Indexed OCR Text

Pages 601-620

فإن المسلمين أجمعوا أن الخمر إذا بدأ الله بإفسادها وتحويلها خلا طهرت،
وكذلك تحويل الدواب والشجر ، بل أقول : الاستقراء دلنا أن كل ما
بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس مثل جعل الخمر خلا،
والدم منيا ، والعلقة مضغة ، ولحم الجلالة الخبيث طيباً، وكذلك بيضها
ولنها والزرع المسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر ، وغير ذلك
فإنه يزول حكم التنجيس ، ويزول حقيقة النجس ، واسمه التابع للحقيقة،
وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه ؛ فإن جميع الأجسام المخلوقة فى
الأرض ، فإن الله يحولها من حال إلى حال، ويبدلها خلقاً بعد خلق،
ولا التفات إلى موادها وعناصرها .
وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان ، كإحراق الروث حتى بصير
رماداً ، ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحاً ، ففيه خلاف
مشهور . وللقول بالتطهير اتجاه وظهور ، ومسألتنا من القسم الأول ،
ولله الحمد .
الدليل الخامس : أن المنى مخالف لجميع ما يخرج من الذكر فى
خلقه ، فإنه غليظ وتلك رقيقة . وفى لونه فإنه أبيض شديد البياض .
وفي ريحه فإنه طيب كرائحة الطلح ، وتلك خبيثة . ثم جعله الله أصلا
الجميع أنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين، والإنسان المكرم، فكيف يكون
أصله نجساً ؟! ولهذا قال ابن عقيل: وقد ناظر بعض من يقول بنجاسته،
٦٠١

الرجل قال له : ما بالك وبال هذا؟ قال: أريد أن أجعل أصله طاهراً
وهو يأبى إلا أن يكون نجساً !!
ثم ليس شأنه شأن الفضول بل شأن ما هو غذاء ومادة في الأبدان ،
إذ هو قوام النسل، فهو بالأصول أشبه منه بالفضل .
الدليل السادس: وفيه أجوبة: (أحدها ) لا نسلم أنه يجري في مجرى
البول ، فقد قيل : إن بينهما جلدة رقيقة ، وإن البول إنما يخرج رشحاً
وهذا مشهور. وبالجملة فلا بد من بيان اتصالهما ، وليس ذلك معلوما إلا
فى ثقب الذكر ، وهو طاهر أو معفو عن نجاسته .
الوجه الثاني: أنه لو جرى في مجراه فلا نسلم أن البول قبل ظهوره
نجس . كما من تقريره فى الدم ، وهو فى الدم أبين منه في البول ؛ لأن
ذلك ركن وبعض ، وهذا فضل .
الوجه الثالث : أنه لو كان نجساً فلا نسلم أن الماسة فى باطن
الحيوان موجبة للتنجيس . كما قد قيل فى الاستحالة ، وهو فى الماسة
أبين . يؤيد هذا قوله تعالى :
(مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَ مِ لََّنَا خَالِصًا سَابِغًا
لِلشَّرِيِينَ) ولو كانت الماسة في الباطن للفرث مثلا موجبة للنجاسة
لنجس اللبن .
٦٠٢

فإن قيل : فلعل بينهما حاجزاً .
قيل : الأصل عدمه ، على أن ذكره هذا في معرض بيان ذكر
الاقتدار بإخراج طيب من بين خييتين فى الاغتذاء ، ولا يتم إلا مع
عدم الحاجز ، وإلا فهو مع الحاجز ظاهر فى كمال خلقه سبحانه .
وكذلك قوله: ( خَالِصًا) والخلوص لا بد أن يكون مع قيام
الموجب للشوب . وبالجملة خروج اللبن من بين الفرث والهم أشبه شيء
بخروج المنى من مخرج البول ، وقد سلك هذا المسلك من رأى إنفحة
الميتة ولبنها طاهراً لأنه كان طاهراً ، وإنما حدث نجاسة الوعاء فقال :
الملاقاة فى الباطن غير ظاهر .
ومن نجس هذا فرق بينه وبين المني ، بأن المني ينفصل عن النجس
فى الباطن أيضاً ، بخلاف اللبن فإنه لا يمكن فعله من الميتة إلا بعد
إبراز الضرع ، وحينئذ يصير في حد ما يلحقه النجاسة . والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل ، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . وهذا
الذي حضرنى فى هذا الوقت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
٦٠٣

وسئل
عن المنى هل هو طاهر أم لا ؟ وإذا كان طاهراً فما حكم رطوبة
فرج المرأة إذا خالطه ؟
فأجاب : وأما المنى فالصحيح أنه طاهر ، كما هو مذهب الشافعي
وأحمد فى المشهور عنه .
وقد قيل : إنه نجس يجزي فركه ؛ كقول أبي حنيفة وأحمد فى
رواية أخرى ، وهل يعفى عن يسيره كالدم ، أولا يعفى عنه كالبول ؟
على قولين هما روايتان عن أحمد .
وقيل : إنه يجب غسله كقول مالك ، والأول هو الصواب ، فإنه من
المعلوم أن الصحابة كانوا يختمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ،
وأن المني بصيب بدن أحدهم وثيابه ، وهذا مما تعم به البلوى ، فلو
كان ذلك نجساً لكان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أمرم بإزالة
ذلك من أبدانهم وثيابهم ، كما أمرهم بالاستنجاء ، وكما أمر الحائض بأن
تغسل دم الحيض من ثوبها ، بل إصابة الناس المتي أعظم بكثير من
٦٠٤

إصابة دم الحيض لثوب الحيض.
ومن المعلوم أنه لم ينقل أحد أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر
أحداً من الصحابة بغسل المني من بدنه ولا ثوبه ، فعلم يقيناً أن هذا
لم يكن واجباً عليهم، وهذا قاطع لمن تدبره.
وأماكون عائشة - رضى الله عنها - كانت تغسله تارة من
توب النبى صلى الله عليه وسلم، وتفركه تارة، فهذا لا يقتضى تنجيسه؛
فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق، والوسخ ، وهكذا قال غير واحد
من الصحابة : كسعد بن أبى وقاص ، وابن عباس وغيرهما : إنما هو
بمنزلة المخاط والبصاق أمطه عنك ولو بإذخرة . وسواء كان الرجل
مستنجياً أو مستجمراً ، فإن منيه طاهر .
ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد : إن مني المستجمر نجس ،
لملاقاته رأس الذكر، فقوله ضعيف، فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون ،
ولم يكن يستنجى بالماء منهم إلا قليل جداً ، بل كان كثير منهم كانوا لا
يعرفون الاستنجاء ، بل أنكروه ، ومع هذا فلم يأمر النبي أحداً منهم
بغسل منيه ؛ بل ولا فركه .
والاستجمار بالأحجار : هل هو مطهر أو مخفف؟ فيه قولان معروفان . فإن
٦٠٥

قيل إنه مطهر فلا كلام ، وإن قيل إنه مخفف وأنه يعفى عن
أثره للحاجة، فإنه يعفى عنه فى محله، وفيما بشق الاحتراز عنه ، والمني
يشق الاحتراز منه ، فألحق بالمخرج .
وسئل رحمه الله:
عن المني ما حكمه ؟
فأجاب : الصحيح أن المني طاهر . كما هو مذهب الشافعي ،
وأحمد في المشهور عنه ، وأماكون عائشة تغسله تارة من ثوب رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم وتفركه تارة، فهذا لا يقتضي تنجيسه، فإن
الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ، وهذا قاله غير واحد من الصحابة
كسعد بن أبى وقاص ، وابن عباس ، وغيرهما : إنما هو بمنزلة البصاق
والمخاط أمطه عنك ولو بإذخرة . وسواء كان الرجل مستنجياً، أو
مستجمراً فإن منيه طاهر .
ومن قال : إن مني المستجمر بجس لملاقاته رأس الذكر فقوله
ضعيف ؛ فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون ، ولم يكن يستنجي بالماء
منهم إلا القليل جداً، بل الكثير منهم لا يعرف الاستنجاء ، بل
أنكروه، والحق ما هم عليه، ومع هذا فلم يأمر النبي صلى الله عليه
٦٠٦

وسلم أحداً منهم بغسل المني ، ولا فركه .
والاستجمار بالحجارة . هل هو مخفف أو مطهر ؟ فيه قولان
معروفان ، فإن قيل : هو مطهر فلا كلام ، وإن قيل هو مخفف فإنه
يعفى عن أثره للحاجة ، ويعفى عنه في محله . وفيما يشق الاحتراز
عنه، فألحق بالمخرج، والله أعلم .
وسئل رحمه الله
عمن وقع على ثيابه ماء طاقة ما يدري ما هو : فهل يجب
غسله أم لا؟
فأجاب : لا يجب غسله ؛ بل ولا يستحب على الصحيح ، وكذلك
لا يستحب السؤال عنه على الصحيح ، فقد مر عمر بن الخطاب مع
رفيق له فقطر على رفيقه ماء من ميزاب ، فقال صاحبه : يا صاحب
الميزاب ! ماؤك طاهر ، أم نجس ؟ فقال عمر : يا صاحب الميزاب لا تخبره
فإن هذا ليس عليه ، والله أعلم .
٦٠٧

وسئل رحمه اللّه
عن الفخار فإنه يشوى بالنجاسة فما حكمه ؟ والأفران التى تسخن
بالزبل فما حكمها ؟
فأجاب : الحمد لله . هذه المسائل مبنية على أصلين :
أحدهما السرقين النجس ونحوه في الوقود ليسخن الماء أو الطعام
ونحو ذلك. فقال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره: إن ذلك لا يجوز
لأنه يتضمن ملابسة النجاسة ومباشرتها . وقال بعضهم إن ذلك مكروه
غير محرم ، لأن إتلاف النجاسة لا يحرم ، وإنما ذلك مظنة التلوث بها .
ومما يشبه ذلك الاستصباح بالدهن النجس ، فإنه استعمال له
بالإِتلاف، والمشهور عن أحمد وغيره من العلماء أن ذلك يجوز ، وهو
المأثور عن الصحابة ، والقول الآخر عنه وعن غيره المنع ، لأنه مظنة
التلوث به ، ولكراهة دخان النجاسة .
والصحيح أنه لا يحرم شيء من ذلك . فإن الله تعالى حرم الخبائث
من الهم والميتة ولحم الخنزير ، وقد ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى
٦٠٨

الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما حرم من الميتة أكلها)). ثم إنه حرم
لبسها قبل الدباغ . وهذا وجه قوله في حديث عبد الله بن حكيم :
((كنت رخصت لكم فى جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا
من الميتة بإهاب ولا عصب)) فإن الرخصة المتقدمة كانت فى الانتفاع
بالجلود بلا دباغ كما ذهب إليه طائفة من السلف ، فرفع الهي عما
أرخص ، فأما الانتفاع بها بعد الدباغ فلم ينه عنه قط ، ولهذا كان آخر
الروايتين عن أحمد : أن الدباغ مطهر لجلود الميتة ؛ لكن هل يقوم مقام
الذكاة أو مقام الحياة ، فيطهر جلد المأكول أو جلد ما كان طاهراً فى
الحياة دون ما سوى ذلك؟ على وجهين: أصحهما الأول . فيطهر بالدباغ
ما تطهره الذكاة لنهيه صلى الله عليه وسلم فى حديث عن جلود السباع.
وأيضاً فإن استعمال الخمر فى إطفاء الحريق ونحو ذلك سلمه المنازعون
مع أن الأمر بمجانية الخمر أعظم، فإذا جاز إتلاف الخمر بما فيه منفعة ، فإتلاف
النجاسات بما ليس فيه منفعة أولى ؛ ولأنهم سلموا جواز طعام الميتة للبزاة
والصقور فاستعمالها في النار أولى .
وأما قول القائل : هذا مظنة ملابستها ، فيقال : ملابسة النجاسة
للحاجة جائز، إذا طهر بدنه وثيابه عند الصلاة ونحوها . كما يجوز
الاستنجاء بالماء مع مباشرة النجاسة ، ولا يكره ذلك على أصح الروايتين
عن أحمد ، وهو قول أكثر الفقهاء . والرواية الثانية : بكره ذلك،
٦٠٩

بل يستعمل الحجر ، أو يجمع بينهما . والمشهور أن الاقتصار على الماء
أفضل ، وإن كان فيه مباشرتها .
وفى استعمال جلود الميتة إذا لم يقل بطهارتها فى اليابسات روايتان :
أصحهما جواز ذلك ، وإن قيل إنه بكره ، فالكراهة تزول بالحاجة .
وأما قوله : هذا بفضى إلى التلوث بدخان النجاسة ، فهذا مبنى
على الأصل الثاني ، وهو أن النجاسة فى الملاحة إذا صارت ملحاً ونحو
ذلك ، فهل هي نجسة أم لا ؟ على قولين مشهورين للعلماء هما روايتان
عن أحمد ، نص عليها فى الخنزير المشوي فى التنور . هل تطهر النار
ما لحق به أم يحتاج إلى غسل ما أصابه منه ؟ على روايتين منصوصتين:
(أحدهما ) هي نجسة وهذا مذهب الشافعي . وأكثر أصحاب
أحمد ، وأحد قولى أصحاب مالك . وهؤلاء يقولون : لا يطهر من
النجاسة بالاستحالة إلا الخمرة المنتقلة بنفسها ، والجلد المدبوغ إذا قيل
إن الدبغ إحالة لا إزالة .
( والقول الثاني ) وهو مذهب أبى حنيفة ، وأحد قولي المالكية
وغيرهم، إنها لا تبقى نجسة . وهذا هو الصواب ، فإن هذه الأعيان لم
يتناولها نص التحريم لا لفظاً ولا معنى ، وليست فى معنى النصوص ،
٦١٠

بل هي أعيان طيبة فيتناولها نص التحليل ، وهي أولى بذلك من الخمر
المنقلبة بنفسها ، وما ذكروه من الفرق بأن الخمر نجست بالاستحالة
فتطهر بالاستحالة باطل ؛ فإن جميع النجاسات إنما يجست بالاستحالة :
كالدم فإنه مستحيل عن الغذاء الطاهر ، وكذلك البول والعذرة ، حتى
الحيوان النجس مستحيل عن الماء والتراب ونحوهما من الطاهرات .
ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة ، فإن
نفس النجس لم يطهر لكن استحال ، وهذا الطاهر ليس هو ذلك
النجس، وإن كان مستحيلا منه، والمادة واحدة، كما أن الماء ليس
هو الزرع والهواء والحب وتراب المقبرة ليس هو الميت، والإنسان
ليس هو المني .
والله تعالى يخلق أجسام العالم بعضها من بعض ، ويحيل بعضها
إلى بعض ، وهي تبدل مع الحقائق ، ليس هذا هذا . فكيف يكون
الرماد هو العظم الميت ، واللحم والم نفسه . بمعنى أنه يتناوله اسم
العظم . وأما كونه هو هو باعتبار الأصل والمادة ، فهذا لا يضر فإن
التحريم يتبع الاسم والمعنى الذي هو الخبث ، وكلاهما منتف .
وعلى هذا فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر ، وبخار الماء
النجس الذي يجتمع فى السقف طاهر ، وأمثال ذلك من المسائل .
٦١١

وإذا كان كذلك فهذا الفخار طاهر ، إذ ليس فيه من النجاسة
شيء. وإن قيل: إنه خالطه من دخانها خرج على القولين ، والصحيح
أنه طاهر .
وأما نفس استعمال النجاسة فقد تقدم الكلام فيه ، والنزاع فى
الماء المسخن بالنجاسة فإنه طاهر ؛ لكن هل يكره على قولين : هما
روايتان عن أحمد .
إحداهما : لا يكره ، وهو قول أبى حنيفة ، والشافعي .
والثانى يكره ، وهو مذهب مالك .
وللكراهة مأخذان :
أحدهما : خشية أن يكون قد وصل إلى الماء شيء من النجاسة ،
فيكره لاحتمال تنجسه ، فعلى هذا إذا كان بين الموقد وبين النار
حاجز حصين لم يكره، وهذه طريقة الشريف أبي جعفر ، وابن
عقيل ، وغيرها .
والثاني : أن سبب الكراهة كون استعمال النجاسة مكروهاً وأن
السخونة حصلت بفعل مكروه ، وهذه طريقة القاضي أبى يعلى ، ومثل هذا
٦١٢

طبخ الطعام بالوقود النجس ، فإن نضج الطعام كسخونة الماء، والكراهة
في طبخ الفخار بالوقود النجس تشبه تسخين الماء الذي ليس بينه
وبين النار حاجز، والله أعلم .
وسل
عن بول ما يؤكل لحمه : هل هو نجس ؟
فأجاب: أما بول ما يؤكل لحمه، وروث ذلك، فإن أكثر
السلف على أن ذلك ليس بنجس ، وهو مذهب مالك وأحمد وغيرها
ويقال : إنه لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجيس ذلك ؛ بل القول
بنجاسة ذلك قول محدث لا سلف له من الصحابة . وقد بسطنا القول
فى هذه المسألة فى كتاب مفرد ، وبينا فيه بضعة عشر دليلا شرعياً ،
وأن ذلك ليس بنجس .
والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعى على نجاسته أصلا .
فإن غاية ما اعتمدوا عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((تنزهوا من
البول )) وظنوا أن هذا عام فى جميع الأحوال ، وليس كذلك، فإن
اللام لتعريف العهد ، والبول المعهود هو بول الآدمي ، ودليله قوله :
((تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)) ومعلوم أن عامة عذاب
٦١٣

القبر إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيراً، لا من بول
البهائم الذي لا يصيبه إلا نادراً.
وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه أمر
العرنيين الذين كانوا حديثى عهد بالإسلام أن يلحقوا بابل الصدقة، وأمريم
أن يشربوا من أبوالها وألبانها » ولم يأمرم مع ذلك بغسل ما يصيب
أفواههم وأيديهم ، ولا بغسل الأوعية التى فيها الأبوال ، مع حدثان
عهدهم بالإسلام ، ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك
واجباً ، ولم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، لاسيما مع أنه قرنها
بالألبان التى هى حلال طاهرة ، مع أن التداوى بالخبائث قد ثبت فيه
النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة .
وأيضاً : فقد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم
كان يصلي فى مرابض الغنم ، وأنه أذن فى الصلاة فى مرابض الغنم
من غير اشتراط حائل ، ولو كانت أبعارها نجسة لكانت مرابضها
كمشوش بنى آدم ، وكان ينهى عن الصلاة فيها مطلقاً ، أولا يصلى فيها
إلا مع الحائل المانع ، فلما جاءت السنة بالرخصة في ذلك : كان من
سوى بين أبوال الآدميين وأبوال الغم مخالفاً للسنة .
وأيضاً : فقد طاف النبى صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعيره
٦١٤

مع إمكان أن يبول البعير ، وأيضاً فما زال المسلمون يدوسون حبوبهم
بالبقر مع كثرة ما يقع فى الحب من البول وأخباث البقر .
وأيضاً : فإن الأصل فى الأعيان الطهارة ، فلا يجوز التنجيس
إلا بدليل ، ولا دليل على النجاسة ؛ إذ ليس في ذلك نص ولا إجماع
ولا قياس صحيح .
وسئل
عن فران يحمى بالزبل ويخبز ؟ .
فأجاب : الحمد لله ، إذا كان الزبل طاهراً مثل زبل البقر والغنم
والإبل ، وزبل الخيل . فهذا لا ينجس الخبز.
وإن كان نجسا كزبل البغال والخمر ، وزبل سائر البهائم ، فعند
بعض العلماء : إن كان يابساً فقد يبس الفرن منه ، ولم ينجس الخبز ،
وإن علق بعضه بالخبز قلع ذلك الموضع ، ولم ينجس الباقى. والله أعلم.
٦١٥

وسئل
عن الكلب هل هو طاهر ، أم نجس ؟ وما قول العلماء فيه ؟ .
فأجاب : أما الكلب فللعلماء فيه ثلاثة أقوال معروفة:
أحدها : أنه نجس كله حتى شعره، كقول الشافعي، وأحمد فى
إحدى الروايتين عنه .
والثاني : أنه طاهر حتى ريقه ، كقول مالك فى المشهور عنه .
والثالث : أن ريقه نجس ، وأن شعره طاهر ، وهذا مذهب أبى
حنيفة المشهور عنه ، وهذه هي الرواية المنصورة عندا كثر أصحابه ، وهو
الرواية الأخرى عن أحمد وهذا أرجح الأقوال. فإذا أصاب الثوب أو البدن
رطوبة شعره لم ينجس بذلك ، وإذا ولغ فى الماء أربق ، وإذا ولغ فى
اللبن ونحوه : فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك
وغيره . ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. فأما
إن كان اللبن كثيراً فالصحيح أنه لا ينجس. وله في الشعور النابتة على محل
يجس ثلاث روايات :
إحداها : أن جميعها طاهر حتى شعر الكلب والخنزير ، وهو اختيار
أبى بكر عبد العزيز .
والثانية : أن جميعها نجس ، كقول الشافعي .
٦١٦

والثالثة : أن شعر الميتة إن كانت طاهرة فى الحياة كان طاهراً
كالشاة والفأرة ، وشعر ما هو نجس فى حال الحياة بجس : كالكلب
والخنزير ، وهذه هي المنصوصة عند أكثر أصحابه .
والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها : شعر الكلب والخنزير وغيرهما،
بخلاف الريق ، وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبا وأصاب ثوب
الإنسان فلا شيء عليه ، كما هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبى حنيفة
ومالك وأحمد فى إحدى الروايتين عنه ؛ وذلك لأن الأصل فى الأعيان
الطهارة ، فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلا بدليل . كما قال تعالى
(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّاحَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) وقال تعالى (وَمَا كَانَ
اَللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْهَدَ نَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ ) وقال النبى
صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((إن من أعظم المسلمين بالمسلمين
جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)). وفى السنن عن سلمان
الفارسي مرفوعا. ومنهم من يجعله موقوفا أنه قال: ((الحلال ما أحل الله فى
كتابه، والحرام ما حرم الله فى كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه)).
وإذا كان كذلك فالتى صلى الله عليه وسلم قال: ((طهور إناء
أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً ، أولاهن بالتراب )) وفى
الحديث الآخر: ((إذا ولغ الكلب)). فأحاديثه كلها ليس فيها إلا ذكر
الولوغ، لم يذكر سائر الأجزاء ، فتنجيسها إنما هو بالقياس .
٦١٧

فإذا قيل : إن البول أعظم من الريق ، كان هذا متوجها .
وأما إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن ؛ لأن الريق متحلل من باطن
الكلب ، بخلاف الشعر ، فإنه نابت على ظهره .
والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا ، وهذا . فإن جمهورهم يقولون :
إن شعر الميتة طاهر ، بخلاف ريقها . والشافعي وأكثرهم يقولون : إن
الزرع الثابت فى الأرض النجسة طاهر ، فغاية شعر الكلب أن يكون
نابتاً في منات تجس ، كالزرع النابت في الأرض النجسة ، فإذا كان
الزرع طاهرا فالشعر أولى بالطهارة ، لأن الزرع فيه رطوبة ولين يظهر
فيه أثر النجاسة ، بخلاف الشعر فإن فيه من اليبوسة والجمود ما يمنع
ظهور ذلك . فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره : إن الزرع
طاهر فالشعر أولى ، ومن قال إن الزرع نجس فإن الفرق بينهما ما ذكر ،
فإن الزرع يلحق بالجلالة التى تأكل النجاسة، وهذا أيضا حجة فى
المسألة ، فإن الجلالة التى تأكل النجاسة قد نهى النبي صلى الله عليه
وسلم عن لبنها فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالا باتفاق المسلمين ؛
لأنها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة فى لبنها وبيضها وعرقها ، فيظهر
نتن النجاسة وخبثها ، فإذا زال ذلك عادت طاهرة ، فإن الحكم إذا
ثبت بعلة زال بزوالها . والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة
أصلا ، فلم يكن لتنجيسه معنى .
٦١٨

وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة كما سنذكره إن شاء
الله تعالى (١) .
وكل حيوان قيل بنجاسته فالكلام فى شعره وريشه كالكلام فى
شعر الكلب ، فإذا قيل : بنجاسة كل ذي ناب من السباع ، وكل
ذي مخلب من الطير إلا الهرة ، وما دونها في الخلقة . كما هو مذهب
كثير من العلماء : علماء أهل العراق ، وهو أشهر الروايتين عن أحمد
فإن الكلام في ريش ذلك وشعره فيه هذا النزاع : هل هو نجس ؟
على روايتين عن أحمد :
إحداهما : أنه طاهر ، وهو مذهب الجمهور كأبى حنيفة
والشافعي ومالك .
والرواية الثانية : أنه نجس ، كما هو اختيار كثير من متأخري
أصحاب أحمد ، والقول بطهارة ذلك هو الصواب . كما تقدم .
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم رخص في اقتناء كلب
الصيد، والماشية ، والحرث ، ولا بد لمن اقتناه أن يصيبه رطوبة شعوره
كما يصيبه رطوبة البغل والحمار وغير ذلك ، فالقول بنجاسة شعورها
(١) تقدم في باب الآتية
٦١٩

والحال هذه من الخرج المرفوع عن الأمة .
وأيضاً فإن لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله فى
أظهر قولي العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ؛ لأن النبي صلى
الله عليه وسلم لم يأمر أحداً بغسل ذلك ، فقد عفى عن لعاب الكلب
فى موضع الحاجة ، وأمر بغسله في غير موضع الحاجة ، فدل على أن
الشارع راعى مصلحة الخلق ، وحاجتهم ، والله أعلم .
وسل
عن كلب طلع من ماء فانتفض على شىء فهل يجب تسبيعه ؟
فأجاب : مذهب الشافعي وأحمد رضي الله عنها يجب تسبيعه.
ومذهب أبى حنيفة ومالك رضى الله عنهما لا يجب تسبيعه، والله أعلى.
وسئل
عن سؤر البغل والحمار : هل هو طاهر ؟ .
فأجاب : وأما سؤر البغل والحمار فأكثر العلماء يجوزون التوضؤ
به . كمالك والشافعي ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه.
٦٢٠