Indexed OCR Text
Pages 581-600
خبر مبتدٍ محذوف . وأما ما ذكره بعض المصنفين من الفقهاء والصوفية من قوله: (( حق ما قال العبد)) فهو تحريف بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث والسنة ، ليس له أصل فى الأثر . ومعناه أيضاً فاسد . فان العبد يقول الحق والباطل ، وأما الرب سبحانه وتعالى فهو يقول الحق ويهدي السبيل ، كما قال تعالى: (فَالْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ ). وأيضاً : فليست الصلاة مبنية إلا على الثناء على الله عز وجل . وروى مسلم وغيره عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال : اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينها، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد . أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد : لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت . ولا ينفع ذا الجد منك الجد )». وروى مسلم وغيره عن عبد الله بن أبى أوفى قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد )) وفى رواية أخرى لمسلم زاد بعد هذا : أنه ٥٨١ كان يقول: ((اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس )) . فإن قيل : فإذا كانت هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى اتفق الصحابة رضي الله عنهم على نقلها عنه. وقد نقلها أهل الصحاح والسنن والمسانيد من هذه الوجوه وغيرها ، والصلاة عمود الدين ، فكيف خفى ذلك على طائفة من فقهاء العراق وغيرهم ، حتى لم يجعلوا الاعتدال من الركوع والقعود بين السجدتين من الأفعال المقاربة للركوع والسجود ، ولا استحبوا في ذلك ذكراً أكثر من التحميد بقول ((ربنا لك الحمد )) حتى إن بعض المتفقهة قال : إذا طال ذلك طولا كثيراً بطلت صلاته ؟! قيل : سبب ذلك وغيره : أن الذي مضت به السنة أن الصلاة يصليها بالمسلمين الأمراء وولاة الحرب . فوالى الجهاد : كان هو أمير الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وما بعد ذلك إلى أثناء دولة بني العباس . والخليفة هو الذي يصلي بالناس الصلوات الخمس والجمعة ، لا يعرف المسلمون غير ذلك وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيكون بعده من تغير الأمراء ، حتى قال : ((سيكون من بعدى أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، فصلوا الصلاة لوقتها ، واجعلوا صلانكم معهم نافلة)» فكان من هؤلاء من يؤخرها ٥٨٢ عن وقتها حتى يضيع الوقت المشروع فيها، كما أن بعضهم كان لا يتم التكبير ، أي لا يجهر بالتكبير فى انتقالات الركوع وغيره ، ومنهم من لا يتم الاعتدالين . وكان هذا يشيع فى الناس فيربو في ذلك الصغير ، ويهرم فيه الكبير ، حتى إن كثيراً من خاصة الناس لا يظن السنة إلا ذلك . فإذا جاء أمراء أحيوا السنة عرف ذلك. كما رواه البخاري في صحيحه عن قتادة عن عكرمة قال: ((صليت خلف شيخ بمكة ، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة . فقلت لابن عباس: إنه لأحمق . فقال : ثكلتك أمك ، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم)). وفي رواية أبى بشر عن عكرمة قال: «رأيت رجلا عند المقام يكبر فى كل خفض ورفع ، وإذا قام وإذا وضع ، فأخبرت ابن عباس فقال : أو ليس تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لا أم لك )) وهذا يعني به : أن ذلك الإمام كان يجهر بالتكبير . فكان الأئمة الذين يصلي خلفهم مكرمة لا يفعلون ذلك ، وابن عباس لم يكن إماما حتى يعرف ذلك منه ، فأنكر ذلك عكرمة حتى أخبره ابن عباس ، وأما نفس التكبير فلم يكن يشتبه أمره على أحد وهذا كما أن عامة الأئمة المتأخرين لا يجهرون بالتكبير ، بل يفعل ذلك المؤذن ونحوه فيظن أكثر الناس أن هذه هي السنة . ولا خلاف ٥٨٣ بين أهل العلم أن هذه ليست هي السنة ، بل م متفقون على ما ثبت عندهم بالتواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم : أن المؤذن وغيره من المأمومين لا يجهرون بالتكبير دائماً . كما أن بلالا لم يكن يجهر بذلك خلف النبى صلى الله عليه وسلم، لكن إذا احتيج إلى ذلك ، لضعف صوت الإمام ، أو بعد المكان : فهذا قد احتجوا لجوازه بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يسمع الناس التكبير خلف النبي صلى الله عليه وسلم فى مرضه ، حتى تنازع الفقهاء فى جهر المأموم لغير حاجة ، هل يبطل صلاته أم لا ؟ ومثل ذلك ما أخرجاه فى الصحيحين والسنن عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال ((صليت خلف علي بن أبى طالب أنا وعمران بن حصين ، فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر . فلما قضى الصلاة أخذ عمران بن حصين بيدي . فقال : قد ذكرنى هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)) ولهذا لما جهر بالتكبير سمعه عمران ومطرف، كما سمعه غيرها . ومثل هذا ما في الصحيحين والسنن أيضاً عن أبى هريرة رضي الله عنه (( أنه كان يكبر فى كل صلاة من المكتوبة وغيرها: يكبر حين يقوم ، ثم يكبر حين بسجد ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يكبر ٥٨٤ حين يقوم من الجلوس من الثنتين : يفعل ذلك فى كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، ثم يقول حين ينصرف : والذي نفسي بيده ، إنى لأقربكم شبهاً بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا )). وهذا كان يفعله أبو هريرة رضي الله عنه لما كان أميراً على المدينة فإن معاوية كان يعاقب بينه وبين مروان بن الحكم فى إمارة المدينة ، فيولى هذا تارة ويولى هذا تارة . وكان مروان يستخلف ، وكان أبو هريرة يصلي بهم بما هو أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة مروان وغيره من أمراء المدينة . وقوله ((فى المكتوبة وغيرها )) يعنى : ما كان من النوافل ، مثل قيام رمضان . كما أخرجه البخاري من حديث الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبى سلمة ((أن أبا هريرة رضى الله عنه كان يكبر فى كل صلاة من المكتوبة وغيرها فى رمضان وغيره ، فيكبر حين يقوم ، ويكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، ثم يقول : ربنا لك الحمد )، وذكر نحوه . وكان الناس قد اعتادوا ما يفعله غيره ، فلم يعرفوا ذلك حتى سألوه. كما رواه مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة: ٥٨٥ (( أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يكبر فى الصلاة كما رفع ووضع. فقلت : يا أبا هريرة ، ما هذا التكبير ؟ قال : إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وهذا كله معناء جهر الإمام بالتكبير. ولهذا كانوا يسمونه إتمام التكبير لما فيه من إتمامه برفع الصوت ، وفعله فى کل خفض ورفع . يبين ذلك : أن البخاري ذكر فى ( باب التكبير عند النهوض من الركعتين ) قال: وكان ابن الزبير يكبر فى نهضته ، ثم روى البخاري من حديث فليسح بن سليمان عن سعيد بن الحارث . قال: (( صلى لنا أبو سعيد ، مجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود ، وحين سجد وحين رفع ، وحين قام من الركعتين . وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم )» ثم أردفه البخاري بحديث مطرف: قال : ((صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبى طالب رضي الله عنه. فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع كبر ، وإذا نهض من الركعتين كبر ، فلما سلم أخذ عمران بن حصين بيدي . فقال : لقد على بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو قال : لقد ذكرفى هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)). فهذا يبين أن الكلام إنما هو في الجهر بالتكبير . وأما أمل التكبير : فلم يكن مما يخفى على أحد . وليس هذا أيضاً مما يجهل ٥٨٦ هل يفعله الإمام أم لا يفعله ؟ فلا يصح لهم نفيه عن الأئمة . كما لا بصح نفي القراءة فى صلاة المخافتة ، ونفي التسبيح فى الركوع والسجود ، ونفي القراءة فى الركعتين الآخرتين ونحو ذلك . ولهذا استدل بعض من كان لا يتم التكبير ، ولا يجهر به . بما روى عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: ((أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان لا يتم التكبير)) رواه أبو داود والبخاري فى التاريخ الكبير . وقد حكى أبو داود الطيالسي أنه قال : هذا عندنا باطل . وهذا إن كان محفوظاً فلعل ابن أبزى صلى خلف النبى صلى الله عليه وسلم فى مؤخر المسجد . وكان النبى صلى الله عليه وسلم صوته ضعيفاً، فلم يسمع تكبيره ، فاعتقد أنه لم يتم التكبير ، وإلا فالأحاديث المتواترة عنه بخلاف ذلك . فلو خالفها كان شاذاً لا يلتفت إليه ، ومع هذا فإن كثيراً من الفقهاء المتأخرين يعتقدون أن إتمام التكبير هو نفس فعله ولو سراً ، وأن علي بن أبى طالب وأبا هريرة وغيرهما من الأئمة إنما أفادوا الناس نفس فعل التكبير فى الانتقالات . ولازم هذا : أن عامة المسلمين ما كانوا يعرفون أن الصلاة لا يكبر فى خفضها ولا رفعها . وهذا غلط بلا ريب ولا نزاع بين من يعرف كيف كانت الأحوال ولو كان المراد التكبير سراً : لم يصح نفي ذلك ولا إثباته . فإن المأموم ٥٨٧ لا يعرف ذلك من إمامه ، ولا يسمى ترك التكبير بالكلية تركا ، لأن الأئمة كانوا يكبرون عند الافتتاح دون الانتقالات ، وليس كذلك السنة . بل الأحاديث المروية تبين أن رفع الإمام وخفضه كان فى جميعها التكبير . وقد قال إسحق بن منصور : قلت : لأحمد بن حنبل : ما الذي نقصوا من التكبير ؟ قال : إذا انحط إلى السجود من الركوع وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية من كل ركعة . فقد بين الإمام أحمد أن الأئمة لم يكونوا يتمون التكبير . بل نقصوا التكبير فى الخفض من القيام ومن القعود وهو كذلك - والله أعلم - لأن الخفض يشاهد بالأبصار ، فظنوا لذلك أن المأموم لا يحتاج إلى أن يسمع تكبيرة الإمام ، لأنه يرى ركوعه وبرى سجوده ؛ بخلاف الرفع من الركوع والسجود . فإن المأموم لا يرى الإمام ، فيحتاج أن يعلم رفعه بتكبيره . ويدل على صحة ما قاله أحمد ، من حديث ابن أزى : أنه صلى خلف النبى صلى الله عليه وسلم فلم يتم التكبير . وكان لا يكبر إذا خفض . هكذا رواء أبو داود الطيالسي عن شعبة عن الحسن بن عمران عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه . وقد ظن أبو عمر بن عبد البر - كما ظن غيره - أن هؤلاء ٥٨٨ السلف ما كانوا يكبرون فى الخفض والرفع . وجعل ذلك حجة على أنه ليس بواجب ، لأنهم لا يقرون الأمة على ترك واجب ، حتى إنه قد روى عن ابن عمر ((أنه كان يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما التطوع فلا)) قال أبو عمر: لا يحكى أحمد عن ابن عمر إلا ما صح عنده إن شاء الله . قال: وأما رواية مالك عن نافع عن ابن عمر (« أنه كان يكبر فى الصلاة كما خفض ورفع )) فيدل ظاهرها : على أنه كذلك كان يفعل إماماً وغير إمام . قلت : ما روى مالك لا ريب فيه . والذي ذكره أحمد لا يخالف ذلك ، ولكن غلط ابن عبد البر فيما فهم من كلام أحمد . فإن كلامه إنما كان فى التكبير دبر الصلاة أيام العيد الأكبر ، لم يكن التكبير فى الصلاة ، ولهذا فرق أحمد بين الفرض والنفل ، فقال : أحب إلى أن يكبر في الفرض دون النفل . ولم يكن أحمد ولا غيره يفرقون في تكبير الصلاة بين الفرض والنفل ، بل ظاهر مذهبه: أن تكبير الصلاة واجب في النفل، كما أنه واجب فى الفرض . وإن قيل : هو سنة فى الفرض قيل : هو سنة فى النفل. فأما التفريق بينهما فليس قولا له ولا لغيره . وأما الذي ذكره عن ابن عمر فى تكبيره هبر الصلاة إذا كان منفرداً: ٥٨٩ فهو مشهور عنه . وهي مسألة نزاع بين العلماء مشهورة . وقد قال ابن عبد البر، لما ذكر حديث أبى سلمة: (( أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فلما انصرف، قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم )) فقال ابن عبد البر إن الناس لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك ، ويدل عليه ما رواه ابن أبى ذئب فى موطئه عن سعيد بن سمعان عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال: (( ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن ، وتركهن الناس : كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداً ، وكان يقف قبل القراءة هنيهة يسأل الله من فضله، وكان يكبر كلما رفع وخفض)) قلت : هذه الثلاثة تركها طائفة من الأئمة والفقهاء ممن لا يرفع اليدين ولا يوجب التكبير ، ومن لا يستحب الاستفتاح والاستعاذة ، ومن لا يجهر من الأَّة بتكبير الانتقال . قال : وقد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إيذان بحركات الإمام وشعار للصلاة ، وليس بسنة إلا فى الجماعة . أما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر. ولهذا ذكر مالك هذا الحديث وحديث ابن شهاب عن علي بن حسين قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقى الله عز وجل)). وحديث ابن عمر وجابر رضى الله عنهم ٥٩٠ ((أنهما كانا يكبران كلما خفضا ورفعا في الصلاة . فكان جابر يعلمهم ذلك)) قال: فذكر مالك هذه الأحاديث كلها ليبين لك أن التكبير من سنن الصلاة . قلت : ما ذكره مالك: فكما ذكره ، وأما ما ذكره ابن عبد البر من الخلاف : فلم أجده ذكر لذلك أصلا ، إلا ما ذكره أحمد عن علماء المسلمين : أن التكبير مشروع فى الصلوات ، وإنما ذكر ذلك مالك وغيره - والله أعلم - لأجل ماكره من فعل الأئمة الذين كانوا لا يتمون التكبير . وقد قال ابن عبد البر: روى ابن وهب أخبرنى عياض بن عبد الله الفهرى ، أن عبد الله بن عمر كان يقول: ((لكل شىء زينة، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها)) وإذا كان ابن عمر يقول ذلك، فكيف يظن به أنه لا يكبر إذا صلى وحده؟ هذا لا يظنه عاقل بابن عمر . قال ابن عبد البر : وقد روى عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة وغيرهم: ((أنهم كانوا لا يتمون التكبير )» وذكر ذلك أيضاً عن القاسم وسالم وسعيد بن جبير . وروي عن أبى سلمة : عن أبى هريرة (( أنه كان يكبر هذا التكبير . ويقول : إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم)). قال: وهذا يدل على أن التكبير فى كل خفض ورفع : كان الناس قد تركوه، وفى ترك الناس ٥٩١ له من غير نكير من واحد منهم : ما يدل على أن الأمر محمول عندم على الإباحة . قلت : لا يمكن أن يعلم إلا ترك الجهر به . فأما ترك الإمام التكبير سراً : فلا يجوز أن يدعى تركه ، إن لم يصل الإمام إلى فعله فهذا لم يقله أحد من الأئمة ، ولم يقل أحد إنهم كانوا يتركون فى كل خفض ورفع ، بل قالوا: كانوا لا يتمونه. ومعنى ((لا يتمونه)) لا ينقصونه ، ونقصه : عدم فعله في حال الخفض كما تقدم من كلامه . وهو نقص بترك رفع الصوت به، أو نقص له بترك ذلك في بعض المواضع . وقد روى ابن عبد البر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ((صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلهم كان يكبر إذا رفع رأسه وإذا خفض)) قال: وهذا معارض لما روى عن عمر: ((أنه كان لا يتم التكبير)). وروى عن سعيد بن عبد العزيز عن الزهري قال : قلت : لعمر بن عبد العزيز ((ما منعك أن تتم التكبير - وهذا عاملك عبد العزيز يتمه -؟ فقال : تلك صلاة الأول ، وأبى أن يقبل منى)). قلت : وإنما خفى على عمر بن عبد العزيز وعلى هؤلاء الجهر بالتكبير كما خفى ذلك على طوائف من أهل زماننا ، وقبله ما ذكره [ ابن ] ٥٩٢ أبى شيبة، أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم. قال: «أول من نقص التكبير زياد)). قلت : زياد كان أميراً فى زمن عمر ، فيمكن أن يكون ذلك صحيحاً . ويكون زياد قد سن ذلك حين تركه غيره . وروي عن الأسود ابن يزيد عن أبى موسى الأشعري قال: ((لقد ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما نسيناها، وإما تركناها عمداً ، وكان يكبر كما رفع وكلما وضع وكما سجد)). ومعلوم أن الأمراء بالعراق الذين شاهدوا ما عليه أمراء البلد ، وهم أئمة ، ولم يبلغهم خلاف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا من شاهدوهم من أهل العلم والدين لا يعرفون غير ذلك ، فظنوا أن ذلك هو من أصل السنة . وحصل بذلك نقصان في وقت الصلاة وفعلها . فاعتقدوا أن تأخير الصلاة أفضل من تقديمها ؛ كما كان الأمة يفعلون ذلك . وكذلك عدم إتمام التكبير وغير ذلك من الأمور الناقصة عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كان ابن مسعود يتأول فى بعض الأمراء الذين كانوا على عهده : أنهم من الخلف الذين قال الله تعالى فيهم: ( خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفَ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ فكان يقول : ((كيف وَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير ، إذا ترك فيها ٥٩٣ شيء ، قيل : تركت السنة . فقيل : متى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال : ذلك إذا ذهب علماؤكم ، وقلت فقهاؤكم ، والتمست الدنيا بعمل الآخرة ، وتفقه لغير الدين )) وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضاً: ((أنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال : أمور تكون من كبرائكم ، فأيما رجل أو امرأة أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول ، فالسمت الأول )). ومن هذا الباب : أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة فى خلافة الوليد بن عمه - وعمر هذا هو الذي بنى الحجرة النبوية إذ ذاك _ صلى خلفه أنس بن مالك رضي الله عنه . فقال ما رواه أبو داود والنسائى عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ((ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى - بغنى عمر بن عبد العزيز)) قال ((فزرنا فى ركوعه عشر تسبيحات ، وفى سجوده عشر تسبيحات)) وهذا كان في المدينة ، مع أن أمراءها كانوا أكثر محافظة على السنة من أمراء بقية الأمصار . فإن الأمصار كانت تساس برأي الملوك، والمدينة إنما كانت تساس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا، ولكن كانوا قد غيروا أيضاً بعض السنة . ومن اعتقد أن هذا كان فى خلافة عمر بن عبد العزيز فقد غاط ، فإن أنس بن مالك رضي ٥٩٤ الله عنه لم يدرك خلافة عمر بن عبد العزيز ، بل مات قبل ذلك بسنتين . وهذا يوافق الحديث المشهور الذي في سنن أبى داود والترمذي وابن ماجه عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات : سبحان ربي العظيم - وذلك أدناه - وإذا سجد فليقل : سبحان ربي الأعلى ثلاثاً - وذلك أدناه)) قال أبو داود: هذا مرسل، عون لم يدرك عبد الله بن مسعود. وكذلك قال البخاري فى تاريخه . وقال الترمذي : ليس إسناده بمتصل ، عون ابن عبد الله لم يدرك ابن مسعود، عون هو من علماء الكوفة المشهورين ، وهو من أهل بيت عبد الله وقيل : إنما تلقاه من علماء أهل بيته . فلهذا تمسك الفقهاء بهذا الحديث فى التسبيحات لما له من الشواهد ، حتى صاروا يقولون فى الثلاث: إنها أدنى الكال أو أدنى الركوع . وذلك يدل على أن أعلاه أكثر من هذا. فقول من يقول من الفقهاء : إن السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من أصل الشافعي وأحمد رضي الله عنها وغيرهم : هو من جنس قول من يقول : من السنة أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع، أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ، أو نحو ذلك . فإن ٥٩٥ الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلا ، بل الأحاديث المستفيضة عن النبى صلى الله عليه وسلم ، الثابتة فى الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها : تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك ، كما تقدم دلالة الأحاديث عليه . ولكن هذا قالوه لما سمعوا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أم أحدكم الناس فليخفف ، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء )) ولم يعرفوا مقدار التطويل ، ولا علموا التطويل الذي نهى عنه لما قال لمعاذ: ((أفتان أنت يا معاذ ؟)) فجعلوا هذا برأيهم قدراً للمستحب ، ومن المعلوم أن مقدار الصلاة - واجبها ومستحبها - لا يرجع فيه إلى غير السنة فإن هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد . إذ النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالمسلمين فى كل يوم خمس صلوات، وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم فيجب البحث عما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي ، وإنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، [و](1) لا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرد بالرأي والقياس . ومما يبين هذا : أن التخفيف أمر نسى إضافي ، ليس له حد فى اللغة ولا في العرف؛ إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف (١) أضيفت الواو حسب مفهوم السياق . ٥٩٦ هؤلاء ما يستطيله هؤلاء ، فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير العبادات ، ولا في كل من العبادات التى ليست شرعية . فعلم أن الواجب على المسلم : أن يرجع فى مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة ، وبهذا يتبين أن أمره صلى الله عليه وسلم بالتخفيف لا ينافي أمره بالتطويل أيضاً. فى حديث عمار الذي فى الصحيح لما قال ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة)) وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما . فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة ، والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض الأمة فى زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة. ولهذا قال ((فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء )). فبين أن المنفرد ليس لطول صلانه حد تكون به الصلاة خفيفة، بخلاف الإمام ؛ لأجل مراعاة المأمومين . فإن خلفه السقيم والكبير وذا الحاجة ؛ ولهذا مضت السنة بتخفيفها عن الإطالة إذا عرض للمأمومين أو بعضهم عارض. كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي، فأخفف لما أعلم من وجد أمه)). وبذلك علل النبى صلى الله عليه وسلم فيما تقدم من حديث ابن مسعود . ٥٩٧ وكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف ؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة. وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)). وفي رواية ((فإن فيهم السقيم والشيخ الكبير وذا الحاجة)). ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصرها أحياناً عما كان يفعل غالباً . كما روى مسلم فى صحيحه عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال: ((كأنى أسمع صوت النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فى صلاة الغداة ( فَلَا أُقِْمُ بِالْخَسِ * الْجَوَارِالْكُنَّر ). وروى أنه قرأ فى صلاة الفجر في بعض أسفاره بسورة الزلزلة . وكان يطول أحياناً ، حتى ثبت فى الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (( أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ ( وَالْمُرْسَتِ عُرْفًا ) فقالت : يا بنى، لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة ، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فى المغرب)). وفى الصحيحين عن محمد ابن جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور فى المغرب )). وفى البخاري والسنن عن مروان ابن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت (( مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فى المغرب بطولى الطوليين ؟ قال قلت : ما طولى الطوليين ؟ قال : الأعراف)). ٥٩٨ فهذه الأحاديث من أصح الأحاديث . وقد ثبت فيها أنه كان يقرأ في المغرب تارة بالأعراف وتارة بالطور ، وتارة بالمرسلات ، مع انفاق الفقهاء على أن القراءة فى المغرب سنتها أن تكون أقصر من القراءة فى الفجر . فكيف تكون القراءة فى الفجر وغيرها ؟ ومن هذا الباب ما روى وكيع عن منصور عن إبراهيم النخعي قال : كان أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود يطيل القيام بقدر الركوع فكانوا يعيبون ذلك عليه)). قال أبو محمد بن حزم : العيب على من عاب عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعول على من لا حجة فيه. قلت : قد تقدم فعل أبي عبيدة الذي فى الصحيح وموافقته لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء الذين عابوا عليه كانوا من أهل الكوفة الذين في زمن الحجاج وفتنة ابن الأشعث ، لم يكونوا من الصحابة ، ولا عرف أنهم من أعيان التابعين . وإن كان قد يكون فيهم من أدرك ابن مسعود ، فابن ابن مسعود لم يكن هو الإمام الراتب في زمنه ، بل الإمام الراتب كان غيره ، وابن ابن مسعود أقرب إلى متابعة أبيه من هؤلاء المجهولين. فهؤلاء الذين أنكروا على أبى عبيدة إنما أنكروا عليه لمخالفته العادة ٥٩٩ التى اعتادوها وإن خالفت السنة النبوية . ولكن ليس هذا الإنكار من الفقهاء . يبين ذلك أن أجل فقيه أخذ عنه إبراهيم النخعي هو علقمة ، وتوفى قبل فتنة ابن الأشعث التى صلى فيها أبو عبيدة بن عبد الله . فإن علقمة توفي سنة إحدى - أو اثنتين - وستين في أوائل إمارة يزيد، وفتنة ابن الأشعث كانت فى إمارة عبد الملك . وكذلك مسروق . قيل : إنه توفى قبل السبعين أيضاً . وقيل فيهما كما قيل : في مسروق ونحوه . فتبين أن أكابر الفقهاء من أصحاب عبد الله بن مسعود لم يكونوا هم الذين أنكروا ذلك، مع أن من الناس إذا سمح هذا الإطلاق صرفه إلى إبراهيم النخعي . وقد عرفت أن المشهور أن علقمة يظن أن إبراهيم وأمثاله أنكروا ذلك . وم رأوا ذلك. وثم أخذوا العلم عن عبد الله ونحوه . فقد تبين أن الأمر ليس كذلك . ٦٠٠