Indexed OCR Text

Pages 301-320

وغيره على القبور منهى عنه ، مطلقاً ؛ لأنه أحد الفعلين اللذين لعن
رسول الله صلى الله عليه وسلم من يفعلها .
كما قال: ((لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كاشفين عن عوراتهما
يتحدثان ، فإن الله بمقت على ذلك)) رواه أبو داود وغيره . ومعلوم
أنه ينهي عن كشف العورة وحده ، وعن التحدث وحده ، وكذلك
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِىِ حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا )
فتوعد على مجموع
أفعال ، وكل فعل منها محرم .
وذلك لأن ترتيب الذم على المجموع ، يقتضى أن كل واحد له تأثير
فى الفم ، ولو كان بعضها مباحا لم يكن له تأثير فى الفم . والحرام ،
لا يتوكد بانضمام المباح المخصص إليه .
والأئمة قد تنازعوا فى القراءة عند القبر: فكرهها أبو حنيفة ،
ومالك ، وأحمد فى أكثر الروايات ، ورخص فيها في الرواية الأخرى
عنه : هو وطائفة من أصحاب أبى حنيفة ، وغيرهم .
وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك ،
٣٠١

وتلاوته ، فبدعة منكرة ، لم يفعلها أحد من السلف . بل هي تدخل
فى معنى ((اتخاذ المساجد على القبور)) وقد استفاضت السنن عن
النبي صلى الله عليه وسلم [ فى النهي] عن ذلك، حتى قال: ((لعن الله اليهود
والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا . قالت
عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ؛ ولكن كره أن يتخذ مسجداً. وقال:
(( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا
القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)). ولا نزاع بين السلف
والأئمة فى النهي عن اتخاذ القبور مساجد .
ومعلوم أن المساجد بنيت الصلاة والذكر ، وقراءة القرآن، فإذا
اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلا في النهي ، فإذا كان هذا مع كونهم
يقرأون فيها ، فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها ؟ ولا
ينتفع بها لا حي ولا ميت . فإن هذا لا نزاع فى النهي عنه .
ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف ، فإنهم كانوا أعلم بما
يحبه الله ويرضاه ، وأسرع إلى فعل ذلك ، وتحريه .
٣٠٢

وسئل
عن الميت هل يجوز نقله ، أم لا ؟ وأرواح الموتى هل يجتمع
بعضها ببعض ، أم لا ؟ وروح الميت هل تنزل فى القبر، أم لا ؟
ويعرف الميت من يزوره، أم لا ؟
فأحاب: الحمد لله. لا ينبش الميت من قبره، إلا لحاجة . مثل أن
يكون المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت ، فينقل إلى غيره ، كما نقل
بعض الصحابة فى مثل ذلك .
وأرواح الأحياء إذا قبضت تجتمع بأرواح الموتى ، ويسأل الموتى
القادم عليهم عن حال الأحياء فيقولون : ما فعل فلان؟ فيقولون : فلان
تزوج . فلان على حال حسنة . ويقولون : ما فعل فلان ؟ فيقول : ألم
يأتكم ؟ فيقولون : لا . ذهب به إلى أمه الهاوية .
وأما أرواح الموتى فتجتمع: الأعلى ينزل إلى الأدنى ، والأدنى لا
يصعد إلى الأعلى . والروح تشرف على القبر ، وتعاد إلى اللحد أحياناً .
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من رجل يمر بقبر الرجل
٣٠٣

كان يعرفه فى الدنيا ، فيسلم عليه ، إلا رد الله عليه روحه ، حتى يرد
عليه السلام )).
والميت قد يعرف من يزوره ، ولهذا كانت السنة أن يقال :
السلام عليكم ، أهل دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون .
ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم. والمستأخرين)). والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن قوم لهم تربة : وهي فى مكان منقطع ، وقتل فيها قتيل ، وقد
بنوا لهم تربة أخرى، هل يجوز نقل موتام إلى التربة المستجدة ؟ أم لا؟
فأجاب: لا ينبش الميت لأجل ما ذكر . والله أعلم .
وسئل
عما يقوله بعض الناس : إن لله ملائكة ينقلون من مقابر المسلمين إلى مقابر
اليهود، والنصارى، وينقلون من مقابر اليهود والنصارى إلى مقابر المسلمين .
ومقصودهم أن من ختم له بشر فى علم الله، وقد مات فى الظاهر مسلما ، أو كان
٣٠٤

كتابياً وختم له بخير ، فمات مسلما فى علم الله، وفى الظاهر مات كافراً
فهؤلاء ينقلون . فهل ورد في ذلك خبر أم لا ؟ وهل لذلك حجة ؟
أم لا؟.
فأجاب: الحمد لله. أما الأجساد فإنها لا تنقل من القبور، لكن
تعلم أن بعض من يكون ظاهره الإسلام ، ويكون منافقاً ، إما يهودباً،
أو نصرانياً ، أو مرتداً معطلا . فمن كان كذلك فإنه يكون يوم
القيامة مع نظرائه . كما قال تعالى: (آحْشُرُواْالَّذِينَ ظَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ)
أي أشباههم ، ونظراءهم .
وقد يكون في بعض من مات ، وظاهره كافر ، أن يكون آمن
بالله، قبل أن يغرغر ، ولم يكن عنده مؤمن ، وكتم أهله ذلك، إما
لأجل ميراث ، أو لغير ذلك ، فيكون مع المؤمنين ، وإن كان مقبوراً
مع الكفار .
وأما الآثر في نقل الملائكة ، فما سمعت فى ذلك أثراً .
٣٠٥

وسئل رحمه الله تعالى
(وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَاسَعَى)
عن قوله تعالى :
وقوله
صلى الله عليه وسلم: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث
صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له )) فهل يقتضي
ذلك إذا مات لا يصل إليه شيء من أفعال البر ؟
فأحاب : الحمد لله رب العالمين . ليس في الآية ، ولا فى الحديث
أن الميت لا ينتفع بدعاء الخلق له ، وبما يعمل عنه من البر ، بل أمّة
الإسلام متفقون على انتفاع الميت بذلك ، وهذا مما يعلم بالاضطرار من
دين الإسلام ، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع ، فمن خالف
ذلك كان من أهل البدع .
قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَحْلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَءَامَنُواْرَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِى
لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَالْحِيمِ
وَعَدَتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَقِهِمُ السَّيْئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ) .
٣٠٦

فقد أخبر سبحانه أن الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة ، ووقاية
العذاب ، ودخول الجنة ودعاء الملائكة ليس عملا للعبد .
وقال تعالى: (وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ) وقال
(رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
الخليل عليه السلام :
اُلْحِسَابُ) وقال نوح عليه السلام: (رَّتِّ اغْفِرْلِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن
دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنَّا وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ )
فقد ذكر استغفار الرسل
للمؤمنين ، أمراً بذلك ، وإخباراً عنهم بذلك.
ومن السنن المتواترة التى من جحدها كفر : صلاة المسلمين على
الميت ، ودعاؤم له في الصلاة . وكذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
يوم القيامة ، فإن السنن فيها متواترة ، بل لم ينكر شفاعته لأهل
الكبائر إلا أهل البدع، بل قد ثبت أنه يشفع لأهل الكبائر، وشفاعته
دعاؤه، وسؤاله الله تبارك وتعالى. فهذا وأمثاله من القرآن، والسنن
المتواترة ، وجاحد مثل ذلك كافر بعد قيام الحجة عليه .
والأحاديث الصحيحة فى هذا الباب كثيرة ، مثل ما فى الصحاح عن
ابن عباس - رضى الله عنها - (( أن رجلا قال النبى صلى الله عليه
وسلم: إن أمي توفيت ، أفينفعها أن أتصدق عنها ؟ قال : نعم !
قال : إن لي مخرفا - أي بستاناً ــ أشهدكم أنى تصدقت به عنها))
٣٠٧

وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها: (( أن رجلا قال للنبي صلى
الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، ولم توص، وأظنها لو
تكلمت تصدقت ، فهل لها أجر إن تصدقت منها؟ قال : نعم)).
وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه: (( أن رجلا قال للنبى
صلى الله عليه وسلم: إن أبى مات ولم يوص ، أينفعه إن تصدقت
عنه ؟ قال: نعم)).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : (( أن العاص بن وائل نذر
فى الجاهلية أن يذبح مائة بدنة ، وأن هشام بن العاص نحر حصته
خمسين ، وأن عمراً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال :
أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت عنه ، أو تصدقت عنه نفعه ذلك))
وفى سنن الدارقطنى : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم
فقال : يا رسول الله! إن لي أبوين، وكنت أبرهما حال حياتهما.
فكيف بالبر بعد موتها؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن من
بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك ، وأن تصوم لهما مع صيامك ، وأن
تصدق لهما مع صدقتك)) (١).
وقد ذكر مسلم فى أول كتابه عن أبى إسحق الطالقانى ، قال :
قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن ! الحديث الذي جاء ((إن
(١) الحديث ورد في مصنف ابن أبي شيبة مجلد ٣ ص ٣٧٨ ولفظه: ((إن من البر بعد البر
أن تصلي عليهما مع صلاتك وأن تصوم عنهما مع صيامك وأن تصدق عنهما مع صدقتك ))
٣٠٨

البر بعد البر، أن تصلي لأبويك مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صيامك؟
قال عبد الله: يا أبا إسحاق! عمن هذا ؟ قلت له : هذا من حديث
شهاب بن خراش ، قال : ثقة ، قلت : عمن ؟ قال عن الحجاج بن
دينار . فقال : ثقة ، عمن ؟ قلت : عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : يا أبا إسحق ! إن بين الحجاج وبين رسول الله صلى الله
عليه وسلم مفاوز تقطع فيها أعناق المطي ، ولكن ليس في الصدقة
اختلاف. والأمر كما ذكره عبد الله بن المبارك، فإن هذا
الحديث مرسل .
والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تصل إلى الميت ، وكذلك العبادات
المالية : كالعتق .
وإنما تنازعوا فى العبادات البدنية : كالصلاة ، والصيام ، والقراءة،
ومع هذا ففي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات وعليه صيام، صام عنه وليه))
وفى الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنه - ((أن امرأة قالت
يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صيام نذر ، قال: أرأيت إن
كان على أمك دين فقضيتيه ، أ كان يؤدي ذلك عنها ؟ قالت : نعم ،
قال : فصومي عن أمك))(١)
(١) نص الحديث كما في صحيح مسلم مجلد ٢ ص ٨٠٤ : عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت يارسول الله إن أمي ماتت
وعليها صوم نذر ، أفأصوم عنها قال : أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه ....
٣٠٩

وفى الصحيح عنه: ((أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقالت: إن أختى ماتت، وعليها صوم شهرين متتابعين ،
قال : أرأيت لو كان على أختك دين أكنت نقضيه ؟ قالت : نعم
قال فحق الله أحق )) وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن بريدة بن حصيب
عن أبيه: (( أن امرأة أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :
إن أمي مانت ، وعليها صوم شهر . أفيجزي عنها أن أصوم عنها ،
قال : نعم)).
فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة فى أنه يصام عن الميت ما نذر ،
وأنه شبه ذلك بقضاء الدين .
والأئمة تنازعوا فى ذلك ، ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة
الصريحة من بلغته ، وإنما خالفها من لم تبلغه ، وقد نقدم حديث عمرو
بأنهم إذا صاموا عن المسلم نفعه . وأما الحج فيجزى عند عامتهم .
ليس فيه إلا اختلاف شاذ .
وفى الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنها (( أن امرأة من
جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن
تحج ، فلم تحيج حتى ماتت ، أفأحج عنها ؟ فقال: حجي عنها ، أرأيت
لو كان على أمك دين ، أكنت قاضيته عنها ؟ اقضوا الله ، فالله أحق
٣١٠

بالوفاء )) وفى رواية البخاري: ((إن أختى نذرت أن محج)) وفى صحيح
مسلم عن بريدة (( أن امرأة قالت : يا رسول الله ! إن أمي ماتت ،
ولم تحج، أفيجزى - أو يقضي - أن أحج عنها ، قال: نعم)).
ففي هذه الأحاديث الصحيحة: (( أنه أمر بحيج الفرض عن الميت
وبحيج النذر)). كما أمر بالصيام . وأن المأمور تارة يكون ولداً ،
وتارة يكون أخا، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالدين ، يكون
على الميت . والدين بصح قضاؤه من كل أحد ، فدل على أنه يجوز
أن يفعل ذلك من كل أحد ، لا يختص ذلك بالولد . كما جاء مصرحا
به فى الأخ .
فهذا الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم مفصل مبين .
فعلم أن ذلك لا ينافى قوله: (وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَاسَعَى)
((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث))؛ بل هذا حق ،
وهذا حق .
أما الحديث فإنه قال: (( انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية
أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له )) فذكر الولد، ودعاؤه له
خاصين؛ لأن الولد من كسبه، كما قال: (مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ،وَمَا
كَسَبَ) قالوا: إنه ولده. وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن
٣١١

أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)). فلما كان
هو الساعي فى وجود الولد كان عمله من كسبه ، بخلاف الآخر، والعم
والأب، ونحوم . فإنه ينتفع أيضاً بدعائهم ، بل بدعاء الأجانب ، لكن
ليس ذلك من عمله. والنبى صلى الله عليه وسلم قال: ((انقطع عمله
إلا من ثلاث .. )) لم يقل: إنه لم ينتفع بعمل غيره . فإذا دعا له ولده
كان هذا من عمله الذي لم ينقطع ، وإذا دعا له غيره لم يكن من
عمله ، لكنه ينتفع به .
وأما الآية فالناس عنها أجوبة متعددة . كما قيل: إنها تختص
بشرع من قبلنا ، وقيل : إنها مخصوصة ، وقيل : إنها منسوخة ،
وقيل : إنها تنال السعي مباشرة ، وسبيا . والإيمان من سعيه الذي
تسبب فيه . ولا يحتاج إلى شيء من ذلك، بل ظاهر الآية حق
لا يخالف بقية النصوص. فإنه قال: ( لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَاسَعَى)
وهذا حق ، فإنه إنما يستحق سعيه ، فهو الذي يملكه ويستحقه . كما
أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو . وأما سعي غيره فهو
حق ، وملك لذلك الغير ، لا له ، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي
غيره ، كما ينتفع الرجل بكسب غيره .
فمن صلى على جنازة فله قيراط ، فيئاب المصلي على سعيه الذي
هو صلانه، والميت أيضاً يرحم بصلاة الحي عليه، كما قال: ((ما من
٣١٢

مسلم يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة
ويروى أربعين ، ويروى ثلاثة صفوف ، ويشفعون فيه ، إلا شفعوا
فيه - أو قال إلا غفر له -)) فالله تعالى يثيب هذا الساعي على
سعيه الذي هو له ، ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحي لدعائه له ،
وصدقته عنه ، وصيامه عنه ، وحجه عنه .
وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((ما من رجل يدعو لأخيه دعوة إلا وكل الله به ملكا، كلما دعا
لأخيه دعوة قال الملك الموكل به: آمين. ولك بمثله)). فهذا من
السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا ، ويرحم هذا .
(وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلََّ مَاسَعَى) وليس كل ما ينتفع به الميت ، أو الحي ،
أو يرحم به يكون من سعيه ، بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع
آبائهم بلا سعي ، فالذي لم يجز إلا به أخص من كل انتفاع ؛ لئلا
يطلب الإنسان الثواب على غير عمله ، وهو كالدين يوفيه الإنسان
عن غيره ، فتبرأ ذمته ، لكن ليس له ماوفى به الدين ، وينبغي له أن
يكون هو الموفي له ، والله أعلم.
٣١٣

وسئل رحمه الله:
ما نقول السادة الفقهاء وأئمة الدين - وفقهم الله تعالى لمرضاته -
فى القراءة للميت ، هل تصل إليه؟ أم لا ؟ والأجرة على ذلك ،
وطعام أهل الميت لمن هو مستحق ، وغير ذلك ، والقراءة على القبر
والصدقة عن الميت ، أيها المشروع الذي أمرنا به ؟ والمسجد الذي
فى وسط القبور ، والصلاة فيه ، وما يعلم هل بنى قبل القبور ؟ أو
القبور قبله ؟ وله ثلاث: رزق ، وأربعمائة اصددمون قديمة من زمان
الروم ، ما هو له ، بل للمسجد، وفيه الخطبة كل جمعة ، والصلاة
أيضاً فى بعض الأوقات ، وله كل سنة موسم بأتى إليه رجال كثير ونساء
ويأتون بالتذور معهم ، فهل يجوز للإمام أن يتناول من ذلك شيئاً
المصالح المسجد الذي فى البلد ؟ أفتونا يرحمكم الله مأجورين.
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما الصدقة عن الميت فإنه ينتفع
بها باتفاق المسلمين ، وقد وردت بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم
أحاديث صحيحة. مثل قول سعد: ((يا رسول الله ! إن أمي افتلتت
نفسها ، وأراها لو تكلمت تصدقت ، فهل ينفعها أن أتصدق عنها ؟
٣١٤

فقال: نعم)) وكذلك ينفعه الحج عنه، والأضحية عنه، والعتق عنه،
والدعاء والاستغفار له بلا نزاع بين الأئمة .
وأما الصيام عنه وصلاة التطوع عنه ، وقراءة القرآن عنه ، فهذا
فيه قولان للعلماء:
أحدهما : ينتفع به ، وهو مذهب أحمد ، وأبى حنيفة، وغيرهما .
وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم .
والثاني : لا تصل إليه ، وهو المشهور في مذهب مالك والشافعي .
وأما الاستئجار لنفس القراءة ، والإهداء ، فلا يصح ذلك . فإن
العلماء إنما تنازعوا في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، والأذان ،
والإمامة ، والحج عن الغير ؛ لأن المستأجر يستوفي المنفعة . فقيل:
يصح لذلك ، كما هو المشهور من مذهب مالك ، والشافعي . وقيل :
لا يجوز ، لأن هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل القرية
فإنها إنما نصح من المسلم دون الكافر ، فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه
التقرب إلى الله تعالى. وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق ،
لأن الله إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه، لا ما فعل لأجل
عروض الدنيا .
٣١٥

وقيل يجوز أخذ الأجرة عليها للفقير ، دون الغنى . وهو القول
الثالث فى مذهب أحمد ، كما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر
ويستغني مع الغنى . وهذا القول أقوى من غيره على هذا ، فإذا
فعلها الفقير لله، وإنما أخذ الأجرة لحاجته إلى ذلك ، وليستعين
بذلك على طاعة الله ، فالله يأجره على نيته ، فيكون قد أكل طيباً،
وعمل صالحاً .
وأما إذا كان لا يقرأ القرآن إلا لأجل العروض ، فلا ثواب لهم
على ذلك . وإذا لم يكن فى ذلك ثواب . فلا يصل إلى الميت شيء ؛
لأنه إنما يصل إلى الميت ثواب العمل ، لا نفس العمل . فإذا تصدق
بهذا المال على من يستحقه وصل ذلك إلى الميت ، وإن قصد بذلك
من يستعين على قراءة القرآن وتعليمه كان أفضل ، وأحسن ، فإن
إعانة المسلمين بأنفسهم وأموالهم على تعلم القرآن وقراءته وتعليمه من
أفضل الأعمال .
وأما صنعة أهل الميت طعاماً يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع
وإنما هو بدعة ، بل قد قال جرير بن عبد الله : كنا نعد الاجتماع إلى
أهل الميت ، وصنعتهم الطعام للناس من النياحة .
وإنما المستحب إذا مات الميت أن يصنع لأهله طعام . كما قال
٣١٦

النبى صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب: ((اصنعوا
لآل جعفر طعاما، فقد أتاح ما يشغلهم)).
وأما القراءة الدائمة على القبور ، فلم تكن معروفة عند السلف .
وقد تنازع الناس في القراءة على القبر ، فكرهها أبو حنيفة ومالك ،
وأحمد فى أكثر الروايات عنه ، ورخص فيها في الرواية المتأخرة ،
لما بلغه أن عبد الله بن عمر أوصى أن يقرأ عند دفنه بفواتح
البقرة ، وخواتها .
وقد نقل عن بعض الأنصار أنه أوصى عند قبره بالبقرة ، وهذا
إنما كان عند الدفن ، فأما بعد ذلك فلم ينقل عنهم شيء من ذلك ،
ولهذا فرق في القول الثالث بين القراءة حين الدفن ، والقراءة الراتبة
بعد الدفن ، فإن هذا بدعة لا يعرف لها أصل .
ومن قال : إن الميت ينتفع بسماع القرآن ، ويؤجر على ذلك ،
فقد غلط ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد
صالح يدعو له)). فالميت بعد الموت لا يثاب على سماع ، ولا غيره .
وإن كان الميت يسمع قرع نعالهم ، ويسمع سلام الذي يسلم عليه ،
ويسمع غير ذلك ، لكن لم يبق له عمل غير ما استثنى .
٣١٧

وأما بناء المساجد على القبور، وتسمى ((مشاهد )) فهذا غير
سائغ ؛ بل جميع الأمة ينهون عن ذلك ، لما ثبت فى الصحيحين عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى،
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا)). قالت عائشة: ولولا
ذلك لأبرز قبره ، ولكن كره أن يتخذ مسجداً ، وفى الصحيح أيضاً
عنه أنه قال: (( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ،
ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)) وفي السنن
عنه قال: ((لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج)).
وقد اتفق أئمة المسلمين على أن الصلاة في المشاهد ليس مأموراً
بها، لا أمر إيجاب ، ولا أمر استحباب . ولا في الصلاة في المشاهد
التى على القبور ونحوها فضيلة على سائر البقاع ، فضلا عن المساجد ،
باتفاق أئمة المسلمين ، فمن اعتقد أن الصلاة عندها فيها فضل على
الصلاة على غيرها ، أو أنها أفضل من الصلاة فى بعض المساجد :
فقد فارق جماعة المسلمين ، ومرق من الدين ، بل الذي عليه الأمة
أن الصلاة فيها منهي عنها فهي تحريم ، وإن كانوا متنازعين
فى الصلاة فى المقبرة : هل هي محرمة ؟ أو مكروهة؟ أو مباحة ؟ أو
يفرق بين المنبوشة والقديمة ، فذلك لأجل تعليل النهى بالنجاسة لاختلاط
التراب بصديد الموتى .
٣١٨

وأما هذا فإنه نهى عن ذلك لما فيه من التشبه بالمشركين ، وأن
ذلك أصل عبادة الأصنام. قال تعالى: (وَقَالُواْلَا نَذَرُنََّالِهَتَّكُ وَلَنَذَرُنَّ وَذَا
وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسَرًّا)
قال غير
واحد من الصحابة والتابعين : هذه أسماء قوم كانوا قوماً صالحين ، فى
قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ، ولهذا
قال النبى صلى الله عليه وسلم ما ذكره مالك فى الموطأ: ((اللهم لا تجعل
قبري وتنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد )) ولهذا لا يشرع باتفاق المسلمين أن ينذر للمشاهد التى على
القبور ، لا زيت ، ولا شمع ، ولا درام ، ولا غير ذلك ، وللمجاورين
عندها ، وخدام القبور . فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم: قد لعن
من يتخذ عليها المساجد والسرج . ومن نذر ذلك فقد نذر معصية .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع
الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)).
وأما الكفارة فهي على قولين : فمذهب أحمد وغيره عليه كفارة
يمين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كفارة النذر كفارة
اليمين)). رواه مسلم. وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
((من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))
ومذهب مالك والشافعي وغيرهما لا شيء عليه . لكن إن تصدق بالنذر
٣١٩

فى المشاهد على من يستحق ذلك من فقراء المسلمين ، الذين يستعينون
بذلك على طاعة الله ورسوله ، فقد أحسن فى ذلك ، وأجره على الله.
ولا يجوز لأحد باتفاق المسلمين أن ينقل صلاة المسلمين ،
وخطبهم من مسجد يجتمعون فيه ، إلى مشهد من مشاهد القبور ،
ونحوها. بل ذلك من أعظم الضلالات والمنكرات ، حيث تركوا
ما أمر الله به ورسوله ، وفعلوا ما نهى الله عنه ورسوله، وتركوا
السنة ، وفعلوا البدعة . تركوا طاعة الله ورسوله ، وارتكبوا معصية الله
ورسوله ، بل يجب إعادة الجمعة والجماعة إلى المسجد الذي هو بيت من
بيوت الله. (َفِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّوَالْأَصَالِ
رِجَالٌ لَّا نُلْهِيهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِاللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَ إِنَّاءِ الزَّكَوَةِ )
وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ وَأَقَامَ
الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلََّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
وأما القبور التى فى المشاهد وغيرها ، فالسنة لمن زارها أن يسلم
على الميت ، ويدعو له بمنزلة الصلاة على الجناز ، كما كان النبى صلى الله
عليه وسلم يعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور: (( السلام عليكم
أهل الديار من المؤمنين ، والمسلمين ، وإنا إن شاء اللّه بكم عن
قريب لاحقون ، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم، والمستأخرين،
٣٢٠