Indexed OCR Text

Pages 81-100

فى الصحيح أنه ذكر الجمع فى السفر. وأن النبى صلى الله عليه وسلم
جمع بين الظهر والعصر فى السفر إذا كان على ظهر سيره . وقد تقدم
ذلك مفصلا. فعلم أن لفظ الجمع فى عرفة وعادته إنما هو الجمع فى
وقت إحداهما، وأما الجمع فى الوقتين فلم يعرف أنه تكلم به، فكيف
يعدل عن عادته التى يتكلم بها إلى ما ليس كذلك ؟
وأيضا فابن شقيق يقول: حاك فى صدري من ذلك شيء ، فأتيت أبا
هريرة فسألته فصدق مقالته . أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز
تأخيرها إلى آخر الوقت ؟ وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول
الوقت ؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علما حتى يحيك فى صدره
منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبى هريرة أو غيره حتى يسأله
عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه . وإنما وقعت
شبهة لبعضهم فى المغرب خاصة ، وهؤلاء يجوزون تأخيرها إلى آخر
وقتها : فالحديث حجة عليهم كيفما كان ، وجواز تأخيرها ليس معلقاً
بالجمع ، بل يجوز تأخيرها مطلقاً إلى آخر الوقت حين يؤخر العشاء
أيضاً ، وهكذا فعل النبى صلى الله عليه وسلم حين بين أحاديث
المواقيت ، وهكذا فى الحديث الصحيح ((وقت المغرب ما لم يغب نور
الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، كما قال: ((وقت الظهر ما لم
يصر ظل كل شىء مثله، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس)) فهذا
٨١

الوقت المختص الذي بينه بقوله وفعله وقال: ((الوقت ما بين هذين))
ليس له اختصاص بالجمع ولا تعلق به .
ولو قال قائل : قوله جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر،
المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين . لم
يكن بينه وبينهم فرق . فلماذا يكون الإنسان من المطففين لا يحتج لغيره
كما يحتج لنفسه ؟ ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره ؟
وأيضا فقد ثبت هذا من غير حديث ابن عباس، ورواه الطحاوي
حدثنا ابن خزيمة وإبراهيم بن أبى داود ، وعمران بن موسى ، قال :
أما الربيع بن يحيى الأشنانى، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن
المنكدر ، عن جابر بن عبد الله، قال: ((جمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للرخصة من غير خوف
ولا علة )» لكن ينظر حال هذا الأشنانى .
وجمع المطر عن الصحابة ، فما ذكره مالك عن نافع أن عبد الله
ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر جمع معهم
في ليلة المطر ، قال البيهقي : ورواه العمري ، عن نافع فقال : قبل
الشفق ، وروى الشافعي في القديم : أنبأنا بعض أصحابنا عن أسامة بن
زيد، عن معاذ بن عبد الله بن حبيب أن ابن عباس جمع بينها فى
٨٢

المطر قبل الشفق ، وذكر ما رواه أبو الشيخ الأصبهافى بالإسناد الثابت
عن هشام بن عروة ، وسعيد بن المسيب ، وأبى بكر بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام : كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء فى الليلة المطيرة
إذا جمعوا بين الصلاتين ، ولا ينكر ذلك . وبإسناده عن موسى بن عقبة
أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان
المطر ، وأن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن
ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك .
فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول
به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين ، مع أنه لم ينقل أن أحدا من
الصحابة والتابعين أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندم بالتواتر جواز ذلك ،
لكن لا يدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يجمع إلا للمطر ؛
بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضاً للمطر كان قد جمع
من غير خوف ولا مطر . كما أنه إذا جمع في السفر ، وجمع فى المدينة
كان قد جمع فى المدينة من غير خوف ولا سفر . فقول ابن عباس
جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفيا منه للجمع بتلك الأسباب ، بل
إثبات منه ، لأنه جمع بدونها وإن كان قد جمع بها أيضاً .
ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها
بطريق الأولى ، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر ، وقد جمع بعرفة
٨٣

ومزدلفة من غير خوف ولا مطر .
فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع فى الوقت الواحد لرفع الحرج
عن أمته ، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة،
وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق
الأولى والأحرى ، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة فى الوقتين إلا
بحرج كالمستحاضة ، وأمثال ذلك من الصور .
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : الجمع بين الصلاتين من
غير عذر من الكبار ، وروى الثوري في جامعه عن سعيد، عن قتادة،
عن أبى العالية، عن عمر . ورواه يحيى بن سعد ، عن يحيى بن صبح:
حدثنى حميد بن هلال ، عن أبى قتادة : يعنى العدوي : أن عمر بن
الخطاب كتب إلى عامل له : ثلاث من الكبائر: الجمع بين صلاتين إلا
من عذر، والفرار من الزحف، والنهب. قال البيهقى : أبو قتادة أدرك
عمر، فإن كان شهده كتب فهو موصول ، وإلا فهو إذا انضم إلى الأول
صار قويا . وهذا اللفظ يدل على إباحة الجمع للعذر ولم يخص عمر
عذرا من عذر . قال البيهقي : وقد روي فيه حديث موصول عن
النبى صلى الله عليه وسلم في إسناده من لا يحتج به ، وهو من
رواية سلمان التيمي ، عن حنش الصنعاني ، عن عكرمة عن ابن عباس اهـ
٨٤

فصل
فى تمام الكلام في القصر ، وسبب إتمام عثمان الصلاة بمنى . وقد
تقدم فيها بعض أقوال الناس ، والقولان الأولان مرويان عن الزهري
وقد ذكرهما أحمد، روى عبد الرزاق : أنا معمر ، عن الزهري ،
قال : إنما صلى عثمان بمنى أربعاً لأنه قد عزم على المقام بعد الحج،
ورجح الطحاوي هذا الوجه ، مع أنه ذكر الوجهين الآخرين ، فذكر
ما رواه حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن الزهري ، قال : إنما صلى
عثمان بمنى أربعاً لأن الأعراب كانوا كثروا فى ذلك العام فأحب أن يخبرهم
أن الصلاة أربع. قال الطحاوي: فهذا يخبر أنه فعل ما فعل
ليعلم الأعراب به أن الصلاة أربع. فقد يحتمل أن يكون لما أراد أن يريهم ذلك
نوى الإقامة فصار مقيا فرضه أربع فصلى بهم أربعاً . للسبب الذي حكام
معمر عن الزهري . ويحتمل أن يكون فعل ذلك وهو مسافر لتلك
العلة ، قال : والتأويل الأول أشبه عندنا ؛ لأن الأعراب كانوا بالصلاة
وأحكامها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجهل منهم بها
ويحكمها فى زمن عثمان ، وم بأمر الجاهلية حينئذ أحدث عهداً إذ كانوا
فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العلم بفرض الصلوات أحوج
منهم إلى ذلك فى زمن عثمان ، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
٨٥

لم يتم الصلاة لتلك العلمة ، ولكنه قصرها ليصلوا معه صلاة السفر على
حكمها ، ويعلمهم صلاة الإقامة على حكمها : كان عثمان أحرى ألا يتم
بهم الصلاة لتلك العلة .
قال الطحاوي : وقد قال آخرون: إنما أتم الصلاة لأنه كان يذهب
إلى أنه لا يقصرها إلا من حل وار تحل . واحتجوا بما رواه عن حماد
ابن سلمة ، عن قتادة ، قال : قال عثمان بن عفان : إنما يقصر الصلاة
من حمل الزاد والمزاد وحل وارتحل ، وروى بإسناده المعروف عن
سعيد بن أبي عروبة . وقد رواه غيره بإسناد صحيح عن عثمان بن سعد
عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : عن عباس بن عبد الله بن أبى
ربيعة أن عثمان بن عفان كتب إلى عماله : ألا لا يصلين الركعتين جاب
ولا تان ، ولا تاجر ، إنما يصلي الركعتين من كان معه الزاد والمزاد .
وروي أيضاً من طريق حماد بن سلمة : أن أيوب السختياني أخبرم
عن أبى قلابة الجرفى ، عن عمه أبى المهلب ، قال : كتب عثمان : أنه
قال بلغني أن قوماً يخرجون إما لتجارة وإما لجياية وإما لجريم ثم
يقصرون الصلاة ، وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصاً ، أو بحضرة
عدو . قال ابن حزم : وهذان الإسنادان فى غاية الصحة .
قال الطحاوي : قالوا : وكان مذهب عثمان أن لا يقصر الصلاة
إلا من يحتاج إلى حمل الزاد والمزاد ومن كان شاخصاً ، فأما من كان
٨٦

فى مصر يستغني به عن حمل الزاد والمزاد فإنه يتم الصلاة . قالوا : ولهذا
أتم عثمان بمنى لأن أهلها فى ذلك الوقت كثروا حتى صارت مصراً
يستغني من حل به عن حمل الزاد والمزاد . قال الطحاوي : وهذا
المذهب عندنا فاسد ؛ لأن منى لم قصر فى زمن عثمان أعمر من مكة
فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يصلي بها ركعتين ، ثم صلى بها أبو بكر بعده كذلك ، ثم
صلى بها عمر بعد أبي بكر كذلك ، فإذا كانت مع عدم احتياج من حل
بها إلى حمل الزاد والمزاد تقصر فيها الصلاة : فما دونها من المواطن
أحرى أن يكون كذلك . قال فقد انتفت هذه المذاهب كلها لفسادها
عن عثمان أن يكون من أجل شيء منها قصر الصلاة ، غير المذهب
الأول ، الذي حكاه معمر عن الزهري ، فإنه يحتمل أن يكون من أجلها
أتمها ، وفي الحديث أن إتمامه كان لنيته الإقامة على ما روينا فيه ، وعلى
ما كشفنا من معناه.
قلت : الطحاوي مقصوده أن يجعل ما فعله عثمان موافقاً لأصله ،
وهذا غير ممكن ؛ فإن عثمان من المهاجرين ، والمهاجرون كان يحرم
عليهم المقام بمكة ، ولم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لهم إذا قدموا
مكة للعمرة أن يقيموا بها أكثر من ثلاث بعد قضاء العمرة ، كما
فى الصحيحين عن العلاء بن الحضرمي: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم
٨٧

رخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثاً )) ولهذا لما توفي ابن عمر
بها أمر أن يدفن بالحل ولا يدفن بها . وفى الصحيحين أن النبى صلى
الله عليه وسلم لما عاد سعد بن أبى وقاص ، وقد كان مرض فى حجة
الوداع ، خاف سعد أن يموت بمكة ، فقال يا رسول الله: أخلف عن
هجرتي ؟ فبشره النبى صلى الله عليه وسلم بأنه لا يموت بها . وقال:
(( إنك لن تموت حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ، لكن البائس
سعد بن خولة يرتى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة)).
ومن المعروف عن عثمان أنه كان إذا اعتمر ينيخ راحلته ، فيعتمر
ثم يركب عليها راجعاً، فكيف يقال : إنه نوى المقام بمكة ؟ ثم هذا
من الكذب الظاهر ، فإن عثمان ما أقام بمكة قط ، بل كان إذا حج
يرجع إلى المدينة .
وقد حمل الشافعي وأصحابه وطائفة من متأخري أصحاب أحمد ،
كالقاضي وأبى الخطاب وابن عقيل وغيرهم فعل عثمان على قولهم ،
فقالوا : لما كان المسافر مخيراً بين الإتمام والقصر ، كان كل منها جائزاً
وفعل عثمان هذا ، لأن القصر جائز والإنتمام جائز ، وكذلك حملوا فعل
عائشة . واستدلوا بما رووه من جهتها ، وذكر البيهقي قول من قال :
أتمها لأجل الأعراب ، ورواه من سنن أبى داود، تنا موسى بن إسماعيل
ثنا حماد ، عن أيوب ، عن الزهري : أن عثمان بن عفان أتم الصلاة
٨٨

بمنى من أجل الأعراب ، لأنهم كثروا عامين فصلى بالناس أربعاً ، ليعلمهم
أن الصلاة أربع .
وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن إسحاق القاضي : ثنا يعقوب
عن حميد ، ثنا سليمان بن سالم مولى عبد الرحمن بن حميد ، عن عبد
الرحمن بن حميد ، عن أبيه ، عن عثمان بن عفان : أنه أتم الصلاة
بمنى ، ثم خطب الناس فقال : أيها الناس إن السنة سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وسنة صاحبيه ، ولكنه حدث العام من الناس
فحفت أن تعيبوا ، قال البيهقي: وقد قيل غير هذا، والأشبه أن
يكون رآء رخصة فرأى الإتمام جائزاً ، كما رأنه عائشة .
قلت : وهذا بعيد ، فإن عدول عثمان عما داوم عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وخليفتاء بعده ، مع أنه أهون عليه وعلى
المسلمين ، ومع ما علم من حلم عثمان واختياره له ولرعيته أسهل
الأمور ، وبعده عن التشديد والتغليظ : لا يناسب أن يفعل الأمر
الأتقل الأشد مع ترك ما داوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وخليفتاه بعده ، ومع رغبة عثمان فى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم
وخليفتيه بعده لمجرد كون هذا المفضول جائزاً ، إن لم ير أن في فعل
ذلك مصلحة راجحة بعثته على أن يفعله ، وهب أن له أن يصلي أربعاً
فكيف يلزم بذلك من يصلي خلفه ، فإنهم إذا انتموا به صلوا بصلاته
٨٩

فيلزم المسلمين بالفعل الأتقل مع خلاف السنة لمجرد كون ذلك جائزاً ،
وكذلك عائشة ، وقد وافق عثمان على ذلك غيره من السلف أمراؤم
وغير أمرائهم، وكانوا يتمون وأئمة الصحابة لا يختارون ذلك ، كما
روى مالك عن الزهري : أن رجلا أخبره عن عبد الرحمن ابن
المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن عبد يغوث كانا جميعاً فى سفر ،
وكان سعد بن أبى وقاص يقصر الصلاة ويفطر وكانا يتمان الصلاة
ويصومان ، فقيل لسعد : نراك تقصر من الصلاة وتفطر ويتمان ، فقال
سعد : نحن أعلم . وروى شعبة عن حبيب بن أبى ثابت ، عن عبد
الرحمن بن المسور ، قال كنا مع سعد بن أبي وقاص فى قرية من قرى
الشام فكان يصلي ركعتين فنصلي نحن أربعاً ، فنسأله عن ذلك ، فيقول
سعد: نحن أعلم . وروى مالك عن ابن شهاب ، عن صفوان بن عبد
اللّه بن صفوان، قال: جاء عبد الله بن عمر يعود عبد الله بن صفوان
فعلى بنا ركعتين ، ثم انصرف فأتممنا لأنفسنا .
قلت : عبد الله بن صفوان كان مقيماً مكة فلهذا أتموا خلف ابن
عمر . وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى
أربعاً ، وإذا صلى لنفسه صلى ركعتين . قال البيهقي: والأشبه أن يكون
عثمان رأى القصر رخصة ، فرأى الإتمام جائزاً، كما رأته عائشة . قال:
وقد روي ذلك عن غير واحد من الصحابة مع اختيارهم القصر ، ثم
٩٠

روى الحديث المعروف من رواية عبد الرزاق ، عن إسرائيل، عن أبى
إسحاق السبيعي ، عن أبى ليلى ، قال أقبل سلمان فى اثنى عشر راكباً
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فحضرت الصلاة فقالوا: تقدم يا أبا
عبد الله ! فقال: إنا لا تؤمكم ، ولا تنكح نساءكم؛ إن الله حدانا
بكم ، قال : فتقدم رجل من القوم فصلى بهم أربعاً ، قال : فقال سلمان
مالنا ولا لمربعة ، إنما كان يكفينا نصف المربعة ، ونحن إلى الرخصة
أحوج . قال : فبين سلمان بمشهد هؤلاء الصحابة أن القصر رخصة .
قلت : هذه القضية كانت فى خلافة (١) وسلمان قد أنكر
التربيع ، وذلك أنه كان خلاف السنة المعروفة عندم ، فإنه لم تكن
الأئمة يربعون فى السفر ، وقوله : ونحن إلى الرخصة أحوج . يبين
أنها رخصة ، وهي رخصة مأمور بها ، كما أن أكل الميتة فى المخمصة
رخصة وهي مأمور بها ، وفطر المريض رخصة وهو مأمور به ،
والصلاة بالتيمم رخصة مأمور بها ، والطواف بالصفا والمروة قد قال الله
فيه: (فَمَنْ حَجَّالْبَيْتَ أَوِأَعْتَمَرَ فَلَ هُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَظََّّفَ بِهِمَا) وهو
مأمور به إما ركن وإما واجب وإما سنة ، والذي صلى بسلمان أربعاً
يحتمل أنه كان لا يرى القصر لمثله ؛ إما لأن سفره كان قصراً عنده،
(١) بياض بالأصل.
٩١

وإما لأن سفره لم يكن عنده مما تقصر فيه الصلاة ؛ فإن من الصحابة
من لا يرى القصر إلا فى حج أو عمرة أو غزو ، وكان لكثير من
السلف والخلف نزاع فى جنس سفر القصر ، وفى قدره . فهذه القضية
المعينة لم يتبين فيها حال الإمام ، ومتابعة سلمان له تدل على أن الإمام
إذا فعل شيئاً متأولا اتبع عليه ، كما إذا قنت متأولا ، أو كبر خمساً
أو سبعاً متأولا . والنبي صلى الله عليه وسلم صلى خمساً، واتبعه أصحابه.
ظانين أن الصلاة زيد فيها ، فلما سلم ذكروا ذلك له، فقال: ((إنما
أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى» .
وقد تنازع العلماء فى الإمام إذا قام إلى خامسة هل يتابعه المأموم،
أو يفارقه ويسلم ، أو يفارقه وينتظره ، أو يخير بين هذا وهذا ؟ على
أقوال معروفة ، وهي روايات عن أحمد .
أو رأى أن التربيع مكروه وتابع الإمام عليه ؛ فإن المتابعة واجبة
ويجوز فعل المكروه لمصلحة راجحة ، ولا ريب أن تربيع المسافر
ليس كصلاة الفجر أربعاً ؛ فإن المسافر لو اقتدى بمقيم لعلى خلفه أربعاً
لأجل متابعة إمامه ؛ فهذه الصلاة تفعل فى حال ركعتين ، وفي حال
أربعاً ، بخلاف الفجر ، فجاز أن تكون متابعة الإمام المسافر كمتابعة
المسافر للمقيم ، لأن كليهما اتبع إمامه .
٩٢

وهذا القول وهو القول بكراهة التربيع أعدل الأقوال ، وهو
الذي نص عليه أحمد في رواية الأثرم ، وقد سأله هل للمسافر أن
يصلي أربعاً ؟ فقال لا يعجبني ، ولكن السفر ركعتان . وقد نقل عنه
المروذي أنه قال: إن شاء صلى أربعاً ، وإن شاء صلى ركعتين . ولا
يختلف قول أحمد أن الأفضل هو القصر ؛ بل نقل عنه إذا صلى أربعاً
أنه توقف فى الإجزاء . ومذهب مالك كراهية التربيع ، وأنه يعيد
فى الوقت ، ولهذا يذكر فى مذهبه هل تصح الصلاة أربعاً ؟ على
قولين ، ومذهب الشافعي جواز الأمرين ، وأيهما أفضل ؟ فيه قولان
أمحهما أن القصر أفضل ، كإحدى الروايتين عن أحمد ، وهو اختيار
كثير من أصحابه ، وتوقف أحمد عن القول بالإجزاء يقتضي أنه يخرج
على قوله فى مذهبه ، وذلك أن غايته أنه زاد زيادة مكروهة ، وهذا
لا يبطل الصلاة ، فإنه أتى بالواجب وزيادة ، والزيادة إذا كانت سهواً
لا تبطل الصلاة باتفاق المسلمين ، وكذلك الزيادة خطأ إذا اعتقد جوازها
وهذه الزيادة لا يفعلها من يعتقد تحريمها، وإنما يفعلها من يعتقدها
جائزة . ولا نص بتحريمها ؛ بل الأدلة دالة على كون ذلك مخالفاً للسنة ؛
لا أنه محرم ، كالصلاة بدون رفع اليدين ومع الالتفات ونحو ذلك من
المكروهات . وسنتكلم إن شاء الله على تمام ذلك .
وأما إتمام عثمان فالذي ينبغي أن يحمل حاله على ما كان يقول
٩٣

لا على ما لم يثبت عنه . فقوله: إنه بلغني أن قوماً يخرجون إما
لتجارة وإما لجباية وإما لجريم : يقصرون الصلاة ، وإنما يقصر الصلاة
من كان شاخصاً ، أو بحضرة عدو . وقوله : بين فيه مذهبه ، وهو :
أنه لا يقصر الصلاة من كان نازلا فى قرية أو مصر إلا إذا كان خائفاً
بحضرة عدو ، وإنما يقصر من كان شاخصاً أي مسافراً ، وهو الحامل
للزاد والمزاد أي : للطعام والشراب ، والمزاد وعاء الماء . يقول إذا كان
نازلا مكاناً فيه الطعام والشراب كان مترفها بمنزلة المقيم فلا يقصر ؛
لأن القصر إنما جعل للمشقة التى تلحق الإنسان ، وهذا لا تلحقه مشقة
فالقصر عنده للمسافر الذي يحمل الزاد والمزاد وللخائف .
ولما عمرت منى وصار بها زاد ومزاد لم ير القصر بها لا لنفسه ولا
لمن معه من الحاج ، وقوله فى تلك الرواية : ولكن حدث العام . لم
يذكر فيها ما حدث ، فقد يكون هذا هو الحادث ، وإن كان قد
جاءت الجمال من الأعراب وغيرم يظنون أن الصلاة أربع ، فقد خاف
عليهم أن يظنوا أنها تفعل في مكان فيه الزاد والمزاد أربعاً ، وهذا عنده
لا يجوز ، وإن كان قد تأهل بمكة ، فيكون هذا أبضاً موافقاً ، فإنه
إنما تأهل بمكان فيه الزاد والمزاد ، وهو لا يرى القصر لمن كان نازلا
بأهله فى مكان فيه الزاد والمزاد . وعلى هذا فجميع ما ثبت فى هذا
الباب من عذره يصدق بعضه بعضا .
٩٤

وأما ما اعتذر به الطحاوي من أن مكة كانت على عهد النبي
صلى الله عليه وسلم أعمر من منى في زمن عثمان. جواب عثمان له :
أن النبي صلى الله عليه وسلم فى عمرة القضية، ثم فى غزوة الفتح، ثم
فى عمرة الجعرانة : كان خائفاً من العدو ، وعثمان يجوز القصر لمن كان
خائفاً وإن كان نازلا في مكان فيه الزاد والمزاد ، فإنه يجوزه للمسافر
ولمن كان بحضرة العدو . وأما في حجة الوداع فقد كان النبى صلى الله
عليه وسلم آمناً لكنه لم يكن نازلا بمكة ، وإنما كان نازلا بالأبطح خارج
مكة هو وأصحابه ، فلم يكونوا نازلين بدار إقامة ، ولا يمكان فيه الزاد
والمزاد . وقد قال أسامة : أين ننزل غداً ؟ هل تنزل بدارك بمكة ؟
فقال (( وهل ترك لنا عقيل من دار ؟ تنزل بخيف بني كنانة حيث
تقاسموا على الكفر ، وهذا المنزل بالأبطح بين المقابر ومنى .
وكذلك عائشة رضي الله عنها أخبرت عن نفسها : أنها إنما تتم لأن
القصر لأجل المشقة ، وأن الإتمام لا يشق عليها . والسلف والخلف
تنازعوا فى سفر القصر : في جنسه وفي قدره : فكان قول عثمان
وعائشة أحد أقوالهم فيها .
وللناس فى جنس سفر القصر أقوال أخر مع أن عثمان قد خالفه
علي ، وابن مسعود ، وعمران بن حصين ، وسعد بن أبى وقاص ،
وابن عمر ، وابن عباس ، وغيرهم : من علماء الصحابة . فروى سفيان
٩٥

ابن عيينة، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال : اعتل عثمان وهو
بنى فأتى علي فقيل له : صل بالناس ، فقال: إن شئتم صليت بكم
صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، قالوا لا إلا صلاة أمير
المؤمنين - يعنون أربعاً - فأبى. وفى الصحيحين عن ابن مسعود (١) .
وقد تنازع الناس فى الأربع فى السفر على أقوال :
أحدها : أن ذلك بمنزلة صلاة الصبح أربعاً ، وهذا مذهب طائفة
من السلف والخلف ، وهو مذهب أبى حنيفة وابن حزم وغيره من
أهل الظاهر . ثم عند أبى حنيفة إذا جلس مقدار التشهد تمت صلانه ،
والمفعول بعد ذلك كصلاة منفصلة قد تطوع بها ، وإن لم يقعد مقدار
التشهد بطلت صلاته ، ومذهب ابن حزم وغيره أن صلاته باطلة ، كما لو
صلى عندم الفجر أربعاً .
وقد روى سعيد فى سننه عن الضحاك بن مزاحم ، قال : قال ابن
عباس : من صلى فى السفر أربعا كمن صلى فى الحضر ركعتين . قال ابن
حزم : وروينا عن عمر بن عبد العزيز وقد ذكر له الإتمام فى السفر
لمن شاء فقال: لا، الصلاة فى السفر ركعتان حتمان لا يصح غيرها.
(١) بياض في الأصل.
٩٦

وحجة هؤلاء : أنه قد ثبت أن الله إنما فرض فى السفر ركعتين.
والزيادة على ذلك لم يأت بها كتاب ولا سنة ، وكل ماروي عن
النبي صلى الله عليه وسلم من أنه صلى أربعاً أو أقر من صلى أربعاً
فإنه كذب .
وأما فعل عثمان وعائشة فتأويل منها : أن القصر إنما يكون في
بعض الأسفار دون بعض ، كما تأول غيرهما: أنه لا يكون إلا فى حج
أو عمرة أو جهاد ، ثم قد خالفها أئمة الصحابة وأنكروا ذلك . قالوا :
لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
صدقته)) فأمر بقبولها والأمر يقتضي الوجوب.
ومن قال يجوز الأمران فعمدتهم قوله تعالى (وَإِذَا ضَرَُّمْ فِ الْأَرْضِ
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قالوا : وهذه العبارة إنما تستعمل فى المباح ؛ لا فى الواجب ،
(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى
كقوله :
(لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ
وقوله :
أَنْ تَضَعُوْ أَسْلِحَتَكُمْ )
ونحو ذلك ،
النِّسَآءَ مَالَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْتَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً )
واحتجوا من السنة بما تقدم من أن النبى صلى الله عليه وسلم حسن
لعائشة إتمامها ، وبما روي من أنه فعل ذلك. واحتجوا بأن عثمان أتم
٩٧

الصلاة بمنى بمحضر الصحابة فأتموا خلفه وهذه كلها حجج ضعيفة .
أما الآية فنقول: قد علم بالتواتر أن النبى صلى الله عليه وسلم
إنما كان يصلي فى السفر ركعتين ، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، وهذا
يدل على أن الركعتين أفضل ، كما عليه جماهير العلماء . وإذا كان
القصر طاعة الله ورسوله وهو أفضل من غيره لم يجز أن يحتج بنهفي
الجناح على أنه مباح لا فضيلة فيه ، ثم ما كان عذرم عن كونه مستحباً
هو عذر لغيرهم عن كونه مأموراً به أمر إيجاب ، وقد قال تعالى فى
السعي (فَمَنْ حَتَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَاجُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا )
والطواف بين الصفا والمروة هو السعي المشروع باتفاق المسلمين ، وذلك
إما ركن ، وإما واجب ، وإما سنة .
وأيضاً فالقصر وإن كان رخصة استباحة المحظور فقد تكون
واجبة كأكل الميتة للمضطر ، والتيمم لمن عدم الماء ، ونحو ذلك ،
هذا إن سلم أن المراد به قصر العدد ، فإن للناس فى الآية
ثلاثة أقوال .
قيل المراد به قصر العدد فقط ، وعلى هذا فيكون التخصيص بالخوف
غير مفيد .
٩٨

والثاني : أن المراد به قصر الأعمال ؛ فإن صلاة الخوف نقصر
عن صلاة الأمن ، والخوف يبيح ذلك. وهذا يرد عليه أن صلاة
الخوف حلزة حضراً وسفراً ، والآبة أفادت القصر في السفر .
والقول الثالث : وهو الأصح : أن الآية أفادت قصر العدد
وقصر العمل جميعاً؛ ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف ، فإذا اجتمع
الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر الجامع لهذا ولهذا، وإذا
انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد ، وإذا انفرد الخوف فإنما يفيد
قصر العمل .
ومن قال : إن الفرض فى الخوف والسفر ركعة - كأحد القولين
فى مذهب أحمد وهو مذهب ابن حزم - فمراده إذا كان خوف
وسفر . فيكون السفر والخوف قد أفادا القصر إلى ركعة ، كما روى
أبو داود الطيالسي: ثنا المسعودي - هو عبد الرحمن بن عبد الله -
عن يزيد الفقير ، قال : سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين فى السفر
أقصرهما ؟ قال جابر : لا . فإن الركعتين فى السفر ليستا بقصر إنما
القصر ركعة عند القتال .
وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان
نبيكم فى الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة . قال
٩٩

ابن حزم ؛ ورويناء أيضاً من طريق حذيفة وجابر وزيد بن ثابت
وأبى هريرة وابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بأسانيد فى
غاية الصحة . قال ابن حزم : وبهذه الآية قلنا إن صلاة الخوف فى
السفر إن شاء ركعة وإن شاء ركعتين لأنه جاء في القرآن بلفظ
( لا جناح ) لا بلفظ الأمر والإيجاب وصلاها الناس مع النبى صلى الله
عليه وسلم مرة ركعة فقط ، ومرة ركعتين ، فكان ذلك على الاختيار
كما قال جابر .
وأما صلاة عثمان فقد عرف إنكار أئمّة الصحابة عليه ، ومع هذا
فكانوا يصلون خلفه ؛ بل كان ابن مسعود يصلي أربعا وإن انفرد ،
ويقول الخلاف شر. وكان ابن عمر إذا انفرد صلى ركعتين . وهذا
دليل على أن صلاة السفر أربعا مكروهة عندم ومخالفة للسنة ، ومع
ذلك فلا إعادة على من فعلها وإذا فعلها الإمام اتبع فيها ، وهذا لأن
صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر ، بل هي من جنس الجمعة والعيدين
ولهذا قرن عمر بن الخطاب فى السنة التى نقلها بين الأربع ، فقال :
((صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان ،
وصلاة المسافر ركعتان: تمام غير قصر على لسان نبيكم ، وقد خاب
من افترى)). رواه أحمد والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبى
ليلى ، عن كعب بن عجرة ، قال : قال عمر . ورواه يزيد بن زياد
١٠٠