Indexed OCR Text
Pages 261-280
وبسبب هذا الاشتراك الحادث غلط كثير من الناس فى فهم الخطاب بلفظ السعي من هذا الباب ، فإنه في الأصل عام في كل ذهاب ومضى ، وهو السعي المأمور به في القرآن ، وقد يخص أحد النوعين باسم المشى ، فيبقى لفظ السعي مختصاً بالنوع الآخر، وهذا هو السعي الذي نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأنوها وأنتم تمشون )) وقد روى أن عمر كان يقرأ: ( فامضوا ) ويقول : لو قرأتها فاسعوا لعدوت حتى يكون كذا ، وهذا إن صح عنه فيكون قد اعتقد أن لفظ السعي هو الخاص . ومما يشبه هذا: السعي بين الصفا والمروة ، فإنه إنما يهرول في بطن الوادي بين الميلين . ثم لفظ السعي يخص بهذا . وقد يجعل لفظ السعي عاماً لجميع الطواف بين الصفا والمروة ، لكن هذا كأنه باعتبار أن بعضه سعي خاص ، والله أعلم . رسل عن أقوام يبتدرون السواري قبل الناس ، وقبل تكميل الصفوف ويتخذون لهم مواضع دون الصف ، فهل يجوز التأخر عن الصف الأول ؟ ٢٦١ فأجاب : قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ؟ قالوا : يا رسول الله : كيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يسدون الأول فالأول ، ويتراصون فى الصف)). وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: (( لو يعلم الناس ما فى النداء ، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)) وثبت عنه فى الصحيح: (( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها » وأمثال ذلك من السنن التى ينبغي فيها للمصلين أن يتموا الصف الأول ، ثم الثانى . فمن جاء أول الناس ، وصف في غير الأول ، فقد خالف الشريعة وإذا ضم إلى ذلك إساءة الصلاة ، أو فضول الكلام ، أو مكروهه، أو محرمه ، ونحو ذلك : مما يصان المسجد عنه ، فقد ترك تعظيم الشرائع ، وخرج عن الحدود المشروعة من طاعة الله ، وإن لم يعتقد نقص ما فعله ، ويلتزم اتباع أمر الله : استحق العقوبة البليغة التى تحمله وأمثاله على أداء ما أمر الله به ، وترك ما نهى الله عنه ، والله أعلم . ٢٦٢ وسل عن المصلين إذا لم يسووا صفوفهم ، بل كل إنسان يصلي منفرداً وهل تجوز صلاتهم هكذا في الأسواق ، أم لا ؟ فأجاب : ليس لأحد أن يصلي منفرداً خلف الصف : بل على الناس أن يصلوا مصطفين . وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا صلاة لفذ خلف الصف)) ولا يصح لهم أن يصلوا في السوق حتى تتصل الصفوف : بل عليهم أن يقاربوا الصفوف . ويسدوا الأول فالأول ، والله أعلم. ٢٦٣ وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله عما يشتبه على الطالب للعبادة من جهة الأفضلية مما اختلف فيه الأئمة من المسائل التى أذكرها وهي: أيما أفضل في صلاة الجهر ترك الجهر بالبسملة أو الجهر بها ؟ وأيما أفضل المداومة على القنوت فى صلاة الفجر، أم تركه ، أم فعله أحياناً بحسب المصلحة ؟ وكذلك فى الوتر ، وأيما أفضل طول الصلاة ومناسبة أبعاضها في الكمية والكيفية ، أو تخفيفها بحسب ما اعتادوه فى هذه الأزمنة ؟ وأيما أفضل مع قصر الصلاة فى السفر مداومة الجمع ، أم فعله أحياناً بحسب الحاجة ؟ وهل قيام الليل كله بدعة أم سنة ، أم قيام بعضه أفضل من قيامه كله ؟ وكذلك سرد الصوم أفضل ، أم صوم بعض الأيام وإفطار بعضها ؟ وفى المواصلة أيضاً ؟ وهل لبس الخشن وأكله دائماً أفضل ، أم لا ؟ وأيما أفضل فعل السنن الرواتب فى السفر ، أم تركها ؟ أم فعل البعض دون البعض . وكذلك التطوع بالنوافل فى السفر ، وأيما أفضل الصوم في السفر أم الفطر ؟ وإذا لم يجد ماء أو تعذر عليه استعماله لمرض ، أو يخاف منه الضرر من شدة البرد ، وأمثال ذلك، ٢٦٤ فهل يتيمم أم لا ؟ وهل يقوم التيمم مقام الوضوء فيما ذكر أم لا ؟ وأيما أفضل فى إغماء هلال رمضان الصوم أم الفطر ؟ أم يخير بينها : أم يستحب فعل أحدهما ؟ وهل ما واظب عليه التى صلى الله عليه وسلم فى جميع أفعاله وأحواله وأقواله وحركاته وسكناته ، وفى شأنه كله من العبادات والعادات ، هل المواظبة على ذلك كله سنة فى حق كل واحد من الأمة ؟ أم يختلف بحسب اختلاف المراتب والراتبين ؟ أفتونا مأجورين . فأجاب : الحمد لله . هذه المسائل التى يقع فيها النزاع مما يتعلق بصفات العبادات أربعة أقسام : منها: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن كل واحد من الأمرين ، واتفقت الأمة على أن من فعل أحدهما لم يأتم بذلك ، لكن قد يتنازعون في الأفضل ، وهو بمنزلة القراءات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم التى اتفق الناس على جواز القراءة بأي قراءة شاء منها ، كالقراءة المشهورة بين المسلمين ، فهذه يقرأ المسلم بما شاء منها ، وإن اختار بعضها لسبب من الأسباب . ومن هذا الباب الاستفتاحات المنقولة عن النبى صلى الله عليه وسلم ٢٦٥ أنه كان يقولها في قيام الليل ، وأنواع الأدعية التى كان يدعو بها في صلانه فى آخر التشهد ، فهذه الأنواع الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها سائغة باتفاق المسلمين ، لكن ما أمر به من ذلك أفضل لنا مما فعله ولم يأمر به. وقد ثبت فى الصحيح أنه قال: ((إذا قعد أحدكم في التشهد فليستعذ بالله من أربع ، يقول : اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والمات . ومن فتنة المسيح الدجال » فالدعاء بهذا أفضل من الدعاء بقوله: (( اللهم اغفر لي ما قدمت ، وما أخرت ، وما أسررت ، وما أعلنت ، وما أنت أعلم به منى ، أنت المقدم ، وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت)) وهذا أيضاً قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله فى آخر صلاته ، لكن الأول أمر به . وما تنازع العلماء فى وجوبه فهو أوكد مما لم يأمر به ولم يتنازع العلماء فى وجوبه . وكذلك الدعاء الذي كان يكرره كثيراً كقوله : (رَبَّنَآءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) أوكد مما ليس كذلك . ٢٦٦ القسم الثانى : ما اتفق العلماء على أنه إذا فعل كلا من الأمرين كانت عبادته صحيحة، ولا إثم عليه: لكن يتنازعون فى الأفضل . وفيما كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعله، ومسألة القنوت فى الفجر والوتر ، والجهر بالبسملة ، وصفة الاستعاذة ونحوها . من هذا الباب . فإنهم متفقون على أن من جهر بالبسملة محت صلاته ، ومن خافت صحت صلاته وعلى أن من قنت في الفجر محت صلاته ، ومن لم يقنت فيها محت صلانه ، وكذلك القنوت في الوتر . وإنما تنازعوا في وجوب قراءة البسملة ، وجمهورتم على أن قراءتها لا تجب ، وتنازموا أيضاً فى استحباب قراءتها وجمهوره على أن قراءتها مستحبة . وتنازعوا فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه ، مثل أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها، أو يمس ذكره ولا يتوضأ ، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك ، أو يصلي في جلود الميتة المدبوغة ، والمأموم يرى أن الدباغ لا يطهر ، أو يحتجم ولا يتوضأ والمأموم يرى الوضوء من الحجامة. والصحيح المقطوع به أن صلاة المأموم صحيحة خلف إمامه ، وإن كان إمامه مخطئاً فى نفس الأمر : لما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( بصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». وكذلك إذا اقتدى المأموم بمن يقنت فى الفجر، أو الوتر، قنت معه . سواء ٢٦٧ قنت قبل الركوع، أو بعده. وإن كان لا يقنت، لم يقنت معه . ولو كان الإمام يرى استحباب شيء، والمأمومون لا يستحبونه، فتركه لأجل الاتفاق والائتلاف : كان قد أحسن. مثال ذلك الوتر فإن للعلماء فيه ثلاثة أقوال : ( أحدها ) أنه لا يكون إلا بثلاث متصلة . كالمغرب : كقول من قاله من أهل العراق . والثانى : أنه لا يكون إلا ركعة مفصولة عما قبلها ، كقول من قال ذلك من أهل الحجاز . والثالث : أن الأمرين جائزان ، كما هو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ، وهو الصحيح . وإن كان هؤلاء يختارون فصله عما قبله ، فلو كان الإمام يرى الفصل ، فاختار المأمومون أن يصلي الوتر كالمغرب فوافقهم على ذلك تأليفاً لقلوبهم كان قد أحسن ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لعائشة: ((لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض ، ولجعلت لها بابين ، باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه)) فترك الأفضل عنده ؛ لئلا ينفر الناس . ٢٦٨ وكذلك لو كان رجل يرى الجهر بالبسملة فأم بقوم لا يستحبونه أو بالعكس ووافقهم كان قد أحسن ، وإنما تنازعوا في الأفضل ، فهو بحسب ما اعتقدوه من السنة . وطائفة من أهل العراق اعتقدت أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقنت إلا شهراً، ثم تركه على وجه النسخ له ، فاعتقدوا أن القنوت فى المكتوبات منسوخ ، وطائفة من أهل الحجاز اعتقدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت حتى فارق الدنيا ، ثم منهم من اعتقد أنه كان يقنت قبل الركوع ، ومنهم من كان يعتقد أنه كان يقنت بعد الركوع. والصواب هو ((القول الثالث)) الذي عليه جمهور أهل الحديث . وكثير من أئمة أهل الحجاز ، وهو الذي ثبت فى الصحيحين وغيرهما. أنه صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان وعصية ثم ترك هذا القنوت ، ثم إنه بعد ذلك بمدة بعد خبير، وبعد إسلام أبى هريرة قنت، وكان يقول فى قنوته: ((اللهم! أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، والمستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأنك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)). فلو كان قد نسخ القنوت لم يقنت هذه المرة الثانية ، وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قنت فى المغرب ، وفي العشاء الآخرة. وفى السنن أنه كان بقنت فى الصلوات الخمس ، وأكثر قنونه ٢٦٩ كان فى الفجر ، ولم يكن يداوم على القنوت لا فى الفجر ولا غيرها؛ بل قد ثبت فى الصحيحين عن أنس أنه قال: (( لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً)). فالحديث الذي رواه الحاكم وغيره من حديث الربيع بن أنس عن أنس أنه قال: (( ما زال يقنت حتى فارق الدنيا )) إنما قاله فى سياقه القنوت قبل الركوع ، وهذا الحديث لو عارض الحديث الصحيح لم يلتفت إليه، فإن الربيع بن أنس ليس من رجال الصحيح، فكيف وهو لم يعارضه . وإنما معناه أنه كان يطيل القيام فى الفجر دائماً ، قبل الركوع . وأما أنه كان يدعو في الفجر دائماً قبل الركوع أو بعده بدعاء يسمع منه أو لا يسمع فهذا باطل قطعاً ، وكل من تأمل الأحاديث الصحيحة على هذا بالضرورة ، وعلم أن هذا لو كان واقعاً لنقله الصحابة والتابعون ، ولما أهملوا قنوته الراتب المشروع لنا ، مع أنهم نقلوا قنوته الذي لا يشرع بعينه ، وإنما يشرع نظيره ؛ فإن دعاءه لأولئك المعينين ، وعلى أولئك المعينين ليس بمشروع باتفاق المسلمين ؛ بل إنما يشرع نظيره . فيشرع أن يقنت عند النوازل يدعو للمؤمنين ، ويدعو على الكفار في الفجر ، وفى غيرها من الصلوات ، وهكذا كان عمر يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه: ((اللهم العن كفرة أهل الكتاب)) إلى آخره . ٢٧٠ وكذلك علي - رضي الله عنه - لما حارب قوما قنت يدعو عليهم وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة. وإذا سمى من يدعو لهم من المؤمنين ، ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسناً . وأما قنوت الوتر فللعلماء فيه ثلاثة أقوال : قيل : لا يستحب خال لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت فى الوتر. وقيل: بل يستحب في جميع السنة ، كما ينقل عن ابن مسعود وغيره ؛ ولأن فى السنن أن النبى صلى الله عليه وسلم علم الحسن بن علي - رضي الله عنها - دعاء يدعو به فى قنوت الوتر ، وقيل : بل يقنت فى النصف الأخير من رمضان . كما كان أبي بن كعب يفعل . وحقيقة الأمر أن قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ فى الصلاة ، من شاء فعله، ومن شاء تركه . كما يخير الرجل أن يوتر بثلاث ، أو خمس، أو سبع، وكما يخير إذا أوتر بثلاث إن شاء فصل، وإن شاء وصل . وكذلك بخير فى دعاء القنوت إن شاء فعله ، وإن شاء تركه ، وإذا صلى بهم قيام رمضان فإن قنت في جميع الشهر فقد أحسن ، وإن قنت فى النصف الأخير فقد أحسن ، وإن لم يقنت بحال فقد أحسن . ٢٧١ كما أن نفس قيام رمضان لم يوقت النبى صلى الله عليه وسلم فيه عدداً معيناً ؛ بل كان هو - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد فى رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة ، لكن كان يطيل الركعات ، فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ، ثم يوتر بثلاث ، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات ، لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة ، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ، ويوترون بثلاث ، وآخرون قاموا بست وثلاثين ، وأوتروا بثلاث ، وهذا كله سائغ ، فكيفما قام فى رمضان من هذه الوجوه ، فقد أحسن . والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين ، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها - كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه فى رمضان وغيره - هو الأفضل ، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل ، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين ، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين ، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك . وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره . ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبى صلى الله عليه وسلم لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ ، فإذا كانت هذه ٢٧٢ السعة فى نفس عدد القيام ، فكيف الظن بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو تركه ، كل ذلك سائغ حسن . وقد ينشط الرجل فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة ، وقد لا ينشط فيكون الأفضل فى حقه تخفيفها . وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة. إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود ، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود . هكذا كان يفعل فى المكتوبات ، وقيام الليل ، وصلاة الكسوف، وغير ذلك . وقد تنازع الناس ، هل الأفضل طول القيام ؟ أم كثرة الركوع والسجود؟ أو كلاهما سواء ؟ على ثلاثة أقوال : أصحها أن كليها سواء ، فإن القيام اختص بالقراءة ، وهي أفضل من الذكر والدعاء ، والسجود نفسه أفضل من القيام ، فينبغي أنه إذا طول القيام أن يطيل الركوع والسجود ، وهذا هو طول القنوت الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له : أي الصلاة أفضل؟ فقال: ((طول القنوت)) فإن القنوت هو إدامة العبادة ، سواء كان فى حال القيام، أو الركوع أو السجود. كما قال تعالى: (أَمَّنْهُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا ) فسماء قانتاً فى حال سجوده، كما سماه قاتتاً فى حال قيامه . ٢٧٣ وأما البسملة : فلا ريب أنه كان فى الصحابة من يجهر بها ، وفيهم من كان لا يجهر بها ، بل يقرؤها سراً ، أو لا يقرؤها والذين كانوا يجهرون بها أكثرم كان يجهر بها تارة ، ويخافت بها أخرى وهذا لأن الذكر قد تكون السنة المخافتة به ، ويجهر به لمصلحة راجحة مثل تعليم المأمومين ، فإنه قد ثبت فى الصحيح أن ابن عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة ، ليعلمهم أنها سنة . وتنازع العلماء فى القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوال : قيل : لا تستحب بحال ، كما هو مذهب أبى حنيفة ومالك . وقيل : بل يجب فيها القراءة بالفاتحة . كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي ، وأحمد . وقيل : بل قراءة الفاتحة فيها سنة ، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز ، وهذا هو الصواب . وثبت فى الصحيح أن عمر بن الخطاب كان يقول: ((الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك)) يجهر بذلك مرات كثيرة . واتفق العلماء على أن الجهر بذلك ليس بسنة راقبة ؛ لكن جهر به للتعليم ، ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنه كان ٢٧٤ يجهر أحياناً بالتعوذ ، فإذا كان من الصحابة من جهر بالاستفتاح والاستعاذة مع إقرار الصحابة له على ذلك ، فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك . وأن يشرع الجهر بها أحياناً لمصلحة راجحة . لكن لا نزاع بين أهل العلم بالحديث: أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يجهر بالاستفتاح . ولا بالاستعاذة؛ بل قد ثبت فى الصحيح أن أبا هريرة قال له : يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول ؟ قال: ((أقول : اللهم بعد بينى وبين خطاياي ، كما بعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقنى من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد )). وفى السنن عنه أنه كان يستعيذ في الصلاة قبل القراءة، والجهر بالبسملة أقوى من الجهر بالاستعاذة ؛ لأنها آية من كتاب الله تعالى، وقد تنازع العلماء فى وجوبها ، وإن كانوا قد تنازعوا في وجوب الاستفتاح ، والاستعاذة . وفى ذلك قولان فى مذهب أحمد وغيره ؛ لكن النزاع فى ذلك أضعف من النزاع فى وجوب البسملة . والقائلون بوجوبها من العلماء أفضل وأكثر ، لكن لم يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر بها، وليس في الصحاح ولا السنن حديث صحيح صريح بالجهر ، والأحاديث الصريحة بالجهر كلها ٢٧٥ ضعيفة ؛ بل موضوعة ؛ ولهذا لما صنف الدار قطني مصنفاً فى ذلك، قيل له : هل فى ذلك شيء صحيح ؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا ، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ، ومنه ضعيف . ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها دائماً ، لكان الصحابة ينقلون ذلك ، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك ، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك بعد انقضاء عصر الخلفاء ، ولما كان الخلفاء الراشدون ثم خلفاء بني أمية وبني العباس كلهم متفقين على ترك الجهر ، ولما كان أهل المدينة - وهم أعلم أهل المدائن بسنته ــ ينكرون قراءتها بالكلية سراً ، وجهراً ، والأحاديث الصحيحة تدل على أنها آية من كتاب الله، وليست من الفاتحة، ولا غيرها . وقد تنازع العلماء : هل هى آية ، أو بعض آية من كل سورة ؟ أو ليست من القرآن إلا فى سورة النمل ؛ أو هي آية من كتاب الله حيث كتبت فى المصاحف ، وليست من السور ؟ على ثلاثة أقوال . والقول الثالث : هو أوسط الأقوال ، وبه تجتمع الأدلة ، فإن كتابة الصحابة لها في المصاحف دليل على أنها من كتاب الله . وكونهم فصلوها عن السورة التى بعدها دليل على أنها ليست منها . وقد ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( نزلت علي آنفا سورة فقراً: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ) إلى آخرها)). ٢٧٦ وثبت فى الصحيح ((أنه أول ماجاء الملك بالوحي قال: (اقْرَأْ بِأَسِ رَيَِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * آقْرَأْوَرَبُّكَ آلْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّم ◌َلْإِنسَنَ مَا ◌َ)))، فهذا أول ما نزل، ولم ينزل قبل ذلك (بِسْمِ اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ). وثبت عنه في السنن أنه قال: (( سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له ، وهي (تَبَوَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ ). وهي ثلاثون آية بدون البسملة . وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ) قال الله: حمدنى عبدي فإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الله: أثنى على عبدي . فاذا قال : (مَلِكِ يَوَمِ الّذِينِ ) قال الله: مجدنى عبدي. فإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) قال: هذه الآية بينى وبين عبدي نصفين. ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ( أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَغِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) قال الله : هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل )). فهذا الحديث صحيح صريح فى أنها ليست من الفاتحة، ولم يعارضه ٢٧٧ حديث صحيح صريح. وأجود ما يرى فى هذا الباب من الحديث إنما يدل على أنه يقرأ بها فى أول الفاتحة ، لا يدل على أنها منها ؛ ولهذا كان القراء منهم من يقرأ بها في أول السورة ومنهم من لا يقرأ بها. فدل على أن كلا الأمرين سائغ ، لكن من قرأ بها كان قد أتى بالأفضل ، وكذلك من كرر قراءتها فى أول كل سورة كان أحسن ممن ترك قراءتها ؛ لأنه قرأ ما كتبته الصحابة فى المصاحف، فلو قدر أنهم كتبوها على وجه التبرك لكان ينبغي أن تقرأ على وجه التبرك ، وإلا فكيف يكتبون فى المصحف مالا يشرع قراءته ، وم قد جردوا المصحف عما ليس من القرآن ، حتى إنهم لم يكتبوا التأمين، ولا أسماء السور ولا التخميس ، والتعشير ، ولا غير ذلك. مع أن السنة للمصلي أن يقول عقب الفاتحة : آمين ، فكيف يكتبون مالا يشرع أن يقوله ، وهم لم يكتبوا ما يصرع أن يقوله المصلي من غير القرآن ، فإذا جمع بين الأدلة الشرعية دلت على أنها من كتاب الله، وليست من السورة . والحديث الصحيح عن أنس ليس فيه نفى قراءة النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان ((فلم أسمع أحداً منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم))) أو ((فلم يكونوا يجهرون (ببسم الله الرحمن الرحيم))) ورواية من روى ((فلم يكونوا يذكرون ( بسم الله الرحمن الرحيم) فى ٢٧٨ أول قراءة ولا آخرها )) إنما تدل على نفي الجهر ، لأن أنساً لم ينف إلا ما علم، وهو لا يعلم ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم سراً. ولا يمكن أن يقال: إن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن بسكت: بل بصل التكبير بالقراءة ، فإنه قد ثبت فى الصحيحين أن أبا هريرة قال له : (( أرأيت سكونك بين التكبير والقراءة، ماذا تقول)). ومن تأول حديث أنس على نفي قراءتها سراً فهو مقابل لقول من قال مراد أنس أنهم كانوا يفتحون بفاتحة الكتاب قبل غيرها من السور ، وهذا أيضاً ضعيف فإن هذا من العلم العام الذي ما زال الناس يفعلونه ، وقد كان الحجاج بن يوسف وغيره من الأمراء الذين صلى خلفهم أنس يقرأون الفاتحة قبل السورة . ولم ينازع في ذلك أحد ولا سئل عن ذلك أحد لا أنس ولا غيره . ولا يحتاج أن يروي أنس هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ومن روى عن أنس أنه شك هل كان النبي صلى الله عليه وسلم بقرأ البسملة أو لا يقرؤها. فروايته توافق الروايات الصحيحة، لأن أنساً لم يكن يعلم هل قرأها سراً أم لا، وإنما نفى الجهر . ومن هذا الباب الذي اتفق العلماء على أنه يجوز فيه الأمران : فعل الرواتب فى السفر ، فإنه من شاء فعلها ، ومن شاء تركها ، باتفاق الأمة ، والصلاة التى يجوز فعلها وتركها . قد يكون فعلها أحياناً أفضل ٢٧٩ لحاجة الإنسان إليها ، وقد يكون تركها أفضل إذا كان مشتغلاً عن النافلة بما هو أفضل منها ؛ لكن النبى صلى الله عليه وسلم فى السفر لم يكن يصلى من الرواتب إلا ركعتى الفجر والوتر ، ولما نام عن الفجر صلى السنة والفريضة بعد ما طلعت الشمس ، وكان يصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة وهذا كله ثابت فى الصحيح . فأما الصلاة قبل الظهر وبعدها، وبعد المغرب ، فلم ينقل أحد عنه أنه فعل ذلك في السفر . وقد تنازع العلماء في السنن الرواتب مع الفريضة. فمنهم من لم يوقت فى ذلك شيئاً. ومنهم من وقت أشياء بأحاديث ضعيفة ؛ بل أحاديث يعلم أهل العلم بالحديث أنها موضوعة ، كمن يوقت ستاً قبل الظهر ، وأربعاً بعدها ، وأربعا قبل العصر ، وأربعاً قبل العشاء ، وأربعاً بعدها ونحو ذلك . والصواب فى هذا الباب القول بما ثبت فى الأحاديث الصحيحة دون ما عارضها ، وقد ثبت في الصحيح ثلاثة أحاديث : حديث ابن عمر قال: ((حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء، ٢٨٠