Indexed OCR Text
Pages 241-260
سبحانك ، ظلمت نفسي فاغفر لي ، ثم ضحك وقال : ضحكت من ضحك الرب إذا قال العبد ذلك يقول الله : علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري )) . فذكر بعد ذلك ذكر الأشراف وهو التكبير مع التهليل، وختمه بالاستغفار لأنه مقرون بالتوحيد ، كما قد رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد فى غير موضع، كقوله: (فَأَ عْلَنَّهُ لَآ إِلَهَإِلََّ اللهُ وَأَسْتَغْفِرْلِذَنْبِكَ) وقوله: ( أَلَا تَعْبُدُواْإِلَّا اللَّهِ إِنَِّ لَكُ مِنْهُ نَذِيْرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ) فكان ذكره (فَاسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ ) وقوله : على الدابة مشتملا على الكلمات الأربع الباقيات الصالحات مع الاستغفار. فهكذا ذكر الأعياد اجتمع فيه التعظيم ، والنعمة ، فجمع بين التكبير والحمد . فالله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا. وقد روى عن ابن عمر أنه كان يكبر ثلاثاً ، ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير . فيشبهه بذكر الأشراف في تثليثه ، وضم التهليل إليه ، وهذا اختيار الشافعي . وأما أحمد وأبو حنيفة وغيرهما فاختاروا فيه ما رووه عن طائفة ٢٤١ من الصحابة ، ورواه الدار قطني من حديث جابر مرفوعا إلى النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد )) فيشفعونه مرتين ، ويقرنون به فى إحداهما التهليل ، وفى الأخرى الحمد ، تشبيهاً له بذكر الأذان . فإن هذا به أشبه ، لأنه متعلق بالصلاة ، ولأنه في الأعياد التى يجتمع فيها اجتماعاً عاماً ، كما أن الأذان لاجتماع الناس ، فشابه الأذان ، فى أنه تكبير اجتماع لا تكبير مكان، وأنه متعلق بالصلاة لا بالشرف، فشرع تكريره كما شرع تكرير تكبير الأذان ، وهو فى كل مرة مشفوع ، وكل المأثور حسن . ومن الناس من يثلثه أول مرة ، ويشفعه ثاني مرة ، وطائفة من الناس تعمل بهذا . وقاعدتنا فى هذا الباب أصح القواعد ، أن جميع صفات العبادات من الأقوال والأفعال إذا كانت مأثورة أثراً يصح التمسك به لم يكره شيء من ذلك ، بل يشرع ذلك كله كما قلنا فى أنواع صلاة الخوف، وفى نوعى الأذان الترجيع وتركه ، ونوعى الإقامة شفعها وإفرادها ، وكما قلنا فى أنواع التشهدات ، وأنواع الاستفتاحات ، وأنواع الاستعاذات وأنواع القراءات ، وأنواع تكبيرات العيد الزوائد ، وأنواع صلاة الجنازة وسجود السهو ، والقنوت قبل الركوع ، وبعده ، والتحميد بإثبات الواو ٢٤٢ وحذفها ، وغير ذلك ، لكن قد يستحب بعض هذه المأثورات، ويفضل على بعض إذا قام دليل يوجب التفضيل ، ولا يكره الآخر . ومعلوم أنه لا يمكن المكلف أن يجمع فى العبادة المتنوعة بين النوعين فى الوقت الواحد ، لا يمكنه أن يأتى بتشهدين معاً ، ولا بقراءتين معاً ، ولا بصلاتى خوف معاً ، وإن فعل ذلك مرتين كان ذلك منهياً عنه، فالجمع بين هذه الأنواع محرم تارة، ومكروه أخرى ، ولا تنظر إلى من قد يستحب الجمع في بعض ذلك ، مثل ما رأيت بعضهم قد لفق ألفاظ الصلوات على النبى المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واستحب فعل ذلك الدعاء الملفق ، وقال في حديث أبى بكر الصديق المتفق عليه لما قال النبى صلى الله عليه وسلم : علمنى دعاء أدعو به فی صلانى فقال: (( قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً، وفى رواية كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم )). فقال يستحب أن يقول: كثيرا ، كبيرا ، وكذلك يقول فى أشباه هذا : فإن هذا ضعيف ، فإن هذا أولا ليس سنة، بل خلاف المسنون ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك جميعه جميعا. وإنما كان يقول هذا نارة ، وهذا نارة . إن كان الأمران ثابتين عنه، فاجمع بينهما ليس سنة ، بل بدعة وإن كان حالزاً . ٢٤٣ الثانى أن جمع ألفاظ الدعاء ، والذكر الواحد ، على وجه التعبد مثل جمع حروف القراء كلهم لا على سبيل الدرس والحفظ ، لكن على سبيل التلاوة والتدبر ، مع تنوع المعانى ، مثل أن يقرأ فى الصلاة (فِي قُلُوبِهِمْ قَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِ بُونَ ) (بما كانوا يكذّ بون). ( بعد (رَبَّنَبَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ) (عما يعملون ). بين أسفارنا ). ( وَمَا اللهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) (آصارمٍ). (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (وأرجلكم) . (وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَطْهُرْنَ) (حتى يطَّهرن). ( إلا أن (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُ واْمِمَآءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَآَ) يُخافا )، ( أَوْلَمَسْئُمُ النِّسَآءَ) (أو لمستم). ومعلوم أن هذا بدعة مكروهة قبيحة . الثالث أن الأذكار المشروعة أيضاً لو لفق الرجل له تشهداً من التشهدات المأثورة جمع بين حديث ابن مسعود ، و(١) وصلواته ، وبين زاكيات تشهد عمر ، ومباركات ابن عباس ، بحيث يقول : التحيات لله، والصلوات والطيبات ، والمباركات، والزاكيات ، لم يشرع له ذلك ، ولم يستحب فغيره أولى بعدم الاستحباب . (١) بياض في الأصل . ٢٤٤ الرابع أن هذا إنما يفعله من [ذهب ] إلى كثرة الحروف. والألفاظ، وقد ينقص المعنى ، أو يتغير بذلك، ولو تدبر القول لعلم أن كل واحد من المأثور يحصل المقصود ، وإن كان بعضها يحصله أكمل فإنه إذا قال: ظلما كثيرا ، فمتى كثر فهو كبير في المعنى ، ومتى كبر فهو كثير فى المعنى . وإذا قال: ((اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد)) أو قال: ((اللهم صل على محمد، وأزواجه وذريته))، فأزواجه وذريته من آله بلا شك، أو م آله، فإذا جمع بينها وقال: ((على آل محمد ، وعلى أزواجه وذريته )) لم يكن قد تدبر المشروع. فالحاصل أن أحد الذكرين إن وافق الآخر في أصل المعنى كان كالقراءتين اللتين معناهما واحد ، وإن كان المعنى متنوعا ، كان كالقراءتين المتنوعتى المعنى ، وعلى التقديرين فالجمع بينها في وقت واحد لا يشرع . وأما الجمع فى صلوات الخوف ، أو التشهدات ، أو الإقامة أو نحو ذلك بين نوعين ، فمنهى عنه باتفاق المسلمين ، وإذا كانت هذه العبادات القولية أو الفعلية لا بد من فعلها على بعض الوجوه ، كما لا بد من قراءة القرآن على بعض القراءات ، لم يجب أن يكون كل من فعل ذلك على بعض الوجوه إنما يفعله على الوجه الأفضل عنده ، أو قد لا يكون ٢٤٥ فيها أفضل ، وإنما ذلك بمنزلة الطرق إلى مكة ، فكل أهل ناحية يحجون من طريقهم ، وليس اختيارهم لطريقهم ؛ لأنها أفضل ، بحيث يكون حجهم أفضل من حج غيرم ، بل لأنه لابد من طريق يسلكونها ، فسلكوا هذه إما ليسرها عليهم ، وإما لغير ذلك ، وإن كان الجميع سواء . فينبغي أن يفرق بين اختيار بعض الوجوه المشروعة لفضله فى نفسه عند مختاره ، وبين كون اختيار واحد منها ضروريا . والمرجح له عندهسهولته عليه ، أو غير ذلك . والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي ويدعو ويذكر على وجه مشروع ، وأخذ ذلك الوجه عنه أصحابه ، وأهل بقعته ، وقد تكون تلك الوجوه سواء ، وقد يكون بعضها أفضل ، فجاء فى الخلف من يريد أن يجعل اختياره لما اختاره لفضله ، فجاء الآخر فعارضه في ذلك ،ونشأ من ذلك أهواء مردية مضلة ، فقد يكون النوعان سواء عند الله ورسوله فترى كل طائفة طريقها أفضل ، وتحب من يوافقها على ذلك ،وتعرض عمن يفعل ذلك الآخر ، فيفضلون فيما سوى الله بينه، وبسوون فيما فضل الله بينه ، وهذا باب من أبواب التفرق والاختلاف الذي دخل على الأمة ، وقد نهى عنه الكتاب والسنة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عين هذا الاختلاف ، فى الحديث الصحيح ، كما قررت مثل ذلك فى ((الصراط المستقيم))، حيث قال: ((اقرأوا كما علمتم)). ٢٤٦ فالواجب أن هذه الأنواع لا يفضل بعضها على بعض إلا بدليل شرعي، لا يجعل نفس تعيين واحد منها لضرورة أداء العبادة موجباً لرجحانه ؛ فإن اللّه إذا أوجب على عتق رقبة، أو صلاة جماعة، كان من ضرورة ذلك ، أن أعتق رقبة وأصلى جماعة، ولا يجب أن تكون أفضل من غيرها ، بل قد لا تكون أفضل بحال ، فلا بد من نظر فى الفضل ، ثم إذا فرض أن الدليل الشرعي يوجب الرجحان ، لم يعب على من فعل الجائز ، ولا ينفر عنه لأجل ذلك ، ولا يزاد الفضل على مقدار ما فضلته الشريعة ، فقد يكون الرجحان بسيرا . لكن هنا مسألة تابعة ، وهو أنه مع التساوي أو الفضل ، أما أفضل للإنسان المداومة على نوع واحد من ذلك ، أو أن يفعل هذا تارة ، وهذا تارة ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل . فمن الناس من يداوم على نوع من ذلك مختاراً له ، أو معتقداً أنه أفضل ، ويرى أن مداومته على ذلك النوع أفضل . وأما أكثرم فمداومته عادة ، ومراعاة لعادة أصحابه وأهل طريقته ، لا لاعتقاد الفضل. والصواب أن يقال : التنوع في ذلك متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإن في هذا اتباعا للسنة والجماعة ، وإحياء لسنته ، وجمعاً بين قلوب الأمة ، وأخذاً بما فى كل واحد من الخاصة ، أفضل من المداومة على نوع معين ، لم يداوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم لوجوه : ٢٤٧ أحدها : أن هذا هو اتباع السنة والشريعة ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم إذا كان قد فعل هذا تارة ، وهذا تارة ، ولم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسي والاتباع المشروع ، وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنه فعله . الثانى: أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها ، وزوال كثرة التفرق والاختلاف والأهواء بينها ، وهذه مصلحة عظيمة ، ودفع مفسدة عظيمة ، ندب الكتاب والسنة إلى جلب هذه، ودره هذه، قال الله تعالى: ( وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ) وقال تعالى : وقال تعالى : (وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيْنَتُ ) ( إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ ) . الثالث : أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبه بالواجب ، فإن المداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب ، ولهذا أكثر هؤلاء المداومين على بعض الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه ، وقلب غيره أكثر مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات ؛ لأجل العادة التى جعلت الجائز كالواجب . الرابع : أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع ، فإن كل نوع لا بد له من خاصة ، وإن كان مرجوحا ، فكيف إذا كان ٢٤٨ مساوياً ، وقد قدمنا أن المرجوح يكون راجحاً في مواضع . الخامس: أن في ذلك وضعاً لكثير من الآصار والأغلال التى وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من الله ، ولا أثارة من على ، فإن مداومة الإنسان على أمر جاز مرجعاً له على غيره ترجيحاً يحب من يوافقه عليه ، ولا يحب من لم يوافقه عليه ، بل ربما أبغضه ، بحيث ينكر عليه تركه له ، ويكون ذلك سبباً لترك حقوق له وعليه ، يوجب أن ذلك يصير إصراً عليه ، لا يمكنه تركه ، وغلا في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ما أمر به ، وقد يوقعه في بعض ما نهى عنه . وهذا القدر الذي قد ذكرته واقع كثيراً ، فإن مبدأ المداومة على ذلك يورث اعتقاداً ومحبة غير مشروعين ، ثم يخرج إلى المدح والذم ، والأمر والنهي ، بغير حق ، ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير المشروعين ، من جنس أخلاق الجاهلية كأخلاق الأوس والخزرج فى الجاهلية ، وأخلاق (١) . ثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع ، فيبذل ماله على ذلك عطية ودفعاً ، وغير ذلك من غير استحقاق شرعى ، ويمنع من أمر الشارع (١ خرم بالأصل. ٢٤٩ بإعطائه إيجابا أو استحبابا، ثم يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال ، كما وقع فى بعض أرض المشرق ، ومبدأ ذلك تفضيل مالم تفضله الشريعة. والمداومة عليه وإن لم يعتقد فضله سبب لاتخاذه فاضلا اعتقاداً وإرادة فتكون المداومة على ذلك إما منهيا عنها ، وإما مفضولة ، والتنوع في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل . السادس: أن في المداومة على نوع دون غيره هجرانا لبعض المشروع وذلك سبب لنسيانه والإعراض عنه ، حتى يعتقد أنه ليس من الدين ، بحيث يصير في نفوس كثير من العامة أنه ليس من الدين ، وفى نفوس خاصة هذه العامة عملهم مخالف علمهم ، فإن لعلمهم يعلمون أنه من الدين ثم يتركون بيان ذلك إما خشية من الخلق ، وإما اشتراء بآيات الله ثمناً قليلا من الرئاسة والمال ، كما كان عليه أهل الكتاب ، كما قد رأينا من تعود ألا بسمع إقامة إلا موترة ، أو مشفوعة ، فإذا سمع الإقامة الأخرى نفر عنها وأنكرها ، ويصير كأنه سمع أذاناً ليس أذان المسلمين وكذلك من اعتاد القنوت قبل الركوع أو بعده . ومهجران بعض المشروع سبب لوقوع العداوة والبغضاء بين الأمة . قال الله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّا نَصَرَىَ أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ فَنَسُوأ حَظًا مِمَّاذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ٢٥٠ فأخبر سبحانه أن نسيانهم حظا مما ذكروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، فإذا اتبع الرجل جميع المشروع المسنون ، واستعمل الأنواع المشروعة ، هذا نارة ، وهذا تارة ، كانت السنة قد حفظت علما وعملا ، وزالت المفسدة المخوفة من ترك ذلك . ونكتة هذا الوجه أنه وإن جاز الاقتصار على فعل نوع ، لكن حفظ النوع الآخر من الدين ليعلم أنه جاز مشروع ، وفى العمل به نارة حفظ للشريعة، وترك ذلك قد يكون سبباً لإضاعته ونسيانه . السابع: أن الله يأمر بالعدل والإحسان ، والعدل التسوية بين المتماثلين ، وخرم الظلم على نفسه ، وجعله محرما بين عباده ، ومن أعظم العدل العدل في الأمور الدينية ، فإن العدل فى أمر الدنيا من الدماء والأموال كالقصاص والمواريث ، وإن كان واجباً، وتركه ظلم فالعدل فى أمر الدين أعظم منه، وهو العدل بين شرائح الدين ، وبين أهله. فإذا كان الشارع قد سوى بين عملين أو عاملين : كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم ، وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك ، والتفضيل أو التسوية بالظن وهوى النفوس من جنس دين الكفار ، فإن جميع أهل الملل والنحل يفضل أحدم دينه إما ظنا ، وإما هوى ، إما اعتقاداً ، وإما اقتصاداً ، وهو سبب التمسك به وذم غيره . ٢٥١ فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شرع تلك الأنواع. إما بقوله ، وإما بعمله ، وكثير منها لم يفضل بعضها على بعض : كانت التسوية بينها من العدل والتفضيل من الظلم ، وكثير مما تتنازع الطوائف من الأمة فى تفاضل أنواعه : لا يكون بينها تفاضل ، بل هي متساوية وقد يكون ما يختص به أحدهما مقاوماً لما يختص به الآخر ، ثم نجد أحدم يسأل : أيما أفضل هذا أو هذا ؟ وهي مسألة فاسدة ، فإن السؤال عن التعيين فرع ثبوت الأصل ، فمن قال إن بينهما تفاضلا ، حتى نطلب عين الفاضل ؟ ! . والواجب أن يقال: هذان متماثلان ، أو متفاضلان ، وإن كانا متفاضلين : فهل التفاضل مطلقاً ، أو فيه تفصيل بحيث يكون هذا أفضل فى وقت ، وهذا أفضل فى وقت ؟ ثم إذا كانت المسألة كما ترى فغالب الأجوبة صادرة عن هوى وظنون كاذبة خاطئة ، ومن أكبر أسباب ذلك المداومة على ما لم تشرع المداومة عليه، والله أعلم . ٢٥٢ وسئل رحم الله تعالى : هل التهنئة فى العيد وما يجري على ألسنة الناس: ((عيدك مبارك )) وما أشبهه ، هل له أصل فى الشريعة ؟ أم لا ؟ وإذا كان له أصل في الشريعة ، فما الذي يقال ؟ أفتونا مأجورين . فأجاب : أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد : تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك ، ونحو ذلك، فهذا قد روى عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة ، كأحمد وغيره . لكن قال أحمد : أنا لا أبتدئ أحداً ، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب ، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأموراً بها ، ولا هو أيضاً مما نهى عنه ، فمن فعله فله قدوة ، ومن تركه فله قدوة . والله أعلى . ٢٥٣ باب صلاة الكسوف سئل شيخ الإسلام عن قول أهل التقاويم : فى أن الرابع عشر من هذا الشهر يخسف القمر ، وفى التاسع والعشرين تكسف الشمس ، فهل يصدقون فى ذلك ؟ وإذا خسفا هل يصلى لها ؟ أم يسبح ؟ وإذا صلى كيف صفة الصلاة ؟ ويذكر لنا أقوال العلماء فى ذلك . فأجاب: الحمد لله. الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة ، كما لطلوع الهلال وقت مقدر ، وذلك ما أجرى الله عادته بالليل والنهار . والشتاء والصيف ، وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر . وذلك من آيات الله تعالى. كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمِّنَّكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ) وقال تعالى : (هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْعَدَدَ اْ لسّنِينَ وَاُلْحِسَابَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ ذَلِكَ إِلََّ بِالْحَقِّ) وقال تعالى : ٢٥٤ ( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانِ) وقال تعالى: (فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اَلَّيْلَ وقال تعالی : سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِالْعَلِيمِ ) وقال تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ ) ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ اَلْقَيِّمُ ). وقال تعالى: (وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّتْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَاهُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيْرُالْعَزِيزِالْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ خَّ عَادَ كَالْعُونِ الْقَدِيمِ * لَ الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَ الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ). وكما أن العادة التى أجراها الله تعالى أن الهلال لا يستهل إلا ليلة ثلاثين من الشهر ، أو ليلة إحدى وثلاثين ، وأن الشهر لا يكون إلا ثلاثين ، أو تسعة وعشرين . فمن ظن أن الشهر يكون أكثر من ذلك ، أو أقل ، فهو غالط . فكذلك أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار ، وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار ، ووقت إبداره هي الليالي البيض التى يستحب صيام أيامها : ليلة الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. فالقمر لا يخسف إلا فى هذه الليالي . ٢٥٥ والهلال يستسر آخر الشهر: إما ليلة، وإما ليلتين. كما يستسر ليلة تسع وعشرين ، وثلاثين ، والشمس لا تكسف إلا وقت استسراره وللشمس والقمر ليالي معتادة ، من عرفها عرف الكسوف والخسوف. كما أن من علم كم مضى من الشهر يعلم أن الهلال يطلع فى الليلة الفلانية أو التى قبلها . لكن العلم بالعادة في الهلال علم عام ، يشترك فيه جميع الناس ، وأما العلم بالعادة فى الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جرياتهما ، وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب ، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التى يكون كذبه فيها أعظم من صدقه ، فإن ذلك قول بلا علم ثابت ، وبناء على غير أصل محيح . وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد )). وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم يقبل اللّه صلاته أربعين يوماً)). والكهان أعلم بما يقولونه من المنجمين فى الأحكام ، ومع هذا صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه نهى عن إتيانهم ، ومسألتهم ، فكيف بالمنجم ! ؟ وقد بسطنا هذا فى غير هذا الموضع ، عن هذا الجواب . ٢٥٦ وأما ما يعلم بالحساب فهو مثل العلم بأوقات الفصول ، كأول الربيع ، والصيف ، والخريف ، والشتاء ، لمحاذاة الشمس أوائل البروج ، التى يقولون فيها إن الشمس نزلت فى برج كذا : أي حاذته . ومن قال من الفقهاء إن الشمس تكسف فى غير وقت الاستسرار فقد غلط ، وقال ما ليس له به علم . وما يروى عن الواقدي من ذكره : أن إبراهيم بن النبى صلى الله عليه وسلم مات يوم العاشر من الشهر ، وهو اليوم الذى صلى فيه النبى صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف : غلط . والواقدي لا يحتج بمسانيده ، فكيف بما أرسله من غير أن يسنده إلى أحد ، وهذا فيما لم يعلم أنه خطأ ، فأما هذا فيعلم أنه خطأ . ومن جوز هذا فقد قفا ما ليس له به علم ، ومن حاج فى ذلك فقد حاج فى ما ليس له به علم . وأما ما ذكره طائفة من الفقهاء من اجتماع صلاة العيد والكسوف فهذا ذكروه فى ضمن كلامهم فيما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات ، فقد رأوا اجتماعها مع الوتر ، والظهر ، وذكروا صلاة العيد ، مع عدم استحضارم هل يمكن ذلك فى العادة أو لا يمكن ، فلا يوجد فى تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك فى الخارج ، لكن استفيد من ذلك العلم علم ذلك على تقدير وجوده ، كما يقدرون مسائل يعلم أنها لا تقع لتحرير القواعد ، وتمرين الأذهان على ضبطها . ٢٥٧ وأما تصديق المخبر بذلك وتكذيبه فلا يجوز أن يصدق إلا أن يعلم صدقه، ولا يكذب إلا أن يعلم كذبه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوم ، ولا تكذبوم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوم، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوم)). والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكناً ، لكن هذا المخبر المعين قد يكون عالماً بذلك ، وقد لا يكون ، وقد يكون ثقة فى خبره ، وقد لا يكون . وخبر المجهول الذي لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبه موقوف . ولو أخبر مخبر بوقت الصلاة وهو مجهول لم يقبل خبره ، ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون ، ومع هذا فلا يترتب على خبرم علم شرعى ، فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك ، وإذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك ، أو غلب على ظنه فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك ، واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك ، كان هذا حثا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته ، فإن الصلاة عند الكسوف متفق عليها بين المسلمين ، وقد تواترت بها السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ورواها أهل الصحيح ، والسنن ، والمسانيد من وجوه كثيرة . واستفاض عنه أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم . ٢٥٨ وكأن بعض الناس ظن أن كسوفها كان لأن إبراهيم مات ، خطبهم النبى صلى الله عليه وسلم، وقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت أحد ، ولا لحياته ، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة)). وفى رواية فى الصحيح ((ولكنها آيتان من آيات الله يخوف بها عباده )). وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أنها سبب لنزول عذاب بالناس ، فإن الله إنما يخوف عباده بما يخافونه إذا عصوه ، وعصوا رسله ، وإنما يخاف الناس مما يضرم ، فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفاً ، قال تعالى : ( وَءَانَيْنَ ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوْ بِهِأَوَمَا نُرْسِلُ بِلْآَيَتِ إِلََّ تَخْرِيفًا )، وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بما يزيل الخوف . أمر بالصلاة والدعاء ، والاستغفار ، والصدقة، والعتق، حتى يكشف ما بالناس ، وصلى بالمسلمين فى الكسوف صلاة طويلة . وقد روى في صفة صلاة الكسوف أنواع ؛ لكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواه البخاري ومسلم من غير وجه ، وهو الذي استحبه أكثر أهل العلم : كمالك . والشافعي ، وأحمد : أنه صلى بهم ركعتين ، في كل ركعة ركوعان . يقرأ قراءة طويلة، ثم يركع ركوعاً طويلا، دون القراءة ، ثم يقوم فيقرأ قراءة طويلة دون القراءة الأولى ، ثم يركع ركوعاً دون الركوع ٢٥٩ الأول ، ثم يسجد سجدتين طويلتين . وثبت عنه في الصحيح : أنه جهر بالقراءة فيها . والمقصود أن تكون الصلاة وقت الكسوف إلى أن يتجلى ، فإن فرغ من الصلاة قبل التجلي ذكر الله ودعاء ، إلى أن يتجلى . والكسوف يطول زمانه تارة ، ويقصر أخرى ، بحسب ما يكسف منها ، فقد تكسف كلها ، وقد يكسف نصفها، أو ثلثها . فإذا عظم الكسوف طول الصلاة، حتى يقرأ بالبقرة ونحوها ، فى أول ركعة، وبعد الركوع الثانى يقرأ بدون ذلك . وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه كله مثل ما فى الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري قال : « انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الناس : انكسفت الشمس لموت إبراهيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ، وإلى الصلاة)). وفى الصحيح عن أبى موسى أنه صلى اللّه عليه وسلم قال: ((هذه الآيات التى يرسلها الله لا تكون لموت أحد، ولا لحياته، ولكن الله يخوف بها عباده ، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك ، فافزعوا إلى ذكره، ٢٦٠