Indexed OCR Text

Pages 301-320

وهذه البلاد المذكورة الغالب عليها الحر ، وأهلها لا يحتاجون إلى
الحمام غالباً ؛ ولهذا لم يكن بأرض الحجاز حمام على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم؛ وخلفائه. ولم يدخل النبى صلى الله عليه وسلم حماما،
ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان . والحديث الذي يروى: أن النبى
صلى الله عليه وسلم دخل الحمام موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
ولكن علي لما قدم العراق كان بها حمامات، وقد دخل الحمام غير واحد
من الصحابة ، وبي بالجحفة حمام دخلها ابن عباس وهو محرم .
وإما أن يكون جواب أحمد كان مطلقا فى نفسه ، وصورة الحاجة
لم يستشعرها نفياً، ولا إثباتاً، فلا يكون جوابه متناولا لها، فلا يحكى
عنه فيها كراهة .
وإما أن يكون قصد بجوابه المنح العام عند الحاجة وعدمها ، وهذا
أبعد المحامل الثلاثة أن يحمل عليه كلامه ، فإن أصوله وسائر نصوصه
فى نظائر ذلك تأبى ذلك ، وهو أيضاً مخالف لأصول الشريعة ، وقد
نقل عنه أنه لما مرض وصف له الحمام .
وكان أبو عبد اللّه لا يدخل الحمام اقتداء بابن عمر ، فإنه كان
لا يدخلها ، ويقول هي : من رقيق العيش ، وهذا ممكن فى أرض
٣٠١

يستغنى أهلها عن الحمام ، كما يمكن الاستغناء عن الفراء والحشايا فى مثل
تلك البلاد .
والكلام فى فصلين :
أحدهما : فى تفصيل حكم ما ذكر من بنائها وبيعها وإجارتها ،
والأقسام أربعة :
فإنه لا يخلو : إما أن يحتاج إليها من غير محظور، أو لا يحتاج
إليها ولا محظور ، أو يحتاج إليها مع المحظور ، أو يكون هناك محظور
من غير حاجة .
فأما الأول : فلا ريب في الجواز : مثل أن يبنى الرجل لنفسه وأهله
حماما في البلاد الباردة ، ولا يفعل فيها ما نهى الله عنه، فهنا حاجة.
أو مثل : أن يقدر بناء حمام عامة ، فى بلاد باردة ، وصيانتها عن كل
محظور ، فإن البناء والبيع والكراء هنا بمنزلة دخول الرجل إلى الحمام
الخاصة ، أو المشتركة مع غض بصره ، وحفظ فرجه وقيامه بما يجب
من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا لا ريب في جوازه ، وقد
دخلها غير واحد من الصحابة .
وأحاديث الرخصة فيها مشهورة . كحديث أبي سعيد الخدري الذي
٣٠٢

رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام )) وعلى هذا اعتمدوا
فى الصلاة فى الحمام. وقد أرسله طائفة، وأسنده آخرون، وحكموا له
بالثبوت ، واستثناؤه الحمام من الأرض ، كاستثنائه المقبرة ، في كونها
مسجداً دليل على إقرارها فى الأرض ، وأنه لا ينهى عن الانتفاع بها
مطلقا ؛ إذ لو كان يجب إزالتها ويحرم بناؤها ودخولها لم يخص
الصلاة بالمنع .
والنهي عن الصلاة فى الحمام قد قال بعض الأصحاب : كأبي بكر ،
والقاضي : إنه يعيد . قيل : لأنه محل الشياطين ، وفيه وجه . وهو
التعليل بمظنة النجاسة ، والمشهور أن المنع يتناول ما يدخل فى البيع ،
وهو المشلح، والمغتسل ، والأندر (١).
وقد يقال : الحمام فعال من الحم ، وهو المكان الذي فيه الهواء
الحار ، والماء الحار يتعرضن فيه .
فأما المشلح الذي توضع فيه الثياب ، وهو بارد لا يغتسل فيه ،
ولا يقعد فيه إلا المتلبس ، فليس هو مكان حمام ، والدخول في المنع
لا يصلح له تعليل .
(١) كذا بالأصل
٣٠٣

وقد بينا أن المقبرة وأعطان الإبل تصح الصلاة فيها على الصحيح .
لعدم تناول اللفظ والمعنى ، وإن دخل في المنع إلا أنه يقال : لفظ
الحمام يعم هذا كله، ولا يعرف حمام ليس فيها هذا المكان (١). وتخلع فيه
الثياب هذه هي الحمامات المعروفة ، والحمامات الموجودة على عهد النبي صلى
الله عليه وسلم التى يتناولها لفظ الاستثناء . (١) الشياطين يتناول ذلك
كله . كما أن صحن المسجد هو تبع للمسجد ، ويشبه أن يكون الكلام
فيها ، كالكلام فى رحبة المسجد ، فإن الرحبة الخارجة عن سور
المسجد غير الرحبة التى هي صحن مكشوف بجانب المسقوف من
المسجد المعد للصلاة ، فهذا الثانى نسبته إليه تشبه نسبة خارج الحمام
إلى داخله .
وإذا نبين هذا فنقول: إنما تكون الحجة أن لو علم أن النبي صلى
الله عليه وسلم وخلفاء. أمكنهم دخوله فلم يدخلوه ، وإلا فإذا
احتمل مع الإمكان الدخول وعدمه لم يكن فيه حجة . وأما الصحابة
فقد روي عن ابن عمر أنه لم يدخلها ، وكان يقول : هي مما أحدث
الناس من رقيق العيش ، وهذا تنبيه على ما أحدثه الناس من أنواع
الفضول التى لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قاله
ابن عمر في أرض الحجاز ، وبهذا اقتدى أحمد . وهذا ترك لها من
(١) خرم بالأصل .
٣٠٤

باب الزهد في فضول المباح . والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما
لا ينفع فى الدار الآخرة، ولا ريب أنه إذا لم يكن دخول الحمام مما
ينتفع به فى أعمال الآخرة كان تركه زهداً مشروعا .
ولتركه وجه آخر : وهو أن يكون على سبيل الورع ، والورع
المشروع هو ترك ما قد يضر فى الدار الآخرة ، وهذا منه ورع
واجب كترك المحرم ، ومنه ما هو دون ذلك وهو ترك المشتبهات، التى
لا يعلمها كثير من الناس ، وغيرها من المكروهات.
ولا ريب أن فى دخول الحمام ماقد يكون محرماً ، إذا اشتمل
على فعل محرم ، من كشف العورة ، أو تعمد النظر إلى عورة الغير ،
أو تمكن الأجنبى من مس عورته، أو مس عورة الأجنبي، أو ظلم
الحمامي بمنح حقه ، وصب الماء الزائد على ما اقتضته المعاوضة ، أو
المكث فوق ما يقابل العوض المبذول له بدون رضاه ، أو فعل
الفواحش فيها ، أو الأقوال المحرمة التى تفعل كثيراً فيها ، أو تفويت
الصلوات المكتوبات .
ومنه ما قد يكون مكروهاً محرماً ، أو غير محرم ، مثل صب الماء
الكثير ، واللبث الطويل مع المعاوضة عنها، والإسراف فى نفقتها،
والتعرض للمحرم من غير وقوع فيه ، وغير ذلك . وكذلك التمتع
٣٠٥

والترفه بها من غير حاجة إلى ذلك ، ولا استعانة به على طاعة الله .
وقد يكون دخولها واجباً إذا احتاج إلى طهارة واجبة ، لا تمكن
إلا فيها ، وقد يكون مستحباً إذا لم يمكن فعل المستحب من الطهارة
وغيرها إلا فيها ، مثل الأغسال المستحبة التى لا يمكن فعلها إلا فيها
ومثل نظافة البدن من الأوساخ التى لا تمكن إلا فيها .
فإن نظافة البدن من الأوساخ مستحبة . كما روى الترمذي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله نظيف يحب النظافة))
وقد ثبت فى الصحيح عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك
واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ،
وحلق العانة ، وانتقاص الماء )) قال مصعب : ونسيت العاشرة إلا أن
تكون المضمضة . قال وكيع : انتقاص الماء يعنى الاستنجاء ، وعن
عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (( من الفطرة - أو قال الفطرة - المضمضة والاستنشاق،
وقص الشارب ، والسواك ، وتقليم الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف
الإبط، والاستحداد، والاختتان، والانتضاح)) رواه الإمام أحمد.
وهذا لفظه . وأبو داود وابن ماجه .
٣٠٦

وهذه الخصال عامتها إنما هي للنظافة من الدرن ، فإن الشارب إذا
طال يعلق به الوسخ من الطعام والشراب ، وغير ذلك . وكذلك الفم
إذا تغير ينظفه السواك ، والمضمضة ، والاستنشاق ينظفان الفم والأنف
وقص الأظفار ينظفها مما يجتمع تحتها من الوسخ ، ولهذا روى ((يدخل
أحدكم علي ورفعه تحت أظفاره )) يعنى الوسخ الذي يحكه بأظفاره
من أرفاغه .
وغسل البراجم وهى عقد الأصابع ، فإن الوسخ يجتمع عليها ،
ما لا يجتمع بين العقد ، وكذلك الإبط فإنه يخرج من الشعر عرق
الإبط ، وكذلك العانة ، إذا طالت . وفى صحيح مسلم عن أنس بن
مالك قال: ((وقت لنا في قص الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف
الإبط ، وحلق العانة ، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة)). فهذا
غاية ما يترك الشعر ، والظفر ، المأمور بإزالته .
وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (( حق الله على كل مسلم أن يغتسل فى كل سبعة أيام : يغسل
رأسه، وجسده)) وهذا فى أحد قولي العلماء، هو غسل راتب مسنون
للنظافة، فى كل أسبوع ، وإن لم يشهد الجمعة . بحيث يفعله من
لا جمعة عليه. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( على كل رجل مسلم فى كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة))
٣٠٧

رواه أحمد والنسائي . وهذا لفظه ، وأبو حاتم البستى .
وأما الأحاديث فى الغسل يوم الجمعة فمتعددة . وذاك يعلل باجتماع
الناس بدخول المسجد ، وشهود الملائكة ، ومع العبد ملائكة ، وقد
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الملائكة تتأذى
ما يتأذى منه بنو آدم)) وعن قيس بن عاصم: (( أنه أسلم فأمره
النبى صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر)). رواه أحمد
وأبو داود والنسائي والترمذي . وقال حديث حسن .
وهذان غسلان متنازع فى وجوبها ، حتى في وجوب السدر . فقد
ذكر أبو بكر في ((المشتبه)) وجوب ذلك، وهو خلاف ما حكي
•٠
عنه في موضع آخر .
ومن المعلوم أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاغتسال
بماء وسدر - كما أمر بالسدر في غسل المحرم الذي وقصته ناقته ، وفى
غسل ابنته المتوفاة . وكما أمر الحائض أيضاً أن تأخذ ماءها وسدرها -
إنما هو لأجل التنظيف ، فإن السدر مع الماء ينظف . ومن المعلوم
أن الاغتسال فى الحمام أتم تنظيفاً ، فإنها تحلل الوسخ بهوائها الحار ،
ومائها الحار ، وما كان أبلغ فى تحصيل مقصود الشارع كان أحب ،
إذا لم يعارضه ما يقتضى خلاف ذلك .
٣٠٨

وأيضاً فالرجل إذا شعث رأسه وانسخ ، وقمل وتوسخ بدنه ، كان
ذلك مؤذيا له ومضراً ، حتى قد جعل الله هذا مما يبيح للمحرم أن
يحلق شعره، ويفتدي. كما قال: (وَلَا تَحْلِقُوْرُءُ وسَكُمْخَّ بَلْغَ اَلْهَدْىُ مَحِلَّهُ, فَن
كَانَ مِنْكُمْ فَرِ يضًا أَوْبِهِ أَذَّى مِّن ◌َّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُكِ ) . وقد ثبت
في الصحيح: (( أنها نزلت فى كعب بن عجرة لما مر به النبي صلى الله
عليه وسلم عام الحديبية قبل أن يؤذن لهم في الإحلال، والقمل يتهافت
على رأسه )) وقد تكون إزالة هذا الأذى والضرر فى غير الحمام إما
متعذرة ، أو متعسرة .
فالحمام لمثل هذا مشروعة مؤكدة ، وقد يكون به من المرض
ما ينفعه فيه الحمام ، واستعمال مثل ذلك : إما واجب ، وإما مستحب ،
وإما جائز . فإنها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره .
وأيضاً فالحمام قد يحلل عنه من الأبخرة والأوساخ ، ويوجب له من
الراحة ما يستعين به على ما أمر به من الواجبات والمستحبات، ودخولها
حينئذ بهذه النية يكون من جنس الاستعانة بسائر ما يستريح به ، كالمنام
والطعام . كما قال معاذ لأبي موسى : إنى أنام وأقوم ، وأحتسب نومتى
كما أحتسب قومتى . ونظاره فى الحديث الصحيح متعددة . كما في
حديث أبي الدرداء ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهما .
٣٠٩

القسم الثاني : إذا خلت عن محظور ، فى البلاد الباردة ، أو الحارة
فهنا لا ريب أنه لا يحرم بناؤها ، وقد بنيت الحمامات على عهد الصحابة
فى الحجاز ، والعراق ، على عهد على وغيره ، وأقروها . وأحمد لم يقل:
إن ذلك حرام ، ولكن كره ذلك ، لاشتماله غالباً على مباح ، ومحظور.
وفى زمن الصحابة كان الناس أنقى لله ، وأرعى لحدوده ، من أن
يكثر فيها المحظور ، فلم تكن مكروهة إذ ذاك، وإن وقع فيها أحياناً
محظور ، فهذا بمنزلة وقوع المحظور فيما بنى من الأسواق والدور التى لم
ينه عنها، وإن كان يمكن الاستغناء عنها.
القسم الثالث : إذا اشتملت على الحاجة والمحظور غالباً : كغالب
الحمامات ، التى في البلاد الباردة ، فإنه لا بد لأهل تلك الأمصار من
الحمام ، ولا بد فى العادة أن يشتمل على محظور ، فهنا أيضا لا تطلق
كراهة بنائها وبيعها ، وذلك لأن قول النبى صلى الله عليه وسلم:
(( الحلال بين، والحرام بين ، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن
كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ، ومن
وقع فى الشبهات وقع فى الحرام ، كالراعى يرعى حول الحمى يوشك
أن يخالطه )).
إنما يقتضى انقاء الشبهات التى يشتبه فيها الحلال بالحرام ، بخلاف
٣١٠

ما إذا اشتبه الواجب أو المستحب بالمحظور ؛ وقد ذكر ذلك أبو طالب
المكي ، وابن حامد ، ولهذا سئل الإمام أحمد : عن رجل مات أبوه
وعليه دين ، وله ديون فيها شبهة ، أيقضيها ولده ؟ فقال : أيدع ذمة
أبيه مرهونة ؟! وهذا جواب سديد ، فإن قضاء الدين واجب ، وترك
الواجب سبب للعقاب ، فلا يترك لما يحتمل أن يكون فيه عقاب ،
ويحتمل أن لا يكون .
ومن المعلوم أن من الأغسال ما هو واجب : كغسل الجنابة ،
والحيض ، والنفاس ، ومنها ما هو مؤكد قد تنوزع فى وجوبه ، كغسل
الجمعة . ومنها ما هو مستحب ، وهذه الأغسال لا تمكن في البلاد الباردة
إلا فى حمام . وإن اغتسل فى غير حمام خيف عليه الموت ؛ أو المرض .
فلا يجوز الاغتسال فى غير حمام حينئذ .
ولا يجوز الانتقال إلى التيمم مع القدرة على الاغتسال بالماء فى
الحمام ، ولو قدر أن فى ذلك كراهة مثل كون الماء مسخنا بالنجاسة
عند من يكرهه مطلقا ، أو عند من يكرهه إذا لم يكن بين الماء والدخان
حاجز حصين ، كما قد تنازع فى ذلك أصحاب أحمد وغيرهم على القول
بكراهة المسخن بالنجاسة ، فإنه بكل حال يجب استعماله ، إذا لم يمكن
استعمال غيره ؛ لأن التطهر من الجنابة بالماء واجب مع القدرة ، وإن
اشتمل على وصف مكروه ، فإنه فى هذه الحال لا يبقى مكروها .
٣١١

وكذلك كل ماكره استعماله مع الجواز ، فإنه بالحاجة إليه لطهارة
واجبة ، أو شرب واجب ، لا يبقى مكروها . ولكن هل يبقى مكروها
عند الحاجة إلى استعماله فى طهارة مستحبة هذا محل تردد ؛ لتعارض
مفسدة الكراهة ، ومصلحة الاستحباب . والتحقيق: ترجيح هذا تارة ،
وهذا تارة ، بحسب رجحان المصلحة تارة ، والمفسدة أخرى .
وإذا تبين ذلك ، فقد يقال : بناء الحمام واجب حينئذ ، حيث
يحتاج إليه لأداء الواجب العام .
وقد يقال : إنما يجب الاغتسال فيها عند وجودها ، ولا يجب
تحصيلها ابتداء . كما لا يجب على الرجل حمل الماء معه للطهارة ، ولا
إعداد الماء المسخن ، فإذا فتحت مدينة وفيها حمام لم يهدم ، والحال
هذه. كما جاءت بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنة
خلفائه الراشدين . وكذلك من انتقلت إليه بارت ونحوه ، وأما من
ملكها باختياره ، فالكلام فى ملكها ابتداء ، فإنه بمنزلة ابتداء بنائها .
وعلى هذا ؛ فقد يقال : نحن إنما نكره بناءها ابتداء، فأما إذا بناها
غيرنا فلا نأمر بهدمها ؛ لما فى ذلك من الفساد ، وكلام أحمد المتقدم
إنما هو فى البناء ، لا فى الإبقاء ، والاستدامة أقوى من الابتداء ؛ ولهذا
كان الإحرام والعدة يمنع ابتداء النكاح، ولا يمنع دوامه، وأهل
٣١٢

الذمة يمنعون من إحداث معابدهم ، ولا يمنعون من إبقائها إذا دخل
ذلك في عهدم .
وإذا كان المكروه الابتداء ، فالجنب ونحوه إنما يجب عليه استعمال
الحمام إذا أمكن ، فهذا يفيد وجوب دخول الحمام ، إذا كانت موجودة ،
واحتيج إليها لطهارة واجبة ، فلم قلتم : إنه بسوغ بناؤها ابتداء لذلك
مع اشتماله على محظور ؟ فإن مالا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب ، وأما
ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب . - وهنا الوجوب عند عدم
بنائها منتف ، فإذا توقفتم فى الوجوب فتوقفوا فى الإباحة (١) .
القسم الرابع : أن تشتمل على المحظور مع إمكان الاستغناء عنها:
كما فى حمامات الحجاز ، والعراق ، واليمن : في الأزمان المتأخرة ،
فهذا محل نص أحمد وتجنب ابن عمر .
الفصل الثاني
فى دخولها
فنقول : ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه
يكون النبى صلى الله عليه وسلم لم يدخلها ، ولا أبو بكر ، وعمر، فإن
(١) بياض بالأصل.
٣١٣

هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمام ، وقصدوا اجتنابها .
أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها ، وقد علم أنه لم يكن فى بلادهم حينئذ
حمام ، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم
ما يقتضي الاستحباب، بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول ، وهو
القدرة والإمكان .
وهذا كما أن ما خلقه الله فى سائر الأرض من القوت واللباس
والمراكب والمساكن لم يكن كل نوع منه كان موجوداً فى الحجاز، فلم
يأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من كل نوع من أنواع الطعام
القوت والفاكهة ، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس. ثم إن من كان
من المسلمين بأرض أخرى: كالشام، ومصر ، والعراق ، واليمن ، وخراسان،
وأرمينية ، وأذربيجان، والمغرب، وغير ذلك عندم أطعمة وثياب مجلوبة
عندم ، أو مجلوبة من مكان آخر ، فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع
بذلك الطعام واللباس سنة ؛ لكون النبى صلى الله عليه وسلم لم يأكل
مثله ، ولم يلبس مثله ؛ إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من
الأدلة الشرعية ، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء ، وسائر
الأدلة من أقواله : كأمره ونهيه وإذنه ، من قول الله تعالى ..
هي أقوى وأكبر ، ولا يلزم من عدم دليل معين عدم سأر
الأدلة الشرعية .
٣١٤

وكذلك إجماع الصحابة أيضاً من أقوى الأدلة الشرعية، فنفى الحكم
بالاستحباب لانتفاء دليل معين من غير نأمل باقى الأدلة خطأ عظيم ،
فإن الله يقول: (وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا ) وقال تعالى: (هُوَ الَّذِى خَلَقَ
لَكُمْ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ) وقال تعالى: ( وَسَخَرَلَكُمَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا
وقال تعالى: ( وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّرْ كَبُوهَا
فِي الْأَرْضِ ◌َمِيعًامِنْهُ )
وَزِينَّةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ولم تكن البغال موجودة بأرض العرب،
ولم يركب النبى صلى الله عليه وسلم بغلة إلا البغلة التى أهداها له
المقوقس من أرض مصر بعد صلح الحديبية . وهذه الآية نزلت مكة .
ومثلها في القرآن: يمتن الله على عباده بنعمه التى لم تكن بأرض الحجاز
كقوله تعالى: (فَ ظُرِآلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ : * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبَّا * ثُمَ شَقَقْنَاْلْأَرْضَ شَقَّاً *
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبَّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونَا وَنَخْلاً * وَحَدَابِقَ غُلْبًا * وَفَكِهَةٌ وَأَبَّاً ).
ولم يكن بأرض الحجاز زيتون، ولا نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه أكل زيتوناً . ولكن لعل الزيت كان يجلب إليهم .
وقد قال تعالى: ( وَالِنِينِ وَالزّتُونِ ) ولم يكن بأرضهم لا هذا
ولا هذا، ولا نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أكل منها ،
وكذلك قوله: (وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورِسَيْنَ تَنَّهُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْغْ لِلْأَكِينَ )
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((كلوا الزيت وادهنوا
٣١٥

به ، فإنه من شجرة مباركة)) وقال تعالى: (الزُّجَاجَةُ كَأَنّهَا كَوْكَبٌ دُرِىٌّ
يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْلَمْتَمْسَسْهُ
نَارٌ ). وكذلك قوله: ( وَحَدَآَبِقَ غُلَباً).
وكذلك قوله في البحر: (لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِتًا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) وقوله: (وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ
وَاُلْأَنْعَمِ مَاتَزَّكَبُونَ * لِتَسْتَوُّ أُعَلَى ظُهُورِ، ثُمَّ تَذْكُرُ واْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ
سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ)
ولم يركب النبي صلى الله عليه وسلم البحر، ولا أبو بكر، ولا عمر.
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بمن يركب البحر من أمته غزاة في سبيل
اللّه كأنهم ملوك على الأسرة - لأم حرام بنت ملحان - وقالت:
ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: ((أنت منهم)).
وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بطعم ما يجده في
أرضه، ويلبس ما يجده، ويركب ما يجده ، مما أباحه اللّه تعالى، فمن
استعمل ما يجده فى أرضه فهو المتبع للسنة. كما أنه حج البيت من
مدينته ، فمن حج البيت من مدينة نفسه فهو المتبع للسنة ، وإن لم
تكن هذه المدينة تلك .
٣١٦

وكان صلى الله عليه وسلم يجاهد من يليه من الكفار من المشركين
وأهل الكتاب ، فمن باهد من يليه من هؤلاء فقد اتبع السنة ، وإن
كان نوع هؤلاء غير نوع أولئك ، إذ أولئك كان غالبهم عربا ، ولهم
نوع من الشرك م عليه ، فمن جاهد سائر المشركين : تركهم ، وهندم
وغيرهم فقد فعل ما أمر الله به. وإن كانت أصنامهم ليست تلك الأصنام.
ومن جاهد اليهود والنصارى فقد اتبع السنة ، وإن كان هؤلاء
اليهود والنصارى من نوع آخر ، غير النوع الذين جاهدم النبي صلى
الله عليه وسلم، فإنه باهد يهود المدينة: كقريظة، والنضير ، وبني
قينقاع ، ويهود خيبر ؛ وضرب الجزية على نصارى نجران ؛ وغزا
نصارى الشام ، عربها ورومها ، عام تبوك ، ولم يكن فيها قتال ،
وأرسل إليهم زيداً ، وجعفراً ، وعبد الله بن رواحة ، قاتلوم فى غزوة
مؤنة . وقال : أميركم زيد ، فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله
ابن رواحة .
وصالح أهل البحرين ، وكانوا مجوساً على الجزية ، وم أهل محجر
وفي الصحيح (( أنه قدم مال البحرين جعله في المسجد ، وما ثاب حتى
قسمه )) وهذا باب واسع قد بسطناء فى غير هذا الموضع ، وميزنا بين
السنة والبدعة ، وبينا أن السنة هى ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه
طاعة لله ورسوله ، سواء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعل
٣١٧

على زمانه ، أو لم يفعله ، ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضى حينئذ
لفعله ، أو وجود المانع منه .
فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة . كما أمر بإجلاء
اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وكما جمع الصحابة القرآن فى
المصحف ، وكما داوموا على قيام رمضان فى المسجد جماعة ، وقد قال
صلى الله عليه وسلم: (( لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني
غير القرآن فليمحه )) فشرع كتابة القرآن؛ وأما كتابة الحديث قهى
عنها أولا ، وذلك منسوخ عند جمهور العلماء بإذنه لعبد الله بن عمرو أن
يكتب عنه ما سمعه، فى الغضب والرضا، وبإذنه لأبى شاء أن تكتب له خطبته
عام الفتح ، وبما كتبه لعمرو بن حزم من الكتاب الكبير الذي كتبه له
لما استعمله على نجران ، وبغير ذلك .
والمقصود: هنا أن كتابة القرآن مشروعة ، لكن لم يجمعه فى مصحف
واحد . لأن نزوله لم يكن ثم ، وكانت الآية قد تنسخ بعد نزولها،
فلوجود الزيادة والنقص لم يمكن جمعه فى مصحف واحد ، حتى مات .
وكذلك قيام رمضان. قد قال صلى الله عليه وسلم: (( إن الرجل
إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة )) وقام فى أول الشهر
بهم ليلتين ، وقام فى آخر الشهر ليالي ، وكان الناس يصلون على عهده
فى المسجد فرادى وجماعات ، لكن لم يداوم بهم على الجماعة ، خشية أن
٣١٨

تفرض عليهم . وقد أمن ذلك بموته .
وقد قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي رواه أهل
السنن، وصححه الترمذي وغيره: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
المهديين من بعدي ، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم
ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة)، فما سنه الخلفاء الراشدون
ليس بدعة شرعية ينهى عنها ، وإن كان يسمى فى اللغة بدعة ، لكونه
ابتدئ . كما قال عمر : نعمت البدعة هذه، والتى ينامون منها أفضل
وقد بسطنا ذلك فى قاعدة .
فصل
الماء الجاري في أرض الحمام خارجا منها ، أو نازلا فى بلاليعها ،
لا يحكم بنجاسته ، بل بطهارته ، إلا أن تعلم نجاسة شيء منه ؛ ولهذا
كان ظاهر مذهب أحمد أن الحمام لم ينه عن الصلاة فيها لكونها مظنة
النجاسة ، كما ذهب إليه طائفة من الفقهاء ، وهو وجه فى مذهب
أحمد . ومن قال هذا قال : إذا غسلنا موضعاً منها ، أو تيقنا طهارته ،
جازت الصلاة فيه .
٣١٩

وأما على من قال بالنهي مطلقاً . كما في حديث أبى سعيد الذي فى
سنن أبى داود وغيره - وقد صححه من صححه من الحفاظ ، وبينوا
أن رواية من أرسله لا تنافى الرواية المسندة الثابتة - أن التى على الله
عليه وسلم قال: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) فاستثنى
الحمام مطلقاً ، فيتناول الاسم ما دخل في المسمى . فلهم طريقان :
أحدهما : أن النهي تعبد. لا يعقل معناه . كما ذهب إليه طائفة
من أصحاب أحمد ، وغيرهم . كأبي بكر ، والقاضي أبى يعلى، وأتباعه.
والثانى : أن ذلك لأنها مأوى الشياطين . كما في الحديث الذي
رواه الطبرانى عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن الشيطان
قال : يارب اجعل لي بيتاً ، قال : بيتك الحمام ، قال : اجعل لي قرآناً
قال: قرآنك الشعر ، قال : اجعل لي مؤذناً ، قال : مؤذنك المزمار »
وهذا التعليل كتعليل النهي عن الصلاة فى أعطان الإبل بنحو ذلك
كما فى الحديث: ((إن على ذروة كل بعير شيطان ، وإنها جن خلقت
من جن)) إذ لا يصح التعليل هناك بالنجاسة ؛ لأنه فرق بين أعطان
الإبل ، ومبارك الغم ، وكلاهما فى الطهارة والنجاسة سواء . كما لا يصح
تعليل الأمر بالوضوء من لحومها ؛ بأنه لأجل مس النار مع تفريقه بين
لحوم الإبل ولحوم الغنم ، وكلاهما في مس النار وعدمه سواء .
٣٢٠