Indexed OCR Text
Pages 101-120
ومن قال : المتروك هو الدعاء على أولئك الكفار ، فلم تبلغه ألفاظ الحديث ، أو بلغته فلم يتأملها ، فإن فى الصحيحين عن عاصم الأحول قال: (( سألت أنس بن مالك عن القنوت : هل كان قبل الركوع أو بعده ؟ فقال : قبل الركوع قال : فإن فلانا أخبرنى أنك قلت بعد الركوع قال: كذب ، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الركوع أراه بعث قوماً يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلا إلى قوم مشركين دون أولئك وكان بينهم وبين رسول اللّه عهد وقنت صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو عليهم، وكذلك الحديث الذي رواه أحمد والحاكم عن الربيع ابن أنس ، عن أنس أنه قال: (( ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الدنيا)) جاءلفظه مفسرا (( أنه : ما زال يقنت قبل الركوع». والمراد هنا بالقنوت طول القيام ، لا الدعاء . كذلك جاء مفسرا ، ويبينه ما جاء فى الصحيحين عن محمد بن سيرين قال : « قلت لأنس : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلاة الصبح، قال: نعم بعد الركوع بسيرا)) فأخبر أن قنوته كان يسيرا وكان بعد الركوع ، فلما كان لفظ القنوت هو إدامة الطاعة، سمي كل تطويل فى قيام أو ركوع أو سجود قنوناً. كما قال تعالى: (أَمَّنْ هُوَقَنِثُ مَانَآءَ اَلَيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا ) ولهذا لما سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن القنوت الراتب قال: (( ما سمعنا ولا رأينا)) وهذا قول ومنهم من قال : بل القنوت سنة راقبة ، حيث قد ثبت عن النبى ١٠١ صلى الله عليه وسلم أنه قنت، وروي عنه: (( أنه ما زال بقنت حتى فارق الدنيا )). وهذا قول الشافعي ، ثم من هؤلاء من استحبه فى جميع الصلوات ، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت فيهن وجاء ذلك من غير وجه فى المغرب والعشاء الآخرة ، والظهر . لكن لم يرو أحد أنه قنت قنوتا راتبا بدعاء معروف . فاستحبوا أن يدعو فيه بقنوت الوتر الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وهو: ((اللهم اهدنى فيمن هديت)) إلى آخره. وتوسط آخرون من فقهاء الحديث وغيرم كأحمد وغيره فقالوا : قد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم قنت للنوازل التى نزلت به من العدو ، فى قتل أصحابه ، أو حبسهم ونحو ذلك. فإنه قنت مستنصراً، كما استسقى حين الجدب ، فاستنصاره عند الحاجة ، كاسترزاقه عند الحاجة ، إذ بالنصر والرزق قوام أمر الناس. كما قال تعالى: (الَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُمْ مِّنْ خَوْفٍ ) وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفاتكم ؟ بدعاتهم وصلاتهم واستغفارم)) وكما قال في صفة الأبدال: (( بهم ترزقون، وبهم تنصرون)) وكما ذكر الله هذين النوعين فى سورة الملك ، وبين أنهما بيده سبحانه. فى قوله: ( أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَجُنٌّ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنّإِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْإِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ) ثم ترك القنوت . وجاء مفسراً أنه تركه لزوال ذلك السبب . ١٠٢ وكذلك كان عمر رضى الله عنه إذا أبطأ عليه خبر جيوش المسلمين قنت ، وكذلك على رضى الله عنه قنت لما حارب من حارب من الخوارج وغيرهم. قالوا : وليس الترك نسخا ، فإن الناسخ لا بد أن ينافي المنسوخ ، وإذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أمرا لحاجة ثم تركه لزوالها لم يكن ذلك نسخاً ، بل لو تركه تركا مطلقا لكان ذلك يدل على جواز الفعل والترك ، لا على النهي عن الفعل . قالوا : ونعلم مطلقاً أنه لم يكن يقنت قنوتا راتباً ، فإن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، فإنه لم ينقل أحد من الصحابة قط أنه دعا فى قنونه فى الفجر ونحوها إلا لقوم أو على قوم ، ولا نقل أحد منهم قط أنه قنت دائماً بعد الركوع، ولا أنه قنت دائماً يدعو قبله ، وأنكر غير واحد من الصحابة القنوت الراتب ، فإذا علم هذا على قطعاً أن ذلك لم يكن كما يعلم: (( أن حي على خير العمل)) لم يكن من الأذان الراتب ، وإنما فعله بعض الصحابة لعارض تحضيضاً للناس على الصلاة فهذا القول أوسط الأقوال ، وهو أن القنوت مشروع غير منسوخ؛ لكنه مشروع للحاجة النازلة ، لا سنة راقبة . وهذا أصل آخر فى الواجبات ، والمستحبات ، كالأصل الذي تقدم فى ما يسقط بالعذر ، فإن كل واحد من الواجبات والمستحبات الراتبة ١٠٣ يسقط بالعذر العارض ، بحيث لا يبقى لا واجباً ولا مستحباً ، كما سقط بالسفر والمرض والخوف كثير من الواجبات والمستحبات . وكذلك أيضاً قد يجب أو يستحب للأسباب العارضة ، ما لا يكون واجباً ولا مستحباً راتباً ، فالعبادات فى ثبوتها وسقوطها تنقسم إلى رانبة وعارضة ، وسواء في ذلك ثبوت الوجوب ، أو الاستحباب ، أو سقوطه . وإنما تغلط الأذهان من حيث تجعل العارض راتباً ، أو تجعل الراتب لا يتغير بحال ، ومن اهتدى للفرق بين المشروعات الراتبة والعارضة ، انحلت عنه هذه المشكلات كثيرا . وسل هل قنوت الصبح دائماً سنة ؟ ومن يقول : إنه من أبعاض الصلاة التى يجبر بالسجود، وما يجبر إلا الناقص. والحديث (( ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الدنيا)) فهل هذا الحديث من الأحاديث الصحاح ؟ وهل هو هذا القنوت ؟ وما أقوال العلماء في ذلك ؟ وما حجة كل منهم ؟ وإن قنت لنازلة : فهل يتعين قوله ، أو يدعو بما شاء؟ ١٠٤ فأجاب: الحمد لله رب العالمين . قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان وعصية)) ثم تركه . وكان ذلك لما قتلوا القراء من الصحابة . وثبت عنه أنه قنت بعد ذلك بمدة بعد صلح الحديبية ، وفتح خيبر ، يدعو للمستضعفين من أصحابه الذين كانوا بمكة . ويقول فى قنوته: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وعياش بن أبى ربيعة، وسلمة ابن هشام، والمستضعفين من المؤمنين . اللهم اشدد وطأنك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف)). وكان يقنت يدعو للمؤمنين ، ويلعن الكفار ، وكان قنوته في الفجر . وثبت عنه فى الصحيح أنه قنت فى المغرب والعشاء ، وفى الظهر وفى السنن أنه قنت في العصر أيضاً . فتنازع المسلمون فى القنوت على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه منسوخ ، فلا يشرع بحال ، بناء على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قنت، ثم ترك، والترك نسخ للفعل، كما أنه لما كان يقوم للجنازة ، ثم قعد . جعل القعود ناسخاً للقيام ، وهذا قول طائفة من أهل العراق كأبي حنيفة وغيره . ١٠٥ والثانى: أن القنوت مشروع دائماً ، وأن المداومة عليه سنة ، وأن ذلك يكون فى الفجر . ثم من هؤلاء من يقول : السنة أن يكون قبل الركوع بعد القراءة سراً، وأن لا يقنت بسوى: ((اللهم إنا نستعينك)) إلى آخرها و ((اللهم إياك نعبد)) - إلى آخرها - كما يقوله: مالك. ومنهم من يقول : السنة أن يكون بعد الركوع جهراً . ويستحب أن يقنت بدعاء الحسن بن علي الذي رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قنوته: ((اللهم اهدني فيمن هديت)) إلى آخره . وإن كانوا قد يجوزون القنوت قبل وبعد. وهؤلاء قد يحتجون بقوله تعالى: (حَفِظُواْ ويقولون : عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصََّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْلِلَّهِ قَنِتِينَ ) الوسطى : هي الفجر ، والقنوت فيها . وكلتا المقدمتين ضعيفة : أما الأولى : فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أن (( الصلاة الوسطى)) هي العصر ، وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة ؛ ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرم. وإن كان للصحابة والعلماء فى ذلك مقالات متعددة . فإنهم تكلموا بحسب اجتهادم . ١٠٦ وأما الثانية : فالقنوت هو المداومة على الطاعة ، وهذا يكون في القيام ، والسجود. كما قال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا ولو أريد به إدامة القيام كما قيل : فى قوله : يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ ) فحمل ذلك على إطالته (يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبَّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى) القيام للدعاء ، دون غيره ، لا يجوز ؛ لأن الله أمر بالقيام له قانتين، والأمر يقتضى الوجوب ، وقيام الدعاء المتنازع فيه لا يجب بالإجماع ؛ ولأن القائم فى حال قراءته هو قانت لله أيضاً ؛ ولأنه قد ثبت فى الصحيح: (( أن هذه الآية لما نزلت أمروا بالسكوت ، ونهوا عن الكلام )) . فعلم أن السكوت هو من تمام القنوت المأمور به . ومعلوم أن ذلك واجب فى جميع أجزاء القيام ؛ ولأن قوله : (وَقُومُواْلِلَّهِ قَنِتِينَ ) لا يختص بالصلاة الوسطى. سواء كانت الفجر أو العصر؛ بل هو معطوف على قوله: (حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى) فيكون أمرا بالقنوت مع الأمر بالمحافظة ، والمحافظة تناول الجميع ، فالقيام بتناول الجميع . واحتجوا أيضاً: بما رواه الإمام أحمد فى مسنده، والحاكم فى صحيحه ، عن أبى جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ، عن أنس (( أن النبى صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت حتى فارق الدنيا)) قالوا: وقوله في الحديث الآخر: (( ثم تركه)) أراد ترك الدعاء على تلك ١٠٧ القبائل ، لم يترك نفس القنوت . وهذا بمجرده لا يثبت به سنة راتبة فى الصلاة، وتصحيح الحاكم دون حسين الترمذي . وكثيراً ما يصحح الموضوعات فإنه معروف بالتسامح في ذلك ، ونفس هذا الحديث لا يخص القنوت قبل الركوع أو بعده ، فقال: (( ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا شهراً)) فهذا حديث صحيح صريح عن أنس أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً ، فبطل ذلك التأويل . والقنوت قبل الركوع قد يراد به طول القيام قبل الركوع ، سواء كان هناك دعاء زائد ، أو لم يكن . فينئذ فلا يكون اللفظ دالا على قنوت الدعاء ، وقد ذهب طائفة إلى أنه يستحب القنوت الدائم في الصلوات الخمس ، محتجين بأن النبى صلى الله عليه وسلم قنت فيها ولم يفرق بين الراتب والعارض ، وهذا قول شاذ . والقول الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت لسبب نزل به ثم تركه عند عدم ذلك السبب النازل به ، فيكون القنوت مسنوناً عند النوازل ، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم . فإن عمر رضى الله عنه: لما حارب النصارى قنت عليهم القنوت ١٠٨ المشهور : اللهم عذب كفرة أهل الكتاب . إلى آخره . وهو الذي جعله بعض الناس سنة فى قنوت رمضان ، وليس هذا القنوت سنة راتبة ، لا فى رمضان ولا غيره ، بل عمر قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة ودعا فى قنوته دعاء يناسب تلك النازلة ، كما أن النى صلى الله عليه وسلم لما قنت أولا على قبائل بنى سليم الذين قتلوا القراء ، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده، ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه دعا بدعاء يناسب مقصوده. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على شيئين : أحدهما : أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه ، ليس بسنة دائمة فى الصلاة . الثانى : أن الدعاء فيه ليس دعاء راتباً ، بل يدعو فى كل قنوت بالذي يناسبه ، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم أولا، وثانياً. وكما دعا عمر وعلي - رضي الله عنها - لما حارب من حاربه فى الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده ، والذي يبين هذا أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت دائماً، ويدعو بدعاء راتب ، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم ، فإن هذا من الأمور التى تتوفر الهمم والدواعي على نقلها ، وهم الذين نقلوا عنه فى قنوته ما لم يداوم عليه ، وليس بسنة راتبة ، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه ، ودعائه للمستضعفين من ١٠٩ أصحابه ، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم . فكيف يكون النبى صلى الله عليه وسلم يقنت دائماً فى الفجر أو غيرها ، ويدعو بدعاء راتب ، ولم ينقل هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم لا في خبر صحيح ، ولا ضعيف ؟! بل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أعلم الناس بسنته، وأرغب الناس في اتباعها ، كابن عمر وغيره أنكروا، حتى قال ابن عمر: ((ما رأينا ولا سمعنا)) وفى رواية ((أرأيتكم قيامكم هذا: تدعون. ما رأينا ولا سمعنا)، أفيقول مسلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت دائماً ؟! وابن عمر يقول : ما رأينا ، ولا سمعنا . وكذلك غير ان عمر من الصحابة ، عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة . ومن تدبر هذه الأحاديث في هذا الباب على علماً يقيناً قطعياً أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يقنت دائماً في شيء من الصلوات ، كما يعلم علماً [ يقينياً ] أنه لم يكن يداوم على القنوت فى الظهر والعشاء والمغرب ، فإن من جعل القنوت في هذه الصلوات سنة راتبة يحتج بما هو من جنس حجة الجاعلين له فى الفجر سنة راتبة . ولا ريب أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قنت فى هذه الصلوات ؛ لكن الصحابة بينوا الدعاء الذي كان يدعو به ، والسبب الذي قنت له ، وأنه ترك ذلك عند حصول المقصود ، نقلوا ذلك في ١١٠ قنوت الفجر ، وفى قنوت العشاء أيضاً . والذي يوضح ذلك : أن الذين جعلوا من سنة الصلاة أن يقنت دائماً بقنوت الحسن بن علي، أو بسورتى أبى ليس معهم إلا دعاء عارض والقنوت فيها إذا كان مشروعاً: كان مشروعا للإمام والمأموم والمنفرد؛ بل وأوضح من هذا أنه لو جعل جاعل قنوت الحسن ، أو سورتى أبي سنة راتبة فى المغرب والعشاء ، لكان حاله شبيهاً بحال من جعل ذلك سنة راتبة في الفجر. إذ هؤلاء ليس معهم في الفجر إلا قنوت عارض بدعاء يناسب ذلك العارض ، ولم ينقل مسلم دعاء فى قنوت غير هذا، كما لم ينقل ذلك فى المغرب والعشاء . وإنما وقعت الشبهة لبعض العلماء فى الفجر ؛ لأن القنوت فيها كان أكثر ، وهي أطول . والقنوت يتبع الصلاة ، وبلغهم أنه داوم عليه ، فظنوا أن السنة المداومة عليه ، ثم لم يجدوا معهم سنة بدعائه . فسنوا هذه الأدعية المأثورة فى الوتر . مع أنهم لا يرون ذلك سنة راتبة في الوتر . وهذا النزاع الذي وقع في القنوت له نظائر كثيرة في الشريعة : فكثيراً ما يفعل النبى صلى الله عليه وسلم لسبب ، فيجعله بعض الناس سنة، ولا يميز بين السنة الدائمة والعارضة . وبعض الناس يرى أنه لم يكن يفعله فى أغلب الأوقات ، فيراه بدعة، ويجعل فعله فى بعض الأوقات مخصوصاً أو منسوخا ، إن كان قد بلغه ذلك ، مثل صلاة التطوع فى جماعة . فإنه قد ثبت عنه في الصحيح (( أنه صلى بالليل وخلفه ابن ١١١ عباس مرة))، و((حذيفة بن اليمان مرة)). وكذلك غيرهما. وكذلك صلى بعتبان بن مالك فى بيته التطوع جماعة . وصلى بأنس بن مالك وأمه واليتيم فى داره، فمن الناس من يجعل هذا فيما يحدث من ((صلاة الألفية)) ليلة نصف شعبان ، والرغائب ، ومحوهما مما يداومون فيه على الجماعات . ومن الناس من يكره التطوع ؛ لأنه رأى أن الجماعة إنما سنت فى الخمس ، كما أن الأذان إنما سن فى الخمس . ومعلوم أن الصواب هو ما جاءت به السنة ، فلا يكره أن يتطوع فى جماعة . كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يجعل ذلك سنة راتبة ، كمن يقيم للمسجد إماما راتباً يصلي بالناس بين العشاءين ، أو فى جوف الليل ، كما يصلي بهم الصلوات الخمس ، كما ليس له أن يجعل للعيدين وغيرهما أذاناً كأذان الخمس ؛ ولهذا أنكر الصحابة على من فعل هذا من ولاة الأمور إذ ذاك . وبشبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء فى مقدار القيام فى رمضان ، فإنه قد ثبت أن أبى بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة فى قيام رمضان ، ويوتر بثلاث . فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة ؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر . واستحب آخرون : تسعة وثلاثين ركعة ؛ بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم. ١١٢ وقال طائفة: قد ثبت فى الصحيح عن عائشة (( أن النى صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد فى رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة » واضطرب قوم فى هذا الأصل ، لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين ، وعمل المسلمين . والصواب أن ذلك جميعه حسن ، كما قد نص على ذلك الإمام أحمد - رضي الله عنه - وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها عدداً ، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها ، بحسب طول القيام وقصره . فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل القيام بالليل ، حتى إنه قد ثبت عنه فى الصحيح من حديث حذيفة (« أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة ، والنساء ، وآل عمران ، فكان طول القيام يغنى عن تكثير الركعات )). وأبي بن كعب لما قام بهم ـ وم جماعة واحدة - لم يمكن أن يطيل بهم القيام ، فكثر الركعات ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته ، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة ، أو ثلاث عشرة ، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام فكثروا الركعات حتى بلغت تسعاً وثلاثين . ١١٣ ومما يناسب هذا أن اللّه تعالى لما فرض الصلوات الخمس بمكة: فرضها ركعتين ركعتين ، ثم أقرت في السفر ، وزيد فى صلاة الحضر ، كما ثبت ذلك فى الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : (( لما هاجر إلى المدينة زيد في صلاة الحضر ، وجعلت صلاة المغرب ثلاثاً ؛ لأنها وتر النهار ، وأما صلاة الفجر فأقرت ركعتين ؛ لأجل تطويل القراءة فيها ، فأغنى ذلك عن تكثير الركعات)). وقد تنازع العلماء : أيما أفضل : إطالة القيام؟ أم تكثير الركوع والسجود؟ أم هما سواء ؟ على ثلاثة أقوال : وهي ثلاث روايات عن أحمد . وقد ثبت عنه فى الصحيح («أي الصلاة أفضل ؟ قال: طول القنوت)). وثبت عنه أنه قال: ((إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة ، وحط عنك بها خطيئة)). وقال لربيعة بن كعب: (( أعنى على نفسك بكثرة السجود )). ومعلوم أن السجود فى نفسه أفضل من القيام ، ولكن ذكر القيام أفضل، وهو القراءة، وتحقيق الأمر أن الأفضل في الصلاة أن تكون معتدلة . فإذا أطال القيام يطيل الركوع والسجود ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ، كما رواه حذيفة وغيره . وهكذا ١١٤ كانت صلاته الفريضة ، وصلاة الكسوف ، وغيرهما : كانت صلاته معتدلة ، فإن فضل مفضل إطالة القيام والركوع والسجود مع تقليل الركعات وتخفيف القيام والركوع والسجود مع تكثير الركعات . فهذان متقاربان. وقد يكون هذا أفضل في حال، كما أنه لما صلى الضحى يوم الفتح صلى ثماني ركعات يخففهن، ولم يقتصر على ركعتين طويلتين. وكما فعل الصحابة فى قيام رمضان لما شق على المأمومين إطالة القيام . وقد تبين بما ذكرناه أن القنوت يكون عند النوازل ، وأن الدعاء فى القنوت ليس شيئاً معيناً ، ولا يدعو بما خطر له ، بل يدعو من الدعاء المشروع بما يناسب سبب القنوت ، كما أنه إذا دعا فى الاستسقاء دعا بما يناسب المقصود ، فكذلك إذا دعا في الاستنصار دعا بما يناسب المقصود ، كما لو دعا خارج الصلاة لذلك السبب ؛ فإنه كان يدعو بما يناسب المقصود ، فهذا هو الذي جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين . ومن قال : إنه من أبعاض الصلاة التى يجبر بسجود السهو ، فإنه بنى ذلك على أنه سنة يسن المداومة عليه ، بمنزلة التشهد الأول ، ونحوه وقد تبين أن الأمر ليس كذلك ، فليس بسنة راتبة . ولا يسجد له ، لكن من اعتقد ذلك متأولا فى ذلك له تأويله . كسائر موارد الاجتهاد. ولهذا ينبغي للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد ، ١١٥ فإذا قنت قنت معه ، وإن ترك القنوت لم يقنت ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به )) وقال: (( لا تختلفوا على أمتكم)). وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، ولهم، وإن أخطأوا فلكم، وعليهم)). ألا ترى أن الإمام لو قرأ فى الأخيرتين بسورة مع الفاتحة وطولهما على الأوليين : لوجبت متابعته فى ذلك . فأما مسابقة الإمام فإنها لا يجوز . فإذا قنت لم يكن للمأموم أن يسابقه : فلا بد من متابعته ، ولهذا كان عبد الله بن مسعود قد أنكر على عثمان التربيع بمنى ، ثم إنه صلى خلفه أربعاً . فقيل له : في ذلك ؟! فقال : الخلاف شر. وكذلك أنس بن مالك لما سأله رجل عن وقت الرمى ، فأخبره ، ثم قال : افعل كما يفعل إمامك، والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لرجل يؤم قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم ، فإن فعل فقد خلهم)) . فهل يستحب للإمام أنه كلما دعا الله عز وجل أن يشرك المأمومين؟ وهل صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يخص نفسه بدعائه فى صلاته دونهم؟ ١١٦ فكيف الجمع بين هذين ؟. فأجاب: الحمد لله رب العالمين. قد ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة. ما تقول؟ قال: ((أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي. كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسلنى من خطاياي بالماء والثلج والبرد )) فهذا حديث صحيح صريح فى أنه دعا لنفسه خاصة ، وكان إماماً . وكذلك حديث على فى الاستفتاح الذي أوله « وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض - فيه - فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عنى سيئها إلا أنت)). وكذلك ثبت فى الصحيح أنه كان يقول بعد رفع رأسه من الركوع بعد قوله: ((لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)): ((اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ، اللهم نقنى من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس )). وجميع هذه الأحاديث المأثورة فى دعائه بعد التشهد من فعله ، ومن أمره ، لم ينقل فيها إلا لفظ الإفراد . كقوله: (( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والمات ، ومن فتنة المسيح الدجال )) . وكذا دعاؤه بين ١١٧ السجدتين ، وهو فى السنن من حديث حذيفة ، ومن حديث ابن عباس ، وكلاهما كان النبى صلى الله عليه وسلم فيه إماماً أحدهما بحذيفة ، والآخر بابن عباس. وحديث حذيفة ((رب اغفر لي ، رب اغفر لي)) وحديث ابن عباس فيه (( اغفر لي ، وارحمني ، واهدنى ، وعافني ، وارزقني)) ونحو هذا، فهذه الأحاديث التى فى الصحاح والسنن تدل على أن الإمام يدعو فى هذه الأمكنة بصيغة الإفراد . وكذلك اتفق العلماء على مثل ذلك ، حيث يرون أنه يشرع مثل هذه الأدعية . وإذا عرف ذلك تبين أن الحديث المذكور إن صح فالمراد به الدعاء الذي يؤمن عليه المأموم : كدعاء القنوت ، فإن المأموم إذا أمن كان داعياً ، قال الله تعالى لموسى وهرون: (قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا) وكان أحدهما يدعو ، والآخر يؤمن . وإذا كان المأموم مؤمناً على دعاء الإمام ، فيدعو بصيغة الجمع ، كما فى دعاء الفاتحة فى قوله : (أَهْدِنَا الضِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) فإن المأموم إنما أمن لاعتقاده أن الإمام بدعو لهما جميعاً ، فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم فأما المواضع التى يدعو فيها كل إنسان لنفسه كالاستفتاح ، وما بعد التشهد ، ونحو ذلك ، فكما أن المأموم يدعو لنفسه ، فالإمام يدعو لنفسه . كما يسبح المأموم فى الركوع والسجود، إذا سبح الإمام فى ١١٨ الركوع والسجود ، وكما يتشهد إذا تشهد، ويكبر إذا كبر ، فإن لم يفعل المأموم ذلك فهو المفرط . وهذا الحديث لو كان صحيحاً صريحاً معارضاً للأحاديث المستفيضة المتواترة ، ولعمل الأمة ، والأئمة ، لم يلتفت إليه ، فكيف وليس من الصحيح ، ولكن قد قيل : إنه حسن ، ولو كان فيه دلالة لكان عاماً ، وتلك خاصة، والخاص بقضي على العام. ثم لفظه ( فيخص نفسه بدعوة دونهم)) يراد بمثل هذا إذا لم يحصل لهم دعاء ، وهذا لا يكون مع تأمينهم. وأما مع كونهم مؤمنين على الدعاء كما دعا ، فيحصل لهم كما حصل له بفعلهم، ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع: (( اللهم إنا نستعينك ، ونستهديك)) إلى آخره. ففي مثل هذا يأتى بصيغة الجمع ، ويتبع السنة على وجهها ، والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عمن يصلي التراويح بعد المغرب : هل هو سنة أم بدعة؟ وذكروا أن الإمام الشافعي صلاها بعد المغرب ، وتمها بعد العشاء الآخرة ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين . السنة فى التراويح أن تصلى بعد العشاء الآخرة ، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة . والنقل المذكور ١١٩ عن الشافعي - رضى الله عنه - باطل، فما كان الأئمة يصلونها إلا بعد العشاء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعهد خلفائه الراشدين وعلى ذلك أئمة المسلمين ، لا يعرف عن أحد أنه تعمد صلاتها قبل العشاء ، فإن هذه تسمى قيام رمضان، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم (( إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه)) . وقيام الليل فى رمضان وغيره إنما يكون بعد العشاء . وقد جاء مصرحاً به فى السنن («أنه لما صلى بهم قيام رمضان صلى بعد العشاء)). وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قيامه بالليل هو وتره ، بعلي بالليل فى رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة ، أو ثلاث عشرة ركعة ، لكن كان يصليها [طوالا ] . فلما كان ذلك يشق على الناس قام بهم أبى بن كعب فى زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة ، يوتر بعدها ، ويخفف فيها القيام ، فكان تضعيف العدد عوضاً عن طول القيام . وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة فيكون قيامها أخف ، ويوتر بعدها بثلاث . وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعة يوتر بعدها ، وقيامهم المعروف عنهم بعد العشاء الآخرة . ولكن الرافضة تكره صلاة التراويح . فإذا صلوها قبل العشاء الآخرة لا تكون هي صلاة التراويح ، كما أنهم إذا توضأوا يغسلون ١٢٠