Indexed OCR Text
Pages 501-520
(( لا تدعن فى دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك )» يتناول ما قبل السلام . ويتناول ما بعده أيضاً كما تقدم ، فإن معاذاً كان يصلي إماماً بقومه ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إماماً ، وقد بعثه إلى اليمن معلما لهم، فلو كان هذا مشروعاً للإمام والمأموم مجتمعين على ذلك ، كدعاء القنوت لكان يقول : اللهم أعنا على ذكرك وشكرك ، فلما ذكره بصيغة الإفراد على أنه لا يشرع للإمام والمأموم ذلك بصيغة الجمع . ومما يوضح ذلك ما في الصحيح عن البراء بن عازب قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه ، يقبل علينا بوجهه ، قال : فسمعته يقول : رب قني عذابك يوم تبعث عبادك، أو يوم تجمع عبادك)) فهذا فيه دعاؤه صلى الله عليه وسلم بصيغة الإفراد ، كما فى حديث معاذ ، وكلاهما إمام . وفيه أنه كان يستقبل المأمومين ، وأنه لا يدعو بصيغة الجمع ، وقد ذكر حديث معاذ بعض من صنف في الأحكام: فى الأدعية فى الصلاة قبل السلام ، موافقة لسائر الأحاديث ، كما فى مسلم ، والسنن الثلاثة ، عن أبى هريرة أن النى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والمات ، ومن فتنة المسيح الدجال » ٥٠١ وفي مسلم وغيره عن ابن عباس (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والمات ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)». وفى السنن أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل : ما تقول في الصلاة ؟ قال : أتشهد ، ثم أقول : اللهم إني أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار ، أما والله ما أحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ، فقال صلى الله عليه وسلم حولهما ندندن))، رواه أبو داود وأبو حاتم فى صحيحه ، وظاهر هذا أن دندنتها أيضاً بعد التشهد فى الصلاة ، ليكون نظير ما قاله. وعن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فى صلاته: ((اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك ، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليما ، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، وأستغفرك لما تعلم » رواه النسائي. وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر . وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والمات ، اللهم إنى أعوذ بك من المغرم والمأثم ، فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيد ٥٠٢ يا رسول الله من المغرم ، قال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ، ووعد فأخلف )). قال المصنف فى الأحكام : والظاهر أن هذا يدل على أنه كان بعد التشهد . يدل عليه حديث ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد التشهد: ((اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والمات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)). وقد تقدم حديث ابن عباس الذي فى الصحيحين أنه كان يعلمهم هذا الدعاء ، كما يعلمهم السورة من القرآن وحديث أبى هريرة وأنه يقال بعد التشهد : وقد روى فى لفظ الدبر ما رواه البخاري وغيره عن سعد بن أبي وقاص ، أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات ، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ، ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: ((اللهم إنى أعوذ بك من البخل ، وأعوذ بك من الجين ، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، وأعوذ بك من عذاب القبر)). وفى النسائى عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول فى دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر، والفقر ، وعذاب القبر)) . وفى النسائى أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي ٥٠٣ امرأة من اليهود . فقالت : إن عذاب القبر من البول ، فقلت : كذبت فقالت : بلى، إنا لنقرض منه الجلود والثوب ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ((ما هذا)» فأخبرته بما قالت، قال: ((صدقت)) فما على بعد يومئذ، إلا قال في دبر الصلاة: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أجرنى من حر النار ، وعذاب القبر)). قال المصنف فى ((الأحكام)): والظاهر أن المراد بدبر الصلاة فى الأحاديث الثلاثة قبل السلام توفيقاً بينه ، وبين ما تقدم من حديث ابن عباس، وأبي هريرة . قلت : وهذا الذي قاله صحيح ، فإن هذا الحديث فى الصحيح من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن بهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر ، فقالت لها : أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة - رضي الله عنها - رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال: ((نعم عذاب القبر حق)). قالت عائشة : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا نعوذ من عذاب القبر . والأحاديث فى هذا الباب يوافق بعضها بعضا وتبين ما تقدم ، والله أعلم . ٥٠٤ وسل عن جماعة يسبحون الله ، ويحمدونه ، ويكبرونه ، هل ذلك سنة أم مكروه ؟ وربما في الجماعة من يثقل بالتطويل من غير ضرورة ؟ فأجاب: التسبيح والتكبير عقب الصلاة مستحب ، ليس بواجب ومن أراد أن يقوم قبل ذلك فله ذلك ، ولا ينكر عليه، وليس لمن أراد فعل المستحب أن يتركه ، ولكن ينبغي للمأموم أن لا يقوم حتى ينصرف الإمام ، أي ينتقل عن القبلة ، ولا ينبغي للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة إلا مقدار ما يستغفر ثلاثاً، ويقول: ((اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)). وإذا انتقل الإمام فمن أراد أن يقوم قام ، ومن أحب أن يقعد بذكر اللّه فعل ذلك. ٥٠٥ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله فصل وعد التسبيح بالأصابع سنة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: ((سبحن واعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات)). وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن ، وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين تسبح بالحصى ، وأقرها على ذلك ، وروى أن أباهريرة كان يسبح به. وأما التسبيح بما يجعل فى نظام من الخرز، ونحوه ، فمن الناس من كرهه ، ومنهم من لم يكرهه ، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه ، وأما اتخاذه من غير حاجة ، أو إظهاره للناس مثل تعليقه فى العنق ، أو جعله كالسوار فى اليد ، أو نحو ذلك ، فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة : الأول محرم ، والثانى أقل أحواله الكراهة ، فإن مراءاة الناس فى العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب ، قال الله ٥٠٦ تعالى: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) وقال تعالى: (إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوَاْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَإِلَّا قَلِيلًا ). فأما المرائى بالفرائض فكل أحد يعلم قبح حاله ، وأن الله يعاقبه لكونه لم يعبده مخلصاً له الدين ، والله تعالى يقول: (وَمَا أُمُِّوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) . وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ* أَلَا ◌ِلَِّ الدِّينُ الْخَالِصُ ) فهذا فى القرآن كثير . وأما المرائى بنوافل الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن : فلا يظن الظان أنه يكتفى فيه بحبوط عمله فقط ، بحيث يكون لا له ولا عليه ، بل هو مستحق للذم والعقاب ، على قصده شهرة عبادة غير الله ، إذ هي عبادات مختصة ، ولا تصح إلا من مسلم ، ولا يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب ، بخلاف ما فيه نفع العبد ، كالتعليم والإمامة ، فهذا فى الاستئجار عليه نزاع بين العلماء ، والله أعلم. ٥٠٧ وسل عن قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة فى جماعة ، هل هي مستحبة أم لا؟ وما كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ؟ وقوله : ((دبر كل صلاة))؟. فأجاب: الحمد لله ، قد روى في قراءة آية الكرسي عقيب الصلاة حديث ، لكنه ضعيف ، ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها ، فلا يمكن أن يثبت به حكم شرعى ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه يجهرون بعد الصلاة بقراءة آية الكرسي، ولا غيرها من القرآن ، فجهر الإمام والمأموم بذلك ، والمداومة عليها بدعة مكروهة بلا ريب ، فإن ذلك إحداث شعار، بمنزلة أن يحدث آخر جهر الإمام والمأمومين بقراءة الفاتحة دائماً ، أو خواتيم البقرة، أو أول الحديد، أو آخر الحشر ، أو بمنزلة اجتماع الإمام والمأموم دائماً على صلاة ركعتين عقيب الفريضة ، ونحو ذلك مما لا ريب أنه من البدع . وأما إذا قرأ الإمام آية الكرسي فى نفسه ، أو قرأها أحد المأمومين فهذا لا بأس به إذ قراءتها عمل صالح ، وليس فى ذلك تغيير لشعار ٥٠٨ الإسلام ، كما لو كان له ورد من القرآن والدعاء والذكر عقيب الصلاة. وأما الذي ثبت في فضائل الأعمال فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الذكر عقيب الصلاة، ففي الصحيح عن المغيرة ابن شعبة أنه كان يقول، دبركل صلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)). وفى الصحيح أيضاً عن ابن الزبير أنه كان يقول: «لا إله الا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون)) وثبت فى الصحيح أنه قال: (( من سبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وحمد ثلاثاً وثلاثين ، وكبر ثلاثاً وثلاثين ، وذلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر )). وقد روى في الصحيحين أنه يقول كل واحد: خمسة وعشرين . ويزيد فيها التهليل ، وروى أنه يقول كل واحد عشرا، ويروى إحدى عشرة مرة ، وروى أنه يكبر أربعاً وثلاثين . وعن ابن عباس أن رفع ٥٠٩ الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة ، كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته ، وفي لفظ : ماكنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير. فهذه هي الأذكار التى جاءت بها السنة فى أدبار الصلاة . وسئل رحمه الله عمن يقول : أنا أعتقد أن من أحدث شيئاً من الأذكار غير ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح عنه أنه قد أساء وأخطأ، إذ لو ارتضى أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيه وإمامه ودليله لاكتفى بما صح عنه من الأذكار ، فعدوله إلى رأيه واختراعه جهل ، وتزيين من الشيطان ، وخلاف للسنة إذ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك خيراً إلا دلنا عليه وشرعه لنا، ولم يدخر الله عنه خيراً ؛ بدليل إعطائه خير الدنيا والآخرة؛ إذ هو أكرم الخلق على الله فهل الأمر كذلك أم لا ؟. فأجاب : الحمد لله. لاريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات ، والعبادات مبناها على التوقيف ، والاتباع ، لا على الهوى ٥١٠ والابتداع ، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء ، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التى يحصل لا يعبر عنه لسان ، ولا يحيط به إنسان ، وما سواها من الأذكار قد يكون محرماً ، وقد يكون مكروهاً ، وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس ، وهي جملة يطول تفصيلها . وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به ؛ بخلاف ما يدعو به المرء أحياناً من غير أن يجعله للناس سنة ، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرماً لم يجز الجزم بتحريمه ؛ لكن قد يكون فيه ذلك ، والإنسان لا يشعر به . وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت ، فهذا وأمثاله قريب . وأما اتخاذ ورد غير شرعي ، واستنان ذكر غير شرعي : فهذا مما ينهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ، ونهاية المقاصد العلية ، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد . ٥١١ وسئل رحم الله عن الدعاء عقيب الصلاة هل هو سنة أم لا؟ ومن أنكر على إمام لم يدع عقيب صلاة العصر هل هو مصيب أم مخطئ ؟ ( فأجاب ) الحمد لله. لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس ، كما يفعله بعض الناس عقيب الفجر والعصر ؛ ولا نقل ذلك عن أحد ، ولا استحب ذلك أحد من الأمة . ومن نقل عن الشافعى أنه استحب ذلك فقد غلط عليه ، ولفظه الموجود فى كتبه بنافي ذلك ، وكذلك أحمد وغيره من الأئمة لم يستحبوا ذلك . ولكن طائفة من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما استحبوا الدعاء بعد الفجر والعصر . قالوا : لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما ، فتعوض بالدعاء عن الصلاة. واستحب طائفة أخرى من أصحاب الشافعي وغيره الدعاء عقيب الصلوات الخمس وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه ، ٥١٢ ومن أنكر عليه فهو مخطئ باتفاق العلماء ، فإن هذا ليس مأموراً به، لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب ، في هذا الموطن ، والمنكر على التارك أحق بالإنكار منه ؛ بل الفاعل أحق بالإنكار ، فإن المداومة على مالم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عليه في الصلوات الخمس ليس مشروعا ؛ بل مكروه ، كما لو داوم على الدعاء قبل الدخول فى الصلوات، أو داوم على القنوت فى الركعة الأولى ، أو في الصلوات الخمس ، أو داوم على الجهر بالاستفتاح فى كل صلاة، ونحو ذلك . فإنه مكروه . وإن كان القنوت في الصلوات الخمس قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً ، وقد كان عمر يجهر بالاستفتاح أحياناً ، وجهر رجل خلف النبى صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك، فأقره عليه ، فليس كل ما يشرع فعله أحياناً تشرع المداومة عليه . ولو دعا الإمام والمأموم أحياناً عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعد هذا مخالفاً للسنة ، كالذي بداوم على ذلك ، والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو دبر الصلاة قبل السلام، ويأمر بذلك . كما قد بسطنا الكلام على ذلك ، وذكرنا ما في ذلك من الأحاديث ، وما يظن أن فيه حجة للمنازع فى غير هذا الموضع ؛ وذلك لأن المصلي يناجي ربه ، فإذا سلم انصرف عن مناجاته . ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو الذي يناسب ، دون سؤاله ٥١٣ بعد انصرافه ، كما أن من كان يخاطب ملكا أو غيره فإن سؤاله وهو مقبل على مخاطبته ، أولى من سؤاله له بعد انصرافه . وسل عن هذا الذي يفعله الناس بعد كل صلاة من الدعاء : هل هو مكروه ؟ وهل ورد عن أحد من السلف فعل ذلك ؟ ويتركون أيضاً الذكر الذي صح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقوله ، ويشتغلون بالدعاء؟ فهل [ الأفضل] الاشتغال بالذكر الوارد عن النبى صلى الله عليه وسلم أو هذا الدعاء ؟ وهل صح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه ويمسح وجهه أم لا ؟. فأحاب : الحمد لله رب العالمين . الذي نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك بعد الصلاة المكتوبة إنما هو الذكر المعروف . كالأذكار التى فى الصحاح ، وكتب السنن والمساند ، وغيرها ، مثل ما في الصحيح : أنه كان قبل أن ينصرف من الصلاة يستغفر ثلاثاً ، ثم يقول: (( اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام )» وفى الصحيح أنه كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، ٥١٤ اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)» . وفي الصحيح أنه كان يهلل هؤلاء الكلمات فى دبر المكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة ، وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ، ولو كره الكافرون )». وفي الصحيح أن رفع الصوت بالتكبير عقيب انصراف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنهم كانوا يعرفون انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وفى الصحيح أنه قال: (( من سبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ، وحمد ثلاثاً وثلاثين ، وكبر ثلاثاً وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير : غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)) وفى الصحيح أيضاً أنه يقول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين)). وفى السنن أنواع أخر . والمأثور ستة أنواع : ٥١٥ أحدها : أنه يقول : هذه الكلمات عشراً عشراً عشراً: فالمجموع ثلاثون . والثاني : أن يقول كل واحدة إحدى عشرة، فالمجموع ثلاث وثلاثون . والثالث : أن يقول كل واحدة ثلاثاً وثلاثين، فالمجموع تسع وتسعون. والرابع : أن يختم ذلك بالتوحيد التام ، فالمجموع مائة . والسادس: أن يقول كل واحد من الكلمات الأربع خمساً وعشرين . فالمجموع مائة . وأما قراءة آية الكرسي فقد رويت بإسناد لا يمكن أن يثبت به سنة . وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعاً عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولكن نقل عنه أنه أمر معاذاً أن يقول دبر كل صلاة: ((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) ونحو ذلك. ولفظ دبر الصلاة قد يراد به آخر جزء من الصلاة . كما يراد بدبر الشيء مؤخره ، وقد يراد به ما بعد انقضائها ، كما فى قوله تعالى: (وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ ) وقد يراد به مجموع الأمرين، وبعض الأحاديث ٥١٦ يفسر بعضاً لمن تتبع ذلك وتدبره. وبالجملة فهنا شيئان : ( أحدهما ) دعاء المصلي المنفرد ، كدعاء المصلي صلاة الاستخارة ، وغيرها من الصلوات ، ودعاء المصلي وحده ، إماما كان أو مأموماً . ( والثانى ) دعاء الإمام والمأمومين جميعا ، فهذا الثانى لا ريب أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعله فى أعقاب المكتوبات ، كما كان يفعل الأذكار المأثورة عنه ، إذ لو فعل ذلك لنقله عنه أصحابه ، ثم التابعون ، ثم العلماء، كما نقلوا ما هو دون ذلك؛ ولهذا كان العلماء المتأخرون في هذا الدعاء على أقوال : منهم من يستحب ذلك عقيب الفجر والعصر ، كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب أبي حنيفة ، ومالك وأحمد ، وغيرم ، ولم يكن معهم في ذلك سنة يحتجون بها ، وإنما احتجوا بكون هاتين الصلاتين لاصلاة بعدهما . ومنهم : من استحبه أدبار الصلوات كلها ، وقال : لا يجهر به ، إلا إذا قصد التعليم . كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب الشافعي ، وغيرهم وليس معهم فى ذلك سنة ، إلا مجرد كون الدعاء مشروعا ، وهو عقب الصلوات يكون أقرب إلى الإجابة ، وهذا الذي ذكروه قد اعتبره الشارع فى صلب الصلاة ، فالدعاء فى آخرها قبل الخروج مشروع مسنون ٥١٧ بالسنة المتواترة ، وباتفاق المسلمين ، بل قد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الدعاء فى آخرها واجب ، وأوجبوا الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم آخر الصلاة بقوله: ((إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والمات ، ومن فتنة المسيح الدجال)) رواه مسلم . وغيره، وكان طاووس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة ، وهو قول بعض أصحاب أحمد، وكذلك فى حديث ابن مسعود: (( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه )) وفى حديث عائشة وغيرها أنه كان يدعو فى هذا الموطن ، والأحاديث بذلك كثيرة . والمناسبة الاعتبارية فيه ظاهرة ، فإن المصلي يناجي ربه ، فما دام فى الصلاة لم ينصرف فإنه يناجي ربه ، فالدعاء حينئذ مناسب لحاله ، أما إذا انصرف إلى الناس من مناجاة الله لم يكن موطن مناجاة له ، ودعاء . وإنما هو موطن ذكر له . وثناء عليه، فالمناجاة والدعاء حين الإقبال والتوجه إليه في الصلاة. أما حال الانصراف من ذلك فالثناء والذكر أولى . وكما أن من العلماء من استحب عقب الصلاة من الدعاء مالم ترد به السنة : فمنهم طائفة تقابل هذه لا يستحبون القعود المشروع بعد الصلاة ، ولا يستعملون الذكر المأثور، بل قد يكرهون ذلك ، وينهون ٥١٨ عنه ، فهؤلاء مفرطون بالنهي عن المشروع ، وأولئك مجاوزون الأمر بغير المشروع ، والدين إنما هو الأمر بالمشروع دون غير المشروع. وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث ، أو حديثان ، لا يقوم بها حجة، والله أعلم . وسئل هل دعاء الإمام والمأموم عقيب صلاة الفرض جاز ، أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . أما دعاء الإمام والمأمومين جميعاً عقيب الصلاة فهو بدعة ، لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، بل إنما كان دعاؤه فى صلب الصلاة ، فإن المصلي يناجي ربه ، فإذا دعا حال مناجاته له كان مناسباً . وأما الدعاء بعد انصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب ، وإنما المسنون عقب الصلاة هو الذكر المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم من التهليل ، والتحميد ، والتكبير كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول عقب الصلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ٥١٩ وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )). وقد ثبت فى الصحيح أنه قال: ((من سبح دبر الصلاة ثلاثاً وثلاثين ، وحمد ثلاثاً وثلاثين ، وكبر ثلاثاً وثلاثين ، فذلك تسعة وتسعون ، وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير: حطت خطاياه))ــ أو كما قال - فهذا ونحوه هو المسنون عقب الصلاة، والله أعلم . وسئل عن رجل ينكر على أهل الذكر يقول لهم: ((هذا الذكر بدعة وجهركم في الذكر بدعة ، وثم يفتتحون بالقرآن ويختتمون ، ثم يدعون للمسلمين الأحياء والأموات ، ويجمعون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ، والمنكر يعمل السماع مرات بالتصفيق ، ويبطل الذكر فى وقت عمل السماع )» فأجاب: الاجتماع لذكر الله، واستماع كتابه، والدعاء عمل صالح وهو من أفضل القربات والعبادات في الأوقات ، ففي الصحيح عن ٥٢٠