Indexed OCR Text

Pages 141-160

وسئل رحم الله تعالى:
عن خياط خاط للنصارى سير حرير فيه صليب ذهب . فهل عليه
إنم فى خياطته ؟ وهل تكون أجرته حلالا أم لا؟ .
فأجاب : نعم ! إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثماً ؛ لأنه
أعان على الإثم والعدوان؛ ولهذا لعن النبي صلى اللّه عليه وسلم الخمر
وعاصرها ، ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ، وبائعها ومشتريها ، وساقيها ،
وشاربها، وآكل تمها .
وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقي إنما هم يعاونون على
شربها ؛ ولهذا ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما : كقتال
المسلمين ، والقتال في الفتنة ، فإذا كان هذا في الإعانة على المعاصي ،
فكيف بالإعانة على الكفر ، وشعار الكفر .
والصليب لا يجوز عمله بأجرة ، ولا غير أجرة ، ولا بيعه صليباً،
كما لا يجوز بيع الأصنام ، ولا عملها . كما ثبت في الصحيح عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
١٤١

والأصنام)). وثبت عنه أنه لعن المصورين، وأنه كان لا يرى في البيت
صورة إلا قضبها . فصانع الصليب ملعون لعنه الله ورسوله .
ومن أخذ عوضاً عن عين محرمة ، أو نفع استوفاه ، مثل أجرة
جمال الخمر ، وأجرة صانع الصليب ، وأجرة البغي، ونحو ذلك فليتصدق
بها ، وليتب من ذلك العمل المحرم ، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما
فعله : فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به : لأنه عوض خبيث ، ولا
يعاد إلى صاحبه لأنه قد استوفى العوض ، ويتصدق به . كما نص على
ذلك من نص من العلماء . كما نص عليه الإمام أحمد فى مثل حامل الخمر ،
ونص عليه أصحاب مالك ، وغيرم .
وسئل
عمن يتجر فى الأقباع : هل يجوز له بيع القبع المرعزي وشراؤه ؟
والاكتساء منه ؟ وما يجري مجراه من الحرير الصامت ؟ أو يحرم عليه
لكون القبح لبس الرجال دون النساء ؟ وهل يجوز بيعه للجند والصبيان
إذا كانوا دون البلوغ ؟ أو اليهود والنصارى ، أم لا ؟ إلى غير ذلك
من المسائل .
فأجاب : أما أقباع الحرير فيحرم لبسها على الرجال ، ولأنها حرير
١٤٢

ولبس الحرير حرام على الرجال ، بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإجماع العلماء . وإن كان مبطنا بقطن أو كتان .
وأما على النساء ؛ فلأن الأقباع من لباس الرجال ، وقد لعن النبى
صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال ، والمتشبهين من
الرجال بالنساء .
وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا : ففيه قولان مشهوران .
للعلماء : لكن أظهرهما أنه لا يجوز ، فإن ما حرم على الرجل فعله حرم
عليه أن يمكن منه الصغير، فإنه يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين،
ويضربه عليها إذا بلغ عشراً ، فكيف يحل له أن يلبسه المحرمات .
وقد رأى عمر بن الخطاب على صبى للزبير ثوباً من حرير فزقه،
وقال: (( لا تلبسوم الحرير )) وكذلك ابن مسعود مزق ثوب حرير كان
على ابنه ، وما حرم لبسه لم تحل صنعته، ولا بيعه لمن يلبسه من
أهل التحريم .
ولا فرق فى ذلك بين الجند وغيرم، فلا يحل للرجل أن يكتسب
بأن يخيط الحرير لمن يحرم عليه لبسه ، فإن ذلك إعانة على الإثم
والعدوان ، وهو مثل الإعانة على الفواحش ونحوها ، وكذلك لا يباع
١٤٣

الحرير لرجل يلبسه من أهل التحريم ، وأما بيع الحرير للنساء فيجوز.
وكذلك إذا بيع لكافر ، فإن عمر بن الخطاب أرسل بحرير أعطاه إياه
النبى صلى الله عليه وسلم إلى رجل مشرك .
وسل
هل طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه فى
أكامه مكروه ؟.
فأجاب : لا بأس بذلك ، باتفاق الفقهاء، وقد ذكروا جواز ذلك
وليس هذا من السدل المكروه ؛ لأن هذه اللبسة ليست لبسة اليهود .
وسئل
عن طول السراويل إذا تعدى عن الكعب، هل يجوز ؟.
فأجاب : طول القميص والسراويل وسائر اللباس إذا تعدى ليس
له أن يجعل ذلك أسفل من الكعبين . كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة
عن النبى صلى الله عليه وسلم، وقال: (( الإسبال فى السراويل
والإزار والقميص)) يعني نهى عن الإسبال .
١٤٤

وسئل رحمه اللّه
عن لبس الكوفية للنساء . ما حكمها إذا كانت بالدائر والفرق؟ وفى
لبسهن الفراجي ؟ وما الضابط في التشبه بالرجال فى الملبوس ؟ هل هو
بالنسبة إلى ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كل
زمان بحسبه ؟ .
فأجاب: الحمد لله. الكوفية التى بالفرق والدائر من غير أن تستر
الشعر المسدول ، هي من لباس الصبيان ، والمرأة اللابسة لذلك متشبهة
بهم . وهذا النوع قد يكون أول من فعله من النساء قصدت التشبه
بالمردان ، كما يقصد بعض البغايا أن تضفر شعرها ضفيراً واحداً مسدولا
بين الكتفين، وأن ترخي لها السوالف ، وأن تعتم ؛ لتشبه المردان
فى العمامة ، والعذار والشعر . ثم قد تفعل الحرة بعض ذلك ، لا نقصد
هذا ؛ لكن هي فى ذلك متشبهة بالرجال .
وقد استفاضت السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الصحاح
وغيرها ، بلعن المتشبهات من النساء بالرجال ، والمتشبهين من الرجال
بالنساء ، وفي رواية (( أنه لعن المختثين من الرجال ، والمترجلات من
١٤٥

النساء)) وأمر بنفي المخنتين. وقد نص على نفيهم الشافعى وأحمد ،
وغيرهما . وقالوا جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفى في حد
الزنا ، وبنفي المختتين .
وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: (( صنفان من أهل النار من أمتى
لم أرهما بعد : كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، على رؤوسهن مثل
أسنمة البخت ، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها . ورجال معهم سياط
مثل أذناب البقر، يضربون بها عباد الله)) .
وفى السنن أنه مر بباب أم سلمة وهي تعتصب فقال: ((يا أم سلمة !
لية لاليتين)) وقد فسر قوله: ((كاسيات عاريات)) بأن تكتسى مالا
يسترها . فهي كاسية ، وهي في الحقيقة عارية، مثل من نكتسى الثوب
الرقيق الذي يصف بشرتها ؛ أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع
خلقها ، مثل عجيزتها وساعدها ، ونحو ذلك. وإنما كسوة المرأة ما
يسترها ، فلا يبدي جسمها ، ولا حجم أعضائها لكونه كثيفاً واسعاً .
ومن هنا يظهر الضابط في نهيه صلى اللّه عليه وسلم عن تشبه الرجال
بالنساء ، وعن تشبه النساء بالرجال ، وأن الأصل فى ذلك ليس هو
راجعاً إلى مجرد ما يختاره الرجال والنساء ويشتهونه ، ويعتادونه ، فإنه
لو كان كذلك لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التى
١٤٦

تغطي الرأس والوجه والعنق ، والجلابيب التى تسدل من فوق الرؤوس
حتى لا يظهر من لا بسها إلا العينان، وأن تلبس النساء العائم والأقبية
المختصرة، ونحو ذلك، يكون هذا سائغاً . وهذا خلاف النص
(وَلْيَضْرِيِّنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوِنّ
والإجماع . فإن الله تعالى قال للنساء :
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِرَ) الآية وقال: (قُل لِّأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ
الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ) الآية .
وقال: (وَلَتَبَّعْنَ تَبَرُّعَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى ).
فلو كان اللباس الفارق بين الرجال والنساء مستنده مجرد ما يعتاده
النساء أو الرجال باختيارهم، وشهوتهم، لم يجب أن يدنين عليهن الجلابيب
ولا أن يضربن بالخمر على الجيوب ، ولم يحرم عليهن التبرج تبرج الجاهلية
الأولى ؛ لأن ذلك كان عادة لأولئك ، وليس الضابط فى ذلك لباساً
معيناً من جهة نص النبى صلى الله عليه وسلم ، أو من جهة عادة الرجال
والنساء على عهده، بحيث يقال: إن ذلك هو الواجب، وغيره يحرم .
فإن النساء على عهده كن يلبسن ثيابا طويلات الذيل . بحيث ينجر
خلف المرأة إذا خرجت ، والرجل مأمور بأن يشمر ذيله حتى لا يبلغ
الكعبين ؛ ولهذا لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن إسبال
الإزار، وقيل له: فالنساء؟ قال: ((يرخين شبراً ، قيل له : إذن
١٤٧

تنكشف سوقهن ، قال: ذراعا لا يزدن عليه )) قال الترمذي
حديث صحيح .
حتى إنه لأجل ذلك روى أنه رخص للمرأة إذا جرت ذيلها على
مكان قذر ثم مرت به على مكان طيب أنه يطهر بذلك ، وذلك قول
طائفة من أهل العلم فى مذهب أحمد وغيره ، جعل المجرور بمنزلة
النعل الذي يكثر ملاقاته النجاسة ، فيطهر بالجامد ، كما يطهر السبيلان
بالجامد لما تكرر ملاقاتهما النجاسة .
ثم إن هذا ليس معيناً للستر فلو لبست المرأة سراويل، أو
خفاً واسعاً صلباً كالموق ، وتدلى فوقه الجلباب بحيث لا يظهر حجم
القدم ، لكان هذا محصلا للمقصود ، بخلاف الخف اللين الذي يبدي
حجم القدم ؛ فإن هذا من لباس الرجال . وكذلك المرأة لو لبست
جبة وفروة لحاجتها إلى ذلك لدفع البرد ، لم تنه عن ذلك .
فلو قال قائل : لم يكن النساء يلبسن الفراء ، قلنا : فإن ذلك
يتعلق بالحاجة ، فالبلاد الباردة يحتاج فيها إلى غلظ الكسوة ، وكونها
مدفئة ، وإن لم يحتج إلى ذلك في البلاد الحارة ، فالفارق بين لباس
الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال ، وما يصلح للنساء . وهو
ما يناسب ما يؤمر به الرجال ، وما تؤمر به النساء . فالنساء مأمورات
١٤٨

بالاستتار والاحتجاب ، دون التبرج والظهور ؛ ولهذا لم يشرع لها رفع
الصوت فى الأذان ولا التلبية ، ولا الصعود إلى الصفا والمروة ، ولا
التجرد فى الإحرام . كما يتجرد الرجل .
فإن الرجل مأمور أن يكشف رأسه ، وألا يلبس الثياب المعتادة
وهي التى تصنع على قدر أعضائه ، فلا يلبس القميص ، ولا السراويل
ولا البرنس ، ولا الخف ، لكن لما كان محتاجاً إلى ما يستر العورة ،
ويمشي فيه، رخص له في آخر الأمر إذا لم يجد إزاراً أن يلبس
سراويل ، وإذا لم يجد نعلين أن يلبس خفين . وجعل ذلك بدلا
للحاجة العامة ، بخلاف ما يحتاج إليه حاجة خاصة لمرض أو برد ، فإن
عليه الفدية إذا لبسه ، ولهذا طرد أبو حنيفة هذا القياس ، وخالفه
الأكثرون للحديث الصحيح . ولأجل الفرق بين هذا وهذا .
وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس ؛ لأنها مأمورة بالاستنار
والاحتجاب ، فلا يشرع لها ضد ذلك ، لكن منعت أن ننتقب ، وأن
تلبس القفازين ؛ لأن ذلك لباس مصنوع على قدر العضو ، ولا
حاجة بها إليه .
وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل ، أو كيديه على
قولين فى مذهب أحمد وغيره . فمن جعل وجهها كرأسه ، أمرها إذا
١٤٩

سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه . كما يجافى عن
الرأس ما يظلل به .
ومن جعله كاليدين - وهو الصحيح - قال هي لم تنه عن ستر
الوجه ، وإنما نهيت عن الانتقاب. كما نهيت عن القفازين؛ وذلك كما
نهى الرجل عن القميص ، والسراويل ، ونحو ذلك . ففي معناه البرقع
وما صنع لستر الوجه . فأما تغطية الوجه بما يسدل من فوق الرأس ،
فهو مثل تغطيته عند النوم بالملحفة، ونحوها . ومثل تغطية اليدين
بالكمين ، وهى لم تنه عن ذلك.
فلو أراد الرجال أن ينتقبوا ويتبرقعوا ويدعوا النساء باديات
الوجوه ، لمنعوا من ذلك .
وكذلك المرأة أمرت أن تجتمع فى الصلاة ، ولا تجافي بين أعضائها
وأمرت أن تغطي رأسها ، فلا يقبل الله صلاة حائض إلا بخار ، ولو
كانت فى جوف بيت لا يراها أحد من الأجانب ، فدل ذلك على
أنها مأمورة من جهة الشرع بستر لا يؤمر به الرجل حقاً لله عليها،
وإن لم يرها بشر. وقد قال تعالى: (وَقَرْنَ فِ يُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّجْنَ تَبُّجَ
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا
اُلْجَِهِلِيَّةِ الْأُولَى )
إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن)) وقال: ((صلاة إحداكن
١٥٠

فى مخدعها ، أفضل من صلاتها فى حجرتها ، وصلاتها فى حجرتها
أفضل من صلاتها فى دارها ، وصلاتها فى دارها أفضل من صلاتها
فى مسجد قومها ، وصلاتها فى مسجد قومها أفضل من صلاتها معي))
وهذا كله لما فى ذلك من الاستتار والاحتجاب .
ومعلوم أن المساكن من جنس الملابس كلاهما جعل في الأصل
للوقاية ، ودفع الضرر . كما جعل الأكل والشرب لجلب المنفعة ،
فاللباس يتقي الإنسان به الحر والبرد ، ويتقي به سلاح العدو، وكذلك
المساكن يتقى بها الحر والبرد ، ويتقى بها العدو . وقال تعالى :
(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَا وَجَعَلَ
لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِمُّ نِعْمَتَهُ.
عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) فذكر في هذا الموضع ما يحتاجون إليه
لدفع ما قد يؤذيهم .
وذكر فى أول السورة ما يضطرون إليه لدفع ما يضرم ، فقال :
فذكر
(وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ )
ما يستدفئون به ، ويدفعون به البرد: لأن البرد يهلكهم، والحر
يؤذيهم ؛ ولهذا قال بعض العرب : البرد بؤس ، والحر أذى ؛ ولهذا
السبب لم يذكر فى الآية الأخرى وقاية البرد ، فإن ذلك تقدم فى
أول السورة، وذكر في أثناء السورة ما أتم به النعمة، وذكر
١٥١

فى أول السورة أصول النعم؛ ولهذا قال: (كَذَلِكَ يُنِّمُّ نِعْمَتَهُ، عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) .
والمقصود هنا : أن مقصود الثياب تشبه مقصود المساكن ، والنساء
مأمورات في هذا بما يسترهن ويحجبهن ، فإذا اختلف لباس الرجال
والنساء فما كان أقرب إلى مقصود الاستتار والاحتجاب : كان للنساء ،
وكان ضده للرجال .
وأصل هذا : أن تعلم أن الشارع له مقصودان :
(أحدهما ) الفرق بين الرجال والنساء .
و( الثانى ) احتجاب النساء . فلو كان مقصوده مجرد الفرق
لحصل ذلك بأي وجه حصل به الاختلاف . وقد تقدم فساد ذلك ، بل
أبلغ من ذلك أن المقصود باللباس إظهار الفرق بين المسلم والذمي ،
ليترتب على كل منها من الأحكام الظاهرة ما يناسبه .
ومعلوم أن هذا يحصل بأي لباس ، اصطلحت الطائفتان على
التميز به ، ومع هذا فقد روعى في ذلك ما هو أخص من الفرق ،
فإن لباس الأبيض لما كان أفضل من غيره . كما قال صلى الله عليه وسلم
((عليكم بالبياض فليلبسه أحياؤكم. وكفتوا فيه موتاكم)) لم يكن من
١٥٢

السنة أن يجعل لباس أهل الذمة الأبيض ، ولباس أهل الإسلام المصبوغ
كالعسلي والأدكن، ونحو ذلك ؛ بل الأمر بالعكس .
وكذلك فى الشعور وغيرها : فكيف الأمر في لباس الرجال
والنساء ، ليس المقصود به مجرد الفرق ، بل لا بد من رعاية جانب
الاحتجاب والاستنار .
وكذلك أيضاً ليس المقصود مجرد حجب النساء وسترهن ، دون
الفرق بينهن وبين الرجال ؛ بل الفرق أيضاً مقصود ، حتى لو قدر أن
الصنفين اشتركوا فيما يستر ويحجب ، بحيث يشتبه لباس الصنفين
لنهوا عن ذلك .
والله تعالى قد بين هذا المقصود أبضاً، بقوله تعالى: ( يَأَيُّهَا النَّبِىُّ
قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُّدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن ◌َِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَ
يُؤْذَيْنَ )
فجعل كونهن يعرفن باللباس الفارق
أمرا مقصودا .
ولهذا جاءت صيغة النهي بلفظ التشبه ، بقوله صلى الله عليه وسلم
(( لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال . والمتشبهين من الرجال
بالنساء)) وقال: ((لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من
١٥٣

النساء )) فعلق الحكم باسم التشبه. ويكون كل صنف يتصف بصفة الآخر .
وقد بسطنا هذه القاعدة فى ( اقتضاء الصراط المستقيم ، لمخالفة
أصحاب الجحيم ) وبينا أن المشابهة فى الأمور الظاهرة تورث تناسباً
وتشابهاً في الأخلاق ، والأعمال ، ولهذا نهينا عن مشابهة الكفار ،
ومشابهة الأعاجم ، ومشابهة الأعراب ، ونهى كل من الرجال والنساء
عن مشابهة الصنف الآخر ، كما فى الحديث المرفوع: (( من تشبه بقوم
فهو منهم)). ((وليس منا من تشبه بغيرنا)) والرجل المتشبه بالنساء
يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه ، حتى يفضي الأمر به إلى التخنث
المحض ، والتمكين من نفسه كأنه امرأة .
ولما كان الغناء مقدمة ذلك ، وكان من عمل النساء : كانوا يسمون
الرجال المغنين مخانيث . والمرأة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم ،
حتى يصير فيها من التبرج والبروز ومشاركة الرجال : ماقد يفضي
ببعضهن إلى أن تظهر بدنها كما يظهره الرجل ، وتطلب أن تعلو على
الرجال ، كما تعلو الرجال على النساء ، وتفعل من الأفعال ما ينافى
الحياء والخفر المشروع للنساء وهذا القدر قد يحصل بمجرد المشابهة.
وإذا تبين أنه لا بد من أن يكون بين لباس الرجال والنساء
فرق يتميز به الرجال عن النساء . وأن يكون لباس النساء فيه من
١٥٤

الاستتار والاحتجاب ما يحصل مقصود ذلك : ظهر أصل هذا الباب
وتبين أن اللباس إذا كان غالبه لبس الرجال ، نهيت عنه المرأة ، وإن
كان ساتراً كالفراجى التى جرت عادة بعض البلاد أن يلبسها الرجال
دون النساء ، والنهي عن مثل هذا بتغير العادات ، وأما ما كان الفرق
عائداً إلى نفس الستر فهذا يؤمر به النساء بما كان أستر ، ولو قدر
أن الفرق يحصل بدون ذلك ، فإذا اجتمع فى اللباس قلة الستر ،
والمشابهة ، نهى عنه من الوجهين ، والله أعلى .
وسئل
عن لبس النساء هذه العائم التى على رؤوسهن . هل هى حرام ؟
أو مكروه ؟ وما العمائم التى تستحب للنساء ؟ وهل يجوز لهن
لبس الخف ؟
فأجاب : الحمد لله وحده . هذه العائم التى تلبسها النساء حرام،
بلا ريب ، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((صنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات
مائلات مميلات ، على رؤوسهن مثل أسنمة البخت ، لا يدخلن الجنة ،
ولا يجدن ريحها ، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها
عباد الله)).
١٥٥

وأيضاً فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن
الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء)) وفي
لفظ: ((لعن الله المتخنثين من الرجال والمترجلات من النساء )» وفي
سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم رأى أم سلمة نعتصب فقال :
((يا أم سلمة! لية؛ لا ليتان)).
وما كان من لباس الرجال مثل العمامة والخف والقباء الذي
للرجال ، والثياب التى تبدي مقاطع خلقها، والثوب الرقيق الذي لا يستر
البشرة ، وغير ذلك ؛ فإن المرأة تنهى عنه ، وعلى وليها كأبيها وزوجها
أن ينهاها عن ذلك، والله أعلم .
وسل
هل يجوز للنساء لبس العصائب الكبار التى يتشبهن بلبسها بالرجال
أم لا ؟ وهل ورد فى تحريم ذلك نص خاص ، أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله. أما لبس النساء العصائب الكبار فهو حرام. فقد
ثبت في الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى
اللّه عليه وسلم أنه قال: ((صنفان من أمتى لم أرهما بعد: نساء كاسيات
عاريات، مائلات مميلات ، على رؤوسهن كأمثال أسنمة البخت ، لايدخلن
١٥٦

الجنة ، ولا يجدن ريحها . ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون
بها عباد الله)) وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم
سلمة وهي تعتصب: (( يا أم سلمة! لية لا ليتان)) وفى الصحيح أنه قال :
(( لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء)).
والنصوص عامة وخاصة بتحريم ذلك ، وقد أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم بأن هؤلاء من أهل النار . وأخبر بهم قبل أن يكونوا ،
والله أعلم .
وسئل
عما إذا صلى في موضع بجس ؟
•
فأجاب: إذا صلى وبعض بدنه فى موضع نجس لم يمكنه الصلاة
إلا فيه ، فهو معذور ، وتصح صلاته .
وأما إن أمكنه الصلاة فى موضع طاهر ، فليس له أن يصلى فى
الموضع النجس .
١٥٧

وسل
هل نكره الصلاة فى أي موضع من الأرض ؟
فأجاب : نعم ! ينهى عن الصلاة فى مواطن ، فإنه قد ثبت فى
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الصلاة فى أعطان
الإبل، فقال: ((لا تصلوا فيها)) وسئل عن الصلاة فى مبارك الغيم
فقال: ((صلوا فيها)) وفي السنن أنه قال: ((الأرض كلها مسجد إلا
المقبرة والحمام )) وفى الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال
((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا)).
وفى الصحيح عنه أنه قال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون
القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنها كم عن ذلك))
وفى السنن: ((أنه نهى عن الصلاة بأرض الخسف)). وفى سنن ابن
ماجه وغيره : ((أنه نهى عن الصلاة في سبع مواطن: المقبرة، والمجزرة،
والمزبلة، وقارعة الطريق، والحمام، وظهر البيت الحرام))، وهذه
المواضع - غير ظهر بيت الله الحرام - قد يعللها بعض الفقهاء بأنها
مظنة النجاسة . وبعضهم يجعل النهي تعبداً .
١٥٨

والصحيح أن عللها مختلفة . تارة تكون العلة مشابهة أهل الشرك :
كالصلاة عند القبور ، ونارة لكونها مأوى للشياطين : كأعطان الإبل .
ونارة لغير ذلك ، والله أعلم .
وسئل
عن الحمام إذا اضطر المسلم للصلاة فيه ، وخاف فوات الوقت هل
يجوز ذلك أم لا ؟
فأجاب : إذا لم يمكنه أن يغتسل ويخرج ويصلي حتى يخرج
الوقت ، فإنه يغتسل ، ويصلي بالحمام ؛ فإن الصلاة في الأماكن
المنهي عنها فى الوقت أولى من الصلاة بعد الوقت في غيرها
ولهذا لو حبس فى الحش صلى فيه ، وفى الإعادة نزاع . والصحيح أنه
لا إعادة عليه ؛ ولهذا يصلي فى الوقت عريانا، إذا لم يمكنه إلا كذلك.
وأما إن أمكنه الاغتسال والخروج للصلاة خارج الحمام فى الوقت لم يجز
له الصلاة في الحمام ، وكذلك لو أمكنه الاغتسال فى بيته، فإنه لا يصلى
فى الحمام إلا لحاجة ، والله أعلم.
١٥٩

وسئل رحمه اللّه
عن الصلاة فى الحمام ؟
فأجاب : فى سنن أبى داود وغيره عن أبى سعيد عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة
والحمام)، وقد صححه الحفاظ . وأما إن ضاق الوقت ، فهل يصلى فى
الحمام ؟ أو يفوت الصلاة حتى يخرج فيصلى خارجها ؟ على قولين فى
مذهب أحمد ، وغيره . فلا يصلح أن يصلي فى الحمام .
وينبغي لمن أصابته جنابة إن احتاج إلى الحمام أن يغتسل فى
أول الوقت ، ويخرج بصلي ، ثم إن أحب أن يتم اغتساله بالسدر
ونحوه ، عاد إلى الحمام ، وجمهور العلماء على أن الصلاة فيها منهي عنها؛
إما نهي تحريم ، أولا تصح : كالمشهور من مذهب أحمد ، وغيره.
وإما نهي تنزيه كمذهب الشافعي ، وغيره .
١٦٠