Indexed OCR Text
Pages 41-60
وقال شيخ الإسلام فصل الأصل الثاني: الزكاة وهم أيضاً متبعون فيها لسنة النبي صلى اللّه عليه وسلم وخلفائه ، آخذين بأوسط الأقوال الثلاثة ، أو بأحسنها فى السائمة . فأخذوا فى أوقاص الإبل بكتاب الصديق رضى الله عنه ومتابعته : المتضمن أن فى الإبل الكثيرة فى كل أربعين بنت لبون ، وفى كل خمسين حقة. لأنه آخر الأمرين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بخلاف الكتاب الذي فيه استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين . فإنه متقدم على هذا ، لأن استعمال عمرو بن حزم على نجران كان قبل موته بمدة . وأما كتاب الصديق : فإنه صلى الله عليه وسلم كتبه ولم يخرجه إلى العمال ، حتى أخرجه أبو بكر . وتوسطوا فى المعشرات بين أهل الحجاز وأهل العراق. فإن أهل ٤١ العراق، كأبى حنيفة يوجبون العشر فى كل ما أخرجت الأرض إلا القصب ونحوه في القليل والكثير منه ، بناء على أن العشر حق الأرض كالخراج . ولهذا لا يجمعون بين العشر والخراج . وأهل الحجاز لا يوجبون العشر إلا في النصاب المقدر بخمسة أوسق . ووافقهم عليه أبو يوسف ومحمد ، ولا يوجبون من الثمار إلا فى التمر والزبيب ، وفي الزروع فى الأقوات . ولا يوجبون فى عسل ولا غيره. والشافعي على مذهب أهل الحجاز . وأما أحمد وغيره من فقهاء الحديث : فيوافق في النصاب قول أهل الحجاز لصحة السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم بأنه ليس فيا دون خمسة أوسق صدقة ، ولا يوجبون الزكاة فى الخضراوات ؛ لما فى الترك من عمل النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه والأثر عنه ، لكن يوجبها فى الحبوب والثمار التى تدخر ، وإن لم تكن تمراً أو زبيباً كالفستق والبندق جعلا للبقاء في المعشرات بمنزلة الحول فى الماشية والجرين . فيفرق بين الخضراوات وبين المدخرات . وقد يلحق بالموسق الموزونات : كالقطن على إحدى الروايتين . لما في ذلك من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم. ويوجبها في العسل لما فيه من الآثار التى جمعها هو ، وإن كان غيره لم تبلغه إلا من طريق ضعيفة ، وتسوية بين جنس ما أزله الله من ٤٢ السماء وما أخرجه من الأرض . ويجمعون بين العشر والخراج ؛ لأن العشر حق الزرع . والخراج حق الأرض . وصاحبا أبى حنيفة قولهما هو قول أحمد أو قريب منه . وأما مقدار الصاع والمد : ففيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن الصاع خمسة أرطال وثلث ؛ والمد ربعه . وهذا قول أهل الحجاز في الأطعمة والمياه . وقصة مالك مع أبى يوسف فيه مشهورة وهو قول الشافعي وكثير من أصحاب أحمد أو أكثرم . والثانى : أنه ثمانية أرطال ، والمد ربعه . وهو قول أهل العراق فى الجميع . والقول الثالث : أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث ، وصاع الطهارة ثمانية أرطال . كما جاء بكل واحد منها الأثر . فصاع الزكوات والكفارات وصدقة الفطر : هو ثلثا صاع الغسل والوضوء . وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ممن جمع بين الأخبار المأثورة في هذا الباب لمن تأمل الأخبار الواردة فى ذلك . ٤٣ ومن أصولها : أن أبا حنيفة أوسع فى إيجابها من غيره ، فإنه يوجب فى الخيل السائمة المشتملة على الآثار (١) ويوجبها فى جميع أنواع الذهب والفضة من الخلي المباح وغيره . ويجعل الركاز المعدن وغيره . فيوجب فيه الخمس ، لكنه لا يوجب ما سوى صدقة الفطر والعشر إلا على مكلف، ويجوز الاحتيال لإسقاطها واختلف أصحابه : هل هو مكروه أم لا ؟ فكرهه محمد ، ولم يكرهه أبو يوسف . وأما مالك والشافعى : فانفقا على أنه لا يشترط لها التكليف لما في ذلك من الآثار الكثيرة عن الصحابة . ولم يوجبها في الحيل ، ولا فى الحلي المباح، ولا فى الخارج ، إلا ما تقدم ذكره. وحرم مالك الاحتيال لإسقاطها ، وأوجبها مع الحيلة. وكره الشافعي الحيلة فى إسقاطها . وأما أحمد : فهو فى الوجوب بين أبى حنيفة ومالك ، كما تقدم في المعشرات ، وهو يوجبها فى مال المكلف وغير المكلف . واختلف قوله فى الحلي المباح . وإن كان المنصور عند أصحابه : أنه لا يجب . وقوله فى الاحتيال كقول مالك ! محرم الاحتيال لسقوطها . (١) كذا بالأصل. ٤٤ ويوجبها مع الحيلة. كما دلت عليه سورة ((ن)) وغيرها من الدلائل . والأئمة الأربعة وسائر الأمة - إلا من شذ - متفقون على وجوبها فى عرض التجارة ، سواء كان التاجر مقيما أو مسافراً . وسواء كان متربصاً - وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر - أو مديراً كالتجار الذين فى الحوانيت ، سواء كانت التجارة بزا من جديد ، أو ليس ، أو طعاماً من قوت أو فاكهة . أو أدم أو غير ذلك، أو كانت آنية كالفخار ونحوه، أو حيواناً من رقيق أو خيل ، أو بغال ، أو حمير ، أو غنم معلوفة، أو غير ذلك ، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة ، كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة . فصل ولا بد فى الزكاة من الملك . واختلفوا فى اليد . فلهم في زكاة ما ليس فى اليد كالدين ثلاثة أقوال : أحدها : أنها تجب فى كل دين وكل عين ، وإن لم تكن تحت يد ٤٥ صاحبها كالمغصوب والضال . والدين المجحود ، وعلى معسر أو مماطل ، وأنه يجب تعجيل الإخراج مما يمكن قبضه ، كالدين على الموسر . وهذا أحد قولي الشافعي وهو أقواها . فصل وللناس فى إخراج القيم فى الزكاة ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يجزئ بكل حال . كما قاله أبو حنيفة . والثانى : لا يجزئ بحال . كما قاله الشافعي. والثالث : أنه لا يجزئ إلا عند الحاجة ، مثل من يجب عليه شاة فى الإبل وليست عنده ، ومثل من يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس . وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحاً . فإنه منع من إخراج القيم . وجوزه فى مواضع للحاجة ؛ لكن من أصحابه من نقل عنه جوازه . فجعلوا عنه في إخراج القيمة روايتين . واختاروا المنح . لأنه المشهور عنه، كقول الشافعي. وهذا القول أعدل الأقوال، كما ذكرنا مثله فى الصلاة ، فإن الأدلة الموجبة للعين نصاً، وقياساً : كسار أدلة الوجوب . ومعلوم أن مصلحة وجوب العين ، قد يعارضها أحياناً فى القيمة من المصلحة الراجحة ، وفى العين من المشقة المنفية شرعا . ٤٦ وسئل رحم الله : عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون المتوالية لا يمكنها مطالبته به لئلا يقع بينهما فرقة ، ثم إنها تتعوض عن صداقها بعقار ، أو يدفع إليها الصداق بعد مدة من السنين ؛ فهل تجب زكاة السنين الماضية ؟ أم إلى أن يحول الحول من حين قبضت الصداق ؟ فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة فيها للعلماء أقوال : قيل : يجب تزكية السنين الماضية ، سواء كان الزوج موسراً أو معسراً، كأحد القولين فى مذهب الشافعي ، وأحمد ، وقد نصره طائفة من أصحابها . وقيل يجب مع يساره، وتمكنها من قبضها ، دون ما إذا لم يمكن تمكينه من القبض ، كالقول الآخر في مذهبها . وقيل : يجب لسنة واحدة . كقول مالك ، وقول في مذهب أحمد. وقيل : لا تجب بحال ، كقول أبى حنيفة، وقول فى مذهب أحمد. ٤٧ وأضعف الأقوال : من يوجبها السنين الماضية ، حتى مع العجز عن قبضه ، فإن هذا القول باطل ، فأما أن يجب لهم ما يأخذونه مع أنه لم يحصل له شيء ، فهذا ممتع في الشريعة ، ثم إذا طال الزمان كانت الزكاة أكثر من المال . ثم إذا نقص النصاب، وقيل : إن الزكاة تجب فى عين النصاب، لم يعلم الواجب إلا بحساب طويل ، يمتنع إتيان الشريعة به . وأقرب الأقوال قول من لا يوجب فيه شيئاً بحال حتى يحول عليه الحول ، أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض ، فهذا القول له وجه ، وهذا وجه . وهذا قول أبي حنيفة، وهذا قول مالك، وكلاهما قيل به فى مذهب أحمد ، والله أعلم . وسئل عن رجل له جمال ، ويشتري لها أيام الرعى مرعى ، هل فيها زكاة ؟. فأجاب: إذا كانت راعية أكثر العام، مثل أن يشتري لها ثلاثة أشهر أو أربعة ، فإنه زكيها ، هذا أظهر قولي العلماء . ٤٨ وقال رحمه الله إذا كانت الغنم أربعين صغاراً، أو كباراً، وجبت فيها الزكاة إذا حال عليها الحول . وإن كانت أقل من أربعين ، فحال الحول وهى أربعون ، ففي هذا نزاع، والأحوط أداء الزكاة . والله أعلى . وسئل رحمه الله عن رجل له غنم ، ولم تبلغ النصاب : هل تجب فيها زكاة فى أثناء الحول ؟ فأجاب : هذه المسألة فيها قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد : أحدهما : أن ابتداء الحول حين صارت أربعين ، كقول الشافعي . والثاني : أن ابتداء الحول من حين ملك الأمهات ، كقول مالك. والله أعلم . ٤٩ وسئل عن قرية بها فلاحون ، وهي نصفان : أحد فلاحى النصف له غنم تجب فيها الزكاة ، والنصف الآخر ليس لفلاحيه غم قدر ما تجب فيه الزكاة ، فألزم الإمام أهل القرية بزكاة الغنم على الفلاحين : فهل يجب على من له النصاب ؟ وإذا وجبت عليه : فهل يجوز للإمام أن يأخذ ممن ليس له نصاب ؟. فأجاب: إن كان المطلوب هو مقدار ما فرضه الله على من تجب عليه الزكاة اختصوا بأدائه ، وإن كان المطلوب فوق الواجب على سبيل الظلم اشترك فيه الجميع ، بحسب أموالهم، والله أعلم . ٥٠ باب زكاة الخارج من الأرض سئل رحمه اللّه عما يجب من عشر الحبوب ومقداره : وهل هو على المالك ؟ أو الفلاح ؟ أم عليها ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. النصاب خمسة أوسق: والوسق ستون صاعاً بصاع النبى صلى الله عليه وسلم، وصاع النبى صلى الله عليه وسلم قدره الأئمة لما بنيت بغداد بخمسة أرطال وثلث، بالرطل العراقي إذ ذاك . فيكون ألفاً وستمائة رطل بالعراقي . وكان الرطل العراقي اذ ذلك تسعين مثقالا . مائة وثمانية وعشرين درهماً ، وأربعة أسباع درهم. ولکن زید فيه بعد ذلك حتى صار مائة وثلاثين ، ثم زبد فيهحتى صارمائة وأربعة وأربعين ، فظن بعض متأخري الفقهاء أن هذا أو هذا هو الرطل الذي قدره به الأئمة ، غلطاً منهم . وإذا كان كذلك فمقداره بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم ٥١ ثلاثمائة رطل ، واثنان وأربعون رطلا ، وستة أسباع رطل . وستة أسباع الرطل : هو أربعمائة درهم ، وثمانية وعشرون، وأربعة أسباع وهو ثلثا رطل ، وأربعة أسباع أوقية . ومن ظن من الفقهاء المتأخرين أن الرطل البغدادي : مائة وثلاثون درهماً ، زاد في كل رطل بغدادي مثقالا ، وهو درم وثلاثة أسباع درهم ، فيزيد ألفين وخمسة أسباع درهم ، فيصير النصاب على قوله : ثلاثمائة وستة وأربعين رطلا ، وثلاثمائة درهم، وأربعة عشر وسبعي درم وهو نصف رطل ، وسبعا أوقية . والعشر على من يملك الزرع ، فإذا زارع الفلاح ففى صحة المزارعة قولان للعلماء. ثمن اعتقد جواز المزارعة أخذ نصيبه ، وأعطى الفلاح نصيبه ، وعلى كل منها زكاة نصيبه ، ومن لم يصحح المزارعة جعل الزرع كله لصاحب الحب ، فإذا كان هو الفلاح استحق الزرع كله ، ولم يكن للمالك إلا أجرة الأرض ، والزكاة حينئذ على الفلاح . ولم يقل أحد من المسلمين: إن المقاسمة جازة ، والعشر كله على الفلاح ؛ بل من قال : العشر على الفلاح ، قال : ليس للمالك فى الزرع شيء . ولا المقطع ، ولا غيرها . فمن ظن أن العشر على الفلاح ٥٢ مع جواز المقاسمة ، فقد خالف إجماع المسلمين . والعمل في بلاد الشام عند المسلمين على جواز المزارعة ، كما مضت بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين ، وسواء كان البذر من المالك ، أو من العامل ، فإن النى صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع ، على أن يعمروها من أموالهم ، فكان البذر من عندهم ، وهذا هو الذي اتفق عليه الصحابة ، وعليه عمل المسلمين فى عامة بلاد الإسلام فى زمن نبيهم ، وإلى اليوم . فمن كان يعامل بالمزارعة : كان عليه زكاة نصيبهم ، ومن كان يتقلد قول من يبطل هذه المزارعة ، ويرى أنه لا يستحق من الزرع شيئاً ، وأنه ليس له عند الفلاح إلا الأجرة ، وأنه إذا أخذ المقاسمة بغير اختيار الفلاح كان ظالماً ، آ كلا للحرام، فعليه أن يعطى الزرع للفلاح ، ويعرفه أنه لا يستحق عليه إلا أجرة المثل ، فإن طابت نفس الفلاح بعد هذا بأن يقاسمه ، ويؤدي الزكاة ، كان الفلاح حينئذ متفضلا عليه بطيب نفسه . ومن المعلوم أن الفلاحين لو علموا هذا لما طابت بذلك نفس أكثرهم ، فهذا حقيقة هذه المسألة على قول الطائفتين ، والله أعلم . ٥٣ وقال رحم الله فصل وأما (( العشر)): فهو عند جمهور العلماء : كمالك ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرم على من نبت الزرع على ملكه ، كما قال الله تعالى : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ) فالأول يتضمن زكاة التجارة ، والثانى يتضمن زكاة ما أخرج اللّه لنا من الأرض . فمن أخرج اللّه له الحب فعليه العشر، فإذا استأجر أرضاً ليزرعها فالعشر على المستأجر عند هؤلاء العلماء كلهم . وكذلك عند أبى يوسف ومحمد . وأبو حنيفة يقول: العشر على المؤجر . وإذا زارع أرضاً على النصف ، فما حصل للمالك فعليه عشره ، وما حصل للعامل فعليه عشره ، على كل واحد منهما عشر ما أخرجه الله له . ٥٤ ومن أعير أرضاً ، أو أقطعها ، أو كانت موقوفة على عينه ، فازدرع فيها زرعاً : فعليه عشره، وإن آجرها فالعشر على المستأجر ، وإن زارعها فالعشر بينهما . وأصل هؤلاء الأئمة : أن العشر حق الزرع ، ولهذا كان عندهم يجتمع العشر والخراج؛ لأن العشر حق الزرع ، ومستحقه أهل الزكاة ، والخراج حق الزرع ومستحقه أهل الفيء ، فهما حقان المستحقين ، بسببين مختلفين ، فاجتمعا . كما لو قتل مسلماً خطأ فعليه الدية لأهله ، والكفارة حق للّه. وكما لو قتل صيداً مملوكاً ، وهو محرم فعليه البدل لمالكه ، وعليه الجزاء حقاً لله . وأبو حنيفة يقول : العشر حق الأرض ، فلا يجتمع عليها حقان ، ومما احتج به الجمهور : أن الخراج يجب فى الأرض التى يمكن أن تزرع سواء زرعت أو لم تزرع، وأما العشر فلا يجب إلا فى الزرع . والحديث المرفوع: ((لا يجتمع العشر والخراج» كذب باتفاق أهل الحديث . ٥٥ وسئل عمن كانت له أشجار أعناب لا يصير زييباً ولا يتركه صاحبه إلى الجذاذ ، كيف يخرج عشره رطباً ؟ أو يابساً ؟ وإن أخرج يابساً أخرج من غير ثمر بستانه ؟ فأجاب : أما العنب الذي لا يصير زييباً : فإذا أخرج عنه زيباً بقدر عشره لو كان بصير زبيباً جاز، وهو أفضل وأجزأه ذلك بلا ريب ، ولا يتعين على صاحب المال الإخراج من عين المال ، لا فى هذه الصورة ولا غيرها ، بل من كان معه ذهب أو فضة أو عرض تجارة ، أو له حب أو تمر يجب فيه العشر ، أو ماشية تجب فيها الزكاة ، وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال أجزأه ، فكيف فى هذه الصورة . وإن أخرج العشر عنباً ففيه قولان فى مذهب أحمد: أحدهما : وهو المنصوص عنه أنه لا يجزئه . والثانى: يجزئه ، وهو قول القاضي أبى يعلى، وهذا قول أكثر العلماء ، وهو أظهر . ٥٦ وأما العنب الذي يصير زبيباً لكنه قطعه قبل أن يصير زبيباً ، فهنا يخرج زبيباً بلا ريب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث سعاته فيخرصون النخل والكرم ، ويطالب أهله بمقدار الزكاة يابساً ، وإن كان أهل الثمار يأكلون كثيراً منها رطباً ، ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم الخارصين أن يدعوا لأهل الأموال الثلث ، أو الربع . لا يؤخذ منه عشر، ويقول: (( إذا خرصتم فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)) وفى رواية ((فإن فى المال العربة ، والوطية والسابلة )) يعني أن صاحب المال يتبرع بما يعربه من النخل لمن بأكله وعليه ضيف بطؤون حديقته يطعمهم ، ويطعم السابلة وهم أبناء السبيل ، وهذا الإسقاط مذهب الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث . وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء ، وكذلك فى الأولى . وأما الثانية فما علمت فيها نزاعا ، فإن حق أهل السهمين لا يسقط باختيار قطعه رطباً . إذا كان بيبس . نعم لو باع عنبه أو رطبه بعد بدو صلاحه ، فقد نص أحمد في هذه الصورة على أنه يجزئه إخراج عشر الثمن، ولا يحتاج إلى إخراج عنب أو زبيب ، فإن في إخراج القيمة نزاعا فى مذهبه ، ونصوصه الكثيرة تدل على أنه يجوز ذلك للحاجة ، ولا يجوز بدون الحاجة، والمشهور عند كثير من أصحابه لا يجوز مطلقاً ، وخرجت عنه رواية بالجواز مطلقاً ، ونصوصه الصريحة إنما هي بالفرق . ٥٧ ومثل هذا كثير فى مذهبه ، ومذهب الشافعي ، وغيرها من الأثمة قد ينص على مسألتين متشابهتين بجوابين مختلفين ، ويخرج بعض أصحابه جواب كل واحدة إلى الأخرى ، ويكون الصحيح إقرار نصوصه بالفرق بين المسألتين . كما قد نص على أن الوصية للقاتل تجوز بعد الجرح ، ونص على أن المدير إذا قتل سيده بطل التدبير ، فمن أصحابه من خرج فى المسألتين روايتين . ومنهم من قال : بل إذا قتل بعد الوصية بطلت الوصية، كما يمنع قتل الوارث لمورثه أن يرثه ، وأما إذا أوصى له بعد الجرح فهنا الوصية صحيحة ، فإنه رضى بها بعد جرحه . ونظائر هذا كثيرة . وسئل عن مقطع له فلاح ، والزرع بينهما مناصفة : فهل عليه عشر ؟ فأجاب : ما نبت على ملك الإنسان فعليه عشره ، فالأرض المقطعة إذا كانت المقاسمة نصفين ، فعلى الفلاح تعشير نصفه ، وعلى المقطع تعشير نصفه ، هذا على القول الصحيح الذي عليه عمل المسلمين : قديماً وحديثاً . وهو قول من قال إن المزارعة صحيحة ، سواء كان البذر من المالك ، أو من العامل . ٥٨ وأما من قال : إن المزارعة باطلة ، فعنده لا يستحق المقطع إلا أجرة المثل، والزرع كله لرب البذر العامل ، وحينئذ فالعشر كله على العامل ، فإن أراد المقطع أن يأخذ نصف المغل مقاسمة ، ويجعل العشر كله على صاحب النصف الآخر ، لم يكن له هذا باتفاق العلماء ، والله أعلم . وسئل عن إنسان له إقطاع من السلطان ؛ فهل الحاصل الذي يحصل له من ذلك الإقطاع، تجب فيه الزكاة ؟ أم لا ؟. فأجاب: الحمد لله . نعم ما ينبت على ملكه فعليه عشره ، سواء كان مقطعاً ، أو مستأجراً ، أو مالكا، أو مستعيراً، والله أعلم . وسل عن نصيب العامل في المزرعة : هل فيه زكاة ؟ فأجاب: أما الزكاة فى المساقاة ، والمزارعة : فهذا مبنى على أمل، ٥٩ وهو أن المزارعة والمساقاة : هل هي جازة أم لا؟ على قولين مشهورين : أحدهما : قول من قال: إنها لا تجوز ، واعتقدوا أنها نوع من الإجارة بعوض مجهول ، ثم من هؤلاء من أبطلها مطلقاً . كأبي حنيفة . ومنهم من استثنى ما تدعو إليه الحاجة ، فيجوز المساقاة للحاجة ؛ لأن الشجر لا يمكن إجارته ، بخلاف الأرض، وجوزوا المزارعة على الأرض التى فيها شجر تبعاً للمساقاة ، إما مطلقاً كقول الشافعي . وإما إذا كان البياض قدر الثلث فما دونه ، كقول مالك . ثم منهم من جوز المساقاة مطلقاً . كقول مالك ، والشافعي في القديم ، وفى الجديد قصر الجواز على النخل ، والعنب . والقول الثانى : قول من يجوز المساقاة ، والمزارعة ، ويقول: إن هذه مشاركة وهي جنس غير جنس الإجارة التى يشترط فيها قدر النفع ، والأجرة ، فإن العمل فى هذه العقود ، ليس بمقصود ، بل المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه، ولكن هذا شارك بنفع ماله ، وهذا بتفع بدنه ، وهكذا المضاربة . فعلى هذا : فإذا افترق أصحاب هذه العقود ، وجب للعامل قسط مثله من الربح ، إما ثلث الربح ، وإما نصفه ، ولم تجب أجرة المثل للعامل . وهذا القول هو الصواب المقطوع به ، وعليه إجماع الصحابة . ٦٠