Indexed OCR Text
Pages 381-400
وسئل هل يقلد الشافعى حنفياً ، وعكس ذلك فى الصلاة الوترية ، وفى جمع المطر ؟ أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله. نعم ! يجوز للحنفي وغيره أن يقلد من يجوز الجمع من المطر، لاسيما وهذا مذهب جمهور العلماء : كمالك . والشافعي ، وأحمد . وقد كان عبد الله بن عمر يجمع مع ولاة الأمور بالمدينة إذا جمعوا فى المطر . وليس على أحد من الناس أن يقلد رجلا بعينه فى كل ما يأمر به ، وينهى عنه، ويستحبه إلا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين فيقلدون تارة هذا ، ونارة هذا . فإذا كان المقلد يقلد فى مسألة يراها أصلح فى دينه ، أو القول بها أرجح، أو نحو ذلك ، جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين ، لم يحرم ذلك لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد. وكذلك الوتر وغيره ينبغي للمأموم أن يتبع فيه إمامه . فإن ٣٨١ قنت قنت معه، وإن لم يقنت لم يقنت ، وإن صلى بثلاث ركعات موصولة فعل ذلك ، وإن فصل فصل أيضاً . ومن الناس من يختار للمأموم أن يصل إذا فعل إمامه، والأول أصح ، والله أعلم . وسئل عما إذا أدرك مع الإمام بعض الصلاة وقام ، ليأتى بما فاته ، فائتم به آخرون ، هل يجوز أم لا ؟ فأجاب : إذا أدرك مع الإمام بعضا ، وقام بأتى بما فانه ، فانتم به آخرون : جاز ذلك فى أظهر قولي العلماء . وسئل عن إمام يصلي صلاة الفرض بالناس ، ثم يصلي بعدها صلاة أخرى ويقول : هذه عن صلاة فاتتكم هل يسوغ هذا ؟ فأجاب : الحمد لله . ليس للإمام الراتب أن يعتاد أن يصلي بالناس الفريضة مرتين ، فإن هذه بدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى الله ٣٨٢ عليه وسلم ، وسنة خلفائه الراشدين ، ولم يستحب ذلك أحد من أئمة المسلمين الأربعة، وغيرهم . لا أبي حنيفة، ولا مالك، ولا الشافعي ، ولا أحمد بن حنبل . بل ثم متفقون على أن الإمام إذا أعاد بأولئك المأمومين الصلاة مرتين دائماً أن هذا بدعة مكروهة ، ومن فعل ذلك على وجه التقرب كان ضالا . وإنما تنازعوا فى الإمام إذا صلى مرة ثانية بقوم آخرين . غير الأولين . منهم من يجيز ذلك كالشافعي ، وأحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين . ومنهم من يحرم ذلك، كأبى حنيفة ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى عنه . ومن عليه فوائت فإنه يقضيها بحسب الإمكان ، أماكون الإمام يعيد الصلاة دائماً مع الصلاة الحاضرة ، وأن يصلوا خلفه ، فهذا ليس بمشروع . وإن قال : إنى أفعل ذلك لأجل ما عليهم من الفوائت . وأقل ما فى هذا أنه ذريعة إلى أن يتشبه به الأئمة ، فتبقى به سنة ، يربو عليها الصغير ، وتغير بسببها شريعة الإسلام فى البوادي ، ومواضع الجهل . والله أعلم . ٣٨٣ وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه فصل وأما من أدى فرضه إماماً ، أو مأموما . أو منفرداً . فهل يجوز أن يؤم فى تلك الصلاة لمن يؤدي فرضه ؟ مثل أن يصلي الإمام مرتين هذه فيها نزاع مشهور ، وفيها ثلاث روايات عن أحمد : إحداها : أنه لا يجوز ، وهي اختيار كثير من أصحابه ، ومذهب أبى حنيفة ، ومالك . والثانية: يجوز مطلقاً، وهي اختيار بعض أصحابه: كالشيخ أبي محمد المقدسي ، وهي مذهب الشافعي . والثالثة : يجوز عند الحاجة ، كصلاة الخوف . قال الشيخ : وهو اختيار جدنا أبي البركات : لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه بعض الأوقات صلاة الخوف مرتين ، وصلى بطائفة وسلم ، ثم صلى بطائفة أخرى وسلم . ٣٨٤ ومن جوز ذلك مطلقاً احتج بحديث معاذ المعروف: (( أنه كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينطلق فيؤم قومه)). وفي رواية: (( فكانت الأولى فرضا له ، والثانية نفلا » والذين منعوا ذلك ليس لهم حجة مستقيمة ، فإنهم احتجوا بلفظ لا يدل على محل النزاع. كقوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه)). و((بأن الإمام ضامن)) فلا تكون صلاته أنقص من صلاة المأموم ، وليس في هذين ما يدفع تلك الحجج . والاختلاف المراد به الاختلاف فى الأفعال، كما جاء مفسراً ، وإلا فيجوز للمأموم أن يعيد الصلاة ، فيكون متنفلا خلف مفترض . كما هو قول جماهير العلماء . وقد دل على ذلك قوله فى الحديث الصحيح: ((يكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة )) . وأيضاً فإنه صلى بمسجد الخيف ، فرأى رجلين لم يصليا ، فقال : (( ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما فى رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)). وفى السنن أنه رأى رجلا يصلى وحده فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه ؟! )) فقد ثبت صلاة المتنفل خلف المفترض. فى عدة أحاديث ، وثبت أيضاً بالعكس . فعلم أن موافقة الإمام فى نية الفرض أو ٣٨٥ النفل ليست بواجبة ، والإمام ضامن . وإن كان متنفلا . ومن هذا الباب صلاة العشاء الآخرة خلف من يصلي قيام رمضان يصلي خلفه ركعتين ثم يقوم فيتم ركعتين ، فأظهر الأقوال جواز هذا كله ، لكن لا ينبغي أن يصلي بغيرهم ثانيا إلا لحاجة ، أو مصلحة ، مثل أن يكون ليس هناك من يصلح للإمامة غيره ، أو هو أحق الحاضرين بالإمامة ؛ لكونه أعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله ، أو كانوا مستوين في العلم وهو أسبقهم إلى هجرة ما حرم الله ورسوله ، أو أقدمهم سنا فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يؤم القوم أقرؤم لكتاب الله، فإن كانوا فى القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا)) فقدم النبى صلى الله عليه وسلم بالفضيلة في العلم بالكتاب والسنة ، فإن استووا فى العلم قدم بالسبق إلى العمل الصالح ، وقدم السابق باختياره ، وهو المهاجر على من سبق بخلق الله له ، وهو الكبير السن . وقد ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر مانهى اللّه عنه)) فمن سبق إلى هجر السيئات بالتوبة منها فهو أقدمهم هجرة ، فيقدم فى الإمامة ، فإذا حضر من هو أحق بالإمامة ، وكان قد صلى ٣٨٦ فرضه فإنه يؤمهم ، كما أم النبى صلى الله عليه وسلم لطائفة بعد طائفة من أصحابه مرتين ، وكما كان معاذ يصلي ثم يؤم قومه أهل قباء ، لأنه كان أحقهم بالإمامة ، وقد ادعى بعضهم أن حديث معاذ منسوخ ، ولم يأتوا على ذلك بحجة صحيحة ، وما ثبت من الأحكام بالكتاب والسنة لا يجوز دعوى نسخه بأمور محتملة للنسخ وعدم النسخ. وهذا باب واسع قد وقع فى بعضه كثير من الناس ، كما هو مبسوط فى غير هذا الموضع . وكذلك الصلاة على الجنازة إذا صلى عليها الرجل إماما ، ثم قدم آخرون فله أن يصلي بالطائفة الثانية ، إذا كان أحقهم بالإمامة ، وله إذا صلى غيره على الجنازة مرة ثانية أن يعيدها معهم تبعاً ، كما يعيد الفريضة تبعاً ، مثل أن يصلي في بيته ، ثم يأتى مسجداً فيه إمام راتب فيصلي معهم ، فإن هذا مشروع فى مذهب الإمام أحمد بلا نزاع ، وكذلك مذهبه فيمن لم يصل على الجنازة فله أن يصلي عليها بعد غيره ، وله أن يصلي على القبر إذا فاتته الصلاة . هذا مذهب فقهاء الحديث قاطبة ، كالشافعي وأحمد، وإسحق ، وغيرم ، ومالك لا يرى الإعادة ، وأبو حنيفة لا يراها إلا للولي . وأما إذا صلى هو على الجنازة ، ثم صلى عليها غيره : فهل له أن يعيدها مع الطائفة الثانية ؟ فيه وجهان فى مذهب أحمد . قيل : ٣٨٧ لا يعيدها . قالوا : لأن الثانية نفل ، وصلاة الجنازة لا يتنفل بها . وقيل : بل له أن يعيدها ، وهو الصحيح ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما صلى على قبر منبوذ صلى معه من كان صلى عليها أولا . وإعادة صلاة الجنازة من جنس إعادة الفريضة ، فتشرع حيث شرعها الله ورسوله . وعلى هذا : فهل يؤم على الجنازة مرتين ؟ على روابتين . والصحيح أن له ذلك . والله أعلم . وسئل عن رجل صلى مع الإمام ، ثم حضر جماعة أخرى فصلى بهم إماما فهل يجوز ذلك ؟ أم لا ؟ فأجاب: هذه المسألة هي ((مسألة اقتداء المفترض بالمنتفل )) فإن الإمام كان قد أدى فرضه ، فإذا صلى بغيره إماما : فهذا جائز فى مذهب الشافعي ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه . وفيها قول ثالث في مذهب أحمد : أنه يجوز للحاجة ، ولا يجوز لغير حاجة . فإذا كان ذلك الإمام هو القارئ ، وهو المستحق للإمامة دونهم ، ففعل ذلك فى مثل هذه الحال حسن ، والله أعلم . ٣٨٨ وسئل عن إمام مسجدين . هل يجوز الاقتداء به ؟ أم لا ؟ فأجاب : إذا أمكن أن يرتب فى كل مسجد إمام راتب ، فلا يصلح أن يرتب إمام في مسجدين ، فإذا صلى إماما فى موضعين ففي صحة الصلاة الثانية لمن يؤدي فريضته خلاف بين العلماء . فمذهب أبي حنيفة، ومالك ، وأحمد فى إحدى الروايتين . أن الفرض لا يسقط عن أهل المسجد الثاني ، والله أعلم . وسئل عمن يصلي الفرض خلف من يصلي نفلا ؟ فأجاب : يجوز ذلك فى أظهر قولي العلماء ، وهو مذهب الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين عنه . ٣٨٩ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عما يفعله الرجل شاكا فى وجوبه ، على طريق الاحتياط . هل يأتم به المفترض؟ فأجاب : قياس المذهب أنه يصح؛ لأن الشاك يؤديها بنية الوجوب إذاً، كما قلنا فى نية الإغماء، وإن لم نقل بوجوب الصوم . كما قلنا فيمن شك فى انتقاض وضوئه يتوضأ . وكذلك صور الشك في وجوب طهارة أو صيام أو زكاة أو صلاة أو نسك أو كفارة، أو غير ذلك ؛ بخلاف ما لو اعتقد الوجوب ثم تبين له عدمه ، فإن هذه خرج فيها خلاف ؛ لأنها فى الحقيقة نفل لكنها فى اعتقاده واجبة ، والمشكوك فيها هي فى قصده واجبة ، والاعتقاد متردد . ٣٩٠ وسئل رحمه الله: عمن وجد جماعة يصلون الظهر . فأراد أن يقضي معهم الصبح ، فلما قام الإمام للركعة الثالثة فارقه بالسلام ، فهل نصح هذه الصلاة ؟ وعلى أي مذهب نصح ؟ : فأجاب: هذه الصلاة لا تصح فى مذهب أبى حنيفة ، ومالك ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه. وتصح في مذهب الشافعي ، وأحمد في الرواية الأخرى . والله أعلم . وسل عمن وجد الصلاة قائمة فنوى الانتمام ، وظن أن إمامه زيد، فتبين أنه عمرو . هل يضره ذلك ؟ وكذلك لو ظن الإمام فى المأموم مثل ذلك ؟ . فأحاب : إذا كان مقصوده أن يصلي خلف إمام تلك الجماعة كاتنا ٣٩١ من كان ، وظن أنه زيد فتبين أنه عمرو صحت صلانه ، كما لو اعتقد أنه أبيض فتبين أنه أسود ، أو اعتقد أن عليه كساء فتبين أنه عباءة ، ونحو ذلك من خطأ الظن الذي لا يقدح فى الاتتمام . وإن كان مقصوده أن يصلي خلف زيد، ولو علم أنه عمرو لم يصل خلفه، وكان عمرو ، فهذا لم يأتم به . وإنما الأعمال بالنيات . وهل هو بمنزلة من صلى بلا ائتمام ؟ أو تبطل صلاته ؟ فيه نزاع . كما لو كانت صلاة الإمام باطلة والمأموم لا يعلم . فلا يضر المؤتم الجمل بعين الإمام إذا كان مقصوده أن يصلي خلف الإمام الذي يصلي بتلك الجماعة ، وكذلك الإمام لم يضره الجهل بعين المأمومين بل إذا نوى الصلاة بمن خلفه جاز . وقد قيل : إنه إذا عين فأخطأ بطلت صلاته مطلقاً . والصواب : الفرق بين تعيينه بالقصد ، بحيث يكون قصده أن لا يصلي إلا خلفه ، وبين تعيين الظن بحيث يكون قصده الصلاة خلف الإمام مطلقاً . لكن ظن أنه زيد ، والله أعلم . ٣٩٢ وسئل رحم الله عمن صلى خلف الصف منفرداً . هل تصح صلاته أم لا ؟ والأحاديث الواردة فى ذلك هل هي صحيحة أم لا ؟ والأئمة القائلون بهذا من غير الأئمة الأربعة ؛ كماد بن أبى سليمان ، وابن المبارك ، وسفيان الثوري ، والأوزاعى، قد قال عنهم رجل - أعني عن هؤلاء الأئمة المذكورين - هؤلاء لا يلتفت إليهم ، فصاحب هذا الكلام ما حكمه ؟ وهل بسوغ تقليد هؤلاء الأئمة لمن يجوز له التقليد ؟ كما يجوز تقليد الأئمة الأربعة ؟ أم لا ؟ . فأجاب : الحمد لله. من قول العلماء أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف ؛ لأن فى ذلك حديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر المصلي خلف الصف بالإعادة، وقال: ((لا صلاة لفذ خلف الصف)) وقد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث ، وأسانيدها مما تقوم بها الحجة؛ بل المخالفون لهما يعتمدون في كثير من المسائل على ما هو أضعف إسناداً منها ، وليس فيها ما يخالف الأصول ، بل ما فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة ، والأصول المقررة ، فإن صلاة الجماعة سميت جماعة ٣٩٣ الاجتماع المصلين فى الفعل مكانا وزماناً ، فإذا أخلوا بالاجتماع المكانى أو الزماني مثل أن يتقدموا أو بعضهم على الإمام ، أو يتخلفوا عنه تخلفاً كثيراً لغير عذر ، كان ذلك منهياً عنه باتفاق الأئمة ، وكذلك لو كانوا مفترقين غير منتظمين ، مثل أن يكون هذا خلف هذا ، وهذا خلف هذا ، كان هذا من أعظم الأمور المنكرة، بل قد أمروا بالاصطفاف ، بل أمرم النبى صلى اللّه عليه وسلم بتقويم الصفوف وتعديلها ، وتراص الصفوف ، وسد الخلل، وسد الأول فالأول ، كل ذلك مبالغة فى تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه ، بحسب الإمكان ، ولو لم يكن الاصطفاف واجبا لجاز أن يقف واحد خلف واحد ، وهلم جرا . وهذا مما يعلم كل أحد علما عاماً أن هذه ليست صلاة المسلمين ، ولو كان هذا مما يجوز لفعله المسلمون ولو مرة ، بل وكذلك إذا جعلوا الصف غير منتظم : مثل أن يتقدم هذا على هذا ، ويتأخر هذا عن هذا ، لكان ذلك شيئاً قد على نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، والنهي يقتضي التحريم ، بل إذا صلوا قدام الإمام كان أحسن من مثل هذا . فإذا كان الجمهور لا يصححون الصلاة قدام الإمام ، إما مطلقاً ، وإما لغير عذر ، فكيف تصح الصلاة بدون الاصطفاف . فقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف، وأن صلاة المنفرد لا تصح ، كما جاء به هذان الحديثان ، ومن خالف ذلك من العلماء فلا ريب أنه لم تبلغه هذه السنة ٣٩٤ من وجه يثق به، بل قد يكون لم يسمعها ، وقد يكون ظن أن الحديث ضعيف ، كما ذكر ذلك بعضهم . والذين عارضوه احتجوا بصحة صلاة المرأة منفردة ، كما ثبت في الصحيح (( أن أنسا واليتيم صفا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وصفت العجوز خلفها)). وقد اتفق العلماء على صحة وقوفها منفردة إذا لم يكن في الجماعة امرأة غيرها، كما جاءت به السنة . واحتجوا أيضاً بوقوف الإمام منفرداً. واحتجوا بحديث أبى بكرة لما ركع دون الصف ، ثم دخل فى الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ((زادك الله حرصا ولا تعد )). وهذه حجة ضعيفة لا تقاوم حجة النهي عن ذلك ، وذلك من وجوه : ( أحدها ) أن وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها ، ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروها . وهل تبطل صلاة من يحاذيها ؟ فيه قولان للعلماء فى مذهب أحمد ، وغيره . ( أحدهما ) تبطل، كقول أبى حنيفة، وهو اختيار أبى بكر وأبي حفص. من أصحاب أحمد . ( والثاني ) لا تبطل . كقول مالك ، والشافعى ، وهو قول ابن ٣٩٥ حامد والقاضي ، وغيرهما ، مع تنازعهم فى الرجل الواقف معها : هل يكون فذا أم لا ؟ والمنصوص عن أحمد بطلان صلاة من يليها فى الموقف . وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف فمكروه ، وترك للسنة باتفاقهم ، فكيف يقاس المنهى بالمأمور به ، وكذلك وقوف الإمام أمام الصف هو السنة ، فكيف يقاس المأمور به بالمنهي عنه ، والقياس الصحيح إنما هو قياس المسكوت على المنصوص ، أما قياس المنصوص على منصوص يخالفه فهو باطل باتفاق العلماء ، كقياس الربا على البيع ، وقد أحل الله البيع وحرم الربا . ( والثانى) أن المرأة وقفت خلف الصف ؛ لأنه لم يكن لها من تصافه ، ولم يمكنها مصافة الرجال ، ولهذا لو كان معها في الصلاة امرأة لكان من حقها أن تقوم معها ، وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال . ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفاً إلا خلف الصف ، فهذا فيه نزاع بين المبطلين لصلاة المنفرد ، وإلا ظهر صحة صلاته فى هذا الموضع ، لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز . وطرد هذا صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة ، كقول طائفة ، وهو قول فى مذهب أحمد . ٣٩٦ وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك يسقط بالعجز ، فكذلك الاصطفاف وترك التقدم . وطرد هذا بقية مسائل الصفوف ، كمسئلة من صلى ولم ير الإمام ، ولا من وراءه [مع ] سماعه للتكبير وغير ذلك ، وأما الإمام فإنما قدم ليراه المأمومون فيأتمون به ، وهذا منتف فى المأموم . وأما حديث أبى بكرة فليس فيه أنه صلى منفرداً خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركا للركعة ، فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه فى القيام ، فإن هذا جائزً باتفاق الأئمة ، وحديث أبى بكرة فيه النهي بقوله: (( ولا تعد )، وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة ، كما فى حديث الفذ ، فإنه أمره بإعادة الصلاة ، وهذا مبين مفسر ، وذلك مجمل حتى لو قدر أنه صرح فى حديث أبى بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام - كما يجوز ذلك فى أحد القولين فى مذهب أحمد وغيره - لكان سائغاً فى مثل هذا دون ما أمر فيه بالإعادة ، فهذا له وجه ، وهذا له وجه . وأما التفريق بين العالم والجاهل ، كقول فى مذهب أحمد فلا يسوغ ، فإن المصلي المنفرد لم يكن عالما بالنهي، وقد أمره بالإعادة كما أمر الأعرابى المسيء فى صلاته بالإعادة . ٣٩٧ وأما الأئمة المذكورون: فمن سادات أئمة الإسلام ، فإن الثورى إمام أهل العراق ، وهو عند أكثرم أجل من أقرانه : كابن أبى ليلى ، والحسن بن صالح بن حي ، وأبى حنيفة ، وغيره ، وله مذهب باق إلى اليوم بأرض خراسان . والأوزاعى إمام أهل الشام، وما زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة، بل أهل المغرب كانوا على مذهبه قبل أن يدخل إليهم مذهب مالك . وحماد بن أبى سليمان : هو شيخ أبى حنيفة ، ومع هذا فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه وغيرهما، ومذهبه باق إلى اليوم ، وهو مذهب داود بن علي وأصحابه ، ومذهبهم باق إلى اليوم ، فلم يجمع الناس اليوم على خلاف هذا القول ؛ بل القائلون به كثير فى المشرق والمغرب . وليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص ، فمالك والليث بن سعد، والأوزاعى ، والثوري ، هؤلاء أمة فى زمانهم ، وتقليد كل منهم كتقليد الآخر ، لا يقول مسلم إنه يجوز تقليد هذا دون هذا، ولكن من منع من تقليد احد هؤلاء في زماننا فإنما ء بمنعه لأحد شيئين : أحدهما : اعتقاده أنه لم يبق من يعرف مذاهبهم ، وتقليد الميت فيه نزاع مشهور ، فمن منعه قال: هؤلاء موتى ، ومن سوغه قال : لابد أن يكون فى الأحياء من يعرف قول الميت . ٣٩٨ والثانى : ان يقول الإجماع اليوم قد انعقد على خلاف هذا القول. وينبنى ذلك على مسألة معروفة في أصول الفقه، وهى : أن الصحابة مثلا أو غيرم من أهل الأعصار إذا اختلفوا فى مسألة على قولين، ثم أجمع التابعون أو أهل العصر الثاني على أحدهما ، فهل يكون هذا إجماعا يرفع ذلك الخلاف ؟ وفى المسألة نزاع مشهور في مذهب أحمد ، وغيره من العلماء ، فمن قال : إن مع إجماع أهل العصر الثانى لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر ، واعتقد أن أهل العصر أجمعوا على ذلك يركب من هذين الاعتقادين المنع . ومن علم أن الخلاف القديم حكمه باق ؛ لأن الأقوال لا تموت بموت قائليها ، فإنه يسوغ الذهاب إلى القول الآخر للمجتهد الذي وافق اجتهاده . وأما التقليد فينبنى على مسألة تقليد الميت ، وفيها قولان مشهوران أيضاً في مذهب الشافعي ، وأحمد وغيرهما . ء وأما إذا كان القول الذي يقول به هؤلاء الأئمة أو غيرم قد قال به بعض العلماء الباقية مذاهبهم، فلا ريب أن قوله مؤيد بموافقة هؤلاء ويعتضد به، ويقابل بهؤلاء من خالفهم من أقرانهم . فيقابل بالثورى والأوزاعى أبا حنيفة ومالك ، إذ الأمة متفقة على أنه إذا اختلف مالك ٣٩٩ والأوزاعى والثورى وأبو حنيفة لم يجز أن يقال قول هذا هو الصواب دون هذا إلا بحجة ، والله أعلم . وسئل رحم الله تعالى : هل التبليغ وراء الإمام كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو فى شيء من زمن الخلفاء الراشدين ؟ فإن لم يكن مع الأمن من إخلال شيء من متابعة الإمام، والطمأنينة المشروعة ، واتصال الصفوف، والاستماع للإمام من وراءه أن وقع خلل مما ذكر ، هل يطلق على فاعله البدعة ؟ وهل ذهب أحد من علماء المسلمين إلى بطلان صلاته بذلك ؟ وما حكم من اعتقد ذلك قربة فعله او لم يفعله ء بعد التعريف ؟ فأجاب : لم يكن التبليغ والتكبير ورفع الصوت بالتحميد والتسليم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا على عهد خلفائه، ولا بعد ذلك بزمان طويل ، إلا مرتين : مرة صرع النبى صلى الله عليه وسلم عن فرس ركبه فصلى في بيته قاعداً ، فبلغ أبو بكر عنه التكبير . كذا رواه مسلم في صحيحه . ومرة أخرى فى مرض موته بلغ عنه أبو بكر ، وهذا مشهور . ٤٠٠