Indexed OCR Text

Pages 561-580

يجهلون أصناف الصلوات وأعدادها وأوقاتها ، وكذلك غيرها من
الشرائع الظاهرة ، فجهلهم بشرط خفي فى أمر خفي أولى وأحرى ،
لاسيما والقوم لم يتفقهوا فى الدين أدنى تفقه ، ولذلك ارتدوا ولم يخالطوا
أهل العلم والحكمة ؛ بل حين أسلموا وأصابهم الاستيخام أمرهم بالبداوة
فياليت شعري من أين لهم العلم بهذا الأمر الخفي ؟!
(ورابعها) : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فى تعليمه وإرشاده
واكلا للتعليم إلى غيره ؛ بل يبين لكل واحد ما يحتاج إليه ، وذلك
معلوم لمن أحسن المعرفة بالسنن الماضية .
(وخامسها): أنه ليس العلم بنجاسة هذه الأرواث أبين من العلم
بنجاسة بول الإنسان الذي قد علمه العذارى فى حجالهن وخدورهن ،
ثم قد حذر منه للمهاجرين والأنصار الذين أوتوا العلم والإيمان ، فصار
الأعراب الجفاة أعلم بالأمور الخفية من المهاجرين والأنصار بالأمور
الظاهرة ، فهذا كما ترى .
( وسادسها) : أنه فرق بين الأبوال والألبان وأخرجها مخرجاً واحداً
والقران بين الشيئين إن لم يوجب استواءهما، فلا بد أن يورث شبهة،
فلو لم يكن البيان واجباً لكانت المقارنة بينه وبين الطاهر موجبة للتمييز
بينهما إن كان التمييز حقاً .
٥٦١

وفي الحديث دلالة أخرى فيها تنازع ، وهو أنه أباح لهم شربها،
ولو كانت محرمة نجسة لم يبح لهم شربها، ولست أعلم مخالفاً في جواز
التداوي بأبوال الإبل . كما جاءت السنة ؛ لكن اختلفوا فى تخريج مناطه
فقيل : هو أنها مباحة على الإطلاق ، للتداوي وغير التداوي . وقيل :
بل هي محرمة ، وإنما أباحها للتداوي . وقيل : هي مع ذلك نجسة ،
والاستدلال بهذا الوجه يحتاج إلى ركن آخر ، وهو أن التداوي
بالمحرمات النجسة محرم ، والدليل عليه من وجوه :
أحدها : أن الأدلة الدالة على التحريم مثل قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
اُلْمَيْتَةُ) و: ((كل ذي ناب من السباع حرام)) و: ( إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُوَالْأَنْصَابُ
وَاُلْأَزْلَمُ رِجْسٌ ) عامة فى حال التداوي وغير التداوى، فمن فرق بينهما فقد
فرق بين ما جمع الله بينه وخص العموم ؛ وذلك غير جائز .
فإن قيل : فقد أباحها للضرورة ، والمتداوي مضطر فتباح له ، أو
أنا نقيس إباحتها للمريض على إباحتها للجائع بجامع الحاجة إليها .
يؤيد ذلك أن المرض يسقط الفرائض من القيام فى الصلاة .
والصيام فى شهر رمضان ، والانتقال من الطهارة بالماء إلى الطهارة
بالصعيد ، فكذلك يبيح المحارم ؛ لأن الفرائض والمحارم من واد واحد.
يؤيد ذلك أن المحرمات من الحلية واللباس مثل الذهب والحرير
٥٦٢

قد جاءت السنة باياحة اتخاذ الأنف من الذهب ، وربط الأسنان به ،
ورخص للزبير وعبد الرحمن فى لباس الحرير من حكة كانت بهما ،
فدلت هذه الأصول الكثيرة على إباحة المحظورات حين الاحتياج .
والافتقار إليها .
قلت : أما إباحتها للضرورة فحق؛ وليس التداوي بضرورة لوجوه :
أحدها : أن كثيراً من المرضى أو أكثر المرضى يشفون بلا
تداو ، لا سيما فى أهل الوبر والقرى ، والساكنين فى نواحي الأرض
بشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة فى أبدانهم الرافعة للمرض
وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل ، أو دعوة مستجابة ، أو رقية
نافعة ، أو قوة للقلب ، وحسن التوكل ، إلى غير ذلك من الأسباب
الكثيرة غير الدواء ، وأما الأكل فهو ضروري ولم يجعل الله أبدان
الحيوان تقوم إلا بالغذاء ، فلو لم يكن يأكل لمات ، فثبت بهذا أن
التداوي ليس من الضرورة فى شيء .
وثانيها : أن الأكل عند الضرورة واجب . قال مسروق : من
اضطر إلى الميتة فلم يأكل فمات دخل النار ، والتداوي غير واجب
ومن نازع فيه : خصمته السنة فى المرأة السوداء التى خيرها النبى صلى
اللّه عليه وسلم بين الصبر على البلاء ودخول الجنة ، وبين الدعاء
٥٦٣

بالعافية . فاختارت البلاء والجنة . ولو كان رفع المرض واجباً لم يكن
للتخيير موضع ، كدفع الجوع، وفى دعائه لأبي بالحمى ، وفي اختياره
الحمى لأهل قباء، وفى دعائه بفناء أمته بالطعن والطاعون ، وفي نهيه
عن الفرار من الطاعون .
وخصمه حال أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء ، حين لم
يتعاطوا الأسباب الدافعة له : مثل أيوب عليه السلام ، وغيره .
وخصمه حال السلف الصالح ؛ فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه
حين قالوا له : ألا ندعو لك الطبيب ؟ قال : قد رآني ، قالوا : فما
قال لك ؟ قال : إنى فعال لما أريد . ومثل هذا ونحوه يروى عن
الربيع بن خيثم المخبت المنيب الذي هو أفضل الكوفيين ، أو كأفضلهم
وعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الهادي المهدي ، وخلق كثير
لا يحصون عدداً .
ولست أعلم سالفاً أوجب التداوي ، وإنما كان كثير من أهل
الفضل والمعرفة يفضل تركه تفضلاً واختياراً ؛ لما اختار الله ورضى به،
وتسليما له وهذا المنصوص عن أحمد وإن كان من أصحابه من يوجبه ،
ومنهم من يستحبه ، ويرجحه . كطريقة كثير من السلف استمساكاً لما
خلقه الله من الأسباب ، وجعله من سنته في عباده .
٥٦٤

وثالثها : أن الدواء لا يستيقن، بل وفى كثير من الأمراض
لا يظن دفعه للمرض؛ إذ لو الطرد ذلك لم يمت أحد ، بخلاف دفع
الطعام للمسغبة والمجاعة ، فإنه مستيقن بحكم سنة الله فى عباده وخلقه .
ورابعها : أن المرض يكون له أدوية شتى، فإذا لم يندفع [بالمحرم
انتقل إلى المحلل)؟ ومحال أن لا يكون له فى الحلال شفاء أو دواء ،
والذي أنزل الداء أنزل لكل داء دواء إلا الموت ، ولا يجوز أن يكون
أدوية الأدواء فى القسم المحرم ، وهو سبحانه الرؤوف الرحيم . وإلى
هذا الإشارة بالحديث المروى: ((إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم
عليها )) بخلاف المسغبة فإنها وإن اندفعت بأي طعام انفق ، إلا أن
الخبيث إنما يباح عند فقد غيره ، فإن صورت مثل هذا في الدواء
فتلك صورة نادرة ؛ لأن المرض أندر من الجوع بكثير ، وتعين
الدواء المعين وعدم غيره نادر ، ولا ينتقض هذا . على أن في الأوجه
السالفة غنى .
وخامسها : وفيه فقه الباب : أن الله تعالى جعل خلقه مفتقرين
إلى الطعام والغذاء ، لا تندفع مجاعتهم ومسغبتهم إلا بنوع الطعام وصنفه
فقد هدانا وعلمنا النوع الكاشف للمسغبة المزيل للمخمصة . وأما
المرض فإنه يزيله بأنواع كثيرة من الأسباب : ظاهرة وباطنة ، روحانية
وجسمانية ، فلم يتعين الدواء مزيلا . ثم الدواء بنوعه لم يتعين لنوع من
(١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( بالمحلل انتقل إلى المحرم )
٥٦٥

أنواع الأجسام فى إزالة الداء المعين . ثم ذلك النوع المعين يخفى على
أكثر الناس ، بل على عامتهم دركه ومعرفته الخاصة ، المزاولون منهم
هذا الفن ، أولوا الأفهام والعقول ، يكون الرجل منهم قد أفتى كثيراً
من عمره في معرفته ذلك ، ثم يخفى عليه نوع المرض وحقيقته ، ويخفى
عليه دواؤه وشفاؤه، ففارقت الأسباب المزيلة للمرض الأسباب المزيلة
للمخمصة في هذه الحقائق البينة وغيرها ، فكذلك افترقت أحكامها
كما ذكرنا . وبهذا ظهر الجواب عن الأقيسة المذكورة ، والقول
الجامع فيما يسقط ويباح للحاجة والضرورة ما حضرنى الآن .
أما سقوط ما يسقط من القيام والصيام ، والاغتسال ؛ فلأن
منفعة ذلك مستيقنة بخلاف التداوي .
وأيضاً فإن ترك المأمور به أيسر من فعل المنهى عنه ، قال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم
بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) فانظر كيف أوجب الاجتناب عن كل
منهى عنه ، وفرق فى المأمور به بين المستطاع وغيره ، وهذا يكاد
يكون دليلاً مستقلا فى المسألة .
وأيضاً : فإن الواجبات من القيام والجمعة والحج تسقط بأنواع
من المشقة التى لا تصلح لاستباحة شيء من المحظورات ، وهذا
بين بالتأمل
٥٦٦

وأما الحلية : فإنما أبيح الذهب للأنف ، وربط الأسنان ؛ لأنه
اضطرار ، وهو يسد الحاجة بقيناً كالأ كل فى المخمصة .
وأما لبس الحرير : للحكة والجرب إن سلم ذلك ، فإن الحرير
والذهب ليسا محرمين على الإطلاق ، فإنهما قد أبيحا لأحد صنفي
المكلفين، وأبيح للصنف الآخر بعضها، وأبيح التجارة فيها ،
وإهداؤها للمشركين. فعلم أنهما أبيحا لمطلق الحاجة، والحاجة إلى
التداوي أقوى من الحاجة إلى تزين النساء ، بخلاف المحرمات من
النجاسات . وأبيح أيضاً لحصول المصلحة بذلك في غالب الأمر .
ثم الفرق بين الحرير والطعام : أن باب الطعام يخالف باب اللباس
لأن تأثير الطعام فى الأبدان أشد من تأثير اللباس ، على ما قد مضى .
فالمحرم من الطعام لا يباح إلا للضرورة التى هي المسغبة والمخمصة ،
والمحرم من اللباس يباح للضرورة والحاجة أيضاً، هكذا جاءت السنة ،
ولا جمع بين ما فرق الله بينه . والفرق بين الضرورات والحاجات معلوم
في كثير من الشرعيات ، وقد حصل الجواب عن كل ما يعارض به فى
هذه المسألة .
الوجه الثاني : أخرج مسلم فى صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم سئل عن المر أيتداوى بها؟ فقال: ((إنها داء ، وليست بدواء
٥٦٧

فهذا نص في المنع من التداوي بالخمر ، رداً على من أباحه ، وسائر
المحرمات مثلها قياساً ، خلافاً لمن فرق بينهما ، فإن قياس المحرم من
الطعام أشبه من الغراب بالغراب ؛ بل الخمر قد كانت مباحة في بعض
أيام الإسلام ، وقد أباح بعض المسلمين من نوعها الشرب دون الإسكار
والميتة والدم بخلاف ذلك .
فإن قيل: الخمر قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها داء
وليست بدواء ، فلا يجوز أن يقال : هي دواء بخلاف غيرها . وأيضاً
ففي إباحة التداوي بها إجازة اصطناعها واقتصارها ، وذلك داع إلى شربها
ولذلك اختصت بالحد بها دون غيرها من المطاعم الخبيثة لقوة محبة
الأنفس لها .
فأقول : أما قولك : لا يجوز أن يقال : هي دواء . فهو حق ،
وكذلك القول فى سائر المحرمات على ما دل عليه الحديث الصحيح
((إن اللّه لم يجعل شفاءكم في حرام)) ثم ماذا تريد بهذا؟ أتريد أن الله
لم يخلق فيها قوة طبيعية من السخونة وغيرها ؟ جرت العادة فى الكفار
والفساق أنه يندفع بها بعض الأدواء الباردة. (١) كسائر القوى والطبائع
التى أودعها جميع الأدوية من الأجسام. أم تريد شيئاً آخر ؟ فإن
(١) خرم بالأصل .
٥٦٨

أردت الأول فهو باطل بالقضايا المجربة التى تواطأت عليها الأمم ، وجرت
عند كثير من الناس مجرى الضروريات ، بل هو رد لما يشاهد ويعاين .
بل قد قيل : إنه رد للقرآن؛ لقوله تعالى: (قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ ) ولعل هذا في الخمر أظهر من جميع المقالات المعلومة من
طيب الأبدان .
وإن أردت أن النى صلى الله عليه وسلم أخبر أنها داء للنفوس
والقلوب والعقول ، وهي أم الخبائث، والنفس والقلب هو الملك المطلوب
صلاحه وكماله ، وإنما البدن آلة له ، وهو تابع له مطيع له طاعة الملائكة
ربها ، فإذا صلح القلب صلح البدن كله ، وإذا فسد القلب فسد البدن كله،
فالخمر هى داء وعرض للقلب مفسد له، مضعضع لأفضل خواصه الذي هو العقل
والعلم، وإذا فسد القلب فسد البدن كله، كما جاءت به السنة، فتصير داء للبدن
من هذا الوجه بواسطة كونها داء للقلب. وكذلك جميع الأموال المغصوبة
والمسروقة فإنه ربما صلح عليها البدن ونبت وسمن لكن يفسد عليها القلب
فيفسد البدن بفساده .
وأما المصلحة: التى فيها فإنها منفعة للبدن فقط، ونفعها متاع قليل ،
فهي وإن أصلحت شيئاً يسيراً فهي في جنب ما تفسده كلا إصلاح .
وهذا بعينه معنى قوله تعالى: (فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا
أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) فهذا لعمري شأن جميع المحرمات ، فإن فيها من
٥٦٩

القوة الخبيثة التى تؤثر فى القلب ثم البدن في الدنيا والآخرة ما يربى على
ما فيها من منفعة قليلة تكون في البدن وحده فى الدنيا خاصة .
على أنا وإن لم نعلم جهة المفسدة فى المحرمات ، فإنا نقطع أن فيها
من المفاسد ما يربى على ما نظنه من المصالح . فافهم هذا فإن به يظهر
فقه المسألة وسرها .
وأما إفضاؤه إلى اعتصارها : فليس بشيء ، لأنه يمكن أخذها من
أهل الكتاب ، على أنه يحرم اعتصارها، وإنما القول إذا كانت موجودة
أن هذا منتقض بإطفاء الحرق بها ، ودفع الغصة إذا لم يوجد غيرها .
وأما اختصاصها بالحد : فإن الحسن البصري يوجب الحد في الميتة
أيضاً ، والهم ولحم الخنزير ، لكن الفرق أن في النفوس داعياً طبيعياً وباعثا
إراديا إلى الخمر ، فنصب رادع شرعى وزاجر دنيوي أيضاً ليتقابلا ،
ويكون مدعاة إلى قلة شربها ، وليس كذلك غيرها مما ليس في النفوس
إليه كثير ميل ، ولا عظيم طلب.
الوجه الثالث : ماروى حسان بن مخارق قال : قالت أم سلمة اشتكت
بنت لي فنبذت لها فى كوز ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي،
فقال: ((ما هذا؟)) فقلت : إن بنتى اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال:
٥٧٠

(((إن الله لم يجعل شفاءكم فى حرام)) رواه أبو حاتم بن حبان فى
صحيحه - وفي رواية ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) وصححه
بعض الحفاظ وهذا الحديث نص في المسألة .
الوجه الرابع : ما رواه أبو داود في السنن أن رجلا وصف له
ضفدع يجعلها في دواء ، فهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع
وقال: (( إن نقتقتها تسبيح)) فهذا حيوان محرم ولم يبح للتداوي ،
وهو نص فى المسألة . ولعل تحريم الضفدع أخف من تحريم الخبائث
غيرها ، فإنه أكثر ما قيل فيها أن نققتها تسبيح ، فما ظنك بالخنزير
والميتة وغير ذلك . وهذا كله بين لك استخفافه بطلب الطب واقتضائه
وإجرائه مجرى الرفق بالمريض وتطبيب قلبه، ولهذا قال الصادق المصدوق
لرجل: قال له: أنا طبيب، قال: (( أنت رفيق والله الطبيب)).
الوجه الخامس: ما روى أيضاً في سننه (( أن النبي صلى الله عليه
وسلم: نهي عن الدواء الخبيث)) وهو نص جامع مانع ، وهو صورة
الفتوى فى المسألة .
الوجه السادس: الحديث المرفوع: ((ما أبالى ما أتيت - أو ماركبت -
إذا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من نفسي)) مع
٥٧١

ما روى من كراهة من كره الترياق من السلف على أنه لم يقابل ذلك
نص عام ، ولا خاص يبلغ ذروة المطلب ، وسنام المقصد في هذا الموضع
ولولا أني كتبت هذا من حفظي لاستقصيت القول على وجه يحيط بما
دق وجل ، والله الهادي إلى سواء السبيل.
( الدليل الثالث ) : وهو في الحقيقة رابع: الحديث الصحيح الذي
خرجه مسلم وغيره من حديث جابر بن سمرة وغيره أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: (( صلوا
فيها فإنها بركة)). وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؛ فقال : لا تصلوا
فيها فإنها خلقت من الشياطين)) . ووجه الحجة من وجهين :
أحدهما : أنه أطلق الإذن بالصلاة ، ولم يشترط حائلا بقى من ملامستها
والموضع موضع حاجة إلى البيان ، فلو احتاج لبينه، وقد مضى تقرير هذا.
وهذا شبيه بقول الشافعي : ترك الاستفصال. فى حكاية الحال. مع
قيام الاحتمال. ينزل منزلة العموم فى المقال . فإنه ترك استفصال السائل:
أهناك حائل يحول بينك وبين أبعارها ؟ مع ظهور الاحتمال ؛ ليس مع
قيامه فقط ، وأطلق الإذن ، بل هذا أوكد من ذلك ؛ لأن الحاجة هنا
إلى البيان أمس وأوكد .
والوجه الثانى : أنها لو كانت نجسة كأروات الآدميين لكانت
٥٧٢

الصلاة فيها : إما محرمة كالحشوش ، والكنف ، أو مكروهة كراهية
شديدة لأنها مظنة الأخباث والأنجاس . فأما أن يستحب الصلاة فيها
ويسميها بركة ويكون شأنها شأن الحشوش أو قريباً من ذلك فهو جمع بين
المتنافيين المتضادين ، وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك .
ويؤيد هذا ماروى أن أبا موسى صلى فى مبارك الغنم ، وأشار إلى
البرية وقال: ههنا وثم سواء . وهو الصاحب الفقيه العالم بالتنزيل.
الفام للتأويل ، سوى بين محل الأبعار وبين ما خلا عنها، فكيف
يجامع هذا القول بنجاستها ؟ !.
(١)
وأما نهيه عن الصلاة فى مبارك الإبل فليست اختصت به دون
البقر والغنم والظباء والخيل ، إذ لو كان السبب نجاسة البول ، لكان
تفريقا بين المتماثلين ، وهو ممتنع يقينا .
(الدليل الرابع): وهو فى الحقيقة سابع : ما ثبت واستفاض من أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على راحلته ، وأدخلها المسجد الحرام
الذي فضله اللّه على جميع بقاع الأرض، وبركها حتى طاف أسبوعا.
وكذلك إذنه لأم سلمة أن تطوف راكبة ، ومعلوم أنه ليس مع الدواب
من العقل ما تمتنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره للطائفين
والعاكفين والركع السجود ، فلو كانت أبوالها نجسة لكان فيه تعريض
(١) هكذا وردت بالمطبوع ولعل الصواب ( فلشيء)
٥٧٣

المسجد الحرام للتنجيس ، مع أن الضرورة ما دعت إلى ذلك، وإنما الحاجة
دعت إليه ، ولهذا استنكر بعض من يرى تنجيسها إدخال الدواب
المسجد الحرام ، وحسبك بقولٍ بطلاناً رده فى وجه السنة التى لا
ریب فيها .
(الدليل الخامس ) وهو الثامن : ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم:
أنه قال: ((فأما ما أكل لحمه فلا بأس بيوله)» وهذا ترجمة المسألة؛
إلا أن الحديث قد اختلف فيه قبولا ورداً ، فقال أبو بكر عبد العزيز
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال غيره هو موقوف على جابر.
فإن كان الأول فلا ريب فيه ، وإن كان الثاني فهو قول صاحب ،
وقد جاء مثله عن غيره من الصحابة أبى موسى الأشعري وغيره، فيلني
على أن قول الصحابة أولى من قول من بعدهم، وأحق أن يتبع . وإن
علم أنه انتشر فى سائرم، ولم ينكروه، فصار إجماعا سكونيا .
(الدليل السادس ) وهو التاسع : الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن
مسعود « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ساجداً عند الكعبة ،
فأرسلت قريش عقبة بن أبي معيط إلى قوم قد نحروا جزوراً لهم ،
فجاء بفرتها وسلاها فوضعها على ظهر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
وهو ساجد ، ولم ينصرف حتى قضى صلاته ، فهذا أيضاً بين فى أن
٥٧٤

ذلك الفرث والسلى لم يقطع الصلاة ، ولا يمكن حمله فيما أرى إلا على
أحد وجوه ثلاثة : إما أن يقال هو منسوخ ، وأعنى بالنسخ أن هذا
الحكم مرتفع ، وإن لم يكن قد ثبت لأنه بخطاب كان بمكة . وهذا
ضعيف جداً لأن النسخ لا يصار إليه إلا بيقين ؛ وأما بالظن فلا يثبت
النسخ . وأيضاً فإنا ما علمنا أن اجتناب النجاسة كان غير واجب ثم
صار واجباً ، لا سيما من يحتج على اجتناب النجاسة بقوله تعالى :
( وَتَ فَطَهِرَ ) وسورة المدثر في أول المنزل ، فيكون فرض التطهير
من النجاسات على قول هؤلاء من أول الفرائض . فهذا هذا .
وإما أن يقال : هذا دليل على جواز حمل النجاسة فى الصلاة ،
وعامة من يخالف في هذه المسألة لا يقول بهذا القول ، فيلزمهم ترك
الحديث . ثم هذا قول ضعيف لخلافه الأحاديث الصحاح فى دم الحيض
وغيره من الأحاديث. ثم إنى لا أعلمهم يختلفون أنه مكروه ، وإن
إعادة الصلاة منه أولى ، فهذا هذا . لم يبق إلا أن يقال: الفرث والسلى
ليس بنجس وإنما هو طاهر ؛ لأنه فرث ما يؤكل لحمه ، وهذا هو
الواجب إن شاء الله تعالى لكثرة القائلين به وظهور الدلائل عليه.
وبطول الوجهين الأولين يوجب تعين هذا .
( فإن قيل ) ففيه السلى وقد يكون فيه دم. قلنا: يجوز أن
٥٧٥

يكون دماً يسيراً بل الظاهر أنه يسير ، والدم اليسير معفو عن حمله
في الصلاة .
( فإن قيل ) فالسلى لحم من ذبيحة المشركين ، وذلك نجس ،
وذلك باتفاق . قلنا : لا نسلم أنه قد كان حرم حينئذ ذبائح المشركين،
بل المظنون أو المقطوع به أنها لم تكن حرمت حينئذ ، فإن الصحابة
الذين أسلموا لم ينقل أنهم كانوا بنجسون ذبائح قومهم ، وكذلك التبي
صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه كان يجتنب إلا ما ذبح للأصنام.
أما ماذبحه قومه في دورثم لم يكن يتجنبه ، ولو كان تحريم ذبائح
المشركين قد وقع في صدر الإسلام لكان فى ذلك من المشقة على النفر
القليل الذين أسلموا ما لا قبل لهم به ، فإن عامة أهل البلد مشركون ،
وهم لا يمكنهم أن يأكلوا ويشربوا إلا من طعامهم وخبزم . وفى
أوانيهم ، لقلتهم وضعفهم وفقرم . ثم الأصل عدم التحريم حينئذ فمن
ادعاه احتاج إلى دليل .
(الدليل السابع ) وهو العاشر: ما صح عن النبي صلى الله عليه
وسلم ((أنه نهى عن الاستجمار بالعظم ، والبعر ، وقال: إنه زاد
إخوانكم من الجن )) وفى لفظ قال: (( فسألونى الطعام لهم ولدوابهم ،
فقلت: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يعود أوفر ما يكون لماً، وكل
بعرة علف لدوابكم)) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلا تستنجوا
٥٧٦

بها، فإنهما زاد إخوانكم من الجن )).
فوجه الدلالة أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بالعظم
والبعر الذي هو زاد إخوانتنا من الجن ، وعلف دوابهم ، ومعلوم أنه
إنما نهى عن ذلك لئلا ننجسه عليهم ، ولهذا استنبط الفقهاء من هذا
أنه لا يجوز الاستنجاء بزاد الإنس. ثم إنه قد استفاض النهي في
ذلك، والتغليظ حتى قال: ((من تقلد وتراً أو استنجى بعظم، أو
رجيع ، فإن محمداً منه بري. ))
ومعلوم أنه لو كان البعر في نفسه نجساً لم يكن الاستنجاء به
ينجسه ، ولم يكن فرق بين البعر المستنجى به والبعر الذي لا يستنجى
به ، وهذا جمع بين ما فرقت السنة بينه . ثم إن البعر لو كان يجسا لم
يصلح أن يكون علفاً لقوم مؤمنين ، فإنها قصير بذلك جلالة ، ولو جاز
أن تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس ، ورجيع الدواب ، فلا
فرق حينئذ . ولأنه لما جعل الزاد لهم ما فضل عن الإنس ، ولدوابهم
ما فضل عن دواب الإنس من البعر ، شرط في طعامهم كل عظم ذكر
اسم الله عليه ، فلا بد أن يشرط فى علف دوابهم نحو ذلك ،
وهو الطهارة .
وهذا يبين لك أن قوله في حديث ابن مسعود لما أتاه بحجرين
٥٧٧

وروثة فقال: ((إنها ركس)» إنما كان لكونها روثة آدمي، ونحوه ، على أنها
قضية عين ، فيحتمل أن تكون روثة ما يؤكل لحمه، وروثة ما لا يؤكل لحمه،
فلا يعم الصنفين ، ولا يجوز القطع بأنها مما يؤكل لحمه، مع أن لفظ الركس
لا يدل على النجاسة ، لأن الركس هو المركوس أي المردود ، وهو
معنى الرجيع ، ومعلوم أن الاستنجاء بالرجيع لا يجوز بحال ، إما
لنجاسته وإما لكونه علف دواب إخواننا من الجن .
( الوجه الثامن ) وهو الحادي عشر : أن هذه الأعيان لو كانت
نجسة لبينه النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يبينه، فليست نجسة، وذلك
لأن هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها ومباشرتهم لكثير منها
خصوصاً الأمة التى بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن
الإبل والقم غالب أموالهم ، ولا يزالون يباشرونها ويباشرون أماكنها
فى مقامهم وسفريم، مع كثرة الاحتفاء فيهم، حتى إن عمر رضي الله
عنه كان يأمر بذلك : تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة وانتعلوا .
ومحالب الألبان كثيراً ما يقع فيها من أبوالها وليس ابتلاؤم بها بأقل من
ولوغ الكلب فى أوانيهم ، فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان
والأوانى منها ، وعدم مخالطته ، ويمنع من الصلاة مع ذلك ، ويجب
تطهير الأرض مما فيه ذلك ، إذا صلى فيها ، والصلاة فيها تكثر فى
أسفارهم ، وفى مراح أغنامهم ، ويحرم شرب اللبن الذي يقع فيه بعرها
٥٧٨

وتغسل اليد إذا أصابها البول ، أو رطوبة البعر ، إلى غير ذلك من
أحكام النجاسة ، لوجب أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم بياناً
تحصل به معرفة الحكم، ولو بين ذلك لنقل جميعه أو بعضه ، فإن
الشريعة وعادة القوم توجب مثل ذلك ، فلما لم ينقل ذلك على أنه لم
یبین لهم نجاستها .
وعدم ذكر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على
مباشرتها ، وعدم النهي عنه ، والتقرير دليل الإباحة. ومن وجه أن
مثل هذا يجب بيانه بالخطاب ، ولا تحال الأمة فيه على الرأي لأنه من
الأصول لا من الفروع . ومن جهة أن ما سكت الله عنه فهو مما عفا
عنه ، لاسيما إذا وصل بهذا الوجه .
( الوجه التاسع ) وهو الثانى عشر: وهو أن الصحابة والتابعين
وعامة السلف قد ابتلي الناس فى أزمانهم بأضعاف ما ابتلوا في زمن
النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك عاقل في كثرة وقوع الحوادث
المتعلقة بهذه المسألة . ثم المنقول عنهم أحد شيئين : إما القول بالطهارة
أو عدم الحكم بالنجاسة مثل ما ذكرناه عن أبي موسى وأنس وعبد
اللّه بن مغفل أنه كان يصلي وعلى رجليه أثر السرقين . وهذا قد عاين
أكابر الصحابة بالعراق ، وعن عبيد بن عمير قال : إن لي غما تبعر فى
مسجدي ، وهذا قد عاين أكابر الصحابة بالحجاز ، وعن إبراهيم
٥٧٩

النخعي فيمن يصلي وقد أصابه السرقين ، قال لا بأس ، وعن أبى
جعفر الباقر ونافع مولى ابن عمر أنه أصابت عمامته بول بعير فقالا :
جميعاً لا بأس. وسألهما جعفر الصادق وهو أشبه بالدليل على أن ما روى
عن ابن عمر في ذلك من الغسل ، إما ضعيف ، أو على سبيل الاستحباب
والتنظيف ، فإن نافعاً لا يكاد يخفى عليه طريقة ابن عمر في ذلك ، ولا
يكاد يخالفه ، والمأثور عن السلف فى ذلك كثير .
وقد نقل عن بعضهم ألفاظ إن ثبتت فليست صريحة بنجاسة
محل النزاع ، مثل ما روى عن الحسن أنه قال : البول كله يغسل ،
وقد روى عنه أنه قال لابأس بأبوال الغنم ، فعلم أنه أراد بول الإنسان
الذكر والأنثى والكبير والصغير ، وكذلك ما روى عن أبي الشعثاء أنه
قال الأبوال كلها أنجاس ، فلعله أراد ذلك إن ثبت عنه ، وقد ذكرنا
عن ابن المنذر وغيره أنه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها
ومن المعلوم الذي لاشك فيه أن هذا إجماع على عدم النجاسة ، بل
مقتضاه أن التنجيس من الأقوال المحدثة فيكون مردوداً بالأدلة الدالة
على إبطال الحوادث ، لا سيما مقالة محدثة مخالفة ، لما عليه الصدر الأول
ومن المعلوم أن الأعيان الموجودة فى زمانهم ومكانهم إذا أمسكوا عن
بتحريمها وتنجيسها مع الحاجة إلى بيان ذلك كان تحريمها وتنجيسها ممن
بعده بمنزلة أن يمسكوا عن بيان أفعال يحتاج إلى بيان وجوبها لوكان
٥٨٠