Indexed OCR Text

Pages 401-420

فى كثير منها أكثر عقول الخلق ، ويغلب الهوى والشهوات أكثر
الخلق ، لغلبة الشبهات والشهوات على النفوس .
والإنسان خلق ظلوما جهولا . فالأصل فيه عدم العلم ، وميله إلى
ما يهواه من الشر، فيحتاج دائماً إلى على مفصل يزول به جهله ، وعدل
فى محبته وبغضه ورضاه وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه ، وكل
ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى عدل ينافي ظلمه ، فإن لم يمن الله عليه
بالعلم المفصل والعدل المفصل ، كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج
به عن الصراط المستقيم . وقد قال الله تعالى لنبيه بعد صلح الحديبية
( إِنَّافَتَحْنَالَكَ فَتْحَامُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَاتَّقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ
وبيعة الرضوان :
وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَنَّهُ, عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا* وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرً ا عَزِيزًا)
فأخبر أنه فعل هذا ؛ ليهديه صراط مستقيماً ، فإذا كان هذا حاله
فكيف بحال غيره .
و (الصراط المستقيم) قد فسر بالقرآن، والإسلام، وطريق
العبودية ، فكل هذا حق ، فهو موصوف بهذا وبغيره ، فحاجته إلى
هذه الهداية ضرورية فى سعادته ونجاته ، بخلاف الحاجة إلى الرزق
والنصر ، فإن الله يرزقه، فإذا انقطع رزقه مات ، والموت لا بد منه،
فإن كان من أهل الهداية كان سعيداً بعد الموت ، وكان الموت موصلا
له إلى السعادة الدائمة الأبدية ، فيكون رحمة فى حقه .
٤٠١

وكذلك النصر إذا قدر أنه قهر وغلب ، حتى قتل ، فإذا كان من
أهل الهداية والاستقامة مات شهيداً ، وكان القتل من تمام نعمة الله
عليه ، فتبين أن حاجة العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق
والنصر ، بل لا نسبة بينهما ؛ فلهذا كان هذا الدعاء هو المفروض عليهم .
وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر ؛ لأنه إذا هدى
الصراط المستقيم كان من المتقين، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقَّهُ
مِنْ حَيْثُ لَايَحْنَسِبُ ) وكان من المتوكلين، (وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ"
إِنَّاللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ )
وكان ممن ينصر الله ورسوله،
ومن ينصر الله ينصره الله، وكان من جند الله، وجند الله م
الغالبون . فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر.
فتبين أن هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب يحصل به كل
منفعة ، ويندفع به كل مضرة ، فلهذا فرض على العبد . وهذا مما يبين
أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها أصلا ، وأن فضلها على غيرها من الكلام
أعظم من فضل الركوع والسجود على سائر أفعال الخضوع ، فإذا
تعينت الأفعال فهذا أولى. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على
سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
٤٠٢

وسئل رحمه الله
:
عن ((استفتاح الصلاة)) هل هو واجب ؟ أو مستحب ؟ وما قول
العلماء فى ذلك ؟
فأجاب : الاستفتاح عقب التكبير مسنون عند جمهور الأئمة ، كأبى
حنيفة والشافعي وأحمد . كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة: مثل
حديث أبى هريرة المتفق عليه في الصحيحين. قال: ((قلت : يا رسول
الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما نقول؟ قال: أقول
اللهم باعد بيني)» وذكر الدعاء . فبين أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يسكت بين التكبير والقراءة سكوناً يدعو فيه .
وقد جاء في صفته أنواع ، وغالبها فى قيام الليل ، فمن استفتح
بقوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا
إله غيرك)) فقد أحسن ، فإنه قد ثبت في صحيح مسلم أن عمر كان
يجهر فى الصلاة المكتوبة بذلك ، وقد روى ذلك فى السنن مرفوعاً إلى
النبى صلى الله عليه وسلم.
٤٠٣

ومن استفتح بقوله: ((وجهت وجهي ، إلخ فقد أحسن ، فإنه قد
ثبت في صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يستفتح به ،
وروي أن ذلك كان فى الفرض . وروي أنه فى قيام الليل ، ومن جمع
بينهما، فاستفتح: بـ ((سبحانك اللهم وبحمدك)) إلى آخره. و((وجهت
وجهي » ، فقد أحسن . وقد روى في ذلك حديث مرفوع .
و (الأول) اختيار أبى حنيفة وأحمد. و ( الثاني ) : اختيار
الشافعي . و ( الثالث ) : اختيار طائفة من أصحاب أبى حنيفة ، ومن
أصحاب أحمد. وكل ذلك حسن بمنزلة أنواع التشهدات ، وبمنزلة
القراءات السبع التى يقرأ الإنسان منها بما اختار .
وأماكونه واجباً : فمذهب الجمهور أنه مستحب ، وليس بواجب .
وهو قول أبى حنيفة والشافعي ، وهو المشهور عن أحمد ، وفى
مذهبه قول آخر بذكره بعضهم رواية عنه أن الاستفتاح واجب ،
والله أعلم .
وسل
عن رجل يؤم الناس ، وبعد تكبيرة الإحرام يجهر بالتعوذ ، ثم
يسمي ويقرأ ، ويفعل ذلك فى كل صلاة ؟ .
٤٠٤

فأجاب: إذا فعل ذلك أحياناً للتعليم ونحوه ، فلا بأس بذلك، كما
كان عمر بن الخطاب يجهر بدعاء الاستفتاح مدة ، وكما كان ابن عمر
وأبو هريرة يجهران بالاستعاذة أحياناً . وأما المداومة على الجهر بذلك
فبدعة ، مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين
فإنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائماً ، بل لم ينقل أحد عن النبى صلى
الله عليه وسلم أنه جهر بالاستعاذة، والله أعلم .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
فأما صفة الصلاة : ومن شعائرها مسألة البسملة ، فإن الناس
اضطربوا فيها نفياً وإثباتاً، فى كونها آية من القرآن ، وفى قراءتها ،
وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر فى بعض كلامها نوع جهل وظلم ،
مع أن الخطب فيها يسير .
وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها ، فمن شعائر الفرقة والاختلاف
اللذين نهينا عنهما إذ الداعى لذلك هو ترجيح الشعائر المفرقة بين
الأمة ، وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جداً ، لولا ما يدعو
٤٠٥

إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة .
فأما كونها آية من القرآن ، فقالت طائفة كمالك : ليست من
القرآن ، إلا فى سورة النمل . والتزموا أن الصحابة أودعوا المصحف
ما ليس من كلام الله على سبيل التبرك ، وحكى طائفة من أصحاب أحمد
هذا رواية عنه ، وربما اعتقد بعضهم أنه مذهبه .
وقالت طائفة منهم الشافعي : ما كتبوها فى المصحف بقلم المصحف
مع بجريدهم للمصحف ، عما ليس من القرآن إلا وهي من السورة ،
مع أدلة أخرى .
وتوسط أكثر فقهاء الحديث كأحمد ومحققي أصحاب أبى حنيفة
فقالوا : كتابتها فى المصحف تقتضي أنها من القرآن ، للعلم بأنهم لم يكتبوا
فيه ما ليس بقرآن ، لكن لا يقتضي ذلك أنها من السورة ؛ بل تكون
آبة مفردة أنزلت فى أول كل سورة . كما كتبها الصحابة سطراً مفصولا،
كما قال ابن عباس : كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل: (بِسْمِ
فعند هؤلاء هي آية من كتاب الله في أول كل
اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
سورة ، كتبت فيه . وليست من السور . وهذا هو المنصوص عن أحمد
فى غير موضع . ولم يوجد عنه نقل صريح بخلاف ذلك ، وهو قول
عبد الله بن المبارك، وغيره. وهو أوسط الأقوال وأعدلها.
٤٠٦

وكذلك الأمر فى تلاوتها فى الصلاة . طائفة لا تقرؤها لا سراً
ولا جهراً . كمالك والأوزاعى .
وطائفة تقرؤها جهراً ، كأصحاب ابن جريج والشافعي .
والطائفة الثالثة المتوسطة جماهير فقهاء الحديث ، مع فقهاء أهل
الرأي بقرأونها سراً ، كما نقل عن جماهير الصحابة ، مع أن أحمد
يستعمل ما روى عن الصحابة في هذا الباب ، فيستحب الجهر بها
لمصلحة راجحة ، حتى إنه نص على أن من صلى بالمدينة يجهر بها، فقال
بعض أصحابه ؛ لأنهم كانوا ينكرون على من يجهر بها .
ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات
لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا ، كما
ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما فى إبقائه من تأليف
القلوب ، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم
صلى خلفه متماً . وقال الخلاف شر .
وهذا وإن كان وجهاً حسناً ، فمقصود أحمد أن أهل المدينة
كانوا لا يقرأونها فيجهر بها ليبين أن قراءتها سنة ، كما جهر ابن عباس
بقراءة أم الكتاب على الجنازة ، وقال : لتعلموا أنها سنة ، وكما جهر عمر
٤٠٧

بالاستفتاح غير مرة ، وكما كان النبى صلى الله عليه وسلم يجهر بالآية
أحياناً ، في صلاة الظهر والعصر .
ولهذا نقل عن أكثر من روى عنه الجهر بها من الصحابة
المخافتة، فكأنهم جهروا لإظهار أنهم يقرأونها ، كما جهر بعضهم بالاستعاذة
أيضاً ، والاعتدال فى كل شيء استعمال الآثار على وجهها ، فإن كون
النبي صلى الله عليه وسلم مجهر بها دائماً - وأكثر الصحابة لم ينقلوا
ذلك ، ولم يفعلوه - ممتنع قطعاً . وقد ثبت عن غير واحد منهم نفيه
عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يعارض ذلك خبر ثابت إلا وهو
محتمل ، وكون الجهر بها لا يشرع بحال - مع أنه قد ثبت عن غير
واحد من الصحابة - نسبة للصحابة إلى فعل المكروه ، وإقراره ؛ مع
أن الجهر في صلاة المخافتة بشرع لعارض، كما تقدم .
وكراهة قراءتها مع ما في قراءتها من الآثار الثابتة عن الصحابة المرفوع
بعضها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكون الصحابة كتبتها فى المصحف
وأنها كانت تنزل مع السورة ، فيه ما فيه، مع أنها إذا قرئت فى أول
كتاب سليمان ، فقراءتها فى أول كتاب الله فى غاية المناسبة، فمتابعة
الآثار فيها الاعتدال والائتلاف ، والتوسط الذي هو أفضل الأمور .
ثم مقدار الصلاة يختار فيه فقهاء الحديث صلاة النبي صلى الله عليه
٤٠٨

وسلم التى كان يفعلها غالباً ، وهي الصلاة المعتدلة المتقاربة ، التى يخفف
فيها القيام والقعود . ويطيل فيها الركوع والسجود ، ويسوى بين
الركوع والسجود ، وبين الاعتدال منها . كما ثبت ذلك عن النبي صلى
الله عليه وسلم . مع كون القراءة في الفجر بما بين الستين إلى المائة ،
وفى الظهر نحو الثلاثين آية، وفى العصر والعشاء على النصف من ذلك،
مع أنه قد يخفف عن هذه الصلاة لعارض كما قال النبى صلى الله عليه
وسلم: (( إنى لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها ، فأسمع بكاء
الصبى فأخفف ، لما أعلم من وجد أمه به ) .
كما أنه قد يطيلها على ذلك لعارض كما قرأ النبى صلى الله عليه
وسلم فى المغرب بطولى الطوليين ، وهي الأعراف . ويستحب إطالة
الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية ، ويستحب أن يمد فى الأوليين،
ويحذف فى الأخريين ، كما رواه سعد بن أبى وقاص عن النبى صلى
الله عليه وسلم. وعامة فقهاء الحديث على هذا .
ومن الفقهاء من لا يستحب أن يمد الاعتدال من الركوع والسجود،
ومنهم من يراه ركنا خفيفاً ، بناء على أنه يشرع تابعا لأجل الفصل ،
لا أنه مقصود. ومنهم من يسوي بين الركعتين الأوليين ، ومنهم من
يستحب ألا يزيد الإمام فى تسبيح الركوع والسجود على ثلاث ؛ إلى
أقوال أخر قالوها .
٤٠٩

وسل
عن حديث نعيم المجمر قال: ((كنت وراء أبى هريرة ، فقرأ :
(بِسْمِاللهِالرَّمَنِ الرَّحِيمِ)، ثم قرأ بأم الكتاب، حتى بلغ (وَلَا
الضَّآلِينَ ) قال : آمين ، وقال الناس : آمين ، ويقول : كلما سجد :
الله أكبر ، فلما سلم ، قال : والذي نفسي بيده إنى لأشبهكم صلاة
برسول الله صلى الله عليه وسلم)) وكان المعتمر بن سليمان يجهر ببسم الله
الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب ، وبعدها ، ويقول : ما آلو أن
أفندي بصلاة أبى، وقال أبى: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس ، وقال
أنس : ما آلو أن أقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا حديث
ثابت فى الجهر بها . ذكر الحاكم أبو عبد الله: أن رواة هذا الحديث
عن آخرم ثقات . فهل يحمل ما قاله أنس : وهو صليت خلف رسول
صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم
يذكر بسم الله الرحمن الرحيم على عدم السماع ؟ وما التحقيق فى هذه
المسألة والصواب ؟.
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما حديث أنس فى نفى الجهر فهو
٤١٠

صريح لا يحتمل هذا التأويل ، فإنه قد رواه مسلم في صحيحه فقال
فيه. صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبى بكر وعمر وعثمان،
فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن
الرحيم ، فى أول قراءة ، ولا في آخرها ، وهذا النفي لا يجوز إلا
مع العلم بذلك ، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمح مع إمكان الجهر
بلا سماع.
واللفظ الآخر الذي في صحيح مسلم : صليت خلف النبى صلى الله
عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ، أو قال:
يصلي ببسم الله الرحمن الرحيم ، فهذا نفى فيه السماع، ولو لم يرو
إلا هذا اللفظ لم يجز تأويله ، بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ
جهراً، ولا يسمع أنس لوجوه:
أحدها : أن أنساً إنما روى هذا ليبين لهم ما كان النبى صلى الله
عليه وسلم يفعله، إذ لا غرض للناس فى معرفة كون أنس سمع أو لم
يسمح ، إلا ليستدلوا بعدم سماعه على عدم المسموع ، فلو لم يكن ما
ذكره دليلا على نفي ذلك لم يكن أنس ليروى شيئاً لا فائدة لهم فيه،
ولا كانوا يروون مثل هذا الذي لا يفيدهم .
الثانى : أن مثل هذا اللفظ صار دالا فى العرف على عدم مالم
٤١١

يدرك ، فإذا قال : ما سمعنا ، أو ما رأينا ، لما شأنه أن يسمعه ويراه ،
كان مقصوده بذلك نفي وجوده ، وذكر نفي الإدراك دليل على ذلك .
ومعلوم أنه دليل فيما جرت العادة بإدراكه .
وهذا يظهر ( بالوجه الثالث ) وهو أن أنسا كان يخدم النبى صلى
اللّه عليه وسلم من حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة إلى
أن مات ، وكان يدخل على نسائه قبل الحجاب، ويصحبه حضرا وسفراً
وكان حين حج النبى صلى الله عليه وسلم تحت ناقته يسيل عليه لعابها
أفيمكن مع هذا القرب الخاص ، والصحبة الطويلة أن لا يسمع النبى
صلى الله عليه وسلم يجهر بها، مع كونه يجهر بها هذا مما يعلم بالضرورة
بطلانه في العادة .
ثم إنه صحب أبا بكر وعمر وعثمان، وتولى لأبى بكر وعمر ولايات،
ولا كان يمكن مع طول مدتهم أنهم كانوا يجهرون، وهو لا يسمع
ذلك ، فتبين أن هذا تحريف لا تأويل . لو لم يرو إلا هذا اللفظ ،
فكيف والآخر صريح فى نفي الذكر بها ، وهو يفضل هذه الرواية
الأخرى. وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله: يفتتحون الصلاة بـ (الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) أنه أراد السورة، فإن قوله: يفتتحون، بـ(الْحَمْدُ
◌ِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ) لا يذكرون (بِسْمِ اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فى أول قراءة،
ولا فى آخرها ، صريح أنه فى قصد الافتتاح بالآية ، لا بسورة الفاتحة
٤١٢

التى أولها (بِسْمِ اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إذ لو كان مقصوده ذلك
لتناقض حديثاه .
وأيضاً فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة ، هو من العلم الظاهر
العام الذي يعرفه الخاص والعام ، كما يعلمون أن الركوع قبل السجود
وجميع الأئمة غير النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان
يفعلون هذا ، ليس في نقل مثل هذا فائدة ، ولا هذا مما يحتاج فيه
إلى نقل أنس ، وهم قد سألوه عن ذلك ، وليس هذا مما يسأل عنه .
وجميع الأئمة من أمراء الأمصار والجيوش ، وخلفاء بني أمية ، وبنى
الزبير وغيرهم ممن أدركه أنس كانوا يفتتحون بالفاتحة ، ولم يشتبه هذا
على أحد ، ولا شك ؛ فكيف يظن أن أنساً قصد تعريفهم بهذا، وأنهم
سألوه عنه . وإنما مثل ذلك مثل أن يقال : فكانوا يصلون الظهر
أربعا ، والعصر أربعا، والمغرب ثلاثا، أو يقول: فكانوا يجهرون في
العشاءين والفجر ، ويخافتون فى صلاتى الظهرين ، أو يقول: فكانوا يجهرون
فى الأوليين ، دون الأخيرتين .
ومثل حديث أنس حديث عائشة الذي في الصحيح أيضاً ((أن
النبى صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله
رب العالمين)) إلى آخره، وقد روى ((يفتح القراءة بالحمد لله رب
العالمين، الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين )) وهذا صريح فى إرادة
٤١٣

الآية ؛ لكن مع هذا ليس فى حديث أنس نفى لقراءتها سراً؛ لأنه
روى «فكانوا لا يجهرون بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))) وهذا إنما نفى
هنا الجهر.
وأما اللفظ الآخر ((لا يذكرون)) فهو إنما ينفى ما يمكنه العلم
بانتفائه وذلك موجود في الجهر ، فإنه إذا لم يسمع مع القرب ، على أنهم
لم يجهروا .
وأما كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن له
بين التكبير والقراءة سكتة يمكن فيها القراءة سراً؛ ولهذا استدل
بحديث أنس على عدم القراءة ، من لم ير هناك سكوتاً ، كمالك وغيره ؛
لكن قد ثبت فى الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال : يارسول
الله: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ماذا نقول؟ قال:
((أقول: كذا وكذا)) إلى آخره. وفى السنن من حديث عمران وأبى
وغيرهما : أنه كان يسكت قبل القراءة . وفيها أنه كان يستعيذ ، وإذا
كان له سكوت لم يمكن أنساً أن ينفي قراءتها فى ذلك السكوت ، فيكون
نفيه للذكر ، وإخباره بافتتاح القراءة بها إنما هو في الجهر ، وكما أن
الإمساك عن الجهر مع الذكر سراً يسمى سكوتاً ، كما فى حديث أبي
هريرة ، فيصلح أن يقال : لم يقرأها ، ولم يذكرها ؛ أي جهراً ؛ فإن
لفظ السكوت، ولفظ نفي الذكر والقراءة: مدلولهما هنا واحد .
٤١٤

ويؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل . الذي فى السنن : أنه سمع
ابنه يجهر بها فأنكر عليه ، وقال: يابني إياك والحدث، وذكر أنه صلى
خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا
يجهرون بها ، فهذا مطابق لحديث أنس ، وحديث عائشة اللذين
فى الصحيح .
وأيضاً فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعى على نقله
فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة لم
يكن فى العادة ولا فى الشرع ترك نقل ذلك ، بل لو انفرد بنقل مثل
هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبها، إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع
كتمانه ، كالتواطؤ على الكذب فيه . ويمثل هذا بكذب دعوى الرافضة
في النص على علي في الخلافة ، وأمثال ذلك .
وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس فى الجهر بها حديث
صريح ، ولم يرو أهل السنن المشهورة : كأبى داود والترمذي والنسائى
شيئاً من ذلك ، وإنما يوجد الجهر بها صريحا فى أحاديث موضوعة ،
يرويها الثعلى والماوردي ، وأمثالهما فى التفسير . أو فى بعض كتب
الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره ، بل يحتجون بمثل
حديث الحميراء.
٤١٥

وأعجب من ذلك أن من أفاضل الفقهاء من لم يعز فى كتابه حديثاً
إلى البخاري إلا حديثا في البسملة ، وذلك الحديث ليس فى البخاري،
ومن هذا مبلغ علمه فى الحديث كيف يكون حالهم في هذا الباب ، أو
يرويها من جمع هذا الباب: كالدار قطني ، والخطيب، وغيرهما، فإنهم
جمعوا ما روى ، وإذا سئلوا عن صحتها قالوا بموجب علمهم . كما قال
الدار قطنى لما دخل مصر. وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها جمعها.
فقيل له: هل فيها شيء صحيح ؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه
وسلم فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ، ومنه ضعيف .
وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك ، فذكر حديثين حديث
معاوية لما صلى بالمدينة ، وقد رواء الشافعي رضي الله عنه ، قال :
حدثنا عبد المجيد ، عن ابن جريج، قال أخبرنى عبد الله بن عثمان بن
خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره ، أن أنس بن مالك قال :
صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بأم القرآن، فقرأ (بِسْمِ اللهِالرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ ) لأم القرآن ، ولم يقرأ بها للسورة التى بعدها ، ولم يكبر
حين يهوى حتى قضى تلك الصلاة ، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من
المهاجرين من كل مكان يا معاوية ! أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ فلما
صلى بعد ذلك قرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) للسورة التى بعد أم
القرآن ، وكبر حين يهوى ساجداً .
٤١٦

وقال الشافعي أنبأنا إبراهيم بن محمد قال : حدثني ابن خثيم عن
إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ،
ولم يقرأ (بِسْمِ اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، ولم يكبر إذا خفض، وإذا رفع
فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار : أي معاوية ؟ سرقت
الصلاة ؟ وذكره . وقال الشافعي أنبأنا يحيى بن سليم ، عن عبد الله
ابن عثمان بن خثيم ، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، عن
جده ، عن معاوية والمهاجرين والأنصار بمثله ، أو مثل معناه ، لا يخالفه
وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول، وهو فى كتاب إسماعيل
ابن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، عن جده ، عن معاوية. وذكر
الخطيب أنه أقوى ما يحتج به ، وليس بحجة . كما يأتي بيانه .
فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس فى الجهر
حديث صحيح، ولا صريح ، فضلا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو
متواترة ، امتنع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها ، كما يمتنع
أن يكون كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل .
فإن قيل : هذا معارض بترك الجهر بها ، فإنه مما تتوافر الهمم
والدواعى على نقله ، ثم هو مع ذلك ليس منقولا بالتواتر ، بل قد تنازع
فيه العلماء ، كما أن ترك الجهر بتقدير ثبوته كان يداوم عليه ، ثم لم
بنقل نقلا قاطعاً ، بل وقع فيه النزاع .
٤١٧

قيل : الجواب عن هذا من وجوه :
( أحدها ) أن الذي تتوافر الهمم والدواعى على نقله فى العادة ،
ويجب نقله شرعا : هو الأمور الوجودية ، فأما الأمور العدمية فلا خبر
لها، ولا ينقل منها إلا ما ظن وجوده، أو احتيج إلى معرفته، فينقل
للحاجة ؛ ولهذا قالوا لو نقل ناقل افتراض صلاة سادسة ، أو زيادة على
صوم رمضان ، أو حجاً غير حج البيت ، أو زيادة فى القرآن ، أو
زيادة في ركعات الصلاة ، أو فرائض الزكاة ، ونحو ذلك ، لقطعنا
بكذبه ، فإن هذا لو كان لوجب نقله نقلا قاطعاً عادة وشرعا، وإن عدم النقل
[ يدل على أنه ] لم ينقل نقلا قاطعاً عادة وشرعا؛ بل يستدل بعدم نقله مع
توافر الهمم والدواعى فى العادة والشرع على نقله ، أنه لم يكن .
وقد مثل الناس ذلك بما لو نقل ناقل : أن الخطيب يوم الجمعة
سقط من المنبر ، ولم يصل الجمعة أو أن قوما اقتتلوا فى المسجد
بالسيوف ، فإنه إذا نقل هذا الواحد والاثنان والثلاثة دون بقية الناس
علمنا كذبهم فى ذلك ؛ لأن هذا مما تتوافر الهمم والدواعى على نقله فى
العادة ؛ وإن كانوا لا ينقلون عدم الاقتتال ولا غيره من الأمور العدمية .
يوضح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر بالاستفتاح والاستعاذة ، واستدلت الأمة
على عدم جهره بذلك ، وإن كان لم ينقل نقلا عاما عدم الجهر بذلك ،
فبالطريق الذي يعلم عدم جهره بذلك ، يعلم عدم جهره بالبسملة وبهذا
٤١٨

يحصل الجواب عما يورده بعض المتكلمين على هذا الأصل ، وهو
كون الأمور التى تتوافر الهمم والدواعى على نقلها يمتنع ترك نقلها،
فإنهم عارضوا أحاديث الجهر والقنوت والأذان والإقامة ، فأما الأذان
والإ قامة فقد نقل فعل هذا وهذا ، وأما القنوت فإنه قنت تارة
وترك قارة، وأما الجهر فإن الخبر عنه أمر وجودى ، ولم ينقل
فيدخل فى القاعدة .
( الوجه الثاني ) أن الأمور العدمية لما احتيج إلى نقلها نقلت ،
فلما انقرض عصر الخلفاء الراشدين وصار بعض الأئمة يجهر بها كابن
الزبير ونحوه ، سأل بعض الناس بقايا الصحابة كأنس ، فروى لهم أنس
ترك الجهر بها ، وأما مع وجود الخلفاء فكانت السنة ظاهرة مشهورة
ولم يكن في الخلفاء من يجهر بها، فلم يحتج إلى السؤال عن الأمور
العدمية حتى بنقل .
( الثالث ) أن نفي الجهر قد نقل نقلا صحيحاً صريحاً فى حديث
أبي هريرة، والجهر بها لم ينقل نقلا صحيحاً صريحاً، مع أن العادة والشرع
يقتضى أن الأمور الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من
الأمور العدمية .
وهذه الوجوه من تدبرها، وكان عالماً بالأدلة القطعية ، قطع
٤١٩

بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بها ، بل ومن لم يتدرب
فى معرفة الأدلة القطعية من غيرها يقول أيضاً : إذا كان الجهر بها ليس
فيه حديث صحيح صريح، فكيف يمكن بعد هذا أن النبى صلى الله
عليه وسلم كان يجهر بها ولم نقل الأمة هذه السنة ، بل أهملوها
وضعوها ؟ وهل هذه إلا بمثابة أن ينقل ناقل : أنه كان يجهر
بالاستفتاح والاستعاذة، كما كان فيهم من يجهر بالبسملة ، ومع هذا
فنحن نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بالاستفتاح
والاستعاذة ، كما كان يجهر بالفاتحة ، كذلك نعلم بالاضطرار أن النبى
صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بالبسملة، كما كان يجهر بالفاتحة،
ولكن يمكن أنه كان يجهر بها أحياناً ، أو أنه كان يجهر بها قديماً ثم ترك
ذلك ، كما روى أبو داود فى مراسيله عن سعيد بن جبير ، ورواه
الطبراني في معجمه عن ابن عباس : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يجهر بها بمكة ، فكان المشركون إذا سمعوها سبوا الرحمن ،
فترك الجهر ، فما جهر بها حتى مات )) فهذا محتمل .
وأما الجهر العارض : فمثل ما في الصحيح أنه كان يجهر بالآية
أحياناً ، ومثل جهر بعض الصحابة خلفه بقوله : ربنا ولك الحمد حمداً
كثيراً طيباً مباركا فيه ، ومثل جهر عمر بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك
وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، ومثل جهر ابن عمر وأبى
٤٢٠