Indexed OCR Text
Pages 121-140
وسئل عن الصلاة في النعل ونحوه ؟ فأجاب : أما الصلاة في النعل ونحوه، مثل الجمجم، والمداس والزربول ، وغير ذلك : فلا يكره ، بل هو مستحب ؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في نعليه . وفى السنن عنه أنه قال: ((إن اليهود لا يصلون فى نعالهم مخالفوم)) فأمر بالصلاة فى النعال مخالفة لليهود . وإذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين ، وأما إذا تيقن نجاستها فلا يصلي فيها حتى تطهر . لكن الصحيح أنه إذا دلك النعل بالأرض طهر بذلك . كما جاءت به السنة ، سواء كانت النجاسة عذرة ، أو غير عذرة . فإن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة النجاسة له ، فهو بمنزلة السبيلين ، فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتاً بالسنة المتواترة ، فكذلك هذا . ١٢١ وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم نكره الصلاة فيه ، ولو تيقن بعد الصلاة أنه كان نجساً فلا إعادة عليه فى الصحيح ، وكذلك غيره كالبدن والثياب والأرض . وسئل عن لبس القباء فى الصلاة ، إذا أراد أن يدخل يديه فى أكمامه هل يكره أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله، لا بأس بذلك؛ فإن الفقهاء ذكروا جواز ذلك ؛ وليس هو مثل السدل المكروه ، لما فيه من مشابهة اليهود ؛ فإن هذه اللبسة ليست من ملابس اليهود ، والله أعلم . وسئل عن الفراء من جلود الوحوش ، هل يجوز الصلاة فيها ؟ فأجاب: الحمد لله. أما جلد الأرنب فتجوز الصلاة فيه بلا ريب وأما الثعلب ففيه نزاع ، والأظهر جواز الصلاة فيه ، وجلد الضبع وكذلك كل جلد غير جلود السباع التى نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن لبسها . ١٢٢ ء وسئل عن المرأة إذا ظهر شيء من شعرها في الصلاة هل تبطل صلاتها أم لا؟ فأجاب : إذا انكشف شيء يسير من شعرها وبدنها لم يكن عليها •٠ الإعادة ، عند أكثر العلماء ، وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد . وإن انكشف شيء كثير أعادت الصلاة فى الوقت ، عند عامة العلماء الأئمة الأربعة ، وغيرهم ، والله أعلم . وسل عن المرأة إذا صلت وظاهر قدمها مكشوف . هل نصح صلاتها؟ فأجاب : هذا فيه نزاع بين العلماء ، ومذهب أبي حنيفة صلاتها جائزة ، وهو أحد القولين . ١٢٣ وقال رحم الله فصل فى ((محبة الجمال)) ثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ولا يدخل الجنة أحد فى قلبه مثقال حبة خردل من كبر)) وفى رواية: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) فقال رجل يارسول الله : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس )). فقوله: ((إن الله جميل يحب الجمال)) قد أدرج فيه حسن الثياب التى هي المسؤول عنها ، فعلم أن الله يحب الجميل من الناس، ويدخل فى عمومه بطريق الفحوى الجميل من كل شيء . وهذا كقوله فى الحديث الذي رواه الترمذي: (( إن الله نظيف يحب النظافة)). وقد ثبت عنه فى الصحيح: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) ١٢٤ وهذا مما يستدل به على استحباب التجمل فى الجمع ، والأعياد . كما فى الصحيحين (( أن عمر بن الخطاب رأى حلة تباع فى السوق فقال : يا رسول الله! لو اشتريت هذه تلبسها، فقال: إنما يلبس هذه من لاخلاق له فى الآخرة)) وهذا يوافقه فى حسن الثياب ما فى السنن عن أبي الأحوص الجشمي ، قال: ((رآني النبى صلى الله عليه وسلم وعلي أطار ، فقال : هل لك من مال ؟ قلت : نعم ! قال : من أي المال ، قلت : من كل ما آتانى الله، من الإبل والشاء، قال: فلتر نعمة الله عليك ، وكرامته عليك)). وفيها عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) لكن هذا لظهور نعمة اللّه، وما فى ذلك من شكره ، وأنه يحب أن يشكر ، وذلك لمحبة الجمال . وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه رأوه معارضاً (١). وكل مصنوع الرب جميل ، لقول الله تعالى : (الَّذِىَ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ) فيحب كل شيء، وقد يستدلون بقول بعض المشايخ : المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب ، (١) بياض بالأصل . ١٢٥ والمخلوقات كلها مرادة له ، وهؤلاء يصرح أحدهم بإطلاق الجمال في كل شيء ، وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله، والنهي عن المنكر والبغض فى الله، والجهاد فى سبيله، وإقامة حدوده، وم في ذلك متناقضون ، إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود . فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم ، فيبقى أحدم مع طبعه وذوقه وينسلخون عن دين الله . وربما دخل أحدم فى الاتحاد والحلول المطلق وفيهم من يخص الحلول والاتحاد ببعض المخلوقات ، كالمسيح ، أو علي أو غيرهما ، أو المشايخ والملوك والمردان . فيقولون : بحلوله فى الصور الجميلة ، ويعبدونها ، ومنهم من لا يرى ذلك ، بل يتدين بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب ، والمردان ، وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله ، فيحبه هو ، ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ، ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَ ابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَأَقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُهُ بِالْفَحْشَآءِ) والآخرون قالوا : قد ثبت فى صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) وقد قال تعالى عن المنافقين: ( وَإِذَا (وَكَ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ) وقال تعالى : ١٢٦ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِهْيَا) والأثاث المال من اللباس ونحوه . والرئى المنظر. فأخبر أن الذين أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صوراً، وأحسن أثاثاً ، وأموالا ، ليبين أن ذلك لا ينفع عنده ولا يعبأ به . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربى ولا لأبيض على أسود ، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى)» وفي السنن عنه أنه قال: ((البذاذة من الإيمان)) وأيضاً فقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب ، وآنية الذهب والفضة ، ما هو من أعظم الجمال فى الدنيا ، وحرم اللّه الفخر والخيلاء. واللباس الذي فيه الفخر والخيلاء، كإطالة الثياب حتى ثبت في الصحيح عنه أنه قال: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) ومثل ذلك ما في الصحيح عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً)) وفى الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء ، خسف به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة )) وقال تعالى : (يَبَنِىّءَادَمَ قَدْ أَفَلْنَا عَلَيْكُمْلِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ اتِكُمْ وَرِيِشًا وَلِيَاسُ النَّقْوَى ج ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ) فأخبر أن لباس التقوى خير من ذلك . ( أَوَمَن يُنَشَّؤُأ وقال تعالى : فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِ الْخِصَاِ غَيْرُ مُبِينٍ) وقال تعالى في حق قارون: (فَخَرَجَ عَلَى ١٢٧ قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ ) . قالوا : بثياب الأرجوان . ولهذا ثبت عن عبد الله ابن عمرو قال: ((رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين ، فقال : إن هذه من ثياب الكفار ، فلا تلبسها . قلت : أغسلها ، قال : احرقها ) ولهذاكره العلماء الأحمر المشبع حمرة ، كما جاء النهي عن الميثرة الحمراء . وقال عمر بن الخطاب: دعوا هذه البراقات للنساء . والآثار (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ فى هذا ونحوه كثيرة . وقال تعالى : أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُو أَفُرُوجَهُمْ) إلى قوله (وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْتُفْلِحُونَ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح عن جرير بن عبد اللّه قال: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة ، فقال: اصرف بصرك)) وفى السنن أنه قال لعلي : ((يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة)). وقد قال تعالى : (وَلَا تَمُذَنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَابِهِ، أَزْوَجًامِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌوَأَبْقَى) وقال: (لَا تَمُذَنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَابِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الِسَاءِ) إلى قوله (قُلْ أَؤُنَّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنِ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّهُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَارُ) وقد قال تعالى- مع ذمه لما ذمه من هذه الزينة - : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ١٢٨ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ). فنقول : اعلم أن ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم من محبته للأجناس المحبوبة ، وما يبغضه من ذلك ، هو مثل ما يأمر به من الأفعال ، وينهى عنه من ذلك؛ فإن الحب والبغض هما أصل الأمر والنهي ، وذلك نظير ما يعده على الأعمال الحسنة من الثواب ، ويتوعد به على الأعمال السيئة من العقاب ، فأمره ونهيه ووعده ووعيده وحبه وبغضه وثوابه وعقابه كل ذلك من (١) وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول الدين وفروعه، فإن من أكبر شعبها («مسألة الأسماء والأحكام » في فساق أهل الملة . وهل يجتمع فى حق الشخص الواحد الثواب والعقاب ، كما يقوله أهل السنة والجماعة ، أم لا يجتمع ذلك ؟ كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة . وهل يكون الشيء الواحد محبوبا من وجه ، مبغوضاً من وجه ، محموداً من وجه ، مذموماً من وجه ؟ وقد تنازع فى ذلك أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين ، وغيرهم. والتعارض بين النصوص ، إنما هو لتعارض المقتضى للحمد والنم من الصفات (١) بياض في الأصل. ١٢٩ القائمة بذلك ؛ ولهذا كان هذا الجنس موجباً للفرقة والفتنة . فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي ، فأدرجته الخوارج فى نصوص الوعيد ، مخلدوه في النار لكن لم يحكموا بكفره، فلو كان شيء خيراً محضاً لم يوجب فرقة ، ولو كان شراً محضاً لم يخف أمره ، لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجب الفتنة . وكذلك («مسألة القدر)) التى هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع فى الأفعال الواقعة التى نهى الله عنها : أنها مرادة له لكونها من الموجودات ، وأنها غير محبوبة له بل محمقوتة مبغوضة ، فأثبتوا وجود الكائنات بدون مشيئته : ولهذا لما قال غيلان القدري لربيعة بن أبى عبد الرحمن: ياربيعة! نشدتك الله، أترى الله يحب أن يعصى ؟ فقال له ربيعة : أفترى الله يعصى قسراً ، فكأنه ألقمه حجراً . يقول له : نزهته عن محبة المعاصى ، فسلبته الإرادة والقدرة ، وجعلته مقهوراً مقسوراً . وقال من عارض القدرية بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه ، ولزمهم أن يكون الكفر والفسوق والعصيان محبوباً لله مرضياً. وقالوا أيضاً : يأمر بما لا يريد ، وكل ما أمر به من الحسنات ١٣٠ فإنه لم يرده ، وربما قالوا : ولم يحبه ولم يرضه، إلا إذا وجد . قالوا : ولكن أمر به وطلبه . فقيل لهم : هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضى . هذا جمع بين النقيضين ، فتحيروا . فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته ، وإرادته العامة وهؤلاء سلبوه محبته ورضاه وإرادته الدينية وما تضمنه أمره ونهيه من ذلك . فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص الواحد يكون مثاباً معاقباً: بل إما مثاباً وإما معاقباً ، فهؤلاء لم يثبتوا أن الفعل الواحد يكون مراداً من وجه دون وجه، مراداً غير محبوب، بل إما مراد محبوب ، وإما غير مراد ولا محبوب . وكما تفرقوا فى صفات الخالق ، تفرقوا في صفات المخلوق، فأولئك لم يثبتواله إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل، وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع الفعل . أولئك نفوا القدرة الكونية التى بها يكون الفعل ، وهؤلاء نفوا القدرة الدينية التى بها يأمر الله العبد وينهاء ، وهذا من أصول تفرقهم فى (( مسألة تكليف ما لا يطاق)). وانقسموا إلى قدرية مجوسية : تثبت الأمر والنهي ، وتنفي القضاء والقدر . وإلى قدرية مشركية شر منهم : تثبت القضاء والقدر ، وتكذب بالأمر والنهي ، أو ببعض ذلك، وإلى قدرية إبليسية : تصدق بالأمر ، لكن ترى ذلك تناقضاً مخالفاً للحق والحكمة ، وهذا ١٣١ شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل . تجد فريقاً يقولون: بهذا دون هذا، وفريقاً بالعكس ، أو الأمرين ، فاعتقدوا تناقضهما ، فصاروا متحيرين معرضين عن التصديق بها جميعاً، ومتناقضين مع هذا تارة ، ومع هذا تارة ، وهذا تجده في مسائل الكلام والاعتقادات ، ومسائل الإرادة والعبادات . كمسألة السماع الصوتى ، ومسألة الكلام ، ومسائل الصفات ، وكلام الله تعالى ، وغير ذلك من المسائل . وأصل هذا كله : هو العدل بالتسوية بين المتماثلين، فإن الله يقول: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) . وقد بسطنا القول فى ذلك . وبينا أن العدل جماع الدين والحق والخير كله: فى غير موضع. والعدل الحقيقي قد يكون متعذراً أو متعسراً، إما علمه ، وإما العمل به ، لكون التماثل من كل وجه غير متمكن ، أو غير معلوم ، فيكون الواجب فى مثل ذلك ما كان أشبه بالعدل ، وأقرب إليه ، وهي الطريقة المثلى ؛ ولهذا (وَأَوْفُوْ اُلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّ قال سبحانه : وُسْعَهَا ) . ١٣٢ وسل عن المتنزه عن الأقمشة الثمينة مثل الحرير والكتان المتغالى فى تحسينه وما ناسبها : هل فى ترك ذلك أجر أم لا؟ أفتونا مأجورين. فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما ما حرمه الله ورسوله كالحرير فإنه يثاب على تركه ، كما يعاقب على فعله . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من يلبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة)) وقال عن الحرير والذهب: ((هذا حرام على ذكور أمتى حل لإناثها )). وأما المباحات : فيثاب على ترك فضولها ، وهو ما لا يحتاج إليه لمصلحة دينه كما أن الإسراف فى المباحات منهى عنه ، كما قال تعالى : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنَفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) وقال تعالى عن أصحاب النار: ( إِنَّهُمْ كَانُوْقَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُواْيُصِرُّونَ عَلَى الْحِثِ وقال تعالى: (وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا الْعَظِيمِ ) وقال تعالى: ( وَءَاتِ كُلَّ الْبَسْطِ فَنَفْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا) ١٣٣ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّالْمُبَذِّرِينَ كَانُّوْاْ إِخْوَنَ الشَّيَطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِهِ، كَفُورًا ) . والإسراف في المباحات هو مجاوزة الحد ، وهو من العدوان المحرم ، وترك فضولها هو من الزهد المباح . وأما الامتناع من فعل المباحات مطلقاً كالذي يمتنع من أكل اللحم. وأكل الخبز، أو شرب الماء، أو لبس الكتان والقطن، ولا يلبس إلا الصوف ، ويمتنع من نكاح النساء ، ويظن أن هذا من الزهد المستحب ، فهذا جاهل ضال من جنس زهاد النصارى . قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُ وَأَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَارَزَقَكُمُ اللَّهُ مَلًا طَيِّبًا وَأَتَّقُواْ اللّهَ اُلَّذِىّ أَنْتُمِبِهِ، مُؤْمِنُونَ) نزلت هذه الآية بسبب أن جماعة من الصحابة كانوا قد عزموا على ترك أكل الطيبات . كاللحم ومحوه ، وترك النكاح . وفي الصحيحين عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بال رجال يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، ويقول الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام ، ويقول الآخر : أما أنا فلا آكل اللحم . لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وأكل اللحم. فمن رغب عن سنتي فليس مني )). ١٣٤ وفي صحيح البخاري أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائماً فى الشمس. فقال: (( ما هذا ؟ قالوا : هذا أبو إسرائيل ، نذر أن يقوم ، ولا يستظل ، ولا يتكلم ، ويصوم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: مروه أن يستظل ، وأن يتكلم، وأن يجلس ، ويتم صومه)) وقد قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ). فأمر بالأكل من الطيبات ، والشكر له ، والطيب هو ما ينفع الإنسان، وحرم الخبائث، وهو ما يضره، وأمر بشكره ، وهو العمل بطاعته بفعل المأمور ، وترك المحذور . وفى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله ليرضى على العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها )) وقال تعالى: (كُلُواْ فمن أكل من الطيبات ولم يشكر . مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا ) ولم يعمل صالحاً، كان معاقباً على ما تركه من الواجبات ، ولم يحل له الطيبات . فإنه إنما أحلها لمن يستعين بها على طاعته ؛ لا لمن يستعين بها على (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ معصيته ، كما قال تعالى : وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيَمَا طَعِمُوْإِذَا مَاتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ ثُمَّ أَنَّقَواْوَّءَامَنُواْ وقال الخليل : ثُمَاتَّقَوْا وَأَ حْسَنُواْوَهُ يُحِبُّ الْحْسِنِينَ) ١٣٥ (وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْأَخْرِقَالَ وَمَنَّكَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ). ولهذا لا يجوز أن يعان الإنسان بالمباحات على المعاصي ، مثل من يعطي الخبز واللحم لمن يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش. ومن حرم الطيبات التى أحلها الله من الطعام واللباس والنكاح وغير ذلك واعتقد أن ترك ذلك مطلقاً هو أفضل من فعله لمن يستعين به على طاعة الله، كان معتديا معاقبا على تحريمه ما أحل الله ورسوله ، وعلى تعبده للّه تعالى بالرهبانية ، ورغبته عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى ما فرط فيه من الواجبات ، وما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب . وكذلك من أسرف في بعض العبادات : كسرد الصوم ، ومداومة قيام الليل ، حتى يضعفه ذلك عن بعض الواجبات ، كان مستحقا للعقاب كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: ((إن لنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، ولزوجك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه)). فأصل الدين ، فعل الواجبات ، وترك المحرمات . فما تقرب العبد ١٣٦ إلى الله بأفضل من أداء ما افترض عليه ، ولا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه . فالنوافل المستحبة التى لا تمنع الواجبات : مما يرفع الله بها الدرجات، وترك فضول المباحات، وهو ما لا يحتاج إليها لفعل واجب ولا مستحب مع الإيثار بها مما يثيب اللّه فاعله عليه، ومن تركها لمجرد البخل ، لا للتقرب إلى الله لم يكن محموداً. ومن امتنع عن نوع من الأنواع التى أباحها الله على وجه التقرب بتركها ، فهو مخطئ ضال ، ومن تناول ما أباحه الله من الطعام واللباس مظهراً لنعمة الله ، مستعينا على طاعة الله ، كان مئابا على ذلك وقوله تعالى: (ثُمَّلَتُسْتَلُنَّ يُؤْمٍَِ عَنِ النَّعِيمِ ) أي عن شكر النعيم فيطالب العبد بأداء شكر نعمة الله على النعيم ؛ فإن الله سبحانه لا يعاقب على ما أباح ، وإنما يعاقب على ترك مأمور ، وفعل محذور. وهذه القواعد الجامعة تبين المسائل المذكورة وغيرها . وأما الحرير : فهو حرام على الرجال ، إلا في مواضع مستثناة ، فمن لبس ما حرم الله ورسوله فهو آثم . وأما الكتان والقطن ونحوهما فمن تركه مع الحاجة فهو جاهل ضال ، ومن أسرف فيه فهو مذموم . ومن مجمل بلبسه إظهاراً لنعمة الله عليه، فهو مشكور على ذلك، ١٣٧ فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: ((إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمه عليه)) وقال: ((إن الله جميل يحب الجمال)) ومن ترك لبس الرفيع من الثياب تواضعا لله، لا يخلا ، ولا التزاما للترك مطلقا ، فإن الله ينيبه على ذلك ، ويكسوه من حلل الكرامة . ونكره الشهرة من الثياب ، وهو المترفع الخارج عن العادة. والمنخفض الخارج عن العادة ، فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين . المترفع والمنخفض، وفى الحديث ((من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة)). وخيار الأمور أوساطها . والفعل الواحد فى الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة ، فمن حج ماشيا لقوته على المشي، وآثر بالنفقة كان مأجوراً أجرين ، أجر المشى، وأجر الإيثار . ومن حج ماشيا بخلا بالمال ، إضراراً بنفسه ، كان آتما إنمين : إثم البخل وإنم الإضرار . ومن حج راكبا؛ لضعفه عن المشي، وللاستعانة بذلك على راحته ، ليتقوى بذلك على العبادة ، كان مأجوراً أجرين ، ومن حج راكبا يظلم الجمال ، والمال ، كان آتما إثمين . وكذلك اللباس : فمن ترك جميل الثياب ، بخلا بالمال ، لم يكن له أجر، ومن تركه متعبداً بتحريم المباحات، كان آئما ، ومن لبس ١٣٨ جميل الثياب إظهاراً لنعمة الله ، واستعانة على طاعة الله ، كان مأجوراً . ومن لبسه غيراً وخيلاء ، كان آتما . فإن الله لايحب كل مختال فخور. ولهذا حرم إطالة الثوب بهذه النية ، كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله يوم القيامة إليه ، فقال أبو بكر: يا رسول الله! إن طرف إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه ، فقال: يا أبا بكر ! إنك لست ممن يفعله خيلاء )) وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( بي) رجل يجر إزاره خيلاء، إذ خسف اللّه به الأرض ، فهو بتجلجل فيها إلى يوم القيامة )) . فهذه المسائل ونحوها تتنوع بتنوع علمهم واعتقادهم ، والعبد مأمور أن يقول في كل صلاة: (اهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِيْنَ أَعْمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ) والله سبحانه وتعالى أعلم . وسئل عن الحرير المحض : هل يجوز للخياط خياطته للرجال ؟ وهل أجرته حرام ؟ وهل ينكر عليه لذلك؟ وهل تباح الخياطة بخيوط الحرير فى غير الحرير ؟ وهل يجوز خياطته للنساء ؟. ١٣٩ فأجاب : الحمد للّه . لا يجوز خياطة الحرير لمن يلبس لباساً محرما. مثل لبس الرجل للحرير المصمت فى غير حال الحرب ، ولغير التداوي، فإن هذا من الإعانة على الإثم والعدوان . وكذلك صنعة آنية الذهب والفضة ، على أصح القولين عند جماهير العلماء . وكذلك صنعة آلات الملاهي ، ومثل تصوير الحيوان ، وتصوير الأوثان ، والصلبان ، وأمثال ذلك مما يكون فيه تصوير الشيء على صورة محرم استعماله فيها . وكذلك صنعة الخمر، وأما أمكنة المعاصي والكفر ونحو ذلك ، والعوض المأخوذ على هذا العمل المحرم خبيث ، ويجب إنكار ذلك . وأما خياطته لمن يلبسه لبساً جائزاً فهو مباح: كمياطته للنساء ، وإن كان الرجل يمسه عند الخياطة ، فإن هذا ليس من المحرم، ومثل ذلك صناعة الذهب والفضة لمن يستعمله استعمالا مباحا . ويجوز استعمال خيوط الحرير فى لباس الرجال ، وكذلك يباح العلم والسجاف ، ونحو ذلك مما جاءت به السنة بالرخصة فيه ، وهو ما كان موضع إصبعين ، أو ثلاثة ، أو أربعة ، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم جبة مكفوفة بحرير. ١٤٠