Indexed OCR Text
Pages 341-360
فى القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم حجرة، فإن كانوا فى الهجرة سواء فأقدمهم سناً )). فإذا كان الرجلان من أهل الديانة فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب تقديمه على الآخر متعيناً ، فإن كان أحدهما فاجرا مثل أن يكون معروفا بالكذب ، والخيانة، ونحو ذلك من أسباب الفسوق، والآخر مؤمناً من أهل التقوى فهذا الثاني أولى بالإمامة ، إذا كان من أهلها، وإن كان الأول أقرأ وأعلم ، فإن الصلاة خلف الفاسق منهي عنها نهي تحريم عند بعض العلماء ، ونهي تنزيه عند بعضهم . وقد جاء فى الحديث: (( لا يؤمن فاجر مؤمناً، إلا أن يقهره بسوط أو عما)). ولا يجوز تولية الفاسق مع إمكان تولية البر . والله أعلم. ٣٤١ وقال شيخ الإسلام فصل وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع ، وخلف أهل الفجور ، ففيه نزاع مشهور ، وتفصيل ليس هذا موضع بسطه : لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره . فإن من كان مظهراً للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته ؛ ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية ، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب ، فهذا لا ينكر عليه فى الظاهر ، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة ؛ ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم، وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى ، بخلاف من أظهر الكفر . ٣٤٢ فإذا كان داعية منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته ، لما فى ذلك من النهى عن المنكر ، لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه فى شهادته وروايته ، فإذا أمكن لإنسان ألا يقدم مظهراً للمنكر فى الإمامة وجب ذلك. لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضررا من ضرر ما أظهره من المنكر ، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين ، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان . ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعاً، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعاً. فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته ، لم يجز ذلك ، بل يصلي خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه ، كالجمع، والأعياد، والجماعة. إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج ، والمختار بن أبى عبيد الثقفي ، وغيرهما الجمعة والجماعة ، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بإمام فاجر ، لا سيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره ، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة . ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقاً معدودين عند ٣٤٣ السلف ، والأئمة من أهل البدع . وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف الفاجر . وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد للعلماء. منهم من قال: إنه يعيد لأنه فعل مالا يشرع ، بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا ، فكانت صلاته خلفه منهياً عنها فيعيدها . ومنهم من قال : لا يعيد . قال : لأن الصلاة فى نفسها صحيحة ، وما ذكر من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة ، وهو يشبه البيع بعد نداء الجمعة . وأما إذا لم يمكنه الصلاة إلا خلفه كالجمعة ، فهنا لا تعاد الصلاة ، وإعادتها من فعل أهل البدع ، وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه إذا قيل : إن الصلاة خلف الفاسق لا نصح ، أعيدت الجمعة خلفه ، وإلا لم تعد ، وليس كذلك . بل النزاع فى الإعادة حيث ينهى الرجل عن الصلاة . فأما إذا أمر بالصلاة خلفه فالصحيح هنا أنه لا إعادة عليه ، لما تقدم من أن العبد لم يؤمر بالصلاة مرتين . ٣٤٤ وأما الصلاة خلف من يكفر بيدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا فى نفس صلاة الجمعة خلفه . ومن قال إنه يكفر أمر بالإعادة ، لأنها صلاة خلف كافر ، لكن هذه المسألة متعلقة بتكغير أهل الأهواء والناس مضطربون فى هذه المسألة . وقد حكى عن مالك فيها روايتان وعن الشافعي فيها قولان . وعن الإمام أحمد أيضا فيها روايتان ، وكذلك أهل الكلام فذكروا للأشعري فيها قولان . وغالب مذاهب الأئمة فيها تفصيل . وحقيقة الأمر فى ذلك: أن القول قد يكون كفراً ، فيطلق القول بتكفير صاحبه ، ويقال من قال كذا فهو كافر ، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره ، حتى تقوم عليه الحجة التى يكفر تاركها . وهذا كما فى نصوص الوعيد فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْنَارًا وَسَيَضْلَوْنَ فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق ، لكن الشخص سَعِيرًا ) المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط ، أو ثبوت مانع ، فقد لا يكون التحريم بلغه ، وقد يتوب من فعل المحرم ، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم ، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه ، وقد يشفع فيه شفيع مطاع . ٣٤٥ وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده. أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها ، فمن كان من المؤمنين مجتهداً فى طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان ، سواء كان في المسائل النظرية ، أو العملية . هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وجماهير أئمة الإسلام. وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها ، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها . فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع ، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء فى كتبهم ، وهو تفريق متناقض ، فإنه يقال لمن فرق بين النوعين : ماحد مسائل الأصول التى يكفر المخطئ فيها ؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع ؟ فإن قال : مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل . قيل له : فتنازع الناس فى محمد صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه أم لا ؟ وفي أن عثمان أفضل من علي ، أم علي أفضل ؟ وفى كثير من معانى القرآن ، وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العالمية ، ولا كفر فيها بالاتفاق ، ٣٤٦ ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والمر هي مسائل عملية ، والمنكر لها يكفر بالاتفاق . وإن قال الأصول : هي المسائل القطعية ، قيل له : كثير من مسائل العمل قطعية ، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية ، وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له ، كمن سمع النص من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتيقن مراده منه . وعند رجل لا تكون ظنية ، فضلا عن أن تكون قطعية لعدم بلوغ النص إياه ، أو لعدم ثبوته عنده ، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته. وقد ثبت فى الصحاح عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث الذي قال لأهله: ((إذا أنامت فاحرقونى ، ثم اسحقونى ، ثم ذرونى فى اليم ، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبنى الله عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين . فأمر الله البريرد ما أخذ منه، والبحر برد ما أخذ منه، وقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال خشيتك يارب ! فغفر الله له)) فهذا شك فى قدرة اللّه وفى المعاد، بل ظن أنه لا يعود ، وأنه لا يقدر اللّه عليه إذا فعل ذلك ، وغفر الله له . وهذه المسائل مبسوطة فى غير هذا الموضع . ٣٤٧ ولكن المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والعين ، ولهذا حكى طائفة منهم الخلاف فى ذلك ، ولم يفهموا غور قولهم ، فطائفة تحكي عن أحمد فى تكفير أهل البدع روايتين مطلقاً ، حتى تجعل الخلاف فى تكفير المرجئة والشيعة المفضلة لعلي ، وربما رجحت التكفير والتخليد فى النار ، وليس هذا مذهب أحمد ، ولا غيره من أمة الإسلام ، بل لا يختلف قوله أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون : الإيمان قول بلا عمل ، ولا يكفر من يفضل عليا على عثمان ، بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم . وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته ؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة ؛ ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق ، وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمريم ، وأنه يدور على التعطيل ، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة . لكن ما كان يكفر أعيانهم ، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به ، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه ، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق ، وإن الله لا يرى فى الآخرة، وغير ذلك . ويدعون الناس إلى ذلك ، ٣٤٨ ويمتحنونهم ، ويعاقبونهم ، إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم. حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية : إن القرآن مخلوق ، وغير ذلك . ولا يولون متولياً ولا يعطون رزقاً من بيت المال إلا لمن يقول ذلك ، ومع هذا فالإمام أحمد - رحمه اللّه تعالى - ترحم عليهم، واستغفر لهم ، لعلمه بأنهم لمن يبين لهم أنهم مكذبون للرسول ، ولا جاحدون لما جاء به ، ولكن تأولوا فأخطأوا ، وقلدوا من قال لهم ذلك . وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال : القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم. بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك ؛ لأنه لم يتبين له الحجة التى يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى فى قتله ، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء ، والصلاة خلفهم . وكذلك قال مالك - رحمه الله - والشافعي، وأحمد، في القدري : إن جحد علم اللّه كفر ، ولفظ بعضهم ناظروا القدرية بالعلم ، فإن أقروا به خصموا ، وإن جحدوه كفروا . وسئل أحمد عن القدري : هل يكفر ؟ فقال : إن جحد العلم كفر. وحينئذ فجاحد العلم هو من جنس الجهمية . وأما قتل الداعية إلى ٣٤٩ البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس ، كما يقتل المحارب . وإن لم يكن فى نفس الأمر كافراً، فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه . وهذه المسائل مبسوطة فى غير هذا الموضع وإنما نبهنا عليها تنبيهاً . فصل وأما من لا يقيم قراءة الفاتحة ، فلا يصلي خلفه إلا من هو مثله فلا يصلي خلف الألتغ الذي يبدل حرفاً بحرف ، إلا حرف الضاد إذا أخرجه من طرف الفم كما هو عادة كثير من الناس ، فهذا فيه وجهان : منهم من قال : لا يصلي خلفه ، ولا تصح صلاته فى نفسه ؛ لأنه أبدل حرفا بحرف ؛ لأن مخرج الضاد الشدق ، ومخرج الظاء طرف الأسنان . فاذا قال ( ولا الظالين ) كان معناه ظل يفعل كذا . والوجه الثانى : نصح ، وهذا أقرب لأن الحرفين في السمع شيء واحد ، وحس أحدهما من جنس حس الآخر لتشابه المخرجين . والقارئ إنما يقصد الضلال المخالف للهدى ، وهو الذي يفهمه المستمع ، فأما المعنى المأخوذ من ظل فلا يخطر ببال أحد ، وهذا بخلاف الحرفين ٣٥٠ المختلفين صوتاً ومخرجا وسمعاً ، كإبدال الراء بالغين ، فإن هذا لا يحصل به مقصود القراءة . وسئل رحمه اللّه عن الصلاة خلف المرازقة ، وعن بدعتهم . فأجاب: يجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم منه بدعة ، ولا فسقا ، باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين . وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ، ولا أن يمتحنه ، فيقول : ماذا تعتقد ؟ بل يصلي خلف مستور الحال . ولو صلى خلف من يعلم أنه فاسق أو مبتدع ففى صحة صلانه قولان مشهوران فى مذهب أحمد ، ومالك . ومذهب الشافعي ، وأبي حنيفة الصحة . وقول القائل لا أسلم مالي إلا لمن أعرف . ومراده لا أصلي خلف من لا أعرفه، كما لا أسلم مالي إلا لمن أعرفه ، كلام جاهل لم يقله أحد من أئمة الإسلام . فإن المال إذا أودعه الرجل المجهول فقد يخونه ٣٥١ فيه، وقد يضيعه. وأما الإمام فلو أخطأ أو نسي لم يؤاخذ بذلك المأموم ، كما في البخاري وغيره ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتْتكم يصلون لكم ولهم. فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم )). فجعل خطأ الإمام على نفسه دونهم ، وقد صلى عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم وهو جنب ناسياً للجنابة ، فأعاد ولم يأمر المأمومين بالإعادة ، وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد فى المشهور عنه . وكذلك لو فعل الإمام ما يسوغ عنده ، وهو عند المأموم يبطل الصلاة ، مثل أن يفتصد ويصلي ولا يتوضأ، أو يمس ذكره، أو يترك البسملة ، وهو يعتقد أن صلاته نصح مع ذلك ، والمأموم يعتقد أنها لا تصح مع ذلك ، فجمهور العلماء على صحة صلاة المأموم، كما هو مذهب مالك وأحمد فى أظهر الروايتين ، بل فى أنصها عنه ، وهو أحد الوجهين فى مذهب الشافعي ، اختاره القفال وغيره . ولو قدر أن الإمام صلى بلا وضوء متعمداً، والمأموم لم يعلم حتى مات المأموم ، لم يطالب الله المأموم بذلك، ولم يكن عليه إثم باتفاق المسلمين ، بخلاف ما إذا علم أنه يصلي بلا وضوء فليس له أن يصلي خلفه ، فإن هذا ليس بمصل ؛ بل لاعب ، ولو علم بعد الصلاة أنه صلى بلا وضوء ففي الإعادة نزاع. ولو علم المأموم أن الإمام ٣٥٢ مبتدع يدعو إلى بدعته ، أو فاسق ظاهر الفسق ، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه ، كإمام الجمعة والعيدين ، والإمام فى صلاة الحج بعرفة ، ونحو ذلك . فان المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف ، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرم . ولهذا قالوا فى العقائد : إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام براً كان أو فاجراً ، وكذلك إذا لم يكن فى القرية إلا إمام واحد ، فإنها تصلى خلفه الجماعات ، فإن الصلاة فى جماعة خير من صلاة الرجل وحده ، وإن كان الإمام فاسقا. هذا مذهب جماهير العلماء : أحمد بن حنبل ، والشافعي ، وغيرهما، بل الجماعة واجبة على الأعيان فى ظاهر مذهب أحمد . ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد وغيره ، من أئمة السنة . كما ذكره في رسالة عبدوس ، وابن مالك ، والعطار . والصحيح أنه يصليها ، ولا يعيدها ، فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ، ولا يعيدون كما كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ، وابن مسعود وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة ، وكان يشرب الخمر حتى أنه صلى بهم مرة الصبح أربعا ثم قال : أزيدكم ؟ فقال ابن مسعود : ما زلنا معك منذ اليوم فى زيادة ! ولهذا رفعوه إلى عثمان. وفي صحيح البخاري أن عثمان - رضي الله عنه - ١ ٣٥٣ لما حصر صلى بالناس شخص ، فسأل سائل عثمان . فقال: إنك إمام عامة، وهذا [الذي ] يصلي بالناس إمام فتنة . فقال: يا ابن أخي ! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسنوا فأحسن معهم ، وإذا أساء وا فاجتنب إساءتهم . ومثل هذا كثير . والفاسق والمبتدع صلاته فى نفسه صحيحة ، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنماكره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجوراً لا يرتب إماما للمسلمين ، فإنه يستحق التعزير حتى يتوب ، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا ، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك حتى يتوب ، أو يعزل ، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه . فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة ، ولم يفت المأموم جمعة ، ولا جماعة . وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة ، فهنا لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف الصحابة - رضي الله عنهم -. وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ، ولم يكن فى ترك الصلاة خلفه مصلحة ، فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه ، بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل ، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق ، أو بدعة ، تظهر مخالفتها للكتاب والسنة ، كبدعة الرافضة ، والجهمية ، ٣٥٤ ونحوهم . ومن أفكر مذهب الروافض وهو لا يصلي الجمعة والجماعة ، بل يكفر المسلمين ، فقد وقع فى مثل مذهب الروافض ، فإن من أعظم ما أنكره أهل السنة عليهم تركهم الجمعة والجماعة ، وتكفير الجمهور . فصل وأما (( الصلاة خلف المبتدع)) فهذه المسألة فيها نزاع ، وتفصيل. فإذا لم يجد إماما غيره كالجمعة التى لاتقام إلا بمكان واحد ، وكالعيدين وكصلوات الحج ، خلف إمام الموسم فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة ، والجماعة ، وإنما تدع مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ومحوم ، ممن لأ يرى الجمعة والجماعة إذا لم يكن فى القرية إلا مسجد واحد ، فصلاته فى الجماعة خلف الفاجر خير من صلاته فى بيته منفرداً؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقاً . وأما إذا أمكنه أن يصلي خلف غير المبتدع فهو أحسن، وأفضل بلا ريب . لكن إن صلى خلفه ففي صلاته نزاع بين العلماء . ومذهب الشافعي ، وأبى حنيفة تصح صلاته . وأما مالك وأحمد ، ففي مذهبها نزاع وتفصيل . ٣٥٥ وهذا إنما هو فى البدعة التى يعلم أنها تخالف الكتاب والسنة ، مثل بدع الرافضة والجهمية ، ونحوم . فأما مسائل الدين التى يتنازع فيها كثير من الناس فى هذه البلاد، مثل ((مسألة الحرف، والصوت)) ونحوها ، فقد يكون كل من المتنازعين مبتدعا ، وكلاهما جاهل متأول، فليس امتناع هذا من الصلاة خلف هذا بأولى من العكس ، فأما إذا ظهرت السنة وعلمت مخالفها واحد ، فهذا هو الذي فيه النزاع ، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. وسئل عن رجل استفاض عنه أنه يأكل الحشيشة ، وهو إمام ، فقال رجل : لا يجوز الصلاة خلفه ، فأنكر عليه رجل وقال : مجوز، واحتج بقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((مجوز الصلاة خلف البر والفاجر )) فهذا الذي أنكر مصيب أم مخطئ ؟ وهل يجوز لآ كل الحشيشة أن يؤم بالناس ؟ وإذا كان المنكر مصيباً ، فما يجب على الذي قام عليه ؟ وهل يجوز للناظر في المكان أن يعزله أم لا ؟. فأجاب : لا يجوز أن يولى فى الإمامة بالناس من يأكل الحشيشة ، أو يفعل من المنكرات المحرمة ، مع إمكان تولية من هو خير منه . ٣٥٦ كيف وفى الحديث: (( من قلد رجلا عملا على عصابة ، وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى الله ، فقد خان الله ، وخان رسوله ، وخان المؤمنين ))، وفي حديث آخر ((اجعلوا أتْتَكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين اللّه)). وفى حديث آخر ((إذا أم الرجل القوم. وفيهم من هو خير منه ، لم يزالوا في سفال )) وقد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( يؤم القوم أقرؤم لكتاب الله . فإن كانوا فى القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً)) فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بتقديم الأفضل بالعلم بالكتاب ، ثم بالسنة، ثم الأسبق إلى العمل الصالح بنفسه، ثم بفعل اللّه تعالى. وفى سنن أبى داود وغيره: (( أن رجلا من الأنصار كان يصلي بقوم إماما فبصق في القبلة فأحرم النبى صلى الله عليه وسلم أن يعزلوه عن الإمامة ، ولا يصلوا خلفه ، فجاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فسأله هل أمرهم بعزله؟ فقال: نعم، إنك آذيت الله ورسوله)) فإذا كان المرء يعزل لأجل إساءته فى الصلاة ، وبصاقه في القبلة ، فكيف المصر على أكل الحشيشة ، لاسيما إن كان مستحلا للمسكر منها . كما عليه طائفة من الناس ، فإن مثل هذا ينبغي أن يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، إذ السكر منها حرام بالإجماع ، واستحلال ذلك كفر بلا زاع . ٣٥٧ وأما احتجاج المعارض بقوله: (( بجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر)) فهذا غلط منه لوجوه : أحدها : أن هذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل فى سنن ابن ماجة عنه (( لا يؤمن فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسوط أو عصا)) . وفي إسناد الآخر مقال أيضاً . الثانى : أنه يجوز للمأموم أن يصلي خلف من ولى ، وإن كان تولية ذلك المولى لا تجوز ، فليس للناس أن يولوا عليهم الفساق، وإن كان قد ينفذ حكمه ، أو تصح الصلاة خلفه . الثالث : أن الأئمّة متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق ، لكن اختلفوا فى صحتها : فقيل لا تصح . كقول مالك ، وأحمد في إحدى الروايتين عنهما . وقيل : بل تصح، كقول أبى حنيفة ، والشافعي ، والرواية الأخرى عنها ، ولم يتنازعوا أنه لا ينبغي توليته . الرابع : أنه لا خلاف بين المسلمين فى وجوب الإنكار على هؤلاء الفساق ، الذين بسكرون من الحشيشة؛ بل الذي عليه جمهور الأئمة أن قليلها وكثيرها حرام ، بل الصواب أن آكلها يحد ، وأنها نجسة ، فإذا كان آ كلها لم يغسل منها فمه كانت صلاته باطلة ، ولو غسل فمه ٣٥٨ منها أيضاً فهي خمر. وفي الحديث (( من شرب الخمر لم تقبل منه صلاة أربعين يوماً ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها فى الثالثة أو الرابعة - كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال : قيل : يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار)). وإذا كانت صلانه تارة باطلة وتارة غير مقبولة، فإنه يجب الإنكار عليه باتفاق المسلمين . فمن لم ينكر عليه كان عاصياً لله ورسوله . ومن منع المنكر عليه فقد حاد الله ورسوله ، ففي سنن أبي داود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد اللّه فى أمره؛ ومن قال: في مؤمن ما ليس فيه ، حبس فى ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ، ومن خاصم فى باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع)) فالمخاصمون [عنه مخاصمون] فى باطل، وهم فى سخط الله. والحائلون ذلك الإنكار عليه مضادون الله في أمره، وكل من على حاله ولم ينكر عليه بحسب قدرته فهو عاص لله ورسوله ، والله أعلم . ٣٥٩ وسل عن خطيب قد حضر صلاة الجمعة ، فامتنعوا عن الصلاة خلفه ؛ لأجل بدعة فيه ، فما هي البدعة التى تمنح الصلاة خلفه ؟. فأجاب : ليس لهم أن يمنعوا أحداً من صلاة العيد والجمعة، وإن كان الإمام فاسقاً . وكذلك ليس لهم ترك الجمعة ونحوها لأجل فسق الإمام ، بل عليهم فعل ذلك خلف الإمام ، وإن كان فاسقاً ، وإن عطلوها لأجل فسق الإمام كانوا من أهل البدع ، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وغيرها . وإنما تنازع العلماء فى الإمام إذا كان فاسقاً ، أو مبتدعا ، وأمكن أن يصلى خلف عدل . فقيل : تصح الصلاة خلفه ، وإن كان فاسقاً . وهذا مذهب الشافعى وأحمد فى إحدى الروايتين وأبى حنيفة. وقيل : لا تصح خلف الفاسق ، إذا أمكن الصلاة خلف العدل ، وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد. والله أعلم . ٣٦٠