Indexed OCR Text

Pages 301-320

طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت ، وم فى الباطن إما
ملاحدة زنادقة ، وإما جهال ، وأصحاب هوى .
وطائفة ناصبة تبغض عليا ، وأصحابه ، لما جرى من القتال فى
الفتنة ما جرى .
وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((سيكون في ثقيف كذاب، ومبير)) فكان الكذاب هو المختار بن أبي
عبيد الثقفي ، وكان يظهر موالاة أهل البيت ، والانتصار لهم ، وقتل
عبيد الله بن زياد أمير العراق الذي جهز السرية التى قتلت الحسين بن
على رضي الله عنها ثم إنه أظهر الكذب ، وادعى النبوة ، وأن جبريل
عليه السلام ينزل عليه ، حتى قالوا لابن عمر وابن عباس . قالوا لأحدهما:
إن المختار بن أبى عبيد يزعم أنه ينزل عليه، فقال صدق ، قال الله
تعالى: (هَلْ أُبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَُّ عَلَ كُلِ أَنَّالِكٍ أَشِيمٍ )
وقالوا للآخر : إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال صدق: (وَإِنَّ
الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَ بِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ ) .
وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي ، وكان : منحرفا عن على
وأصحابه ، فكان هذا من النواصب ، والأول من الروافض ، وهذا
٣٠١

الرافضى كان: أعظم كذبا وافتراء ، وإلحاداً فى الدين ، فإنه ادعى النبوة،
وذاك كان أعظم عقوبة لمن خرج على سلطانه، وانتقاما لمن انهمه بمعصية
أميره عبد الملك بن مروان ، وكان فى الكوفة بين هؤلاء وهؤلاء فتن
وقتال فلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنها يوم عاشوراء قتلته الطائفة
الظالمة الباغية ، وأكرم الله الحسين بالشهادة، كما أكرم بها من أكرم
من أهل بيته . أكرم بها حمزة وجعفرا، وأباه عليا، وغيرم ، وكانت
شهادته مما رفع الله بها منزلته، وأعلى درجته ، فإنه هو وأخوه الحسن
سيدا شباب أهل الجنة، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أشد بلاء فقال:
((الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل على حسب دينه،
فإن كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه وإن كان فى دينه رقة خفف عنه،
ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على الأرض وليس عليه خطيئة))
رواه الترمذى وغيره .
فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من الله تعالى ما سبق ، من
المنزلة العالية ، ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب،
فإنهما ولدا في عن الإسلام ، وتربيا في عن وكرامة، والمسلمون يعظمونهما
ويكرمونهما ، ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستكملا سن التمييز،
٣٠٢

فكانت نعمة الله عليها أن ابتلاهما بما يلحقها بأهل بيتها ، كما ابتلى من
كان أفضل منها ، فإن على بن أبى طالب أفضل منها ، وقد قتل شهيداً
وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس ، كما كان مقتل عثمان
رضي الله عنه من أعظم الأسباب التى أوجبت الفتن بين الناس. وبسبيه
تفرقت الأمة إلى اليوم ، ولهذا جاء في الحديث (( ثلاث من نجا منهن
فقد نجا : موتى ، وقتل خليفة مضطهد ، والدجال )) .
فكان موت النبى صلى الله عليه وسلم من أعظم الأسباب التى
افتن بها خلق كثير من الناس ، وارتدوا عن الإسلام ، فأقام الله تعالى
الصديق رضى الله عنه حتى ثبت الله به الإيمان، وأعاد به الأمر إلى ما
كان، فأدخل أهل الردة فى الباب الذى منه خرجوا، وأقر أهل الإيمان
على الدين الذى ولجوا فيه وجعل الله فيه من القوة والجهاد والشدة
على أعداء الله، واللين لأولياء الله ما استحق به وبغيره أن يكون
خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم استخلف عمر فقهر الكفار من المجوس ، وأهل الكتاب ، وأعز
الإسلام ، ومصر الأمصار ، وفرض العطاء ، ووضع الديوان ، ونشر
العدل ، وأقام السنة ، وظهر الإسلام في أيامه ظهورا بان به تصديق
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِىَّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
٣٠٣

كُلّةٍ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا )
(وَعَدَ اللَّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وقوله تعالى:
مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّهُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِ آَرْتَّضَى لَهُمْ وَيُبَدِّلَّهُ مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَّأَيَعْبُ ونَفِى
لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا) وقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا هلك
كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده . والذى
نفسى بيده لتنفقن كنوزها فى سبيل الله)) فكان عمر رضى الله عنه
هو الذى أنفق كنوزهما. فعلم أنه أنفقها فى سبيل الله، وأنه كان خليفة راشداً
مهديا ، ثم جعل الأمر شورى فى ستة ، فاتفق المهاجرون والأنصار على
تقديم عثمان بن عفان من غير رغبة بذلها لهم ، ولا رهبة أخافهم بها
وبايعوه بأجمعهم طائعين غير كارهين، وجرى فى آخر أيامه أسباب ظهر
العلم (أهل) الجهل والعدوان ، وما زالوا يسعون
بالشر فيها (على) أهل
فى الفتن حتى قتل الخليفة مظلوما شهيدا بغير سبب يبيح قتله ، وهو
صابر محتسب، لم يقاتل مسلما .
فلما قتل رضى الله عنه تفرقت القلوب، وعظمت الكروب، وظهرت
الأشرار ، وذل الأخيار ، وسعى فى الفتنة من كان عاجزا منها ، وعجز
عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته ، فبايعوا أمير المؤمنين علي
ابن أبي طالب رضي الله عنه ، وهو أحق الناس بالخلافة حينئذ ،
٣٠٤

٠
وأفضل من بقي ، لكن كانت القلوب متفرقة ، ونار الفتنة متوقدة ،
فلم تتفق الكلمة ، ولم تنتظم الجماعة ، ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة
من كل ما يريدونه من الخير ، ودخل فى الفرقة والفتنة أقوام ، وكان
ما كان ، إلى أن ظهرت الحرورية المارقة ، مع كثرة صلاتهم وصيامهم
وقراءتهم ، فقاتلوا أمير المؤمنين علياً ومن معه ؛ فقتلهم بأمر الله
ورسوله ، طاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما وصفهم بقوله: ((يحقر
أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراء تهم ، يقرأون
القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من
الرمية ، أنما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن فى قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم
يوم القيامة)). وقوله: (( تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين،
يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق )) أخرجاء في الصحيحين .
فكانت هذه الحرورية هي المارقة ، وكان بين المؤمنين فرقة ،
والقتال بين المؤمنين لا يخرجهم من الإيمان ، كما قال تعالى: ( وَإِن
طَاِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُوْلَِّى
تَبْغِى حَتَّى تَفِىّءَ إلَى أَمْرِاللهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَأَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ
* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوْبَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ )
فبين سبحانه وتعالى أنهم مع الاقتتال وبغى بعضهم على بعض
٣٠٥

مؤمنون إخوة ، وأمر بالإصلاح بينهم ، فإن بغت إحداهما بعد ذلك
قوتلت الباغية ، ولم يأمر بالاقتتال ابتداء .
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائفة المارقة بقتلها أدنى
الطائفتين إلى الحق ، فكان علي بن أبي طالب ومن معه هم الذين قاتلوم.
فدل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على أنهم أدنى إلى الحق من معاوية
ومن معه مع إيمان الطائفتين .
ثم إن عبد الرحمن بن ملجم من هؤلاء المارقين ، قتل أمير
المؤمنين عليا فصار إلى كرامة الله ورضوانه شهيداً ، وبايع الصحابة
للحسن ابنه ، فظهرت فضيلته التى أخبر بها رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى الحديث الصحيح حيث قال: ((إن ابني هذا سيد وسيصلح الله
به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ، فنزل عن الولاية وأصلح الله به
بين الطائفتين ، وكان هذا مما مدحه به النبى صلى الله عليه وسلم
وأثنى عليه ، ودل ذلك على أن الإصلاح بينهما مما يحبه الله ورسوله
ويحمده الله ورسوله .
ثم إنه مات وصار إلى كرامة اللّه ورضوانه ، وقامت طوائف كانبوا
الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر ، ولم يكونوا من أهل
٣٠٦

ذلك ، بل لما أرسل إليهم ابن عمه أخلفوا وعده ، ونقضوا عهده،
وأعانوا عليه من وعدوه أن يدفعوه عنه ، ويقاتلوه معه .
وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وابن عمر وغيرها
أشاروا عليه بألا يذهب إليهم ، ولا يقبل منهم ، ورأوا أن خروجه
إليهم ليس بمصلحة، ولا يترتب عليه ما يسر ، وكان الأمر كما قالوا ،
وكان أمر الله قدراً مقدوراً .
فلما خرج الحسين - رضي الله عنه - ورأى أن الأمور قد
تغيرت ، طلب منهم أن يدعوه يرجع ، أو يلحق ببعض الثغور ، أو
يلحق بابن عمه يزيد ، فمنعوه هذا وهذا . حتى يستأسر ، وقاتلوه ،
فقاتلهم فقتلوه . وطائفة ممن معه ، مظلوماً شهيداً شهادة أكرمه الله
بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين . وأهان بها من ظلمه واعتدى
عليه ، وأوجب ذلك شراً بين الناس .
فصارت طائفة جاهلة ظالمة : إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية ،
تظهر موالاته ، وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن
ونياحة ، وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود ، وشق الجيوب ،
والتعزي بعزاء الجاهلية .
٣٠٧

والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة - إذا كانت جديدة -
إنما هو الصبر، والاحتساب والاسترجاع. كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ
الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّ لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) . وفى
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ليس منا من لطم
الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) وقال: (( أنا برىء
من الصالقة، والحالقة، والشاقة)) وقال: ((النائحة إذا لم تتب قبل
موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ، ودرع من جرب )).
وفى المسند عن فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها الحسين عن النبى صلى
الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من رجل يصاب بمصيبة ، فيذكر مصيته
وإن قدمت ، فيحدث لها استرجاعا ، إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره
يوم أصيب بها )).
وهذا من كرامة الله للمؤمنين ، فإن مصيبة الحسين وغيره إذا
ذكرت بعد طول العهد ، فينبغي للمؤمن أن يسترجع فيها كما أمر
الله ورسوله ليعطى من الأجر مثل أجر المصاب يوم أصيب بها .
وإذا كان الله تعالى قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد
٣٠٨

بالمصيبة ، فكيف مع طول الزمان ، فكان ما زينه الشيطان لأهل
الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتماً ، وما يصنعون فيه من الندب
والنياحة ، وإنشاد قصائد الحزن ، ورواية الأخبار التى فيها كذب كثير
والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب ، وإثارة الشحناء
والحرب وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام ، والتوسل بذلك إلى سب
السابقين الأولين ، وكثرة الكذب والفتن فى الدنيا ولم يعرف طوائف
الإسلام أكثر كذبا وفتنا ومعاونة للكفار على أهل الإسلام ، من هذه
الطائفة الضالة الغاوية ، فإنهم شر من الخوارج المارقين .
وأولئك قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل
الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان )) . وهؤلاء يعاونون اليهود والنصارى
والمشركين على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأمته المؤمنين
كما أعانوا المشركين من الترك والتنار على ما فعلوه ببغداد ، وغيرها،
بأهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ولد العباس ، وغيرم من أهل
البيت والمؤمنين ، من القتل والسبى وخراب الديار . وشر هؤلاء
وضررم على أهل الإسلام ، لا يحصيه الرجل الفصيح فى الكلام .
فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل
٣٠٩

بيته ، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب،
والشر بالشر ، والبدعة بالبدعة ، فوضعوا الآثار فى شعائر الفرح
والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب ، وتوسيع النفقات
على العيال ، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة ، ونحو ذلك مما يفعل
فى الأعياد والمواسم ، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم
الأعياد والأفراح. وأولئك يتخذونه مأتماً يقيمون فيه الأحزان والأتراح
وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة ، وإن كان أولئك أسوأ قصداً
وأعظم جهلا. وأظهر ظلما ، لكن الله أمر بالعدل والإحسان، وقد قال
النبى صلى الله عليه وسلم: (( إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا
كثيراً ، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي .
يمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ . وإياكم ومحدثات الأمور . فإن
كل بدعة ضلالة )).
ولم يسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون
فى يوم عاشوراء شيئاً من هذه الأمور. لا شعائر الحزن والترح . ولا
شعار السرور والفرح ، ولكنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة
وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء ، فقال: ((ما هذا ؟ فقالوا ، هذا يوم
نجى الله فيه موسى من الغرق فنحن نصومه، فقال: نحن أحق
٣١٠

بموسى منكم . فصامه وأمر بصيامه )) وكانت قريش أيضاً تعظمه
فى الجاهلية .
واليوم الذي أمر الناس بصيامه كان يوماً واحداً ، فإنه قدم المدينة
في شهر ربيع الأول ، فلما كان فى العام القابل صام يوم عاشوراء وأمر
بصيامه ثم فرض شهر رمضان ذلك العام ، فنسخ صوم عاشوراء .
وقد تنازع العلماء : هل كان صوم ذلك اليوم واجباً ؟ أو مستحباً؟
على قولين مشهورين أصحهما أنه كان واجباً ، ثم إنه بعد ذلك كان
يصومه من يصومه استحباباً، ولم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم
العامة بصيامه، بل كان يقول: ((هذا يوم عاشوراء ، وأنا صائم فيه
فمن شاء صام)). وقال: (( صوم يوم عاشوراء بكفر سنة، وصوم يوم
عرفة يكفر سنتين)). ولما كان آخر عمره صلى الله عليه وسلم وبلغه
أن اليهود يتخذونه عيداً، قال: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن
التاسع )» ليخالف اليهود، ولا يشابههم فى اتخاذه عيداً، وكان من
الصحابة والعلماء من لا يصومه ، ولا يستحب صومه ؛ بل يكره إفراد.
بالصوم ، كما نقل ذلك عن طائفة من الكوفيين ، ومن العلماء من
يستحب صومه .
٣١١

والصحيح أنه يستحب لمن صامه أن يصوم معه التاسع ؛ لأن هذا
آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله: («لئن عشت إلى
قابل ، لأصومن التاسع مع العاشر ، كما جاء ذلك مفسراً في بعض
طرق الحديث ، فهذا الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما سائر الأمور : مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة ، إما حبوب
وإما غير حبوب ، أو تجديد لباس أو توسيع نفقة، أو اشتراء حوائج
العام ذلك اليوم ، أو فعل عبادة مختصة . كصلاة مختصة به ، أو قصد
الذبح، أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب ، أو الاكتحال ،
أو الاختضاب ، أو الاغتسال ، أو التصافح، أو التزاور ، أو زيارة
المساجد والمشاهد ، ونحو ذلك ، فهذا من البدع المنكرة، التى لم يستها
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا استحبها
أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا الثوري ، ولا الليث بن سعد ، ولا
أبو حنيفة، ولا الأوزاعي ، ولا الشافعي ، ولا أحمد بن حنبل،
ولا إسحق بن راهويه ، ولا أمثال هؤلاء من أئمة المسلمين ، وعلماء
المسلمين وإن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمة قد كانوا يأمرون
ببعض ذلك ، ويروون فى ذلك أحاديث وآثارا، ويقولون: ((إن بعض
ذلك صحيح . فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند أهل المعرفة
٣١٢

بحقائق الأمور. وقد قال حرب الكرمانى فى مسائله : سئل أحمد بن
حنبل عن هذا الحديث: (( من وسع على أهله يوم عاشوراء )) فلم
يره شيئاً .
وأعلى ما عندهم أثر يروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن
أبيه أنه قال: بلغنا (( أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله
عليه سائر سنته)) قال سفيان بن عيينة جربناه منذ ستين عاما فوجدناه
صحيحاً، وإبراهيم بن محمد كان من أهل الكوفة، ولم يذكر ممن سمع هذا
ولا عمن بلغه ، فلعل الذي قال هذا من أهل البدع الذين يبغضون
عليا وأصحابه ويريدون أن يقابلوا الرافضة بالكذب : مقابلة الفاسد
بالفاسد والبدعة بالبدعة .
وأما قول ابن عيينة . فإنه لا حجة فيه ، فإن الله سبحانه أنعم عليه
برزقه ، وليس فى إنعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك كان
التوسيع يوم عاشوراء ، وقد وسع الله على من ثم أفضل الخلق من
المهاجرين والأنصار ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم
عاشوراء بخصوصه ، وهذا كما أن كثيرا من الناس ينذرون نذراً لحاجة
يطلبها ، فيقضى الله حاجته ، فيظن أن النذر كان السبب ، وقد ثبت
٣١٣

فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه نهى عن النذر
وقال : إنه لا يأتى بخير ، وإنما يستخرج به من البخيل )، فمن ظن
أن حاجته إنما قضيت بالنذر ، فقد كذب على الله ورسوله ، والناس
مأمورون بطاعة الله ورسوله ، واتباع دينه وسبيله ، واقتفاء هداه ،
ودليله ، وعليهم أن يشكروا الله على ما عظمت به النعمة ، حيث بعث
فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم . ويعلمهم الكتاب
والحكمة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
((إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدي محمد ، وشر الأمور
محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة)).
وقد اتفق أهل المعرفة والتحقيق أن الرجل لو طار فى الهواء ،
أو مشى على الماء ، لم يتبع إلا أن يكون موافقاً لأمر الله ورسوله ،
ومن رأى من رجل مكاشفة أو تأثيراً فاتبعه فى خلاف الكتاب والسنة
كان من جنس أتباع الدجال ، فإن الدجال يقول للسماء : أمطري
فتمطر ، ويقول للأرض : أنبتى فتنبت ، ويقول للخربة أخرجي كنوزك
فتخرج معه كنوز الذهب والفضة ، ويقتل رجلا ثم بأمره أن يقوم
فيقوم ، وهو مع هذا كافر ملعون عدو الله ، قال النبى صلى الله عليه
وسلم: (( ما من نى إلا قد أنذر أمته الدجال: وأنا أنذركموه إنه أعور
٣١٤

وإن الله ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر ــ ك ف ر - بقرؤه
كل مؤمن قارئ وغير قارئ ، واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه
حتى يموت)). وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((إذا قعد أحدكم
في الصلاة فليستعذ بالله من أربع، يقول: ((اللهم إنى أعوذ بك من
عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة
المسيح الدجال » .
وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون
دجالون كذابون، كلهم يزعم أنه رسول الله)) وقال صلى الله عليه
وسلم: (( يكون بين يدي الساعة كذابون دجالون، يحدثونكم بما لم
تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإيامٍ)). وهؤلاء تنزل عليهم الشياطين وتوحي
إليهم، كما قال تعالى: (هَلْ أَنِبِئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَشِمٍ
يُلْقُونَ السَّمْعَوَأَكْتَرُهُمْ كَذِبُونَ) ومن أول من ظهر من هؤلاء المختار
ابن أبى عبيد المتقدم ذكره .
ومن لم يفرق بين الأحوال الشيطانية والأحوال الرحمانية : كان
بمنزلة من سوى بين محمد رسول الله وبين مسيلمة الكذاب ، فإن
مسيلمة كان له شيطان ينزل عليه ويوحي إليه .
٣١٥

ومن علامات هؤلاء أن الأحوال إذا تنزلت عليهم وقت سماع المكاـ
والتصدية أزيدوا وأرعدوا - كالمصروع - وتكلموا بكلام
لا يفقه معناه ، فإن الشياطين تتكلم على ألسنتهم ، كما تتكلم على
لسان المصروع .
والأصل فى هذا الباب : أن يعلم الرجل أن أولياء الله م الذين
نعتهم الله في كتابه، حيث قال: (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ
يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُو ◌ْ يَتَّقُونَ ) فكل من كان مؤمناً
تقياً كان الله ولياً . وفى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ،
وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به،
وبصره الذي يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها. فى يسمع،
وبى يبصر وبى ببطش ، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولإن استعاذنى
لأعيذنهوما ترددت فى شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن ،
يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه)).
ودين الإسلام مبني على أصلين، على ألا نعبد إلا الله، وأن
٣١٦

...
نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع. قال تعالى: (فَنْكَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَرَبِّهِ،
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَبِِّ أَحَدَأْ ) فالعمل الصالح
ما أحبه الله ورسوله ، وهو المشروع المسنون ، ولهذا كان عمر بن
الخطاب - رضى الله عنه - يقول فى دعائه : اللهم اجعل عملي كله
صالحاً واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً .
ولهذا كانت أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث : قول النبى
صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))
وقوله: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)). وقوله: ((الحلال
بين والحرام بين ، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس
فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع
فى الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن
لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا
صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
:
٣١٧

وسئل : عما في الخميس ونحوه من البدع
فأحاب : أما بعد حمد الله والصلاة والسلام على محمد وصحبه وسلم
فإن الشيطان قد سول لكثير ممن يدعى الإسلام فيما يفعلونه في أواخر
صوم النصارى ، وهو الخميس ، الحقير من الهدايا ، والأفراح ، والنفقات
وكسوة الأولاد وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين .
وهذا الخميس الذي يكون فى آخر صوم النصارى : جميع ما يحدثه
الإنسان فيه من المنكرات ، فمن ذلك خروج النساء ، وتبخير القبور
ووضع الثياب على السطح ، وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب ، واتخاذه
موسما لبيع الخمور وشرائها ورقى البخور مطلقاً فى ذلك الوقت ، أو
غيره ، أو قصد شراء البخور المرقى ، فإن رقى البخور واتخاذه قرباناً
هو دين النصارى ، والصابئين . وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه ، كما
يتطيب بسائر الطيب ، وكذلك تخصيصه بطبخ الأطعمة ، وغير ذلك
من صبغ البيض .
٣١٨

وأما القمار بالبيض ، وبيعه لمن يقامر به ، أو شراؤه من المقامرين
فحكمه ظاهر .
ومن ذلك مايفعله النساء من أخذ ورق الزيتون ، أو الاغتسال
بمائه ، فإن أصل ذلك ماء المعمودية ، ومن ذلك أيضا ترك الوظائف
الراتبة من الصنائع، والتجارات ، أو حلق العلم فى أيام عيدهم، واتخاذ.
يوم راحة وفرحة ، وغير ذلك . فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهام عن
اليومين اللذين كانوا يلعبون فيهما فى الجاهلية ، ونهى النبى صلى الله
عليه وسلم عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يعبدون فيه ،
ويفعلون أمورا يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم يمت قلبه - بل يعرف
المعروف ، وينكر المنكر - كما لا يتشبه بهم، فلا يعان المسلم المتشبه بهم
فى ذلك، بل ينهى عن ذلك.
فمن صنع دعوة مخالفة للعادة فى أعيادهم لم يجب دعوته ، ومن
أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة فى سائر الأوقات
لم تقبل هديته ، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان به على التشبه
بهم ، مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، وإهداء البيض واللبن والغنم
فى الخميس الصغير الذي فى آخر صومهم ، وهو الخميس الحقير . ولا
٣١٩

يبايع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم فى العيد من الطعام
واللباس والبخور ؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر .
وقال الشيخ رضي اللّه عنه
ونذكر أشياء من منكرات دين النصارى لما رأيت طوائف من
المسلمين قد ابتلى ببعضها وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى
الملعون هو وأهله . وقد بلغنى أنهم يخرجون فى الخميس الحقير . الذي
قبل ذلك ، أو السبت أو غير ذلك إلى القبور . وكذلك يبخرون في هذه
الأوقات ، وم يعتقدون أن في البخور بركة ، ودفع مضرة ، ويعدونه
من القرابين مثل الذبائح ، ويرقونه بنحاس يضربونه كأنه ناقوس صغير
وبكلام مصنف ، ويصلبون على أبواب بيوتهم إلى غير ذلك من الأمور
المنكرة، حتى إن الأسواق تبقى مملوءة أصوات النواقيس الصغار ،
وكلام الرقابين من المنجمين وغيرم بكلام أكثره باطل ، وفيه ما هو
محرم أو كفر .
وقد ألقى إلى جماهير العامة أو جميعهم إلا من شاء الله، وأعنى
٣٢٠