الصحيح ، فوجوبه ليكون آخر عهد الخارج
بالبيت ، كما وجب الدخول بالإحرام فى أحد قولي العلماء لسبب عارض
لاكون ذلك واجباً بالإسلام ، كوجوب الحج .
ولأن الصحابة المقيمين بمكة لم يكونوا يعتمرون بمكة . لا على عهد
التى صلى الله عليه وسلم، ولا على عهد خلفائه، بل لم يعتمر أحد
عمرة بمكة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة وحدها ، لسبب
عارض . وقد بسطنا الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع .
وسئل
عمن حج ولم يعتمر ، وتركها إما عامداً أو ناسياً . فهل تسقط
٦

عنه بالحبج ؟ أم لا ؟ وهل ذكر أحد فى ذلك خلافا ؟ أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين . العمرة فى وجوبها قولان مشهوران
للعلماء ، هما قولان للشافعي ، وروايتان عن أحمد والمشهور عن أصحابهما
وجوبها ، ولكن القول بعدم وجوبها قول الأكثرين : كمالك ، وأبى
حنيفة ، وكلا القولين منقول عن بعض الصحابة .
والأظهر أن العمرة ليست واجبة، وأن من حج ولم يعتمر فلاشيء
عليه ، سواء ترك العمرة عامداً ، أو ناسياً ؛ لأن الله إنما فرض فى
كتابه حج البيت بقوله: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ ). ولفظ
الحج فى القرآن لا يتناول العمرة ، بل هو سبحانه إذا أراد العمرة
وقوله :
ذكرها مع الحج. كقوله: ( وَأَتُِّواْحَجَّوَالْعُمْرَةَلِلِّ )
(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلاَجُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) فلما أمر بالإتمام
أمر بإتمام الحج والعمرة ، وهذه الآية نزلت عام الحديبية سنة ست باتفاق
الناس . وآية آل عمران نزلت بعد ذلك. سنة تسع أو عشر .
وفيها فرض الحج .
ولهذا كان أصح القولين أن فرض الحج كان متأخراً . ومن قال :
إنه فرض سنة ست فإنه احتج بآية الإتمام ، وهو غلط ، فإن الآية
إنما أمر فيها بإتمامها لمن شرع فيها لم يأمر فيها بابتداء الحج والعمرة.
والنبى صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة الحديبية قبل أن تنزل هذه
٧

الآية ، ولم يكن فرض عليه لا حج ولا عمرة . ثم لما صده المشركون
أنزل الله هذه الآية. فأمر فيها بإتمام الحج والعمرة . وبين حكم المحصر
الذى تعذر عليه الإتمام. ولهذا اتفق الأئمة على أن الحج
والعمرة يلزمان بالشروع ، فيجب إتمامهما . وتنازعوا فى الصيام،
والصلاة والاعتكاف .
وأيضا فإن العمرة ليس فيها جنس من العمل غير جنس الحج ،
فإنها إحرام وطواف وسعي وإحلال ، وهذا كله موجود فى الحج .
والحج إما فرضه الله مرة واحدة لم يفرضه مرتين ، ولا فرض شيئا
من فرائضه مرتين ، لم يفرض فيه وقوفين ، ولا طوافين ؛ بل الفرض
طواف الإفاضة ، وأما طواف الوداع فليس من الحج، وإنما هو لمن
أراد الخروج من مكة ، ولهذا لا يطوف من أقام بمكة ، وليس فرضا
على كل أحد ، بل يسقط عن الحائض ، ولو لم يفعله لأجزاء دم .
ولم يبطل الحج بتركه ، بخلاف طواف الفرض ، والوقوف . وكذلك
السعي لا يجب إلا مرة واحدة ، والرمي يوم النحر لا يجب إلا مرة
واحدة ، ورمى كل جمرة فى كل يوم لا يجب إلا مرة واحدة ،
وكذلك الحلق والتقصير لا يجب إلا مرة واحدة .
فإذا كانت العمرة ليس فيها عمل غير أعمال الحج ، وأعمال الحج
إنما فرضها الله مرة، لا مرتين، علم أن الله لم يفرض العمرة.
٨

والحديث المأثور فى ((أن العمرة هي الحج الأصغر)» قد احتج به
بعض من أوجب العمرة ، وهو إنما يدل على أنها لا تجب : لأن
هذا الحديث دال على حجين: أكبر ، وأصغر . كما دل على ذلك
القرآن فى قوله: ( يَوْمَ الْحَجْ الْأَكْبَرِ ) وإذا كان كذلك فلو أوجبناها
لأوجبنا حجين: أكبر، وأصغر . والله تعالى لم يفرض حجين، وإنما
أوجب حجاً واحداً، والحج المطلق إنما هو الحج الأكبر، وهو
الذى فرضه الله على عباده ، وجعل له وقتاً معلوما ، لا يكون فى غيره
كما قال (يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ ) ، بخلاف العمرة فإنها لا تختص بوقت
بعينه ، بل تفعل فى سائر شهور العام .
ولأن العمرة مع الحج كالوضوء مع الغسل ، والمغتسل للجنابة
يكفيه الغسل ، ولا يجب عليه الوضوء عند جمهور العلماء . فكذلك
الحج؛ فإنهما عبادتان من جنس واحد: صغرى، وكبرى . فإذا فعل
الكبرى لم يجب عليه فعل الصغرى ، ولكن فعل الصغرى أفضل
وأكمل كما أن الوضوء مع الغسل أفضل وأكمل .
وهكذا فعل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لكنه أمرم
بأمر التمتع وقال: ((دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة ، كما قد
بسط فى موضع آخر. والله أعلم .
٩

وسئل
عن امرأة حجت حجة الإسلام ، وما اعتمرت ، وفى العام الثاني
قصدت أن تحج من بنتها ، وكانت بالأول أحرمت بحج وعمرة ، فهل
عليها عمرة أخرى ؟
فأجاب : لا عمرة عليها لما مضى ، وأما إذا اعتمرت فى هذا العام
عن نفسها غير العمرة عن بنتها جاز ذلك .
وسئل رحم الله
ماذا يقول أهل العلم فى رجل
آناء ذو العرش مالا حج واعتمرا
فهزه الشوق نحو المصطفى طربا
أترون الحج أفضل أم إيثاره الفقرا
أم حجه عن أبيه ذاك أفضل أم
يا سادتى ظهرا
ماذا الذي
١٠

فأفتوا محبا لكم فديتكمو
وذكركم دأبه إن غاب أو حضرا
فأجاب رضي الله عنه:
نقول فيه : بأن الحج أفضل من
فعل التصدق والإعطاء للفقرا
والحج عن والديه فيه برهما
والأم أسبق فى البر الذي ذكرا
لكن إذا الفرض خص الأب كان إذاً
هو المقدم فيما يمنع الضررا
كما إذا كان محتاجاً إلى صلة
وأمه قدكفاها من برى البشر!
هذا جوابك يا هذا موازنة
وليس مفتيك معدوداً من الشعرا
١١

وسئل رحمه اللّه
عن امرأة تملك زيادة عن نحو ألف درهم ، ونوت أن تهب ثيابها
لبنتها ، فهل الأفضل أن تبقى قماشها لبنتها ؟ أو تحج بها؟
فأجاب: الحمد لله. نعم، تحج بهذا المال وهو ألف درهم ،
ونحوها . وتزوج البنت بالباقى إن شاءت ، فإن الحج فريضة مفروضة
عليها، إذا كانت تستطيع إليه سبيلا . ومن لها هذا المال
تستطيع السبيل .
وسل
عن شيخ كبير وقد انحلت أعضاؤه . لا يستطيع أن يأكل أو
يشرب ، ولا يتحرك ، هل يجوز أن يستأجر من يحج عنه الفرض ؟
فأجاب : أما الحج فإذا لم يستطع الركوب على الدابة فإنه يستنيب
من يحج عنه .
١٢

وسل
هل يجوز أن تحج المرأة بلا محرم ؟
فأجاب : إن كانت من القواعد اللاتى لم يحضن ، وقد يئست
من النكاح ، ولا محرم لها . فإنه يجوز فى أحد قولي العلماء أن
بحج مع من تأمنه ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، ومذهب
مالك والشافعي .
وقال رحم الله :
فصل
يجوز للمرأة أن تحج عن امرأة أخرى باتفاق العلماء ، سواء
كانت بنتها ، أو غير بنتها ، وكذلك يجوز أن تحج المرأة عن الرجل
عند الأئمة الأربعة ، وجمهور العلماء كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم
المرأة الخثعمية أن تحج من أبيها ، لما قالت : يا رسول الله! إن فريضة
١٣

الله فى الحج على عباده أدركت أبى. وهو شيخ كبير. فأمرها
النبى صلى الله عليه وسلم أن تحج من أبيها ، مع أن إحرام الرجل
أكمل من إحرامها . والله أعلم .
وقال رحمه الله :
فصل
فى الحج عن الميت ، أو المعضوب بمال يأخذه إما نفقة ، فإنه
جائز بالاتفاق ، أو بالإجارة أو بالجعالة على نزاع بين الفقهاء فى ذلك ،
سواء كان المال المحجوج به موصى به لمعين ، أو عين مطلق ، أو
مبذول ، أو مخرج من صلب التركة. فمن أصحاب الشافعي من استحب
ذلك ، وقال هو من أطيب المكاسب ؛ لأنه يعمل صالحاً وبأ كل
طيبا . والمنصوص عن أحمد أنه قال : لا أعرف في السلف من كان
يعمل هذا ، وعده بدعة ، وكرهه . ولفظ نصه مكتوب في غير هذا
الموضع . ولم يكره إلا الإجارة والجمالة.
قلت : حقيقة الأمر فى ذلك أن الحاج يستحب له ذلك إذا
كان مقصوده أحد شيئين : الإحسان إلى المحجوج عنه ، أو نفس
١٤

الحج لنفسه .
وذلك أن الحج عن الميت إن كان فرضاً فذمته متعلقة به ، فالحج
عنه إحسان إليه بإبراء ذمته ، بمنزلة قضاء دينه . كما قال النبى صلى الله
عليه وسلم للخثعمية: (( أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان
يجزي عنه ؟ قالت : نعم ، قال: فالله أحق بالقضاء )، وكذلك ذكر
هذا المعنى في عدة أحاديث ، بين أن الله لرحمته وكرمه أحق بأن يقبل
قضاء الدين عمن قضي عنه ، فإذا كان مقصود الحاج قضاء هذا الدين
الواجب من هذا ، فهذا محسن إليه، والله يحب المحسنين ، فيكون
مستحبا ، وهذا غالباً إنما يكون لسبب يبعثه على الإحسان إليه ، مثل
رحم بينها ، أو مودة وصداقة ، أو إحسان له عليه يجزيه به ، ويأخذ
من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه ، وعلامة ذلك أن يطلب
مقدار كفاية حجه ، ولهذا جوزنا نفقة الحج بلا نزاع . وكذلك لو
وصى بحجة مستحبة ، وأحب إيصال توابها إليه .
والموضع الثانى: إذا كان الرجل مؤثراً أن يحتج محبة للحج
وشوقا إلى المشاعر ، وهو عاجز فيستعين بالمال المحجوج به على الحج ،
وهذا قد يعطى المال ليحج به لا عن أحد ، كما يعطى المجاهد المال
ليغزو به ، فلا شبهة فيه ، فيكون لهذا أجر الحج ببدنه ، ولهذا أجر
الحج بماله ، كما في الجهاد فإنه من جهز غازيا فقد غزا ، وقد يعطى
١٥

المال ليحج به عن غيره، فيكون مقصود المعطى الحج عن المعطى عنه ،
ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإحسان
إلى الغير .
وهذا يتوجه على أصل أبي حنيفة حيث قال : الحج يقع عن
الحاج ، وللمعطي أجر الإنفاق ، كالجهاد. وعلى أصلنا فإن المصلي
والصائم والمتصدق عن الغير والحاج عن الغير له قصد صالح فى ذلك العمل،
وقصد صالح فى عمله عن الغير. وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم
قد قال: (( الخازن الأمين الذي يعطى ما أمر به كاملا موفراً طيبة
به نفسه أحد المتصدقين)) فجعل للوكيل مثل الموكل في الصدقة ، وهو
نائب، وقال: ((إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان
لها أجرها بما أنفقت ، وللزوج أجره بما اكتسب ، وللخادم مثل
ذلك)) فكذلك النائب في الحج ، وسائر ما يقبل النيابة من الأعمال له
أجر . وللمستنيب أجر .
وهذا أيضاً إنما بأخذ ما ينفقه فى الحج كما لا بأخذ إلا ما ينفقه فى الغزو .
فهاتان صورتان مستحبتان ، وهما الجائزتان من أن يأخذ نفقة الحج ويرد
الفضل، وأما إذا كان قصده الاكتساب بذلك، وهو أن يستفضل مالا، فهذا
صورة الإجارة والجعالة ، والصواب أن هذا لا يستحب ، وإن قيل بجواز.
لأن العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صالح فى نفسه ، إذا لم يقصد
١٦

به إلا المال ، فيكون من نوع المباحات . ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة
فليس له في الآخرة من خلاق .
ونحن إذا جوزنا الإجارة والجعالة على أعمال البر التى يختص
أن يكون فاعلها من أهل القرب لم نجعلها في هذه الحال إلا بمنزلة
المباحات، لا تجعلها من ((باب القرب)) فإن الأقسام ثلاثة: إما أن يعاقب
على العمل بهذه النية ، أو يثاب ، أو لا يئاب ولا يعاقب .
وكذلك المال المأخوذ : إما منهى عنه، وإما مستحب ، وإما مباح
فهذا هذا والله أعلم. لكن قد رجحت الإجارة على (١) إذا كان محتاجا
إلى ذلك المال للنفقة مدة الحج ، وللنفقة بعد رجوعه أو قضاء دينه ،
فيقصد إقامة النفقة وقضاء الدين الواجب عليه فهنا تصير الأقسام ثلاثة :
إما أن يقصد الحج والإحسان فقط ، أو يقصد النفقة المشروعة له
فقط ، أو يقصد كليهما ، فمتى قصد الأول فهو حسن ، وإن قصدهما معا
فهو حسن إن شاء الله؛ لأنهما مقصودان صالحان، وأما إن لم يقصد
إلا الكسب لنفقته فهذا فيه نظر . والمسألة مشروحة في مواضع .
(١) بياض بالأصل.
١٧

وسئل
من امرأة حجت وقصدت أن تحج عن ميتة بأجرة فهل لها
أن تحج ؟ .
فأجاب : يجوز أن تحج عن الميت بمال يؤخذ على وجه النيابة
بالاتفاق . وأما على وجه الإجارة ففيه قولان للعلماء ، مما روايتان
عن أحمد :
إحداهما يجوز وهو قول الشافعي .
والثانى لا يجوز ، وهو مذهب أبى حنيفة. ثم هذه الحاجة عن
الميت إن كان قصدها الحج ، أو نفع الميت كان لها فى ذلك أجر
وثواب وإن كان ليس مقصودها إلا أخذ الأجرة فمالها فى الآخرة
من خلاق .
وسل
عمن حج عن الغير ليوفي دينه .
١٨

فأجاب : أما الحاج عن الغير لأن يوفى دينه ، فقد اختلف فيها
العلماء أيهما أفضل . والأصح أن الأفضل الترك، فإن كون الإنسان يحتج
لأجل أن يستفضل شيئاً من النفقة ليس من أعمال السلف ، حتى قال
الإمام أحمد: ما أعلم أحداً كان يحمج عن أحد بشيء. ولو كان هذا عملا
صالحاً لكانوا إليه مبادرين ، والارتزاق بأعمال البر ليس من شأن
الصالحين. أغنى إذا كان إنما مقصوده بالعمل اكتساب المال ، وهذا المدين
بأخذ من الزكاة مايوفى به دينه خير له من أن يقصد أن يحج ليأخذ
درام يوفى بها دينه ، ولا يستحب للرجل أن يأخذ مالا يحج به عن
غيره، إلا لأحد رجلين :
إما رجل يحب الحج . ورؤية المشاعر ، وهو عاجز . فيأخذ
مايقضي به وطره الصالح ، ويؤدي به من أخيه فريضة الحج .
أو رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج ، إما لصلة بينهما ،
أو لرحمة عامة بالمؤمنين، ونحو ذلك ، فيأخذ ما يأخذ ليؤدي به
ذلك . وجماع هذا أن المستحب أن يأخذ ليحج لا أن يحج ليأخذ ،
وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح ، فمن ارتزق ليتعلم ،
أو ليعلم، أو ليجاهد، محسن. كما جاء عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((مثل الذين يغزون من أمتى . ويأخذون أجورهم.
مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرها )) شبهم بمن يفعل الفعل
١٩

الرغبة فيه كرغبة أم موسى فى الإرضاع ، بخلاف الظئر المستأجرة على
الرضاع ، إذا كانت أجنبية . وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح
لأن يرتزق فهذا من أعمال الدنيا .
ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة ، ومن تكون
الدنيا مقصوده والدين وسيلة . والأشبه أن هذا ليس له فى الآخرة
من خلاق . كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل عليه دين لشخص غائب ببغداد ، والمديون مقيم بمصر
وهو معسر ، وقصد شخص أن يحتج به من عنده . فهل يجوز له أن
يحمج وعليه الدين ؟ .
فأجاب: نعم يجوز أن يحج المدين المعسر ، إذا حججه غيره ،
ولم يكن فى ذلك إضاعة لحق الدين إما لكونه عاجزاً عن الكسب ، وإما
لكون الغريم غائبا لا يمكن توفيته من الكسب . والله أعلم .
٢٠