Indexed OCR Text
Pages 81-100
وسئل رحم الله عن زكاة العشر وغيره يأخذها السلطان ، يصرفها حيث شاء، ولا يعطيها للفقراء ، والمساكين : هل يسقط الفرض بذلك؟ أم لا ؟ . فأجاب : أما ما بأخذه ولاة المسلمين من العشر ، وزكاة الماشية ، والتجارة ، وغير ذلك فإنه يسقط ذلك عن صاحبه ، إذا كان الإمام عادلا يصرفه فى مصارفه الشرعية ، باتفاق العلماء . فإن كان ظالماً لا يصرفه فى مصارفه الشرعية ، فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه ، بل يصرفها هو إلى مستحقيها ، فإن أكره على دفعها إلى الظالم ، بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر ، فإنها تجزئه فى هذه الصورة عند أكثر العلماء . وهم فى هذه الحال ظلموا مستحقيها ، كولي اليتيم ، وناظر الوقف، إذا قبضوا ماله وصرفوه فى غير معارفه . ٨١ وسئل رحم اللّه عمن أخرج القيمة فى الزكاة ؛ فإنه كثيراً ما يكون أنفع للفقير : هل هو جازْ ؟ أم لا ؟ فأجاب : وأما إخراج القيمة فى الزكاة ، والكفارة ، ونحو ذلك . فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز ، وعند أبى حنيفة يجوز، وأحمد - رحمه الله - قد منع القيمة فى مواضع، وجوزها فى مواضع ، فمن أصحابه من أقر النص ، ومنهم من جعلها على روايتين . والأظهر فى هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ، ولا مصلحة راجحة ، ممنوع منه ، ولهذا قدر النبى صلى الله عليه وسلم الجيران بشاتين ، أو عشرين درهما ، ولم يعدل إلى القيمة ، ولأنه متى جوز إخراج القيمة ، مطلقاً ، فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة ، وقد يقع في التقويم ضرر ، ولأن الزكاة مبناها على المواساة ، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة ، أو العدل ، فلا ٨٢ بأس به : مثل أن يبيع تمر بستانه، أو زرعه بدرام ، فهنا إخراج عشر الدرام يجزئه ، ولا يكلف أن يشتري ثمراً ، أو حنطة ، إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه ، وقد نص أحمد على جواز ذلك . ومثل أن يجب عليه شاة فى خمس من الإبل ، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف ، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة ، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة ، لكونها أنفع ، فيعطيهم إياها ، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء . كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن : ((انتونى بخميص، أو لبيس أسهل عليكم، وخير لمن فى المدينة من المهاجرين والأنصار)). وهذا قد قيل إنه قاله فى الزكاة ، وقيل : في الجزية . ٨٣ وسئل رحمه اللّه عن إسقاط الدين عن المعسر : هل يجوز أن يحسبه من الزكاة ؟ فأجاب : وأما إسقاط الدين عن المعسر ، فلا يجزئ عن زكاة العين ، بلا نزاع ، لكن إذا كان له دين على من يستحق الزكاة : فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدين ، ويكون ذلك زكاة ذلك الدين ؟ فهذا فيه قولان للعلماء فى مذهب أحمد ، وغيره . أظهرهما الجواز ؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة ، وهنا قد أخرج من جنس ما يملك ، بخلاف ما إذا كان ماله عيناً ، وأخرج ديناً ، فإن الذي أخرجه دون الذي يملكه ، فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب ، وهذا لا يجوز. كما قال تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ) الآية . ولهذا كان على المزكى أن يخرج من جنس ماله ، لا يخرج أدنى منه ، فإذا كان له تمر وحنطة جيدة لم يخرج عنها ما هو دونها . ٨٤ سے وسئل رحم الله عمن له زكاة ، وله أقارب فى بلد تقصر إليه الصلاة، وهم مستحقون الصدقة : فهل يجوز أن بدفعها إليهم؟ أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا كانوا محتاجين مستحقين للزكاة ، ولم تحصل لهم كفايتهم من جهة غيره ، فإنه يعطيهم من الزكاة ، ولو كانوا فى بلد بعيد ، والله أعلم . وسئل شيخ الإسلام عن المسكين يحتاج إلى الزكاة من الزرع : فهل إعطاؤه يسقط الفرض عن صاحب الزرع ، إذا عجلها له قبل إدراك زرعه ؟ أم لا ؟ . فأجاب: وأما تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب ، فيجوز عند جمهور العلماء ، كأبى حنيفة، والشافعي ، وأحمد . فيجوز ٨٥ تعجيل زكاة الماشية ، والنقدين ، وعروض التجارة إذا ملك النصاب . ويجوز تعجيل المعشرات قبل وجوبها إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع قبل اشتداد الحب . فأما إذا اشتد الحب، وبدا صلاح الثمرة ، وجبت الزكاة . وسئل عن رجل تحت يده مال فوق النصاب ، فأخرج منه شيئاً من زكاة الفرض ، ظناً منه أنه قد حال عليه الحول ، ثم تبين أنه لم يحل الحول ، وفيمن يخرج الزكاة ، وفى نفسه إذا كان الحول حالا فهي زكاة ، وإلا تكون سلفاً على ما يجب بعد : هل يجزئ فى الصورتين ؟ فأجاب : نعم ، يجزئ ذلك في الصورتين جميعاً، إذا وجبت الزكاة والله أعلم . ٨٦ وسل عن دفع الزكاة إلى قوم منتسبين إلى المشايخ : هل يجوز ؟ أم لا؟ . فأجاب : فصل وأما الزكاة : فينبغى للإنسان أن يتحرى بها المستحقين من الفقراء والمساكين ، والغارمين، وغيرهم من أهل الدين ، المتبعين للشريعة، فمن أظهر بدعة أو فجوراً فإنه يستحق العقوبة بالهجر وغيره . والاستتابة ، فكيف يعان على ذلك ؟ !. وأما من يأخذها وينفقها بحسب اختياره، أو ينفقها على عياله مع غناه ، فهذا لا يجوز دفعها إليه ، ولا تبرأ ذمة من دفعها إليه ، بل لا تعطى إلا لمستحقها ، أو لمن يعطيها لمستحقها ، مثل من عنده خبرة ٨٧ بأهلها وأمانة، فيؤديها إليهم. كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّه يَأْمُرُكُمْأَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا ). وإذا طلبها من لا يعلم حاجته إليها ، وهو يعلم حاجة آخر ، فإعطاء من يعلم ماجته أولى ، وإعطاء القريب المحتاج الذي ليس من أهل نفقته أولى من إعطاء البعيد المساوى له في الحاجة . وسل عن رجل عليه زكاة : هل يجوز له أن يعطيها لأقاربه المحتاجين ؟ أو أن يشتري لهم منها ثياباً ، أو حبوباً؟ وإذا أخذ السلطان من غنمه هل نسقط زكاتها ؟ وهل يلزمه إعطاء الزكاة فى بلد القلة والمال ، أم لا ؟ وهل إذا مات فقير وله عليه مال : هل له أن يحسبه من الزكاة ؟ أو يطلبه من غيره ، فيأخذ عنه ؟ وهل يعطي لمن لا يصلي ؟ أم لا ؟ . فأجاب : الحمد لله: يجوز أن يصرف الزكاة إلى من يستحقها ، وإن كانوا من أقاربه الذين ليسوا في عياله ، لكن يعطيهم من ماله ، وم يأذنون لمن يشتري لهم بها ما يريدون . ٨٨ وما أخذه السلطان من الزكاة بغير أمر أصحابه احتسب به ، وجيران المال أحق بصدقته، فإن استغنوا منها أعطى البعيد، وإن أعطاها الفقراء في غير البلد جاز . وإن كان له دين على حيّ أو ميت لم يحتسب به من الزكاة، ولا يحتال في ذلك . ومن لم يكن مصلياً أمر بالصلاة ، فإن قال : أنا أصلي ، أعطى ، وإلا لم يعط . وسئل قدس الدروجـ عن دفع الزكاة إلى أقاربه المحتاجين، الذين لا تلزمه نفقتهم ؟ هل هو الأفضل أو دفعها إلى الأجنبى ؟. فأجاب : أما دفع الزكاة إلى أقاربه : فإن كان القريب الذي يجوز دفعها إليه حاجته مثل حاجة الأجنى إليها ، فالقريب أولى . وإن كان البعيد أحوج ، لم يحاب بها القريب . قال أحمد ، عن سفيان ابن عيينة ، كانوا يقولون : لا يحابى بها قريباً ، ولا يدفع بها مذمة، ولا يقي بها ماله. ٨٩ وسئل رحمه اللّه عن دفعها إلى والديه ، وولده الذين لا تلزمه نفقتهم هل يجوز أم لا ؟ فأجاب : الذين يأخذون الزكاة صنفان : صنف يأخذ لحاجته . كالفقير ، والغارم لمصلحة نفسه . وصنف يأخذها لحاجة المسلمين : كالمجاهد ، والغارم فى إصلاح ذات البين ، فهؤلاء يجوز دفعها إليهم ، وإن كانوا من أقاربه . وأما دفعها إلى الوالدين : إذا كانوا غارمين ، أو مكاتبين : ففيها وجهان. والأظهر جواز ذلك . وأما إن كانوا فقراء ، وهو عاجز عن نفقتهم ، فالأقوى جواز دفعها إليهم فى هذه الحال ؛ لأن المقتضى موجود ، والمانع مفقود ، فوجب العمل بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم . ٩٠ وسل عن امرأة فقيرة ، وعليها دين ، ولها أولاد بنت صغار، ولهم مال ، وهم تحت الحجر : هل يجوز أن يدفعوا زكاتهم إلى جدتهم ؟ أم لا ؟ وهل هي أولى من غيرها أم لا ؟ فأجاب : أما دفع زكاتهم إليها لقضاء دينها فيجوز في أظهر قولي العلماء ، وهو أحد القولين فى مذهب أحمد ، وغيره . وكذلك دفعها إلى سائر الأقارب لأجل الدين . وأما دفعها ، لأجل النفقة: فإن كانت مستغنية بنفقتهم ، أو نفقة غيرهم، لم تدفع إليها. وإن كانت محتاجة إلى زكاتهم دفعت إليها فى أظهر قولي العلماء، وهي أحق من الأجانب، والله أعلم. ٩١ وسئل رحمه الله هل من كان عليه دين يجوز له أن يأخذ من زكاة أبيه لقضاء دينه ؟ أم لا ؟ فأجاب : إذا كان على الولد دين ، ولا وفاء له ، جاز له أن يأخذ من زكاة أبيه ؛ في أظهر القولين فى مذهب أحمد ، وغيره . وأما إن كان محتاجا إلى النفقة ، وليس لأبيه ما ينفق عليه ، ففيه نزاع : والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه . وأما إن كان مستغنياً بنفقة أبيه ، فلا حاجة به إلى زكاته ، والله أعلم . ٩٢ وسئل هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يغرمه ولاة الأمور فى الطرقات ؟ أم لا ؟. فأجاب : ما بأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة لا يعتد به من الزكاة ، والله تعالى أعلم . وسئل عن الصدقة على المحتاجين من الأهل ، وغيرم ؟ فأجاب: إن كان مال الإنسان لا يتسع للأقارب والأباعد ، فإن نفقة القريب واجبة عليه ، فلا يعطي البعيد ما يضر بالقريب . وأما الزكاة ، والكفارة فيجوز أن يعطي منها القريب الذي لا ينفق عليه ، والقريب أولى إذا استوت الحاجة . ٩٣ وسئل رحمه اللّه عن رجل أعطاء أخ له شيئاً من الدنيا ، أيقبله ؟ أم يرده ؟ وقد ورد ((من جاءه شيء بغير سؤال فرده، فكأنما رده على الله)، هل هو صحيح؟ أم لا؟ فأجاب : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر : (( ما أتاك من هذا المال، وأنت غير سائل ، ولا مشرف، فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك)) وثبت أيضا فى الصحيح: ((أن حكيم بن حزام سأله فأعطاء ، ثم سأله فأعطاء، ثم سأله فأعطاء ، ثم قال : يا حكيم ! ما أكثر مسألتك؟! إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، فكان كالذي يأكل ولا يشبح ، فقال له حكيم : والذي بعثك بالحق لا أرزا بعدك من أحد شيئاً )). فكان أبو بكر وعمر يعطيانه فلا بأخذ . فتبين بهذين الحديثين أن الإنسان إذا كان سائلا بلسانه ، أو ٩٤ مشرفا إلى ما يعطاء ، فلا ينبغي أن يقبله ، إلا حيث تباح له المسألة والاستشراف . وأما إذا أتاه من غير مسألة ؛ ولا إشراف فله أخذه ، إن كان الذي أعطاه أعطاه حقه ، كما أعطى النبى صلى الله عليه وسلم عمر من بيت المال ، فإنه قد كان عمل له فأعطاه عمالته ، وله أن لا يقبله كما فعل حكيم بن حزام مالا يستحقه عليه ، فإن قبله وكان من غير إشراف له عليه فقد أحسن . وأما الغنى فينبغي له أن يكافئ بالمال من أسداه إليه ، لخبر (( من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه ، فإن لم تجدوا له ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه )). ٩٥ وقال رحم الله فصل في الأخذ من غير سؤال . فى الصحيح حديث حكيم بن حزام : لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد مرة ، ثم قال : يا حكيم : إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى)). قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق. لا أرزاً أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئاً ، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله . فقال : يا معشر المسلمين ! وفى رواية إنى أشهدكم يا معشر المسلمين ! أبى أعرض على حكيم حقه الذي قسم اللّه له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزا حكيم أحداً من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم . ٩٦ قوله: ((لم يرزأ)): أي لم ينقص، لا لم يسأل، كما بدل عليه السياق . ففيه أن حكيما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل من أحد شيئاً ، وأقره النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وكذلك الخلفاء بعده . وهذا حجة في جواز الرد ، وإن كان عن غير مسألة ، ولا إشراف . وقوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) تنبيه له على أن يد الآخذ سفلى . وقد سئل أحمد عن حجة لذلك من الآية ، فلم يعرفها . وهذه حجة جيدة . وقد روى فيه زيادات مثل قوله: (( إن خيراً لك أن لاتأخذ من أحد شيئاً)) لكن ينظر إسناد. ، فهو صريح فى تفضيل عدم الأخذ مطلقاً . ٩٧ كتاب الصيام مثل شيخ الإسلام رحمه الله عن صوم يوم الغيم هل هو واجب أم لا ؟ وهل هو يوم شك منهى عنه أم لا ؟ فأحاب : فصل وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر ، فللعلماء فيه عدة أقوال وهي في مذهب أحمد وغيره . أحدها : أن صومه منهى عنه. ثم هل هو نهى تحريم ؟ أو تنزيه ؟ على قولين ، وهذا هو المشهور فى مذهب مالك ، والشافعى ، وأحمد في إحدى الروايات عنه . واختار ذلك طائفة من أصحابه : كأبى الخطاب ٩٨ وابن عقيل ، وأبى القاسم بن منده الأصفهانى ، وغيرم . والقول الثانى : أن صيامه واجب كاختيار القاضى ، والخرقى . وغيرهما من أصحاب أحمد ، وهذا يقال إنه أشهر الروايات عن أحمد ، لكن الثابت عن أحمد لمن عرف نصوصه ، وألفاظه ، أنه كان يستحب صيام يوم الغيم اتباعاً لعبد الله بن عمر ، وغيره من الصحابة ، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس ، بل كان يفعله احتياطاً ، وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطا ، ونقل ذلك عن عمر ، وعلي، ومعاوية وأبى هريرة، وابن عمر، وعائشة، وأسماء ، وغيرهم . ومنهم من كان لا يصومه مثل كثير من الصحابة ، ومنهم من كان ينهى عنه. كعمار بن ياسر، وغيره. فأحمد رضي الله عنه كان يصومه احتياطا . وأما إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد ، ولا كلام أحد من أصحابه ؛ لكن كثير من أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه ، ونصروا ذلك القول . والقول الثالث : أنه يجوز صومه ، ويجوز فطره ، وهذا مذهب أبى حنيفة ، وغيره ، وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه ، وهو ٩٩ مذهب كثير من الصحابة والتابعين أو أكثرم . وهذا كما أن الإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز. فإن شاء أمسك ، وإن شاء أكل حتى يتيقن طلوع الفجر ، وكذلك إذا شك هل أحدث ؟ أم لا ؟ إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ. وكذلك إذا شك هل حال حول الزكاة ؟ أو لم يحل ؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة ؟ أو مائة وعشرون ؟ فأدى الزيادة . وأصول الشريعة كلها مستقرة على أن الاحتياط ليس بواجب ، ولا محرم ، ثم إذا صامه بنية مطلقة، أو بنية معلقة ، بأن ينوي إن كان من شهر رمضان كان عن رمضان ، وإلا فلا . فإن ذلك يجزئه في مذهب أبي حنيفة، وأحمد فى أصح الروايتين عنه، وهي التى نقلها المروذي وغيره . وهذا اختيار الخرقى فى شرحه للمختصر ، واختيار أبي البركات وغيرهما . والقول الثاني : أنه لا يجزئه إلا بنية أنه من رمضان ، كإحدى الروايتين عن أحمد ، اختارها القاضي ، وجماعة من أصحابه . وأصل هذه المسألة أن تعيين النية لشهر رمضان : هل هو واجب ؟ فيه ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد . ١٠٠