Indexed OCR Text
Pages 221-240
يجلس حتى يصلي ركعتين)) فإذا أمر بالتحية وقت الخطبة ، ففي هذه الأوقات أولى ، والله أعلم . وسئل عن رجل إذا توضأ قبل طلوع الشمس ، وقبل الغروب ، وقد صلى الفجر ، فهل يجوز له أن يصلي شكراً للوضوء ؟ فأجاب : هذا فيه نزاع ، والأشبه أن يفعل لحديث بلال . ٢٢١ باب صلاة الجماعة سئل رحمه الله: عن صلاة الجماعة هل هي فرض عين أم فرض كفاية ، أم سنة فإن كانت فرض عين وصلى وحده من غير عذر . فهل تصح صلاته أم لا ؟ وما أقوال العلماء فى ذلك ؟ وما حجة كل منهم ؟ وما الراجح من أقوالهم ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين . اتفق العلماء على أنها من أوكد العبادات ، وأجل الطاعات ، وأعظم شعائر الإسلام ، وعلى ما ثبت فى فضلها عن النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((نفضل صلاة الرجل فى الجماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة )» هكذا فى حديث أبى هريرة . وأبى سعيد بخمس وعشرين ، ومن حديث ابن عمر بسبع وعشرين ، والثلاثة فى الصحيح . وقد جمع بينهما : بأن حديث الخمس والعشرين ، ذكر فيه الفضل ٢٢٢ الذى بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة ، والفضل خمس وعشرون ، وحديث السبعة والعشرين ذكر فيه صلاته منفرداً وصلاته فى الجماعة والفضل بينهما ، فصار المجموع سبعاً وعشرين ، ومن ظن من المتنسكة أن صلاته وحده أفضل ، إما في خلوته ، وإما فى غير خلوته ، فهو مخطئ ضال ، وأضل منه من لم ير الجماعة إلا خلف الإمام المعصوم ، فعطل المساجد عن الجمع والجماعات التى أمر الله بها ورسوله ، وعمر المساجد بالبدع والضلالات التى نهى الله عنها ورسوله ، وصار مشابهاً لمن نهى عن عبادة الرحمن ، وأمر بعبادة الأوثان . فإن الله سبحانه شرع الصلاة وغيرها فى المساجد . كما قال تعالى ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ الَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِ خَرَابِهَآَ) وقال تعالى: (وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ ) وقال تعالى وقال (قُلْ أَمَرَرَبِ بِالْقِسْطٌ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) إلى قوله : (مَاكَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ ) تعالی : (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) وقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ يُسَيُِّ لَهُرِفِهَا بِالْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ * رِجَالٌ لََّ نْهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَعُ عَن ذِكْرِاللّهِ) الآية. وقال تعالى: ( وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ٢٢٣ وقال تعالى: (وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) وأما مشاهد القبور ونحوها : فقد اتفق أئمة المسلمين على أنه ليس من دين الإسلام أن تخص بصلاة أو دعاء ، أو غير ذلك ، ومن ظن أن الصلاة والدعاء والذكر فيها أفضل منه في المساجد ، فقد كفر. بل قد تواترت السنن فى النهي عن اتخاذها لذلك. كما ثبت في الصحيحين أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)» يحذر ما فعلوا: قالت عائشة: ((ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكن كره أن يتخذ مسجداً)) وفى الصحيحين أيضاً أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الحسن والتصاوير، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك التصاوير ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) وثبت عنه فى صحيح مسلم من حديث جندب أنه قال : قبل أن يموت بخمس : «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنهاكم عن ذلك)). وفى المسند عنه أنه قال: (( إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء ، والذين يتخذون القبور مساجد )) وفى موطأ مالك عنه أنه قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وفى السنن عنه أنه قال (( لا تتخذوا ٢٢٤ قبري عيداً ، وصلوا علي حيثما كنتم ، فإن صلاتكم تبلغنى )). والمقصود هنا: أن أئمة المسلمين متفقون على أن إقامة الصلوات الخمس فى المساجد هي من أعظم العبادات ، وأجل القربات ، ومن فضل تركها عليها إيثاراً للخلوة والانفراد على الصلوات الخمس فى الجماعات ، أو جعل الدعاء والصلاة فى المشاهد أفضل من ذلك فى المساجد ، فقد انخلع من ربقة الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين . ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَانَبَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ) . ولكن تنازع العلماء بعد ذلك فى كونها واجبة على الأعيان ، أو على الكفاية ، أو سنة مؤكدة ، على ثلاثة أقوال : فقيل : هي سنة مؤكدة فقط ، وهذا هو المعروف عن أصحاب أبى حنيفة، وأكثر أصحاب مالك ، وكثير من أصحاب الشافعي ، ويذكر رواية عن أحمد . وقيل : هي واجبة على الكفاية ، وهذا هو المرجح في مذهب الشافعي ، وقول بعض أصحاب مالك ، وقول فى مذهب أحمد . وقيل هي واجبة على الأعيان ؛ وهذا هو المنصوص عن أحمد ٢٢٥ وغيره ، من أئمة السلف ، وفقهاء الحديث ، وغيرهم . وهؤلاء تنازعوا فيما إذا صلى منفرداً لغير عذر ، هل تصح صلاته ؟ على قولين ؟ (أحدهما ) لا تصح، وهو قول طائفة من قدماء أصحاب أحمد ، ذكره القاضي أبو يعلى ، فى شرح المذهب منهم ، وبعض متأخريهم كابن عقيل ، وهو قول طائفة من السلف ، واختاره ابن حزم وغيره. ( والثانى ) تصح مع إنمه بالترك ، وهذا هو المأثور عن أحمد ، وقول أكثر أصحابه . والذين نفوا الوجوب احتجوا بتفضيل النبى صلى الله عليه وسلم: صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده . قالوا : ولو كانت واجبة لم تصح صلاة المنفرد ، ولم يكن هناك تفضيل ، وحملوا ما جاء من م النبي صلى اللّه عليه وسلم بالتحريق على من ترك الجمعة ، أو على المنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة مع النفاق ، وأن تحريقهم كان لأجل النفاق لا لأجل ترك الجماعة ، مع الصلاة في البيوت. وأما الموجبون : فاحتجوا بالكتاب والسنة والآثار . ( أما الكتاب ) فقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ ) الآية . وفيها دليلان : ٢٢٦ (أحدهما ) أنه أمرم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف ، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف ، وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن . ( الثانى ) : أنه سن صلاة الخوف جماعة، وسوغ فيها مالا يجوز لغير عذر ، كاستدبار القبلة ، والعمل الكثير، فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق ، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور ، وكذلك التخلف عن متابعة الإمام ، كما يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم . قالوا : وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر ، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة ، وتركت المتابعة الواجبة فى الصلاة لأجل فعل مستحب ، مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم أنها واجبة . (وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ وأيضا فقوله تعالى : الرَّكِعِينَ) إما أن يراد به المقارنة بالفعل ، وهي الصلاة جماعة . وإما أن يراد به ما يراد بقوله : ( وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ ) فإن أُريد الثانى ، لم يكن فرق بين قوله : صلوا مع المصلين ، وصوموا مع الصائمين، (وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ )، والسياق يدل على اختصاص الركوع بذلك . ٢٢٧ فإن قيل : فالصلاة كلها تفعل مع الجماعة . قيل : خص الركوع بالذكر لأنه تدرك به الصلاة ، فمن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة ، ( أَقْنُتِ لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِى فأمر بما يدرك به الركعة ، كما قال لمريم : وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ ) فإنه لو قيل : اقنتى مع القانتين، لدل على وجوب إدراك القيام ، ولو قيل : اسجدى لم يدل على وجوب إدراك الركوع، بخلاف قوله: (وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِينَ ) فإنه يدل على الأمر بإدراك الركوع وما بعده دون ما قبله ، وهو المطلوب . ( وأما السنة ) فالأحاديث المستفيضة فى الباب : مثل حديث أبى هريرة المتفق عليه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة: فأحرق عليهم بيوتهم بالنار )) فهم بتحريق من لم يشهد الصلاة ، وفى لفظ قال : (( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ، ولو يعلمون ما فيها لأنوهما ولو حبوا ، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام)) الحديث. وفى المسند وغيره « لولا ما فى البيوت من النساء والذرية، لأمرت أن تقام الصلاة )) الحديث . فبين صلى الله عليه وسلم أنه هم بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة ، وبين أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية ، فإنهم لا يجب عليهم شهود الصلاة ، وفى تحريق البيوت قتل من لا يجوز قتله ، وكان ذلك بمنزلة إقامة الحد على الحبلى. ٢٢٨ وقد قال سبحانه وتعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطِئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُم مَّعَزَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ الَهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْتَزَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ). ومن حمل ذلك على ترك شهود الجمعة ، فسياق الحديث يبين ضعف قوله حيث ذكر صلاة العشاء والفجر ، ثم أتبع ذلك بهمه بتحريق من لم يشهد الصلاة . وأما من حمل العقوبة على النفاق ، لا على ترك الصلاة ، فقوله ضعيف لأوجه : (أحدها ) أن النبى صلى الله عليه وسلم ما كان يقيل المنافقين إلا على الأمور الباطنة ، وإنما يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك واجب أو فعل محرم ، فلولا أن في ذلك ترك واجب لما حرقهم . ( الثانى ) أنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة ، فيجب ربط الحكم بالسبب الذي ذكره . (الثالث) أنه سيأتى - إن شاء الله - حديث ابن أم مكتوم حيث استأذنه أن يصلي فى بيته ، فلم يأذن له ، وابن أم مكتوم رجل مؤمن من خيار المؤمنين ، أثنى عليه القرآن ، وكان النبى صلى الله عليه ٢٢٩ وسلم يستخلفه على المدينة ، وكان يؤذن للنى صلى الله عليه وسلم . ( الرابع ) أن ذلك حجة على وجوبها أيضاً: كما قد ثبت فى صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ((من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليصل هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن ؛ فإن الله شرع لنبيه سنن الهدى ، وأن هذه الصلوات الخمس فى المساجد التى ينادى بهن من سنن الهدى ، وأنكم لو صليتم فى بيوتكم كما صلى هذا المتخلف فى بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام فى الصف )) فقد أخبر عبد الله بن مسعود أنه لم يكن يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ، وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين ، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبى صلى اللّه عليه وسلم، إذ لو كانت عندج مستحبة كقيام الليل ، والتطوعات التى مع الفرائض ، وصلاة الضحى ، ونحو ذلك . كان منهم من يفعلها ، ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه ، كما قال له الأعرابى: والله لا أزيد على ذلك، ولا أنقص منه . فقال: ((أفلح إن صدق )) ومعلوم أن كل أمر كان لا يتخلف عنه إلا منافق كان واجباً على الأعيان ، كخروجهم إلى غزوة تبوك ، فإن النبي صلى ٢٣٠ اللّه عليه وسلم أمر به المسلمين جميعاً، لم يأذن لأحد فى التخلف، إلا من ذكر أن له عذراً فأذن له لأجل عذره ، ثم لما رجع كشف الله أسرار المنافقين ، وهتك أستارم ، وبين أنهم تخلفوا لغير عذر. والذين تخلفوا لغير عذر مع الإيمان عوقبوا بالهجر ، حتى هجران نسائهم لهم ، حتی تاب الله عليهم . (فإن قيل ) فأنتم اليوم تحكمون بنفاق من تخلف عنها ، وتجوزون تحريق البيوت عليه ، إذا لم يكن فيها ذرية . قيل له : من الأفعال مايكون واجبا ، ولكن تأويل المتأول يسقط الحد عنه ، وقد صار اليوم كثير ممن هو مؤمن لايراها واجبة عليه ، فيتركها متأولا ، وفي زمن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد تأويل ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم قد باشرم بالإيجاب . وأيضا كما ثبت فى الصحيح والسنن: (( أن أعمى استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى في بيته ، فأذن له ، فلما ولى دعاه ، فقال : هل تسمع النداء ؟ قال: نعم ، قال : فأجب )) فأمره بالإجابة إذا سمع النداء ؛ ولهذا أوجب أحمد الجماعة على من سمع النداء . وفي لفظ في السنن ((أن ابن أم مكتوم قال يا رسول الله : إنى رجل شاسع الدار وإن المدينة كثيرة الهوام ، ولي قائد لا بلاتمنى ، فهل تجد لى رخصة أن ٢٣١ أصلي في بيتى ؟ فقال: ((هل تسمع النداء ؟ قال : نعم ، قال : لا أجد لك رخصة)). وهذا نص فى الإيجاب للجماعة، مع كون الرجل مؤمناً . وأما احتجاجهم بتفضيل صلاة الرجل فى الجماعة على صلاته وحده فعنه جوابان مبنيان على صحة صلاة المنفرد لغير عذر، فمن صحح صلاته قال : الجماعة واجبة ، وليست شرطا فى الصحة ، كالوقت فإنه لو أخر العصر إلى وقت الاصفرار كان آتما ، مع كون الصلاة صحيحة ، بل وكذلك لو أخرها إلى أن يبقى مقدار ركعة كما ثبت فى الصحيح . ((من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر)) قال : والتفضيل لا بدل على أن المفضول جائز، فقد قال تعالى: (إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ فجعل السعي الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ) إلى الجمعة خيراً من البيع ، والسعي واجب والبيع حرام . وقال تعالى: (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُ واْفُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَكَى لَهُمْ) . ومن قال : لا تصح صلاة المنفرد إلا لعذر ، احتج بأدلة الوجوب قال : وما ثبت وجوبه فى الصلاة كان شرطا فى الصحة ، كسائر الواجبات . ٢٣٢ وأما الوقت فإنه لا يمكن تلافيه ، فإذا فات لم يمكن فعل الصلاة فيه ، فنظير ذلك فوت الجمعة ، وفوت الجماعة التى لا يمكن استدراكها ، فإذا فوت الجمعة الواجبة كان آئماً ، وعليه الظهر ، إذ لا يمكن سوى ذلك . وكذلك من فوت الجماعة الواجبة التى يجب عليه شهودها ، وليس هناك جماعة أخرى ، فإنه يصلي منفرداً وتصح صلاته هنا لعدم إمكان صلانه جماعة ، كما نصح الظهر ممن تفوته الجمعة . وليس وجوب الجماعة بأعظم من وجوب الجمعة ، وإنما الكلام فيمن صلى فى بيته منفرداً لغير عذر ، ثم أقيمت الجماعة، فهذا عندم عليه أن يشهد الجماعة ، كمن صلى الظهر قبل الجمعة عليه أن يشهد الجمعة . واستدلوا على ذلك بحديث أبى هريرة الذي فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له)). ويؤيد ذلك قوله: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. )) فإن هذا معروف من كلام علي وعائشة ، وأبى هريرة، وابن عمر ، وقد رواه الدار قطنى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقوى ذلك بعض الحفاظ . قالوا : ولا يعرف في كلام الله ورسوله حرف النفي دخل على فعل شرعى إلا لترك واجب فيه كقوله: (( لا صلاة إلا بأم القرآن)) و ((لا إيمان لمن لا أمانة له)). ونحو ذلك. ٢٣٣ وأجاب هؤلاء عن حديث التفضيل. بأن قالوا : هو محمول على المعذور كالمريض ونحوه، فإن هذا بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد)) وأن تفضيله صلاة الرجل فى جماعة على صلاته وحده كتفضيله صلاة القائم على صلاة القاعد ، ومعلوم أن القيام واجب في صلاة الفرض دون النفل ، كما أن الجماعة واجبة فى صلاة الفرض دون النفل . وتمام الكلام فى ذلك : أن العلماء تنازعوا في هذا الحديث ، وهو : هل المراد بهما المعذور ، أو غيره ؟ على قولين : فقالت طائفة المراد بها غير المعذور. قالوا لأن المعذور أجره تام ، بدليل ما ثبت فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم)) قالوا : فإذا كان المريض والمسافر يكتب لهما ما كانا يعملان فى الصحة ، والإقامة . فكيف تكون صلاة المعذور قاعداً أو منفرداً دون صلاته فى الجماعة قاعداً ؟ ! وحمل هؤلاء تفضيل صلاة القائم على النفل دون الفرض ؛ لأن القيام فى الفرض واجب . ومن قال هذا القول لزمه أن يجوز تطوع الصحيح مضطجعاً ؛ لأنه قد ثبت أنه قال: ((ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم)). وقد ٢٣٤ طرد هذا الدليل طائفة من متأخري أصحاب الشافعي ، وأحمد ، وجوزوا أن يتطوع الرجل مضطجعاً ، لغير عذر ؛ لأجل هذا الحديث ، ولتعذر حمله على المريض ، كما تقدم . ولكن أكثر العلماء أنكروا ذلك، وعدوه بدعة، وحدثاً في الإسلام. وقالوا: لا يعرف أن أحداً قط صلى في الإسلام على جنبه وهو صحيح، ولو كان هذا مشروعا لفعله المسلمون على عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم، أو بعده، ولفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة لتبين الجواز ، فقد كان يتطوع قاعداً ، ويصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت ، ويوتر عليها ، غير أنه لا يصلى عليها المكتوبة ، فلو كان هذا سائغا لفعله ، ولو مرة . أو لفعله أصحابه. وهؤلاء الذين أنكروا هذا مع ظهور حجتهم قد تناقض من لم يوجب الجماعة منهم . حيث حملوا قوله: ((تفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة)) على أنه أراد غير المعذور ، فيقال لهم: لم كان التفضيل هنا في حق غير المعذور ، والتفضيل هناك فى حق المعذور ، وهل هذا إلا تناقض ؟ !. وأما من أوجب الجماعة وحمل التفضيل على المعذور ، فطرد دليله ، وحينئذ فلا يكون فى الحديث حجة على صحة صلاة المنفرد لغير عذر . ٢٣٥ وأما ما احتج به منازعهم من قوله: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم)) محجوابهم عنه أن هذا الحديث دليل على أنه يكتب له مثل الثواب الذي كان يكتب له فى حال الصحة والإقامة ؛ لأجل نيته له ، وعجزه عنه بالعذر . وهذه ((قاعدة الشريعة)) أن من كان عازماً على الفعل عزماً جازماً وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل ، فهذا الذي كان له عمل فى صحته وإقامته عزمه أنه يفعله ، وقد فعل فى المرض والسفر ما أمكنه ، فكان بمنزلة الفاعل . كما جاء فى السنن : فيمن تطهر فى بيته ثم ذهب إلى المسجد يدرك الجماعة فوجدها قد فاتت أنه يكتب له أجر صلاة الجماعة ، وكما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيراً ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ، قالوا: وم بالمدينة ، قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر )) وقد قال تعالى : (لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) الآية . فهذا ومثله يبين أن المعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح ، إذا كانت نيته أن يفعل ، وقد عمل ما يقدر عليه ، وذلك لا يقتضى أن يكون نفس عمله مثل عمل الصحيح ، فليس فى الحديث أن صلاة المريض نفسها فى الأجر مثل صلاة الصحيح، ولا أن صلاة المنفرد المعذور في نفسها مثل صلاة الرجل في الجماعة ، ٢٣٦ وإنما فيه أن يكتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ، كما يكتب له أجر صلاة الجماعة إذا فانته مع قصده لها . وأيضاً فليس كل معذور يكتب له مثل عمل الصحيح ، وإنما يكتب له إذا كان بقصد عمل الصحيح ، ولكن عجز عنه . فالحديث يدل على أنه من كان عادته الصلاة فى جماعة ، والصلاة قائماً ، ثم ترك ذلك لمرضه ، فإنه يكتب له ما كان يعمل . وهو صحيح مقيم ، وكذلك من تطوع على الراحلة في السفر ، وقد كان يتطوع فى الحضر ، قائما يكتب له ما كان يعمل فى الإقامة . فأما من لم تكن عادته الصلاة في جماعة ، ولا الصلاة قائماً إذا مرض ، فصلى وحده، أو صلى قاعداً، فهذا لا يكتب له مثل صلاة المقيم الصحيح . ومن حمل الحديث على غير المعذور يلزمه أن يجعل صلاة هذا قاعداً مثل صلاة القائم ، وصلاته منفرداً مثل الصلاة فى جماعة ، وهذا قول باطل لم يدل عليه نص ولا قياس ، ولا قاله أحد . وأيضاً فيقال : تفضيل النبى صلى الله عليه وسلم لصلاة الجماعة على صلاة المنفرد ، ولصلاة القائم على القاعد ، والقاعد على المضطجع ، إنما دل على فضل هذه الصلاة على هذه الصلاة ، حيث يكون كل من الصلاتين صحيحة . ٢٣٧ أماكون هذه الصلاة المفضولة نصح حيث نصح تلك ، أو لاتصح فالحديث لم يدل عليه بنفي ولا إثبات ، ولا سيق الحديث لأجل بيان صحة الصلاة وفسادها ؛ بل وجوب القيام والقعود ، وسقوط ذلك ، ووجوب الجماعة وسقوطها: يتلقى من أدلة أخر. وكذلك أيضاً : كون هذا المعذور يكتب له تمام عمله أولا يكتب له لم يتعرض له هذا الحديث ، بل يتلقى من أحاديث آخر ، وقد بينت سائر النصوص أن تكميل الثواب هو لمن كان يعمل العمل الفاضل وهو صحيح مقيم ، لا لكل أحد . وتثبت نصوص أخر وجوب القيام فى الفرض ، كقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب)). وبين جواز التطوع قاعداً لما رآهم وهم يصلون قعوداً ، فأقرم على ذلك ، وكان يصلي قاعداً مع كونه كان يتطوع على الراحلة فى السفر . كذلك تثبت نصوص أخر وجوب الجماعة فيعطي كل حديث حقه ، فليس بينها تعارض ولا تناف ، وإنما يظن التعارض والتنافى من حملها ما لا تدل عليه ، ولم يعطها حقها بسوء نظره وتأويله . والله أعلم . ٢٣٨ وسئل شيخ الإسلام وحمد الله عن مسائل يكثر وقوعها، ويحصل الابتلاء بها، والضيق والحرج على رأي إمام بعينه: منها« مسألة الجماعة للصلاة)) هل هى واجبة ؟ أم سنة ؟ وإذا قلنا : واجبة ، هل تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها ؟ فأجاب: وأما الجماعة فقد قيل : إنها سنة ، وقيل : إنها واجبة على الكفاية وقيل: إنها واجبة على الأعيان . وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة ، فإن الله أمر بها فى حال الخوف ، ففي حال الأمن أولى ، وآكد . وأيضاً فقد قال تعالى: (وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ) وهذا أمر بها . وأيضاً فقد ثبت في الصحيح أن ابن أم مكتوم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له أن يصلي فى بيته، فقال: ((هل تسمع النداء ؟ قال : نعم! قال: فأجب)) وفي رواية ((ما أجد لك رخصة)) وابن أم مكتوم كان رجلا صالحاً ، وفيه نزل قوله تعالى : ٢٣٩ وكان من المهاجرين ، ولم يكن من (عَبَسَ وَتَوَلَّ * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) المهاجرين من يتخلف عنها إلا منافق، فعلم أنه لا رخصة لمؤمن فى تركها . وأيضاً فقد ثبت عنه فى الصحاح أنه قال: ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام . ثم آمر رجلا يصلي بالناس ، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار.)) وفي رواية ((لولا ما فى البيوت من النساء والذرية)) فبين أنه إنما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة من فى البيوت من النساء والأطفال ، فإن تعذيب أولئك لا يجوز ؛ لأنه لا جماعة عليهم . ومن قال : إن هذا كان في الجمعة ، أو كان لأجل نفاقهم . فقوله ضعيف ، فإن المنافقين لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يقتلهم لأجل النفاق ، بل لا يعاقبهم إلا بذنب ظاهر ، فلولا أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب ، لما عاقبهم . والحديث قد بين فيه التخلف عن صلاة العشاء والفجر . وقد تقدم حديث ابن أم مكتوم ، وأنه لم يرخص له في التخلف عن الجماعة . . وأيضاً فإن الجماعة يترك لها أكثر واجبات الصلاة في صلاة الخوف وغيرها ، فلولا وجوبها لم يؤمر بترك بعض الواجبات لها ؛ لأنه لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب . ٢٤٠