Indexed OCR Text
Pages 221-240
وفى السنن حديثان ( أحدهما ) حديث هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (( من ذرعه قى. وهو صائم فليس عليه قضاء . وإن استقاء فليقض)) وهذا الحديث لم يثبت عند طائفة من أهل العلم ، بل قالوا : هو من قول أبى هريرة ، قال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل قال : ليس من ذا شيء . قال الخطابي : يريد أن الحديث غير محفوظ وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عنه فلم يعرفه إلا عن عيسى بن يونس ، قال: وما أراء محفوظاً. قال : وروى يحيى بن كثير ، عن عمر بن الحكم، أن أبا هريرة كان لا يرى القىء يفطر الصائم . قال الخطابي : وذكر أبو داود أن حفص بن غياث رواه عن هشام كما رواء عيسى بن يونس . قال : ولا أعلم خلافا بين أهل العلم في أن من ذرعه القىء فإنه لا قضاء عليه ، ولا فى أن من استقاء عامداً فعليه القضاء ، ولكن اختلفوا في الكفارة فقال عامة أهل العلم : ليس عليه غير القضاء ، وقال عطاء : عليه القضاء والكفارة ، وحكى عن الأوزاعى وهو قول أبى ثور . ٢٢١ ( قلت ) وهو مقتضى إحدى الروايتين عن أحمد فى إيجابه الكفارة على المحتجم فإنه إذا أوجبها على المختجم فعلى المستقىء أولى ، لكن ظاهر مذهبه أن الكفارة لا تجب بغير الجماع كقول الشافعي . والذين لم يثبتوا هذا الحديث لم يبلغهم من وجه يعتمدونه ، وقد أشاروا إلى علته، وهى انفراد عيسى بن يونس ، وقد ثبت أنه لم ينفرد به ، بل وافقه عليه حفص بن غياث، والحديث الأخير يشهد له، وهو ما رواه أحمد وأهل السنن كالترمذي عن أبي الدرداء ((أن النبى صلى اللّه عليه وسلم قاء فأفطر )، فذكرت ذلك لثوبان فقال: صدق ، أنا حبيت له وضوءاً، لكن لفظ أحمد ((أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قاء فتوضأ)). رواه أحمد عن حسين المعلم. قال الأثرم : قلت لأحمد : قد اضطربوا فى هذا الحديث ، فقال : حسين المعلم يجوده ، وقال الترمذي : حديث حسين أرجح شيء فى هذا الباب ، وهذا قد استدل به على وجوب الوضوء من القىء ، ولا يدل على ذلك ، فإنه إذا أراد بالوضوء الوضوء الشرعى فليس فيه إلا أنه توضأ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب ، بل يدل على أن الوضوء من ذلك مشروع . فإذا قيل إنه مستحب كان فيه عمل بالحديث . ٢٢٢ وكذلك ما روي عن بعض الصحابة من الوضوء من الدم الخارج ليس فى شيء منه دليل على الوجوب ، بل يدل على الاستحباب . وليس فى الأدلة الشرعية ما يدل على وجوب ذلك ، كما قد بسط فى موضعه ، بل قد روى الدارقطني وغيره عن حميد عن أنس قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتوضأ ، ولم يزد على غسل محاجمه، ورواه ابن الجوزي فى (( حجة المخالف ، ولم يضعفه ، وعادته الجرح بما يمكن. وأما الحديث الذي يروى ((ثلاث لا تفطر: القيء ، والحجامة، والاحتلام،)) وفى لفظ ((لا يفطرن لا من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم ) فهذا إسناده الثابت ما رواه الثوري وغيره عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا رواه أبو داود ، وهذا الرجل لا يعرف . وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم لكن عبد الرحمن ضعيف عند أهل العلم بالرجال. ( قلت ) روايته عن زيد من وجهين مرفوعا لا يخالف روايته ٢٢٣ المرسلة بل يقويها ، والحديث ثابت عن زيد بن أسلم ؛ لكن هذا فيه ((إذا ذرعه القى )). وأما حديث الحجامة فإما أن يكون منسوخا وإما أن يكون ناسخاً لحديث ابن عباس (( أنه احتجم وهو محرم صائم)) أيضاً، ولعل فيه القىء إن كان متناولا للاستقامة هو أيضاً منسوخ . وهذا يؤيد أن النهي عن الحجامة هو المتأخر ، فإنه إذا تعارض نصان ناقل وباق على الاستصحاب ، فالناقل هو الراجح فى أنه الناسخ، ونسخ أحدهما بقوي نسخ قرينه ورواء غير واحد من زيد بن أسلم مرسلا. وقال يحيى بن معين : حديث زيد بن أسلم ليس بشيء ، ولو قدر محته لكان المراد من ذرعه القيء فإنه قرنه بالاحتلام ، ومن احتلم بغير اختيار. كالنائم لم يفطر باتفاق الناس . وأما من استمنى فأزل فإنه يفطر، ولفظ الاحتلام إنما يطلق على من احتلم فى منامه . وقد ظن طائفة أن القياس أن لا يفطر شيء من الخارج وأن المستقيء إنما أفطر لأنه مظنة رجوع بعض الطعام ، وقالوا إن فطر الحائض على خلاف القياس. وقد بسطنا فى الأصول أنه ليس فى الشريعة ٢٢٤ شيء على خلاف القياس الصحيح . فإن قيل : فقد ذكرتم أن من أفطر عامداً بغير عذر كان فطره من الكبائر ، وكذلك من فوت صلاة النهار إلى الليل عامداً من غير عذر كان تفويته لها من الكبائر ، وأنها ما بقيت تقبل منه على أظهر قولي العلماء ، كمن فوت الجمعة ورمى الجمار وغير ذلك من العبادات المؤقتة وهذا قد أمره بالقضاء . وقد روي فى حديث المجامع فى رمضان أنه أمره بالقضاء ؟ قيل هذا إنما أمره بالقضاء لأن الإنسان إنما يتقيأ لعذر كالمريض يتداوى بالقيء ، أو يتقيأ لأنه أكل ما فيه شبهة كما تقيأ أبو بكر من كسب المتكهن . وإذا كان المتقىء معذوراً كان ما فعله جائزاً وصار من جملة المرضى الذين يقضون ، ولم يكن من أهل الكبائر الذين أفطروا بغير عذر . وأما أمره للمجامع بالقضاء فضعيف ، ضعفه غير واحد من الحفاظ . وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه فى الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد أمره بالقضاء ، ولو كان أمره بذلك لما أحمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعى يجب بيانه، ولما لم ٢٢٥ يأمره به دل على أن القضاء لم يبق مقبولا منه . وهذا يدل على أنه كان متعمداً للفطر لم يكن ناسياً ولا جاهلا . والمجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره، ويذكر ثلاث روايات عنه : إحداها : لاقضاء عليه ولا كفارة ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين . والثانية : عليه القضاء بلا كفارة وهو قول مالك . والثالثة: عليه الأمران وهو المشهور عن أحمد . والأول أظهر كما قد بسط فى موضعه ، فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل محظوراً مخطئاً أو ناسياً لم يؤاخذ الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم ، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصياً ولا مرتكباً لما نهي عنه، وحينئذ فيكون قد فعل ما أمر به ولم يفعل ما نهى عنه . ومثل هذا لا يبطل عبادته، إنما يبطل العبادات إذا لم يفعل ما أمر به أو فعل ما حظر عليه . وطرد هذا أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا ناسياً ولا مخطئاً لا الجماع ولا غيره وهو أظهر قولي الشافعي . ٢٢٦ وأما الكفارة والفدية فتلك وجبت لأنها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان المتلف بمثله، كما لو أتلفه صى أو مجنون أو نائم ضمنه بذلك ، وجزاء الصيد إذا وجب على الناسى والمخطئ فهو من هذا الباب بمنزلة دية المقتول خطأ والكفارة الواجبة بقتله خطأ بنص القرآن وإجماع المسلمين . وأما سائر المحظورات فليست من هذا الباب ، وتقليم الأظفار وقص الشارب والترفه المنافى للتفت كالطيب واللباس . ولهذا كانت فديتها من جنس فدية المحظورات ليست بمنزلة الصيد المضمون بالبدل . فأظهر الأقوال فى الناسى والمخطئ إذا فعل محظوراً ألا يضمن من ذلك إلا الصيد . وللناس فيه أقوال هذا أحدها وهو قول أهل الظاهر . والثانى يضمن الجمع مع النسيان كقول أبى حنيفة وإحدى الروايات عن أحمد ، واختاره القاضي وأصحابه. والثالث يفرق بين ما فيه إنلاف كقتل الصيد والحلق والتقليم وما ليس فيه إتلاف كالطيب واللباس ، وهذا قول الشافعي وأحمد في الرواية الثانية ، واختارها طائفة من أصحابه ، وهذا القول أجود من ٢٢٧ غيره ؛ لكن إزالة الشعر والظفر ملحق باللباس والطيب لا بقتل الصيد هذا أجود . والرابع إن قتل الصيد خطأ لا يضمنه وهو رواية عن أحمد فرجوا عليه الشعر والظفر بطريق الأولى . وكذلك طرد هذا أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيا أو مخطئا فلا قضاء عليه وهو قول طائفة من السلف والخلف . ومنهم من يفطر الناسي والمخطئ كمالك ، وقال أبو حنيفة : هذا هو القياس لكن خالفه لحديث أبي هريرة فى الناسي ، ومنهم من قال لا يفطر الناسي ويفطر المخطئ، وهو قول أبى حنيفة والشافعي وأحمد ، فأبو حنيفة جعل الناسي موضع استحسان ، وأما أصحاب الشافعى وأحمد فقالوا النسيان لا يفطر ، لأنه لا يمكن الاحتراز منه ، بخلاف الخطأ فإنه يمكنه ألا يفطر حتى يتيقن غروب الشمس ، وأن يمسك إذا شك فى طلوع الفجر . وهذا التفريق ضعيف والأمر بالعكس . فإن السنة للصائم أن يعجل الفطر ويؤخر السحور ، ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك إلا بعد أن يذهب وقت طويل جداً يفوت مع المغرب ٢٢٨ ويفوت معه تعجيل الفطور ، والمصلى مأمور بصلاة المغرب وتعجليها ، فإذا غلب على ظنه غروب الشمس أمر بتأخير المغرب إلى حد اليقين، فربما يؤخرها حتى بغيب الشفق وهو لا يستيقن غروب الشمس وقد جاء عن إبراهيم النخعي وغيره من السلف ، وهو مذهب أبى حنيفة أنهم كانوا يستحبون فى الغيم تأخير المغرب وتعجيل العشاء وتأخير الظهر وتقديم العصر وقد نص على ذلك أحمد وغيره ، وقد علل ذلك بعض أصحابه بالاحتياط لدخول الوقت . وليس كذلك ؛ فإن هذا خلاف الاحتياط فى وقت العصر والعشاء وإنما سن ذلك لأن هاتين الصلاتين يجمع بينها للعذر ، وحال الغيم حال عذر، فأخرت الأولى من صلانى الجمع وقدمت الثانية لمصلحتين : إحداهما التخفيف عن الناس حتى يصلوها مرة واحدة لأجل خوف المطر كالجمع بينها مع المطر . والثانية أن يتيقن دخول وقت المغرب، وكذلك يجمع بين الظهر والعصر على أظهر القولين ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويجمع بينهما للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك فى أظهر قولى العلماء وهو قول مالك وأظهر القولين فى مذهب أحمد . ٢٢٩ الثانى أن الخطأ فى تقديم العصر والعشاء أولى من الخطأ فى تقديم الظهر والمغرب، فإن فعل هاتين قبل الوقت لا يجوز بحال بخلاف تينك ، فإنه يجوز فعلهما في وقت الظهر والمغرب ، لأن ذلك وقت لهما حال العذر، وحال الاشتباه حال عذر . فكان الجمع بين الصلاتين مع الاشتباه أولى من الصلاة مع الشك. وهذا فيه ما ذكره أصحاب المأخذ الأول من الاحتياط ؛ لكنه احتياط مع تيقن الصلاة فى الوقت المشترك، ألا ترى أن الفجر لم يذكروا فيها هذا الاستحباب ولا فى العشاء والعصر ، ولو كان لعلم خوف الصلاة قبل الوقت لطرد هذا فى الفجر ثم يطرد فى العصر والعشاء . وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتبكير بالعصر في يوم الغيم، فقال: (( بكروا بالصلاة فى يوم الغيم فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)) . فإن قيل : فإذا كان يستحب أن يؤخر المغرب مع الغيم فكذلك يؤخر الفطور . قيل : إنما يستحب تأخيرها مع تقديم العشاء بحيث يصليهما قبل مغيب الشفق ، فأما تأخيرها إلى أن يخاف مغيب الشفق فلا يستحب ، ولا يستحب تأخير الفطور إلى هذه الغاية . ولهذا كان الجمع المشروع مع المطر هو جمع التقديم فى وقت ٢٣٠ المغرب ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق ، بل هذا حرج عظيم على الناس وإنما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون . وأيضاً فليس التأخير والتقديم المستحب أن يفعلهما مقترنتين ؛ بل أن يؤخر الظهر ويقدم العصر ، ولو كان بينهما فصل فى الزمان. وكذلك فى المغرب والعشاء بحيث يصلون الواحدة وينتظرون الأخرى لا يحتاجون إلى ذهاب إلى البيوت ثم رجوع ، وكذلك جواز الجمع لا يشترط له الموالاة في أصح القولين ، كما قد ذكرناه فى غير هذا الموضع . وأيضاً فقد ثبت فى صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت : ((أفطرنا يوما من رمضان فى غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس)). وهذا يدل على شيئين: على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب ؛ فإنهم لم يفعلوا ذلك ولم يأمرهم به ء النبى صلى الله عليه وسلم، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم. ( والثانى ) لا يجب القضاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم ، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه لم يأمرم به . فإن قيل : فقد قيل لهشام بن عروة : أمروا بالقضاء ؟ قال : أو بد من القضاء ؟ . ٢٣١ قيل : هشام قال ذلك برأيه ، لم يرو ذلك في الحديث ، ويدل على أنه لم يكن عنده بذلك علم : أن معمراً روى عنه قال : سمعت هشاما قال : لا أدري أقضوا أم لا ؟ ذكر هذا وهذا عنه البخارى، والحديث رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن أسماء . وقد نقل هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء ، وعروة أعلم من ابنه ، وهذا قول إسحاق بن راهويه - وهو قرين أحمد ابن حنبل ، ويوافقه في المذهب: أصوله وفروعه، وقولهما كثيراً ما يجمع بينه . والكوسج سأل مسائله لأحمد وإسحاق ، وكذلك حرب الكرمانى سأل مسائله لأحمد وإسحاق ، وكذلك غيرها؛ ولهذا يجمع الترمذي قول أحمد وإسحاق ، فإنه روى قولهما من مسائل الكوسج. وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم وابن قتيبة وغير هؤلاء من أئمة السلف والسنة والحديث وكانوا يتفقهون على مذهب أحمد وإسحاق يقدمون قولهما على أقوال غيرهما، وأئمة الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائى وغيرم م أيضا من أتباعهما ومن يأخذ العلم والفقه عنهما ، وداود من أصحاب إسحاق . وقد كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن إسحاق يقول : أنا أسأل ٢٣٢ عن إسحاق ؟ إسحاق يسأل عنى ، والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد ابن نصر المروزي وداود بن علي ونحو هؤلاء كلهم فقهاء الحديث رضي الله عنهم أجمعين . (وَكُلُواْ وَأَشْرَ بُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ وأيضاً فإن الله قال فى كتابه وهذه الآية مع الأحاديث اُلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم تبين أنه مأمور بالأكل إلى أن يظهر الفجر فهو مع الشك في طلوعه مأمور بالأ كل كما قد بسط في موضعه . ل فصل وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ، ومداواة الأمومة والجائفة - فهذا مما تنازع فيه أهل العلم ، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل ، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك . ٢٣٣ والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك . فإن الصيام من دين المسلمين الذى يحتاج إلى معرفته الخاص والعام ، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله فى الصيام ، ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه . فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا مسنداً ولا مرسلا- علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك . والحديث المروي فى الكحل ضعيف رواه أبو داود في السنن ولم يروه غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب المعتمدة. قال أبو داود: حدثنا النفيلي ، ثنا علي بن ثابت ، حدثني عبد الرحمن بن النعمان ، ثنا معبد بن هودة ، عن أبيه ، عن جده، عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه أمر بالأتمد المروح عند النوم . وقال: ليتقه الصائم )) قال أبو داود : وقال يحيى بن معين : هذا حديث منكر . قال المنذري وعبد الرحمن : قال يحيى بن معين : ضعيف ، وقال أبو حاتم الرازي : هو صدوق ، لكن من الذي يعرف أباه وعدالته وحفظه ؟ وكذلك حديث معبد قد عورض بحديث ضعيف وهو ما رواه الترمذي بسنده عن أنس بن مالك قال : جاء رجل إلى النبي صلى ٢٣٤ الله عليه وسلم فقال: اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا صائم ؟ قال ((نعم)) قال الترمذي: ليس بالقوي ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء . وفيه أبو عاتكة . قال البخاري : منكر الحديث . والذين قالوا : إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله ((وبالغ فى الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)) قالوا : فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها ، سواء كان ذلك فى موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه . والذين استثنوا التقطير قالوا : التقطير لا ينزل إلى جوفه ، وإنما يرشح رشحاً فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه . والذين استثنوا الكحل قالوا : العين ليست كالقبل والدبر ، ولكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن والماء . والذين قالوا الكحل يفطر قالوا : إنه ينفذ إلى داخله حتى يتنخمه ٢٣٥ الصائم لأن في داخل العين منفذاً إلى داخل الحلق . وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة لوجوه : (أحدها ) أن القياس وإن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته فقد قلنا فى الأصول : إن الأحكام الشرعية كلها بينتها النصوص أيضاً ، وإن دل القياس الصحيح على مثل مادل عليه النص دلالة خفية ، فإذا علمنا بأن الرسول لم يحرم الشيء ولم يوجبه علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب. وأن القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد ، ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء التى ذكرها بعض أهل الفقه فعلمنا أنها ليست مفطرة . ( الثانى) أن الأحكام التى تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بياناً عاما، ولابد أن تنقلها الأمة ، فإذا انتفى هذا على أن هذا ليس من دينه وهذا كما يعلم أنه لم يفرض صيام شهر غير رمضان ، ولا حج بيت غير البيت الحرام ، ولا صلاة مكتوبة غير الخمس ، ولم يوجب الغسل فى مباشرة المرأة بلا إنزال، ولا أوجب الوضوء من الفزع العظيم وإن كان في مظنه خروج الخارج ، ولا سن ٢٣٦ الركعتين بعد الطواف بين الصفا والمروة كما سن الركعتين بعد الطواف بالبيت ، وبهذا يعلم أن المني ليس بنجس ، لأنه لم ينقل عن أحد بإسناد يحتج به أنه أمر المسلمين بغسل أبدانهم وثيابهم من المني مع عموم البلوى بذلك ، بل أمر الحائض أن تغسل قميصها من دم الحيض مع قلة الحاجة إلى ذلك ، ولم يأمر المسلمين بغسل أبدانهم وثيابهم من المنى . والحديث الذي يرويه بعض الفقهاء (( يغسل الثوب من البول والغائط والمني والمذي والهم ، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وليس فى شيء من كتب الحديث التى يعتمد عليها ، ولا رواه أحد من أهل العلم بالحديث بإسناد يحتج به . وإنما روي عن عمار وعائشة من قولهما . وغسل عائشة للمني من ثوبه وفركها إياه لا يدل على وجوب ذلك فإن الثياب تغسل من الوسخ والمخاط والبصاق ، والوجوب إنما يكون بأمره، لاسيما ولم يأمر هو سائر المسلمين بغسل ثيابهم من ذلك ، ولا نقل أنه أمر عائشة بذلك ، بل أقرها على ذلك ، فدل على جوازه أو حسنه واستحبابه . ٢٣٧ وأما الوجوب فلا بد له من دليل . وبهذه الطرق يعلم أيضاً أنه لم يوجب الوضوء من لمس النساء ولا من النجاسات الخارجة من غير السبيلين فإنه لم ينقل أحد عنه بإسناد يثبت مثله أنه أمر بذلك مع العلم بأن الناس كانوا لا يزالون يحتجمون ويتقيؤون ويجرحون في الجهاد وغير ذلك، وقد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج منه الدم وهو الفصاد ، ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر أصحابه بالتوضؤ من ذلك . وكذلك الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر الناس بالتوضؤ من ذلك ، والقرآن لا يدل على ذلك؛ بل المراد بالملامسة الجماع كما بسط فى موضعه . وأمره بالوضوء من مس الذكر إنما هو استحباب إما مطلقاً وإما إذا حرك الشهوة . وكذلك يستحب لمن لمس النساء فتحركت شهوته أن يتوضأ ، وكذلك من تفكر فتحركت شهوته فانتشر ، وكذلك من مس الأمرد أو غيره فانتشر . فالتوضؤ عند تحرك الشهوة من جنس التوضؤ عند الغضب، وهذا مستحب لما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن ٢٣٨ الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) وكذلك الشهوة الغالبة هي من الشيطان والنار ، والوضوء يطفئها فهو يطفئ حرارة الغضب . والوضوء من هذا مستحب . وكذلك أمره بالوضوء مما مسته النار أمر استحباب لأن ما مسته النار يخالط البدن فليتوضأ . فإن النار تطفأ بالماء . وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ ؛ بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب ، واستحباب الوضوء من أعدل الأقوال : من قول من يوجبه ، وقول من يراه منسوخا. وهذا أحد القولين فى مذهب أحمد وغيره . وكذلك بهذه الطريق يعلم أن بول ما يؤكل لحمه ورونه ليس بنجس ، فإن هذا مما تعم به البلوى ، والقوم كانوا أصحاب إبل وغنم ، يقعدون ويصلون فى أمكنتها وهي مملوءة من أبعارها ، فلو كانت بمنزلة المراحيض كانت تكون حشوشاً . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم باجتنابها ، وأن لا يلوثوا أبدانهم وثيابهم بها ولا يصلون فيها. فكيف وقد ثبتت الأحاديث بأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون فى مرابض القيم، وأمر بالصلاة فى مرابض القيم ، ونهى ٢٣٩ عن الصلاة فى معاطن الإبل ، فعلم أن ذلك ليس لنجاسة الأبعار ، بل كما أمر بالتوضؤ من لحوم الإبل ، وقال فى الغيم : إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ)) وقال ((إن الإبل خلقت من جن ، وإن على ذروة كل بعير شيطانا)) وقال (( الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل ، والسكينة فى أهل الغنم )). فلما كانت الإبل فيها من الشيطنة مالا يحبه الله ورسوله أمر بالتوضؤ من لمها فإن ذلك يطفيء تلك الشيطنة ، ونهى عن الصلاة في أعطانها لأنها مأوى الشياطين ، كما نهى عن الصلاة في الحمام لأنها مأوى الشياطين . فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه وفى موضع الأجسام الخبيثة ، بل الأرواح الخبيثة تحب الأجسام الخبيثة . ولهذا كانت الحشوش محتضرة تحضرها الشياطين ، والصلاة فيها أولى بالنهي من الصلاة فى الحمام ومعاطن الإبل ، والصلاة على الأرض النجسة. ولم يرد فى الحشوش نص خاص ؛ لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين أن يحتاج إلى بيان ؛ ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش ، ولا يصلي فيها ، وكانوا ينتابون البرية لقضاء حوائجهم ٢٤٠