Indexed OCR Text
Pages 61-80
يفعلها إلا فائتة ، ويبقى إثم التأخير من باب الكبائر التى تمحوها التوبة ونحوها ، وأما بقية الفرائض فيمكن استدراكها بالقضاء. وأما الأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتالهم ، فإن قيل : إنهم كانوا يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت فلا كلام ، وإن قيل - وهو الصحيح - إنهم كانوا يفوتونها ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بالصلاة فى الوقت. وقال: ((اجعلوا صلاتكم معهم نافلة)) ونهى عن قتالهم ، كما نهى عن قتال الأئمة إذا استأثروا وظلموا الناس حقوقهم ، واعتدوا عليهم ، وإن كان يقع من الكبائر في أثناء ذلك ما يقع . ومؤخرها عن وقتها فاسق ، والأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق . وإن كان الواحد المقدور قد يقتل لبعض أنواع الفسق : كالزنا ، وغيره. فليس كل ما جاز فيه القتل ، جاز أن يقاتل الأمة لفعلهم إياه ؛ إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة يرتكبها ولي الأمر . ولهذا نص من نص من أصحاب أحمد وغيره على أن النافلة تصلى خلف الفساق ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها ، وهؤلاء الأئمة فساق ، وقد أمر بفعلها خلفهم نافلة . ٦١ والمقصود أن الفسق بتفويت الصلاة أمر معروف عند الفقهاء. لكن لو قال قائل: الكبيرة تفويتها دائماً. فإن ذلك إصرار على الصغيرة . قيل له : قد تقدم ما يبين أن الوعيد يلحق بتفويت صلاة واحدة. وأيضاً فإن الإصرار هو العزم على العود ، ومن أتى صغيرة وتاب منها ثم عاد إليها ، لم يكن قد أتى كبيرة. وأيضاً فمن اشترط المداومة على التفويت محتاج إلى ضابط ، فإن أراد بذلك المداومة على طول عمره ، لم يكن المذكورون من هذا الباب، وإن أراد مقداراً محدوداً طولب بدليل عليه . وأيضاً فالقتل بترك واحدة أبلغ من جعل ذلك كبيرة، والله سبحانه أعلم . ٦٢ وسئل : عن مسلم تراك للصلاة ، ويصلي الجمعة . فهل تجب عليه اللعنة؟ فأحاب : الحمد لله ، هذا استوجب العقوبة باتفاق المسلمين ، والواجب عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد أن يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز ، وأما لعنة المعين فالأولى تركها، لأنه يمكن أن يتوب ، والله أعلم . ٦٣ باب الأذان والإقامة وسل عن الأذان . هل هو فرض أم سنة ؟ وهل يستحب الترجيع أم لا؟ وهل التكبير أربع أو اثنتان. كمالك ؟ وهل الإقامة شفع أو فرد ؟ وهل يقول قد قامت الصلاة مرة أو مرتين؟ فأجاب : الصحيح أن الأذان فرض على الكفاية ، فليس لأهل مدينة ولا قرية أن يدعوا الأذان والإقامة ، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد وغيره . وقد أطلق طوائف من العلماء أنه سنة . ثم من هؤلاء من يقول إنه إذا اتفق أهل بلد على تركه قوتلوا ، والنزاع مع هؤلاء قريب من النزاع اللفظي . فإن كثيراً من العلماء يطلق القول بالسنة على ما يذم تاركه شرعا ، ويعاقب تاركه شرعا ، فالنزاع بين هذا وبين من يقول : إنه واجب نزاع لفظي ، ولهذا نظائر متعددة . ٦٤ وأما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركيه ، ولا عقوبة ، فهذا القول خطأ . فإن الأذان هو شعار دار الإسلام ، الذي ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلق استحلال أهل الدار بتركه . فكان يصلي الصبح، ثم ينظر فإن سمع مؤذناً لم يغر ، وإلا أغار . وفي السنن لأبى داود والنسائى عن أبى الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما من ثلاثة فى قرية لايؤذن ، ولا تقام فيهم الصلاة ، إلا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ، فإن الذئب يأكل الشاة القاصية)). وقد قال تعالى: (أُسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَائِنُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللَّهِأُوْلَكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِ أَلَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ هُمُ الَْصِرُونَ). وأما الترجيع وتركه ، وثنية التكبير وتربيعه ، وتثنية الإقامة وإفرادها ، فقد ثبت فى صحيح مسلم والسنن حديث أبى محذورة الذي علمه النبى صلى الله عليه وسلم الأذان عام فتح مكة ، وكان الأذان فيه وفى ولده بمكة ، ثبت أنه علمه الأذان والإقامة ، وفيه ((الترجيع)). وروى فى حديثه ((التكبير مرتين)) كما فى صحيح مسلم. وروى ((أربعاً)) كما فى سنن أبي داود وغيره . وفى حديثه أنه علمه الإقامة شفعاً . وثبت في الصحيح عن أنس بن مالك قال : لما كثر الناس، قال: «تذاكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه ٦٥ فذكروا أن يوروا ناراً ، أو يضربوا ناقوساً ، فأمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة)). وفى رواية للبخاري: ((إلا الإقامة)). وفى سنن أبى داود وغيره أن عبد الله بن زيد لما أرى الأذان ، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقيه على بلال ، فألقاه عليه ، وفيه التكبير أربعاً ، بلا ترجيع . وإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ، ومن وافقهم ، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم، لا يكرهون شيئا من ذلك ، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة ، كتنوع صفة القراءات والتشهدات ، ونحو ذلك . وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته . وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق حتى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه مما سوعه اللّه تعالى، كما يفعله بعض أهل المشرق ، فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم ، وكانوا شيعاً. وكذلك ما يقوله بعض الأئمة - ولا أحب تسميته - من كراهة بعضهم للترجيع ، وظهم أن أبا محذورة غلط فى نقله ، وأنه كرره ليحفظه ، ومن كراهة من خالفهم لشفع الإقامة ، مع أنهم يختارون أذان أبى محذورة ، هؤلاء يختارون إقامته، ويكرهون أذانه ، وهؤلاء يختارون أذانه ، ويكرهون ٦٦ إقامته، فكلاهما قولان متقابلان ، والوسط أنه لا يكره لا هذا ولا هذا . وإن كان أحمد وغيره من أئمة الحديث يختارون أذان بلال وإقامته لمداومته على ذلك بحضرته ، فهذا كما يختار بعض القراءات والتشهدات ونحو ذلك . ومن تمام السنة فى مثل هذا : أن يفعل هذا نارة ، وهذا تارة ، وهذا فى مكان ، وهذا فى مكان ؛ لأن هجر ما وردت به السنة، وملازمة غيره ، قد يفضى إلى أن يجعل السنة بدعة ، والمستحب واجباً ويفضى ذلك إلى التفرق والاختلاف ، إذا فعل آخرون الوجه الآخر . فيجب على المسلم أن يراعى القواعد الكلية ، التى فيها الاعتصام بالسنة والجماعة ، لا سيما فى مثل صلاة الجماعة . وأصبح الناس طريقة فى ذلك م علماء الحديث ، الذين عرفوا السنة واتبعوها ، إذ من أئمة الفقه من اعتمد فى ذلك على أحاديث ضعيفة ، ومنهم من كان عمدته العمل الذي وجده ببلده ، وجعل ذلك السنة دون ما خالفه ، مع العلم بأن النبى صلى الله عليه وسلم قد وسع فى ذلك ، وكل سنة . وربما جعل بعضهم أذان بلال وإقامته ما وجده فى بلده : إما بالكوفة ، وإما بالشام ، وإما بالمدينة . وبلال لم يؤذن بعد النبى صلى الله عليه وسلم إلا قليلا ، وإنما أذن بالمدينة سعد القرظي مؤذن أهل قباء . ٦٧ والترجيع في الأذان اختيار مالك والشافعي ؛ لكن مالك يرى التكبير مرتين ، والشافعي يراه أربعا، وتركه اختيار أبي حنيفة . وأما أحمد فعنده كلاهما سنة وتركه أحب إليه ؛ لأنه أذان بلال . والإقامة يختار إفرادها مالك والشافعي وأحمد ، وهو مع ذلك يقول : إن تثنيتها سنة ، والثلاثة : أبو حنيفة والشافعي وأحمد يختارون تكرير لفظ الإقامة ، دون مالك، والله أعلم . وقال شيخ الإسلام وأما الأذان الذي هو شعار الإسلام فقد استعمل فقهاء الحديث - كأحمد - فيه جميع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، استحسن أذان بلال وإقامته ، وأذان أبي محذورة ، وإقامته . وقد ثبت فى صحيح مسلم وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم أبا محذورة الأذان مرجعاً وفى الإقامة مشفوعة . علم وثبت فى الصحيحين ((أن بلالاً أمر أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة)). وفى السنن أنه لم يكن يرجع، فرجح أحمد أذان بلال ؛ لأنه الذي كان يفعل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً، قبل ٦٨ أذان أبى محذورة ، وبعده إلى أن مات ، واستحسن أذان أبي محذورة ولم يكرهه . وهذا أصل مستمر له فى جميع صفات العبادات أقوالها وأفعالها ، يستحسن كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير كراهة لشيء منه مع علمه بذلك ، واختياره للبعض ، أو تسويته بين الجميع . كما يجوز القراءة بكل قراءة ثابتة ، وإن كان قد اختار بعض القراءة : مثل أنواع الأذان والإقامة ، وأنواع التشهدات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كتشهد ابن مسعود ، وأبى موسى ، وابن عباس ، وغيرهم . وأحبها إليه تشهد ابن مسعود ؛ لأسباب متعددة: ( منها ) كونه أمحها ، وأشهرها. و ( منها ) كونه محفوظ الألفاظ لم يختلف فى حرف منه. و ( منها ) كون غالبها يوافق ألفاظه ، فيقتضي أنه الذي كان النبى صلى الله عليه وسلم يأمر به غالباً . وكذلك أنواع الاستفتاح ، والاستعاذة المأثورة ، وأنه اختار بعضها. وكذلك موضع رفع اليدين فى الصلاة ، ومحل وضعها بعد الرفع، وصفات التحميد المشروع بعد التسميع ، ومنها صفات الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم وإن اختار بعضها. ٦٩ ومنها أنواع صلاة الخوف ، ويجوز كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من غير كراهة . ومنها أنواع تكبيرات العيد، يجوز كل مأثور ، وإن استحب بعضه. ومنها التكبير على الجنائز يجوز على المشهور: التربيع، والتخميس، والتسبيح ، وإن اختار التربيع . وأما بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك ، ويكرهون بعضه . فمنهم من يكره «الترجيع)) فى الأذان: كأبى حنيفة، ومنهم من يكره تركه كالشافعي . ومنهم من يكره شفع الإقامة كالشافعي . ومنهم من يكره إفرادها، حتى قد آل الأمر بالأتباع إلى نوع جاهلية ، فصاروا يقتتلون فى بعض بلاد المشرق على ذلك ، حمية جاهلية ، مع أن الجميع حسن قد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بإفراد الإقامة وأمر أبا محذورة بشفعها . وأن الضلالة حق الضلالة أن ينهى عما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم . وسئل عن المؤذن إذا قال : (( الصلاة خير من النوم ، هل السنة أن يستدير ويلتفت ، أم يستقبل القبلة ، أم الشرق ؟ . ٧٠ فأجاب : ليس هذا سنة عند أحد من العلماء ، بل السنة أن يقولها وهو مستقبل القبلة ، كغيرها من كلمات الأذان . وكقوله فى الإقامة : قد قامت الصلاة ، ولم يستثن من ذلك العلماء إلا الحيعلة ، فإنه يلتفت بها يميناً وشمالا، ولا يختص المشرق بالكلمتين، وليس في الأذان والإقامة ما يختص المشرق والمغرب بجنسه. فمن قال: ((الصلاة خير من النوم )) كلاهما إلى المشرق أو المغرب ، فهو مبتدع خارج عن السنة فى الأذان ، باتفاق العلماء . وقد تنازع العلماء : هل يدور في المنارة ؟ على قولين مشهورين . فمن دار فقد فعل ما يسوغ فيه الاجتهاد، ولكنه مع ذلك إن دار لقوله: ((الصلاة خير من النوم)) لزمه أن يدور مرتين . ولا قائل به ؛ وإن خص المشرق بها كان أبعد عن السنة ، فتعين أن يقولها مستقبل القبلة والله أعلم . وقال الشيخ / محمد الله لما ذهبت على البريد كنا نجمع بين الصلاتين، فكنت أولا أؤذن عند الغروب وأنا راكب ، ثم تأملت فوجدت النبى صلى الله عليه وسلم لما جمع ليلة جمع لم يؤذنوا للمغرب في طريقهم ؛ بل أخر التأذين ٧١ حتى نزل فصرت أفعل ذلك ؛ لأنه فى الجمع صار وقت الثانية وقتا لهما ، والأذان إعلام بوقت الصلاة. ولهذا قلنا يؤذن للفائتة ، كما أذن بلال لما ناموا عن صلاة الفجر ، لأنه وقتها ، والأذان للوقت الذي تفعل فيه ؛ لا الوقت الذي تجب فيه . وسل عمن أحرم ودخل فى الصلاة وكانت نافلة ، ثم سمع المؤذن فهل يقطع الصلاة ويقول مثل ما قال المؤذن ؟ أو يتم صلاته ويقول مثل ما يقول المؤذن ؟ . فأجاب : إذا سمع المؤذن يؤذن وهو فى صلاة فإنه يتمها ، ولا يقول مثل ما يقول عند جمهور العلماء ، وأما إذا كان خارج الصلاة في قراءة أو ذكر أو دعاء فإنه يقطع ذلك ، ويقول مثل ما يقول المؤذن؛ لأن موافقة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت وقتها ، وهذه الأذكار لا تفوت . وإذا قطع الموالاة فيها لسبب شرعى كان جازاً ، مثل ما يقطع ٧٢ الموالاة فيها بكلام لما يحتاج إليه من خطاب آدمي ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وكذلك لو قطع الموالاة بسجود تلاوة، ونحو ذلك؛ بخلاف الصلاة فإنه لا يقطع موالاتها بسبب آخر ، كما لو سمع غيره يقرأ سجدة التلاوة لم يسجد فى الصلاة عند جمهور العلماء ، ومع هذا ففي هذا نزاع معروف ، والله أعلم . سـ ٧٣ باب شروط الصلاة قال رحمه الله: فصل ، وأما إذا ابتدأوا الصلاة بالمواقيت . ففقهاء الحديث قد استعملوا في هذا الباب جميع النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى أوقات الجواز . وأوقات الاختيار . فوقت الفجر : ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس ، ووقت الظهر : من الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى في. الزوال ، ووقت العصر : إلى اصفرار الشمس، على ظاهر مذهب أحمد، ووقت المغرب: إلى مغيب الشفق ، ووقت العشاء : إلى منتصف الليل ، على ظاهر مذهب أحمد . وهذا بعينه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ٧٤ رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن عمرو. وروي أيضاً من حديث أبى هريرة رضي الله عنه. وليس عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث من قوله فى المواقيت الخمس أصح منه، وكذلك صح معناه من غير وجه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ، من حديث أبى موسى وبريدة رضي الله عنهما. وجاء مفرقا فى عدة أحاديث ، وغالب الفقهاء إنما استعملوا غالب ذلك . فأهل العراق ، المشهور عنهم: أن العصر لا يدخل وقتها حتى بصير ظل كل شيء مثليه. وأهل الحجاز - مالك وغيره - : ليس للمغرب عندهم إلا وقت واحد . فصل وكذلك نقول بما جاءت به السنة والآثار من الجمع بين الصلاتين فى السفر والمطر والمرض ، كما فى حديث المستحاضة وغير ذلك من الأعذار . ونقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار من أن الوقت وقتان: وقت اختيار ، وهو خمس مواقيت . ووقت اضطرار، وهو ثلاث مواقيت ولهذا أمرت الصحابة - كعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وغيرهما .- ٧٥ الحائض إذا طهرت قبل الغروب أن تصلي الظهر والعصر ، وإذا طهرت قبل الفجر أن تصلي المغرب والعشاء . وأحمد موافق فى هذه المسائل لمالك رحمه الله . وزائد عليه بما جاءت به الآثار والشافعي رحمه الله هو دون مالك في ذلك، وأبو حنيفة أصله فى الجمع معروف . وكذلك أوقات الاستحباب . فإن أهل الحديث يستحبون الصلاة فى أول الوقت فى الجملة، إلا حيث يكون فى التأخير مصلحة راجحة كما جاءت به السنة ، فيستحبون تأخير الظهر فى الحر مطلقاً ، سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين، ويستحبون تأخير العشاء مالم يشق . وبكل ذلك جاءت السنن الصحيحة التى لا دافع لها . وكل من الفقهاء يوافقهم فى البعض أو الأغلب . فأبو حنيفة : يستحب التأخير إلا في المغرب ، والشافعي: يستحب التقديم مطلقاً حتى في العشاء ، على أحد القولين، وحتى فى الحر، إذا كانوا مجتمعين ، وحديث أبى ذر الصحيح فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالإبراد ، وكانوا مجتمعين . ٧٦ وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه فصل ((قاعدة)) فى أعداد ركعات الصلوات وأوقاتها، وما يدخل فى ذلك من جمع وقصر . جرت عادة كثير من العلماء المصنفين للعلم أن يذكروا فى (باب مواقيت الصلاة): أوقاتها وأعدادها وأسماءها، ثم منهم من يذكر القصر والجمع فى بابين مفترقين مع صلاة أهل الأعذار كالمريض ، والخائف . ومنهم من يذكر الجمع في المواقيت . وأما القصر فيفرد . . فإن سبب القصر هو السفر وحده، فقران صلاة المسافر بصلاة الخائف والمريض مناسب . وأما الجمع : فأسبابه متعددة؛ لاختصاص السفر به. ونحن نذكر فى كل منهما فصلا جامعاً . ٧٧ أما العدد فمعلوم أنها خمس صلوات : ثلاثة رباعية ، وواحدة ثلاثية وواحدة ثنائية ، هذا فى الخضر . وأما في السفر فقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً من ثلاثين سفرة ، وكان يصلي ركعتين فى أسفاره ، ولم ينقل عنه أحد من أهل العلم أنه صلى في السفر الفرض أربعا قط ، حتى فى حجة الوداع ، وهي آخر أسفاره ، كان يصلي بالمسلمين بمنى الصلوات : ركعتين، ركعتين . وهذا من العلم العام المستفيض المتواتر الذي اتفق على نقله عنه جميع أصحابه، ومن أخذ العلم عنهم . والحديث الذي رواه الدار قطنى عن عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقصر فى السفر وتتم ويفطر، وتصوم. باطل في الإتمام . وإن كان صحيحاً فى الإفطار ؛ بخلاف النقل المتواتر المستفيض . ولم يذكر هذا بعد قط . وكيف يكون والنبى صلى الله عليه وسلم في أسفاره إنما كان يصلي الفرض إماما ، لكن مرة في غزوة تبوك احتبس للطهارة ساعة فقدموا عبد الرحمن بن عوف ، وأدرك النبى صلى الله عليه وسلم خلفه بعض الصلاة، فلو صلى بهم أربعاً فى السفر لكان هذا من أوكد ما تتوفر هممهم ودواعيهم على نقله ؛ لمخالفته سنته المستمرة ؛ وعادته الدائمة كما نقلوا أنه جمع بين الصلاتين أحياناً. فلما لم ينقل ذلك أحد منهم على قطعاً أنه لم يفعل ذلك . ٧٨ ولهذا قال ابن عمر : صلاة السفر ركعتان ، من خالف السنة كفر: أي من اعتقد أن صلاة ركعتين ليس بمسنون ، ولا مشروع، فقد كفر . وكذلك قال عمر بن الخطاب : صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم . وقالت عائشة - رضي الله عنها -: الصلاة أول ما فرضت ركعتين ، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر . قال الزهري : فقلت لعروة : فما بال عائشة تتم ؟ قال : تأولت ، كما تأول عثمان . أخرجاه في الصحيحين . وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة)). هذا ولما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع كان يقصر الصلاة فى مقامه بمكة ، والمشاعر ، مع أنه دخل مكة يوم الأحد ، وخرج منها يوم الخميس إلى منى ، وعرف يوم الجمعة وأقام بمنى إلى عشية الثلاثاء ، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء، وطاف للوداع تلك الليلة . وأقام أيضاً قبل ذلك في غزوة الفتح بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة ، وأقام بتبوك عشرين يوما بقصر الصلاة . ٧٩ وأما الحديث الذي يروى عن عائشة: (( أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت : يارسول الله! بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت ، وأفطرت وصمت . قال : أحسنت يا عائشة! وما عاب علي)) رواه النسائى. وروى الدار قطنى، (( خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت)) وقال: إسناده حسن. فهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن النبى صلى الله عليه وسلم أتم ، وإنما فيه إذنه فى الإتمام ، مع أن هذا الحديث على هذا الوجه ليس بصحيح ، بل هو خطأ لوجوه : أحدها : أن الذي فى الصحيحين عن عائشة: (( أن صلاة السفر ركعتان)) وقد ذكر ابن أخيها وهو أعلى الناس بها : أنها إنما أتمت الصلاة فى السفر بتأويل تأولته ، لا بنص كان معها . فعلم أنه لم يكن معها فيه نص . الثانى: أن فى الحديث: (( أنها خرجت معتمرة معه فى رمضان عمرة رمضان ، وكانت صائمة )) وهذا كذب باتفاق أهل العلم ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط، وإنما كانت عمره كلها فى شوال ، وإذا كان لم يعتمر في رمضان ، ولم يكن فى عمره عليه صوم ، بطل هذا الحديث . ٨٠