Indexed OCR Text

Pages 541-560

والأول صواب ، والثانى باطل بالاتفاق . وإذا كان لها حكم فالوجوب
والكراهة والاستحباب معلومة البطلان بالكلية ؛ لم يبق إلا الحل .
والحرمة باطلة لانتفاء دليلها نصا واستنباطاً، لم يبق إلا الحل وهو المطلوب.
إذا ثبت هذا الأصل فنقول : الأصل فى الأعيان الطهارة
لثلاثة أوجه .
أحدها : أن الطاهر ما حل ملابسته ومباشرته وحمله فى الصلاة .
والنجس بخلافه، وأكثر الأدلة السالفة تجمع جميع وجوه الانتفاع
بالأشياء : أكلا وشرباً ولبساً ومساً وغير ذلك ، فثبت دخول الطهارة
فى الحل ، وهو المطلوب ، والوجهان الآخران نافلة .
الثانى : أنه إذا ثبت أن الأصل جواز أكلها وشربها فلأن يكون
الأصل ملابستها ومخالطتها الخلق أولى وأحرى ، وذلك لأن الطعام يخالط
البدن ويمازجه وينبت منه فيصير مادة وعنصراً له ، فإذا كان خييشاً
صار البدن خبيثاً فيستوجب النار ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به)). والجنة طيبة لا يدخلها
إلا طيب . وأما ما يماس البدن ويباشره فيؤثر أيضاً في البدن من ظاهر
كتأثير الأخباث فى أبداننا وفي ثيابنا المتصلة بأبداننا ؛ لكن تأثيرها
دون تأثير المخالط المازج ، فإذا ثبت حل مخالطة الشيء وممازجته فحل
٥٤١

ملابسته ومباشرته أولى ، وهذا قاطع لا شبهة فيه . وطرد ذلك أن كل
ما حرم مباشرته وملابسته حرم مخالطته وممازجته ، ولا ينعكس . فكل
نجس محرم الأكل ، وليس كل محرم الأكل نجساً . وهذا فى
غاية التحقيق .
الوجه الثالث : أن الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان
الطهارة ، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر
فهو طاهر ، كما يقولونه فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل وما لا يحل
نكاحه وشبه ذلك ؛ فإنه غاية المتقابلات . تجد أحد الجانبين فيها محصوراً
مضبوطاً والجانب الآخر مطلق مرسل والله تعالى الهادي للصواب .
الفصل الأول
القول فى طهارة الأرواث والأبوال من الدواب والطير التى لم يحرم
وعلى ذلك عدة أدلة .
الدليل الأول : أن الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين
نجاستها ، فكل ما لم يبين لنا أنه يجس فهو طاهر ، وهذه الأعيان لم
يبين لنا نجاستها فهى طاهرة . أما الركن الأول من الدليل فقد ثبت
بالبراهين الباهرة والحجج القاهرة. وأما الثانى فنقول: إن المنفى على
٥٤٢

ضربين : نفى تحصره وتحيط به ، كعلمنا بأن السماء ليس فيها شمسان .
ولا قمران طالعان ، وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة ، وأن محمداً لانى
بعده ؛ بل علمنا أنه لا إله إلا الله، وأن ما ليس بين اللوحين ليس
بقرآن ، وأنه لم يفرض إلا صوم شهر رمضان ، وعلى الإنسان أنه ليس
فى (١) درام قبل (٢) ولا تغير، وأنه لم بطعم، وأنه البارحة لم يم ، وغير
ذلك مما يطول عده . فهذا كله نفي مستيقن يبين خطأ من يطلق قوله
لا تقبل الشهادة على النفي .
الثاني : مالا بستيقن نفيه وعدمه . ثم منه ما يغلب على القلب
ويقوى فى الرأى ، ومنه مالا يكون كذلك . فإذا رأينا حكماً منوطاً بنفى
من الصنف الثانى فالمطلوب أن نرى النفي ويغلب على قلوبنا .
والاستدلال بالاستصحاب وبعدم المخصص وعدم الموجب حمل الكلام
على مجازه هو من هذا القسم . فإذا بحثنا وسبرنا عما يدل على نجاسة
هذه الأعيان والناس يتكلمون فيها منذ مات من السنين فلم نجد فيها
إلا أدلة معروفة . شهدنا شهادة جازمة في هذا المقام بحسب علمنا أن لا
دليل إلا ذلك .
فنقول الاستدلال بهذا الدليل إنما يتم بفسخ ما استدل به على النجاسة ،
(١) بياض في الأصل. (٢) كذا بالأصل
٥٤٣

ونقض ذلك، وقد احتج لذلك بمسلكين: أثري ونظري :
أما الأثري: فحديث ابن عباس المخرج فى الصحيحين ((أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان ، وما
يعذبان في كبير . أما أحدهما فكان لا يستتر من البول - وروى
لا يستنزه -)» والبول اسم جنس محلى باللام ، فيوجب العموم.
كالإنسان فى قوله: (إِنَّالْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَءَامَنُواْ ) فإن
المرتضى أن أسماء الأجناس تقتضى من العموم ما تقتضيه أسماء الجموع.
لست أقول : الجنس الذي يفصل بين واحده وكثيره الهاء : كالتمر ،
والبر ، والشجر، فإن حكم تلك حكم الجموع بلا ريب . وإنما أقول:
اسم الجنس المفرد الدال على الشيء ، وعلى ما أشبهه : كإنسان ورجل ،
وفرس ، وثوب ، وشبه ذلك .
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بالعذاب من جنس
البول ، وجب الاحتراز والتنزه من جنس البول ، فيجمع ذلك أبوال
جميع الدواب ، والحيوان الناطق، والبهيم ، ما يؤكل وما لا يؤكل،
فيدخل بول الأنعام في هذا العموم ، وهو المقصود .
وهذا قد اعتمد عليه بعض من يدعى الاستدلال بالسمع ، وبعض
الرأي ، وارتضاه بعض من يتكابس ، وجعله مفزعا وموئلا .
٥٤٤

المسلك الثاني النظري : وهو من ثلاثة أوجه :
(أحدها ): القياس على البول المحرم فنقول: بول ، وروث ، فكان
نجسا كسائر الأبوال ، فيحتاج هذا القياس أن يبين أن مناط الحكم
فى الأصل هو أنه بول وروث ، وقد دل على ذلك تنبيهات النصوص
مثل قوله: ((اتقوا البول)) وقوله: ((كان بنو إسرائيل إذا أصاب
توب أحدم البول قرضه بالمقراض )).
والمناسبة أيضاً : فإن البول والروث مستخبث مستقذر ، تعافه
النفوس ، على حد يوجب المباينة ، وهذا يناسب التحريم ، حملا للناس
على مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأحوال ، وقد شهد له بالاعتبار تنجس
أروات الخبائث .
(الثاني ) أن نقول : إذا فحصنا وبحثنا عن الحد الفاصل بين
النجاسات والطهارات ؛ وجدنا ما استحال فى أبدان الحيوان عن أغذيتها
فما صار جزءاً فهو طيب الغذاء ، وما فضل فهو خبيثه ، ولهذا يسمى
رجيعاً . كأنه أخذ ثم رجع أي رد . فما كان من الخبائث يخرج من
الجانب الأسفل : كالغائط والبول والمني والمذي والودي ، فهو يجس .
وما خرج من الجانب الأعلى : كالدمع والربق والبصاق والمخاط ونخامة
الرأس ، فهو طاهر . وما تردد كبلغم المعدة ففيه تردد .
٥٤٥

وهذا الفصل بين ما خرج من أعلى البدن ، وأسفله ، قد حاء
عن سعيد بن المسيب ونحوه ، وهو كلام حسن في هذا المقام الضيق .
الذي لم يفقه كل الفقه ، حتى زعم زاعمون أنه تعبد محض وابتلاء ،
وتمييز بين من يطيع وبين من بعصي .
وعندنا أن هذا الكلام لا حقيقة له بمفرده ، حتى بضم إليه أشياء
أخر ، فرق من فرق بين ما استحال في معدة الحيوان كالروث والقيء
وما استحال من معدته كاللبن .
وإذا ثبت ذلك: فهذه الأبوال والأروات مما يستحيل في بدن
الحيوان ، وينصع طيبه ، ويخرج خبيثه من جهة دبره وأسفله ، ويكون
نجسا . فإن فرق بطيب لحم المأكول ، وخبث لحم المحرم ، فيقال:
طيب الحيوان وشرفه وكرمه لا يوجب طهارة روئه، فإن الإنسان إنما حرم
لحم كرامة له وشرفا، ومع ذلك فبوله أخبث الأبوال .
ألا ترى أنكم تقولون: إن مفارقة الحياة لا تنجسه، وإن ما أبين
منه وهو حي فهو طاهر أيضاً ، كما جاء في الأثر ، وإن لم يؤكل لحمه ،
فلو كان إكرام الحيوان موجباً لطهارة روته ، لكان الإنسان في
ذلك القدح المعلى . وهذا سر المسألة ولبابها .
الوجه الثالث : أنه فى الدرجة السفلى من الاستخبات ، والطبقة
٥٤٦

النازلة من الاستقذار . كما شهد به أنفس الناس . وتجده طبائعهم
وأخلاقهم ، حتى لا نكاد نجد أحداً ينزله منزلة در الحيوان ونسله ،
وليس لنا إلا طاهر ، أو نجس ، وإذا فارق الطهارات دخل فى
النجاسات ، والغالب عليه أحكام النجاسات . من مباعدته ومجانبته ، فلا
يكون ظاهراً ؛ لأن العين إذا تجاذبتها الأصول لحقت بأكثرها شبهاً،
وهو متردد بين اللبن وبين غيره من البول ، وهو بهذا أشبه .
ويقوى هذا أنه قال تعالى: (فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمِ لَّبَنَا خَالِصًا )
قد ثبت أن الدم نجس ، فكذلك الفرث لتظهر القدرة
والرحمة فى إخراج طيب من بين خبيثين . ويبين هذا جميعه أنه يوافق
غيره من البول فى خلقه ولونه وريحه وطعمه ، فكيف يفرق بينها مع
هذه الجوامع التى تكاد تجعل حقيقة أحدهما حقيقة الآخر .
فالوجه الأول : قياس التمثيل وتعليق الحكم بالمشترك المدلول عليه.
والثاني : قياس التعليل بتنقيح مناط الحكم وضبط أصل كلي .
والثالث : التفريق بينه وبين جنس الطاهرات فلا يجوز إدخاله
فيها ، فهذه أنواع القياس . أصل ووصل وفصل .
فالوجه الأول: هو الأصل ، والجمع بينه وبين غيره من الأخباث .
٥٤٧

والثاني : هو الأصل والقاعدة ، والضابط الذي يدخل فيه .
والثالث : الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات، وهو قياس العكس
فالجواب عن هذه الحجج والله المستعان.
أما المسلك الأول : فضعيف جداً لوجهين :
أحدهما : أن اللام فى البول للتعريف ، فتفيد ما كان معروفا عند
المخاطبين ، فإن كان المعروف واحداً معهوداً فهو المراد ، وما لم يكن
ثم عهد بواحد أفادت الجنس ، إما جميعه على المرتضى ، أو مطلقه على
رأي بعض الناس ، وربما كانت كذلك . وقد نص أهل المعرفة باللسان
والنظر في دلالات الخطاب أنه لا يصار إلى تعريف الجنس إلا إذا لم
يكن ثم شيء معهود ، فأما إذا كان ثم شيء معهود مثل قوله تعالى :
(كَ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)
صار معهوداً
بتقدم ذكره، وقوله: (لَا تَجْعَلُواْدُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ ) هو معين ،
لأنه معهود بتقدم معرفته وعلمه ، فإنه لا يكون لتعريف جنس ذلك
الاسم حتى ينظر فيه ، هل يفيد تعريف عموم الجنس ، أو مطلق الجنس
فافهم هذا فإنه من محاسن المسالك .
فإن الحقائق ثلاثة : عامة ، وخاصة ، ومطلقة .
فإذا قلت الإنسان قد تريد جميع الجنس ، وقد تريد مطلق
٥٤٨

الجنس ، وقد تريد شيئاً بعينه من الجنس .
فأما الجنس العام : فوجوده في القلوب والنفوس علماً
ومعرفة وتصور ! .
وأما الخاص ، من الجنس : مثل زيد وعمرو، فوجوده هو حيث
حل ، وهو الذي يقال له وجود في الأعيان ، وفى خارج الأذهان وقد
يتصور هكذا فى القلب خاصاً متميزا .
وأما الجنس المطلق مثل الإنسان المجرد عن عموم وخصوص ، الذي يقال
له نفس الحقيقة، ومطلق الجنس فهذا كما لا يتقيد فى نفسه، لا يتقيد بمحله ، إلا
أنه لا يدرك إلا بالقلوب ، فتجعل محلا له بهذا الاعتبار ، وربما جعل
موجودا فى الأعيان باعتبار أن فى كل إنسان حظاً من مطلق الإنسانية
فالموجود فى العين المعينة من النوع حظها وقسطها .
فإذا تبين هذا ، فقوله : فإنه كان لا يستنزه من البول ، بيان
للبول المعهود ، وهو الذي كان يصيبه ، وهو بول نفسه . يدل على
هذا أيضاً سبعة أوجه :
أحدها: ما روى ((فإنه كان لا يستبرىء من البول)) والاستبراء
لا يكون إلا من بول نفسه ؛ لأنه طلب براءة الذكر ، كاستبراء الرحم
من الولد .
٥٤٩

الثاني: أن اللام تعاقب الإضافة، فقوله: ((من البول)) كقوله :
أي أبوابها .
ء
من بوله ، وهذا مثل قوله: ( مُفَنَّحَةً لَهُ الْأَتْوَبُ)
الثالث : أنه قد روى هذا الحديث من وجوه صحيحة ، فكان
لا يستتر من بوله ، وهذا يفسر تلك الرواية .
ثم هذا الاختلاف في اللفظ متأخر : عن منصور روى الأعمش
عن مجاهد عن ابن عباس ، ومعلوم أن المحدث لا يجمع بين هذين
اللفظين ، والأصل والظاهر عدم تكرر قول النبى صلى الله عليه وسلم
فعلم أنهم رووه بالمعنى ، ولم يبن أي اللفظين هو الأصل .
ثم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال اللفظين ، مع
أن معنى أحدهما يجوز أن يكون موافقاً لمعنى الآخر ، ويجوز أن يكون
مخالفاً ، فالظاهر الموافقة . يبين هذا أن الحديث في حكاية حال لما مر
النبى صلى الله عليه وسلم بقبرين ، ومعلوم أنها قضية واحدة .
الرابع : أنه إخبار عن شخص بعينه أن البول كان يصيبه ، ولا
يستتز منه ، ومعلوم أن الذي جرت العادة به بول نفسه .
الخامس : أن الحسن قال : البول كله نجس ، وقال أيضاً لا بأس
بأبوال الغم ، فعلم أن البول المطلق عنده هو بول الإنسان .
٥٥٠

السادس : أن هذا هو المفهوم للسامع عند تجرد قلبه عن الوسواس
والتمريح، فإنه لا يفهم من قوله : فإنه كان لا يستتر من البول إلا
بول نفسه . ولو قيل: إنه لم يخطر لأكثر الناس على بالهم جميع
الأبوال : من بول بعير ؛ وشاة ونور لكان صدقا .
السابع : أنه يكفى بأن يقال : إذا احتمل أن يريد بول نفسه ؛
لأنه المعهود ، وأن يريد جميع جنس البول ، لم يجز حمله على أحدهما
إلا بدليل ، فيقف الاستدلال . وهذا لعمري تنزل ، وإلا فالذي قدمنا
أصل مستقر ، من أنه يجب حمله على البول المعهود ، وهو نوع من
أنواع البول ، وهو بول نفسه الذي يصيبه غالباً ، ويترشرش على
أفاذه وسوقه ، وربما استهان بإنقائه، ولم يحكم الاستنجاء منه ، فأما
بول غيره من الآدميين فإن حكمه وإن ساوی حکم بول نفسه ، فليس
ذلك من نفس هذه الكلمة ، بل لاستوائهما فى الحقيقة ، والاستواء فى
الحقيقة يوجب الاستواء فى الحكم
ألا ترى أن أحدا لا يكاد يصيبه بول غيره ، ولو أصابه لساء.
ذلك ، والنبى صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن أمر موجود غالب فى
هذا الحديث، وهو قوله: ((اتقوا البول فإن عامة عذاب القبر منه))
فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحدا من
الناس ، وهذا بين لاخفاء به .
٥٥١

الوجه الثاني : أنه لو كان عاماً فى جميع الأبوال ، فسوف نذكر
من الأدلة الخاصة على طهارة هذا النوع ما يوجب اختصاصه من هذا
الاسم العام ، ومعلوم من الأصول المستقرة إذا تعارض الخاص والعام
فالعمل بالخاص أولى ؛ لأن ترك العمل به إبطال له وإهدار ، والعمل
به ترك لبعض معاني العام ، وليس استعمال العام وإرادة الخاص ببدع
فى الكلام . بل هو غالب كثير .
ولو سلمنا التعارض على التساوى من هذا الوجه ، فإن فى أدلتنا من
الوجوه الموجبة للتقديم والترجيح وجوها أخرى من الكثرة والعمل .
وغير ذلك مما سنبينه إن شاء الله تعالى .
ومن عجيب ما اعتمد عليه بعضهم قوله صلى اللّه عليه وسلم :
((أكثر عذاب القبر من البول)). والقول فيه كالقول فيما نقدم ، مع
أنا نعلم إصابة الإنسان بول غيره قليل نادر ، وإنما الكثير إصابته بول
نفسه ، ولو كان أراد أن يدرج بوله في الجنس الذي يكثر وقوع
العذاب بنوع منه لكان بمنزلة قوله أكثر عذاب القبر من النجاسات.
واعتمد أيضاً على قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يصلى
أحدكم بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبشان)) يعني
البول والنجو . وزعم أن هذا يفيد تسمية كل بول ونجو أخبث
٥٥٢

والأخبث حرام نجس ، وهذا فى غاية السقوط ؛ فإن اللفظ ليس فيه
شمول لغير ما يدافع أصلا .
وقوله: (( إن الاسم يشمل الجنس كله . فيقال له : وما الجنس
العام ؟ أكل بول ونجو ؟ أم بول الإنسان ونجوه ؟ وقد علم أن الذي
يدافع كل شخص من جنس الذي يدافع غيره ، فأما ما لا يدافع أصلا
فلا مدخل له فى الحديث فهذه عمدة المخالف .
وأما المسلك النظري : فالجواب عنه من طريقين : جمل، ومفصل .
أما المفصل فالجواب عن الوجه الأول من وجهين :
أحدهما : لا نسلم أن العلمة فى الأصل أنه بول وروث ، وما ذكروه
من تنبيه النصوص . فقد سلف الجواب بأن المراد بها بول الإنسان .
وما ذكروه من المناسبة فنقول: التعليل : إما أن يكون بجنس استخباث
النفس واستقذارها ، أو بقدر محدود من الاستخباث والاستقذار .
فإن كان الأول : وجب تنجيس كل مستخبث مستقذر ، فيجب
نجاسة المخاط والبصاق والنخامة ؛ بل نجاسة المنى الذي جاء الأثر بإماطته
من الثياب ؛ بل ربما نفرت النفوس عن بعض هذه الأشياء أشد من
نفورها عن أروات المأكول من البهائم ، مثل مخطة المجذوم إذا اختلطت
٥٥٣

بالطعام ، ونخامة الشيخ الكبير إذا وضعت في الشراب ، وربما كان
ذلك مدعاة لبعض الأنفس إلى أن يذرعه القيء .
وإن كان التعليل بقدر موقت من الاستقدار ، فهذا قد يكون
حقاً لكن لا بد من بيان الحد الفاصل بين القدر من الاستخبات
الموجب للتنجيس ، وبين ما لا يوجب ، ولم يبين ذلك ، ولعل هذه
الأعيان مما ينقض بيان استقدارها الحد المعتبر .
ثم إن التقديرات فى الأسباب والأحكام إنما تعلم من جهة استقدارها
عن الشرع فى الأمر الغالب ، فنقول : متى حكم بنجاسة نوع علمنا أنه
مما غلظ استخبائه ، ومتى لم يحكم بنجاسة نوع علمنا أنه لم يغلظ استخبائه
فنعود مستدلين بالحكم على المعتبر من العلة ، فمتى استربنا فى الحكم
فنحن فى العلة أشد استرابة ، فبطل هذا . وأما الشاهد بالاعتبار فكا
أنه شهد لجنس الاستخباث، شهد للاستخباث الشديد، والاستقذار الغليظ.
وثانيهما أن نقول: لم لا يجوز أن تكون العلة فى الأصل أنه بول
ما يؤكل لحمه؟ وهذه علة مطردة بالإجماع منا ومن المخالفين . (١) في هذه
المسألة، والانعكاس إن لم يكن واجباً فقد حصل الغرض، وإن كان شرطاً
في العلل فنقول فيه ما قالوا فى اطراد العلة وأولى ، حيث خولفوا فيه
(١) بياض بالأصل.
٥٥٤

وعدم الانعكاس أيسر من عدم الاطراد .
وإذا افترق الصنفان فى اللحم والعظم واللبن والشعر فلم لا يجوز
افتراقها فى الروت والبول ، وهذه المناسبة أبين ؛ فإن كل واحد من
هذه الأجزاء هو بعض من أبعاض البهيمة ، أو متولد منها ، فيلحق
سائرها قياساً لبعض الشيء على جملته .
فإن قيل : هذا منقوض بالإنسان فإنه طاهر ولبنه طاهر، وكذلك
سائر أمواهه وفضلاته ومع هذا فروته وبوله من أخبث الأخبات ،
فحصل الفرق فيه بين البول وغيره .
فنقول : اعلم أن الإنسان فارق غيره من الحيوان فى هذا الباب
طرداً وعكساً ، فقياس البهائم بعضها ببعض وجعلها فى حيز بباين حيز
الإنسان ، وجعل الإنسان في حيز هو الواجب ، ألا ترى أنه لا ينجس
بالموت على المختار ، وهي تنجس بالموت، ثم بوله أشد من بولها ؟ !
ألا ترى أن تحريمه مفارق لتحريم غيره من الحيوان ، لكرم نوعه
وحرمته ، حتى يحرم الكافر وغيره ، وحتى لا يحل أن يدبغ جلده ،
مع أن بوله أشد وأغلظ ، فهذا وغيره بدل على أن بول الإنسان
فارق سائر فضلانه ، أشد من مفارقة بول البهائم فضلاتها ، إما لعموم
٥٥٥

ملابسته حتى لا يستخف به ، أو لغير ذلك مما الله أعلم به ، على أنه
يقال فى عذرة الإنسان وبوله من الخبث والنتن والقذر ما ليس فى عامة
الأبوال والأرواث . وفى الجملة فإلحاق الأبوال باللحوم فى الطهارة والنجاسة
أحسن طرداً من غيره ، والله أعلم .
وأما الوجه الثانى : فنقول ذلك الأصل فى الآدميين مسلم ، والذي
جاء عن السلف إنما جاء فيهم من الاستحالة فى أبدانهم ، وخروجه من
الشق الأعلى أو الأسفل ، فمن أين يقال كذلك سائر الحيوان ؛ وقد
مضت الإشارة إلى الفرق ؟! ثم مخالفوم يمنعونهم أكثر الأحكام فى
البهائم : فيقولون : قد ثبت أن ما خبث لحمه خبث لبنه ومنيه ؛ بخلاف
الآدمي ، فبطلت هذه القاعدة فى الاستحالة ؛ بل قد يقولون : إن جميع
الفضلات الرطبة من البهائم حكمها سواء ، فما طاب لحمه طاب لبنه وبوله
وروته ومنيه وعرقه وربقه ودمعه . وما خبث حجمه خبث لبنه وريقه وبوله
وروثه ومنيه وعرقه ودمعه ، وهذا قول يقوله أحمد فى المشهور عنه ،
وقد قاله غيره .
وبالجملة فاللبن والمني يشهد لهم بالفرق بين الإنسان والحيوان شهادة
قاطعة ، وباستواء الفضلات من الحيوان ضربا من الشهادة ؛ فعلى هذا
يقال للإنسان يفرق بين ما يخرج من أعلاه وأسفله لما الله أعلم به ،
فإنه منتصب القامة نجاسته كلها فى أعاليه ، ومعدته التى هي محل استحالة
٥٥٦

الطعام والشراب في الشق الأسفل . وأما الثدي ونحوه فهو فى الشق
الأعلى ، وليس كذلك البهيمة . فإن ضرعها فى الجانب المؤخر منها ،
وفيه اللبن الطيب ، ولا مطمع فى إثبات الأحكام بمثل هذه الخزورات .
وأما الوجه الثالث : فمداره على الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات،
فإن فصل بنوع الاستقدار بطل بجميع المستقدرات التى ربما كانت أشد
استقذارا منه ، وإن فصل بقدر خاص فلا بد من توقيته ، وقد مضى
تقرير هذا .
وأما الجواب العام فمن أوجه ثلاثة :
أحدها : أن هذا قياس فى مقابلة الآثار المنصوصة ، وهو قياس
فاسد الوضع ، ومن جمع بين ما فرقت السنة بينه ، فقد ضاهى قول
الذين قالوا : ( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوَأْ وَأَحَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّيَوْاْ
(
ولذلك طهرت السنة هذا ونجست هذا .
الثانى : أن هذا قياس فى باب لم تظهر أسبابه وأنواطه ، ولم يتبين
مأخذه، وما (١) بل الناس فيه على قسمين : إما قائل يقول هذا استعباد
محض ، وابتلاء صرف ، فلا قياس ولا إلحاق ولا اجتماع ولا افتراق
(١) بياض بالأصل.
٥٥٧

وإما قائل يقول : دقت علينا علله وأسبابه ، وخفيت علينا مسالكه
ومذاهبه . وقد بعث اللّه إلينا رسولا يزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة
بعثه إلينا ونحن لا نعلم شيئاً، فإنما نصنع ما رأيناه يصنع، والسنة لا تضرب
لها الأمثال ، ولا تعارض بآراء الرجال ، والدين ليس بالرأي ويجب
أن يتهم الرأي على الدين ، والقياس فى مثل هذا الباب ممتنع باتفاق
أولي الألباب .
الثالث : أن يقال: هذا كله مداره على التسوية بين بول ما يؤكل لحمه
وبول ما لا يؤكل لحمه، وهو جمع بين شيئين مفترقين ، فإن ريح المحرم خبيثة ،
وأما ريح المباح فمنه ما قد يستطاب: مثل أرواث الظباء، وغيرها. وما لم
يستطب منه فليس ريحه كريح غيره، وكذلك خلقه غالبا فإنه يشتمل على أشياء
من المباح ، وهذا لأن الكلام فى حقيقة المسألة ، وسنعود إليه إن شاء
الله فى آخرها .
الدليل الثانى : الحديث المستفيض أخرجه أصحاب الصحيح وغيرهم
حديث أنس بن مالك (( أن ناسا من كل أو عرينة قدموا المدينة
فاجتووها فأمر لهم النبى صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من
أبوالها وألبانها ، فلما صحوا قتلوا راعى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
واستاقوا الذود )). وذكر الحديث . فوجه الحجة أنه أذن لهم فى شرب
الأبوال ، ولا بد أن يصيب أفواههم وأيديهم وثيابهم وآنيتهم ، فإذا كانت
٥٥٨

نجسة وجب تطهير أفواههم وأيديهم وثيابهم للصلاة، وتطهير آنيتهم، فيجب
بيان ذلك لهم ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الاحتياج إليه لا يجوز ، ولم
يبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجب عليهم إماطة ما أصابهم منه ،
فدل على أنه غير نجس ، ومن البين أن لو كانت أبوال الإبل كأبوال
الناس لأوشك أن يشتد تغليظه فى ذلك .
ومن قال : إنهم كانوا يعلمون أنها نجسة ، وإنهم كانوا يعلمون
وجوب التطهير من النجاسات ، فقد أبعد غاية الإبعاد ، وأتى بشيء قد
يستيقن بطلانه لوجوه :
(أحدها) أن الشريعة أول ما شرعت كانت أخفى ، وبعد
انتشار الإسلام وتناقل العلم وإفشائه صارت أبدى وأظهر ، وإذا كنا
إلى اليوم لم يستبن لنا نجاستها بل أكثر الناس على طهارتها ، وعامة
التابعين عليه ، بل قد قال أبو طالب وغيره : إن السلف ما كانوا
ينجسونها ، ولا يتقونها . وقال أبو بكر ابن المنذر : وعليه اعتماد أكثر
المتأخرين فى نقل الإجماع والخلاف ، وقد ذكر طهارة الأبوال عن
عامة السلف . ثم قال : قال الشافعي : الأبوال كلها نجس . قال :
ولا نعلم أحدا قال قبل الشافعي إن أبوال الأنعام وأبعارها نجس .
( قلت ) وقد نقل عن ابن عمر أنه سئل عن بول الناقة، فقال :
٥٥٩

اغسل ما أصابك منه . وعن الزهرى فيما يصيب الراعى من أبوال
الإبل قال : ينضح . وعن حماد بن أبى سليمان في بول الشاة والبعير
يغسل . ومذهب أبى حنيفة نجاسة ذلك على تفصيل لهم فيه ، فلعل
الذي أراده ابن المنذر القول بوجوب اجتناب قليل البول والروث
وكثيره ، فإن هذا لم يبلغنا عن أحد من السلف، ولعل ابن عمر أمر
بغسله كما يغسل الثوب من المخاط والبصاق والمنى ونحو ذلك ، وقد ثبت
عن أبى موسى الأشعري أنه صلى على مكان فيه روث الدواب والصحراء
أمامه ، وقال ههنا وههنا سواء . وعن أنس بن مالك لا بأس ببول
كل ذي كرش .
ولست أعرف عن أحد من الصحابة القول بنجاستها ؛ بل القول
بطهارتها ؛ إلا ما ذكر عن ابن عمر إن كان أراد النجاسة فمن أين
يكون ذلك معلوما لأولئك ؟!
(وثانيها ): أنه لو كان نجساً فوجوب التطهر من النجاسة ليس من
الأمور البينة ، قد أنكره فى الثياب طائفة من التابعين وغيرهم ، فمن
أبن يعلمه أولئك ؟.
(وثالثها ) : أن هذا لو كان مستفيضاً بين ظهراني الصحابة لم يجب
أن يعلمه أولئك؛ لأنهم حديثو العهد بالجاهلية والكفر ، فقد كانوا
٥٦٠