Indexed OCR Text

Pages 281-300

ما حرم الله - وقد دخل فيما حرمه الله ورسوله، إما من الكفر،
وإما من الفسوق ، وإما العصيان ، بل على كل أحد أن يفعل ما أمر
الله به ورسوله ، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله .
ومما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم من التعوذ؛ فإنه قد ثبت
عنه في الصحيح أنه قال: ((من قرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه
لم يزل عليه من الله حافظ. ولم يقربه شيطان حتى بصبح)) وفى السنن
أنه كان يعلم أصحابه أن يقول أحدم: ((أعوذ بكلمات الله التامات من
غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون)).
ولما جاءته الشياطين بلهب من نار، أمر بهذا التعوذ: ((أعوذ بكلمات
الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، من شر ما خلق، وذرا،
ومن شر ما ينزل من السماء ، وما يعرج فيها ، ومن شر ما ذرا فى
الأرض ، وما يخرج منها ، ومن فتن الليل والنهار ، ومن شركل
طارق إلا طارقا يطرق بخير يارحمن!)).
فقد جمع العلماء من الأذكار والدعوات التى بقولها العبد إذا أصبح،
وإذا أمسى، وإذا نام ، وإذا خاف شيئاً، وأمثال ذلك من الأسباب
ما فيه بلاغ. فمن سلك مثل هذه السبيل ، فقد سلك سبيل أولياء الله
الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ومن دخل فى سبيل أهل الجبت
والطاغوت الداخلة فى الشرك والسحر فقد خسر الدنيا والآخرة ، وبذلك
٢٨١

حيث قال: ( وَلَمَّا
ذم الله من ذمه من مبدلة أهل الكتاب .
جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيَقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
كِتَبَ اَللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَأَتَّبَعُواْمَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى
- إلى قوله - وَلَبِئْسَ مَاشَرَوْابِهِ: أَنْفُسَهُمْ لَوْكَانُواْ يَعْلَمُونَ ) والله
سبحانه وتعالى أعلم .
وقال أيضاً رحم الله في موضع آخر
فصل
وأما كونه لم يتبين له كيفية الجن ومقالتهم بعدم علمه لم ينكر وجودهم
إذ وجودهم ثابت بطرق كثيرة ، غير دلالة الكتاب والسنة . فإن من
الناس من رآهم ، وفيهم من رأي من رآهم، وثبت ذلك عنده بالخبر
واليقين ، ومن الناس من كلهم وكلموه. ومن الناس من يأمرهم وينهاهم
ويتصرف فيهم . وهذا يكون لصالحين ، وغير صالحين .
ولو ذكرت ما جرى لي ، ولأصحابي معهم لطال الخطاب ، وكذلك
٢٨٢

ما جرى لغيرنا ، لكن الاعتماد في الأجوبة العلمية على ما يشترك الناس
فى علمه، لا يكون بما يختص بعلمه الجيب، إلا أن يكون الجواب لمن
يصدقه فیما يخبر به .
وسئل
عمن بقول : يا أزران : ياكيان! هل صح أن هذه أسماء وردت
بها السنة ، لم يحرم قولها ؟
فأجاب: الحمد للّه. لم ينقل هذه عن الصحابة أحد، لا بإسناد
صحيح، ولا بإسناد ضعيف، ولا سلف الأمة، ولا أتمتها . وهذه
الألفاظ لا معنى لها فى كلام العرب ؛ فكل اسم مجهول ليس لأحد أن
يرقى به ، فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناها ، وأنه صحيح ،
لكره أن يدعو الله بغير الأسماء العربية .
وسئل
عمن أصيب بمرض ، فإذا اشتد عليه الوجع استغاث بالله تعالى
ويبكي . فهل تكون استغاثته مما ينافي الصبر المأمور به ؟ أو هو
٢٨٣

تفرع والتجاء ؟
فأجاب: دعاؤه اللّه، واستغاثته به، واشتكاؤه إليه، لا ينافى الصبر
المأمور به . وإنما ينافيه فى ذلك الاشتكاء إلى المخلوق. ولقد قال يعقوب
عليه السلام : ( فَصَبْرٌ جَمِيلُ) وقال: (إِنَّمَا أَشْكُوْبَقِّى وَحُزْنِ إِلَى الَّهِ)
وقد روى عن طاووس: أنه كره أنين المريض . وقال : إنه شكوى،
وقرئ ذلك على أحمد بن حنبل في مرض موته ، فما أن حتى مات .
ويروى عن السرى السقطي أنه جعل قول المريض : آه ! من ذكر
اللّه، وهذا إذا كان بينه وبين الله، وهذا كما يروى عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ في صلاة الفجر: ( إِنَّمَا أَشْكُو ◌ْبَنِى
وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ ) ثم بكى، حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف،
فالأنين والبكاء من خشية الله ، والتضرع والشكاية إلى الله عز وجل
حسن، وأما المكروه فيكره ، والله أعلم.
وسئل
عن رجل مبتلى سكن فى دار بين قوم أصحاء ، فقال بعضهم :
لا يمكننا مجاورتك ، ولا ينبغى أن تجاور الأصحاء ، فهل يجوز إخراجه؟
٢٨٤

فأجاب : نعم لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء ، فإن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يورد ممرض على مصح)) فهى صاحب
الإبل المراض أن يوردها على صاحب الإبل الصحاح ، مع قوله :
((لا عدوى ولا طيرة)). وكذلك روى أنه لما قدم مجدوم ليبايعه،
أرسل إليه بالبيعة ، ولم يأذن له في دخول المدينة .
وسئل رحمه اللّه
عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلي ، هل لأحد فيها أجر ؟
أم لا ؟ وهل عليه إثم إذا تركها ، مع علمه أنه كان لا يصلي ؟ وكذلك
الذي يشرب الخمر ، وما كان يصلي ، هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن
يصلي عليه أم لا ؟
فأجاب : أما من كان مظهراً للإسلام فإنه تجري عليه أحكام
الإسلام الظاهرة : من المناكمة ، والموارثة ، وتغسيله ، والصلاة عليه ،
ودفنه فى مقابر المسلمين، ونحو ذلك؛ لكن من علم منه النفاق والزندقة
فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه . وإن كان مظهراً للإسلام
فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين. فقال:
( وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَدًّا وَلَانَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ: إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا تُواْوَهُمْ
٢٨٥

فَسِقُونَ ) وقال: (سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ
يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)
وأما من كان مظهراً للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر،
فهؤلاء لا بد أن يصلي عليهم بعض المسلمين . ومن امتنع من الصلاة على
أحدم زجراً لأمثاله عن مثل ما فعله ، كما امتنع النبى صلى الله
عليه وسلم عن الصلاة على قاتل نفسه ، وعلى الغال ، وعلى المدين
الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على
أهل البدع - كان عمله بهذه السنة حسناً . وقد قال لجندب بن
عبد الله البجلي ابنه : إني لم أنم البارحة بشما، فقال: أما إنك لو مت
لم أصل عليك . كأنه يقول: قتلت نفسك بكثرة الأكل . وهذا من
جنس هجر المظهرين للكبائر حتى يتوبوا ، فإذا كان في ذلك مثل هذه
المصلحة الراجحة كان ذلك حسناً ، ومن صلى على أحدثم يرجو له رحمة
الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة، كان ذلك حسناً، ولو امتنع
في الظاهر ودعا له فى الباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين
أولى من تفويت إحداهما.
وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له ، والصلاة
عليه ، بل يشرع ذلك، ويؤمر به . كما قال تعالى: (وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ) وكل من أظهر الكبار فإنه تسوغ عقوبته بالهجر
٢٨٦

وغيره ، حتى ممن فى مهجره مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية
في ذلك بحسب الإمكان ، والله أعلم .
وسل
عن رجل يصلي وقتاً ، ويترك الصلاة كثيراً ، أو لا يصلي ، هل
يصلي عليه؟ ؟
فأجاب : مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه ، بل المنافقون
الذين يكتمون النفاق يصلي المسلمون عليهم ، ويغسلون ، وتجري عليهم
أحكام الإسلام . كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
وإن كان علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلي عليه ، كما
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على من علم نفاقه.
وأما من شك فى حاله فتجوز الصلاة عليه ، إذا كان ظاهر الإسلام .
كما صلى النبى صلى الله عليه وسلم على من لم ينه عنه، وكان فيهم من لم يعلم
نَفاقه. كما قال تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ
اُلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ومثل هؤلاء لا يجوز النهي
٢٨٧

عنه، ولكن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على المنافق
لا تنفعه . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - لما ألبس بن أبى قميصه
((وما يغنى عنه قميصى من الله)) وقال تعالى: ( سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ
لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ ).
وتارك الصلاة أحياناً ، وأمثاله من المتظاهرين بالفسق ، فأهل
العلم والدين إذا كان فى حجر هذا ، وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين
بحيث يكون ذلك باعثا لهم على المحافظة على الصلاة عليه [مجروه ولم
يصلوا عليه ]، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل
نفسه والغال ، والمدين الذي لا وفاء له ، وهذا شر منهم .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
قد ثبت عن النى صلى الله عليه وسلم أنه امتنع عن الصلاة
على من عليه دين حتى يخلف وفاء ، قبل أن يتمكن من وفاء الدين
عنه ، فلما تمكن صار هو يوفيه من عنده، فصار المدين يخلف وفاء .
٢٨٨

هذا مع قوله فيما رواه أبو موسى عنه: ((إن أعظم الذنوب عند
الله أن يلقاه عبد بها، بعد الكبائر التى نهى عنها ، أن يموت الرجل
وعليه دين لا بدع قضاء )) رواه أحمد . فثبت بهذا أن ترك الدين
بعد الكبائر.
فإذا كان قد ترك الصلاة على المدين الذي لا قضاء له، فعلى فاعل
الكبار أولى، ويدخل فى ذلك قاتل نفسه ، والغال: لما لم يصل عليها.
ويستدل بذلك على أنه يجوز لذوي الفضل ترك الصلاة على ذوي الكبار
الظاهرة ، والدعاة إلى البدع ، وإن كانت الصلاة عليهم جائزة فى الجملة .
فأما قوله: ((الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين)) فأراد به أن
صاحبه يوفاه .
وسئل
عن رجل له مملوك هرب ، ثم رجع . فلما رجع أخذ سكينته
وقتل نفسه ، فهل بأثم سيده ؟ وهل تجوز عليه الصلاة ؟
فأجاب: الحمد لله. لم يكن له أن يقتل نفسه. وإن كان سيده قد
ظلمه ، واعتدى عليه ، بل كان عليه إذا لم يمكنه رفع الظلم عن نفسه
٢٨٩

أن يصبر إلى أن يفرج الله .
فإن كان سيده ظلمه حتى فعل ذلك ، مثل أن يقتر عليه فى النفقة ،
أو يعتدى عليه فى الاستعمال ، أو يضربه بغير حق ، أو يريد به فاحشة
ونحو ذلك . فإن على سيده من الوزر بقدر ما نسب إليه من المعصية.
ولم يصل النبى صلى الله عليه وسلم على من قتل نفسه . فقال
لأصحابه: ((صلوا عليه)) فيجوز لعموم الناس أن يصلوا عليه. وأما
أكّة الدين الذين يقتدى بهم . فإذا تركوا الصلاة عليه زجرا لغيره ،
اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فهذا حق ، والله أعلم .
وسئل رحم الله:
عن رجل يدعي المشيخة : فرأى ثعبانا ، فقام بعض من حضر
ليقتله ، فمنعه عنه ، وأمسكه بيده ، على معنى الكرامة له ، فلدغه الثعبان
فمات . فهل تجوز الصلاة عليه ؟ أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . ينبغي لأهل العلم والدين أن
يتركوا الصلاة على هذا ، ونحوه ، وإن كان يصلى عليه عموم الناس
كما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على قاتل نفسه، وعلى
٢٩٠

الغال من الغنيمة، وقال: ((صلوا على صاحبكم)). وقالوا لسمرة بن
جندب : إن ابنك المبارحة لم يبت ، فقال : بشما؟ قالوا: نعم ! قال:
أما إنه لو مات لم أصل عليه . فبين سمرة أنه لو مات بشما لم يصل عليه؛
لأنه يكون قاتلا لنفسه بكثرة الأكل .
فهذا الذي منع من قتل الحية ، وأمسكها بيده حتى قتلته ، أولى
أن يترك أهل العلم والدين الصلاة عليه ، لأنه قاتل نفسه، بل لو فعل
هذا غيره به لوجب القود عليه .
وإن قيل : إنه ظن أنها لا تقتل ، فهذا شبيه عمله بمنزلة الذي
أ كل حتى بشم ، فإنه لم يقصد قتل نفسه ، فمن جنى جنابة لا تقتل
غالباً ، كان شبه عمد ، وإمساك الحيات من نوع الجنايات ، فإنه فعل
غير مباح . وهذا لم يقصد بهذا الفعل إلا إظهار خارق العادة ، ولم
يكن معه ما يمنح انخراق العادة .
كيف وغالب هؤلاء كذابون ملبسون خارجون عن أمر الله تعالى
ونهيه ، يخرجون الناس عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، ويفسدون
عقل الناس ودينهم ودنياه ، فيجعلون العاقل مولها كالمجنون، أو متولها
بمنزلة الشيطان المفتون ، ويخرجون الإنسان عن الشريعة التى بعث الله
بها رسوله صلى الله عليه وسلم إلى بدع مضادة لها، فيقتلون الشعور
٢٩١

ويكشفون الرؤوس ، بدلاً عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
من ترجيل الشعر ، وتغطية الرأس ويجتمعون على المكاء والتصدية ،
بدلا عن سنة الله ورسوله من الاجتماع على الصلوات الخمس ، وغيرها
من العبادات ، ويصلون صلاة ناقصة الأركان والواجبات ، ويجتمعون
على بدعهم المنكرة على أتم الحالات ، ويصنعون اللاذن ، وماء الورد ،
والزعفران ، الإمساك الحيات ، ودخول النار بأنواع من الحيل الطبيعية،
والأحوال الشيطانية بدلا عما جعله الله لأوليائه المتقين من الطرق الشرعية
والأحوال الرحمانية ، ويفسدون من يفسدونه من النساء والصبيان
بدلا عما أمر الله به من العفة وغض البصر ، وحفظ الفرج ،
وكف اللسان .
ومن كان مبتدعا ظاهر البدعة . وجب الإنكار عليه ومن الإنكار
المشروع أن يهجر حتى يتوب ، ومن الهجر امتناع أهل الدين من
الصلاة عليه لينزجر من يتشبه بطريقته ، ويدعو إليه ، وقد أمر بمثل
هذا مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما من الأئمة ، والله أعلم.
٢٩٢

وسئل
عن رجل ركب البحر للتجارة : فغرق ، فهل مات شهيداً ؟.
فأجاب : نعم ! مات شهيداً، إذا لم يكن عاصياً بركوبه ، فإنه قد
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الغريق شهيد، والمبطون
شهيد، والحريق شهيد، والميت بالطاعون شهيد ، والمرأة تموت فى نفاسها
شهيدة، وصاحب الهدم شهيد)). وجاء ذكر غير هؤلاء.
وركوب البحر للتجارة جاز إذا غلب على الظن السلامة . وأما
بدون ذلك فليس له أن يركبه للتجارة ، فإن فعل فقد أعان على قتل
نفسه ، ومثل هذا لا يقال : إنه شهيد ، والله أعلم .
وسئل
عن رفع الصوت فى الجنازة ؟
فأجاب: الحمد لله. لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة، لا بقراءة
٢٩٣

ولا ذكر ، ولا غير ذلك. هذا مذهب الأئمة الأربعة ، وهو المأثور
عن السلف من الصحابة والتابعين ، ولا أعلم فيه مخالفاً ؛ بل قد روي
عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى أن يتبع بصوت، أو نار))
رواه أبو داود . وسمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجلا يقول فى
جنازة: استغفروا لأخيكم . فقال ابن عمر: لاغفر الله بعد . وقال
قيس بن عباد - وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي
طالب رضى الله عنه - : كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز،
وعند الذكر ، وعند القتال .
وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد
القرون الثلاثة المفضلة .
وأما قول السائل : إن هذا قد صار إجماعا من الناس فليس
كذلك ، بل ما زال فى المسلمين من يكره ذلك، وما زالت جنائز
كثيرة تخرج بغير هذا في عدة أمصار من أمصار المسلمين .
وأماكون أهل بلد ، أو بلدين، أو عشر : تعودوا ذلك فليس
هذا بإجماع؛ بل أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم التى نزل فيها القرآن
والسنة، وهي دار الهجرة، والنصرة، والإيمان، والعلم، لم يكونوا يفعلون
ذلك؛ بل لو اتفقوا في مثل زمن مالك وشيوخه على شيء، ولم ينقلوه عن النبى
٢٩٤

صلى الله عليه وسلم، أو خلفائه، لم يكن إجماعهم حجة عند جمهور
المسلمين ، وبعد زمن مالك وأصحابه ليس إجماعهم حجة، باتفاق المسلمين
فكيف بغيرهم من أهل الأمصار .
وأما قول القائل: إن هذا يشبه بجناز اليهود والنصارى ، فليس
كذلك ، بل أهل الكتاب عادتهم رفع الأصوات مع الجنائز، وقد
شرط عليهم فى شروط أهل الذمة أن لا يفعلوا ذلك ، ثم إنما نهينا
عن التشبه بهم فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول ، وأما إذا اتبعنا
طريق سلفنا الأول كنا مصيين، وإن شاركنا فى بعض ذلك من شاركنا ،
كما أنهم يشاركوننا فى الدفن في الأرض ، وفى غير ذلك .
وسئل رحمه اللّه
عن امرأة نصرانية ، بعلها مسلم : توفيت وفى بطنها جنين له سبعة
أشهر. فهل تدفن مع المسلمين؟ أو مع النصارى ؟.
فأجاب : لا تدفن في مقابر المسلمين ، ولا مقابر النصارى ،
لأنه اجتمع مسلم ، وكافر ، فلا يدفن الكافر مع المسلمين، ولا المسلم
مع الكافرين ؛ بل تدفن منفردة ، ويجعل ظهرها إلى القبلة ؛ لأن
٢٩٥

وجه الطفل إلى ظهرها ، فإذا دفنت كذلك كان وجه الصبى المسلم
مستقبل القبلة ، والطفل يكون مسلما بإسلام أبيه ، وإن كانت أمه كافرة
باتفاق العلماء .
وسئل رحمه الله
مفتى الأنام ، بقية السلف الكرام ، تقي الدين بقية المجتهدين ،
أثابه الله، وأحسن إليه .
عن تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه ، هل صح فيه
حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم . أو عن صحابته؟ وهل إذا لم يكن
فيه شيء يجوز فعله ؟ أم لا ؟.
فأجاب : هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة :
أنهم أمروا به ، كأبى أمامة الباهلي ، وغيره . وروي فيه حديث عن
النبى صلى الله عليه وسلم، لكنه مما لا يحكم بصحته؛ ولم يكن
كثير من الصحابة يفعل ذلك ، فلهذا قال الإمام أحمد وغيره من
العلماء : إن هذا التلقين لا بأس به ، فرخصوا فيه ، ولم يأمروا به .
واستحبه طائفة من أصحاب الشافعى ، وأحمد ، وكرهه طائفة من العلماء
من أصحاب مالك ، وغيرهم .
٢٩٦

والذي فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقوم
على قبر الرجل من أصحابه إذا دفن ، ويقول : ((سلوا له التثبيت ،
فإنه الآن يسأل))، وقد ثبت فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: ((لقنوا أمواتكم لا إله إلا الله)). فتلقين المحتضر سنة،
مأمور بها .
وقد ثبت أن المقبور يسأل، ويمتحن ، وأنه يؤمر بالدعاء
له ؛ فلهذا قيل : إن التلقين ينفعه ، فإن الميت يسمع النداء . كما ثبت
فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنه ليسمع قرع
نعالهم)) وأنه قال: (( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، وأنه أمرنا
بالسلام على الموتى. فقال: (( ما من رجل يمر بقبر الرجل كان
يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله روحه حتى يرد عليه السلام))
والله أعلم .
وسئل رحم الله
هل يجب تلقين الميت بعد دفنه ؟ أم لا ؟ وهل القراءة نصل
إلى الميت ؟
فأجاب : تلقينه بعد موته ليس واجباً ، بالإجماع . ولا كان من
٢٩٧

عمل المسلمين المشهور بينهم على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم.
وخلفائه . بل ذلك مأثور عن طائفة من الصحابة ؛ كأبى أمامة ،
وواثلة بن الأسقع .
فمن الأئمة من رخص فيه كالإمام أحمد ، وقد استحبه طائفة من
أصحابه ، وأصحاب الشافعي . ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة .
فالأقوال فيه ثلاثة : الاستحباب ، والكراهة ، والإباحة ، وهذا
أعدل الأقوال .
فأما المستحب الذي أمر به وحض عليه النبي صلى الله عليه وسلم
فهو الدعاء للميت .
وأما القراءة على القبر فكرهها أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد فى
إحدى الروايتين . ولم يكن يكرهها في الأخرى . وإنما رخص فيها
لأنه بلغه أن ابن عمر أوصى أن يقرأ عند قبره بفواتح البقرة ،
وخواتيمها . وروي عن بعض الصحابة قراءة سورة البقرة . فالقراءة
عند الدفن مأثورة في الجملة ، وأما بعد ذلك فلم ينقل فيه أثر .
والله أعلم .
٢٩٨

وسل
هل بشرع تلقين الميت الكبير والصغير ؟ أو لا ؟.
فأجاب : وأما تلقين الميت فقد ذكره طائفة من الخراسانيين من
أصحاب الشافعي، واستحسنوه أيضاً . ذكره المتولى . والرافعي،
وغيرهما . وأما الشافعي نفسه فلم ينقل عنه فيه شيء .
ومن الصحابة من كان يفعله: كأبي أمامة الباهلي، وواثلة بن الأسقع
وغيرهما من الصحابة .
ومن أصحاب أحمد من استحبه . والتحقيق أنه جائز، وليس بسنة
راتبة والله أعلم .
وسئل
عن الختمة التى تعمل على الميت ، والمقرئين بالأجرة . هل قراءتهم
تصل إلى الميت ؟ وطعام الختمة يصل إلى الميت؟ أم لا ؟ وإن كان
٢٩٩

ولد الميت بداين لأجل الصدقة إلى الميسور : تصل إلى الميت ؟.
فأجاب: استئجار الناس ليقرأوا ، ويهدوه إلى الميت ، ليس
بمشروع ، ولا استحبه أحد من العلماء ، فإن القرآن الذي يصل ماقرئ
لله. فإذا كان قد استؤجر للقراءة اللّه، والمستأجر لم يتصدق عن الميت،
بل استأجر من يقرأ عبادة لله عز وجل لم يصل إليه .
لكن إذا تصدق عن الميت على من يقرأ القرآن ، أو غيرم:
ينفعه ذلك باتفاق المسلمين. وكذلك من قرأ القرآن محتسباً، وأهداء إلى
الميت نفعه ذلك، والله أعلم .
وسل
عن جعل المصحف عند القبر ، وإيقاد قنديل فى موضع يكون من
غير أن يقرأ فيه ، مكروه أم لا ؟
فأجاب : وأما جعل المصحف عند القبور ، وإيقاد القناديل هناك،
فهذا مكروه منهى عنه ، ولو كان قد جعل للقراءة فيه هنالك، فكيف
إذا لم يقرأ فيه، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله زوارات
القبور ، والمتخذين عليها المساجد ، والسرج)) فإيقاد السرج من قنديل
٣٠٠