Indexed OCR Text
Pages 261-280
لحوم الغنم ؛ وصلوا فى مرابض الغنيم ، ولا تصلوا فى معاطن الإبل)). وروى ذلك من غير وجه . وهذا باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، أصح وأبعد عن المعارض من أحاديث مس الذكر وأحاديث القهقهة . وقد قال بعض الناس: إنه منسوخ بقول جابر : كان آخر الأمرين من النبى صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، لم يفرق بين لحم الإبل والغنم ، إذ كلاهما فى مس النار سواء ، فلما فرق بينهما فأمر بالوضوء من هذا، وخير فى الوضوء من الآخر . علم بطلان هذا التعليل . وإذا لم تكن العلة مس النار فنسخ التوضؤ من ذلك لأمر لا يوجب نسخ التوضؤ من جهة أخرى، بل يقال : كانت لحوم الإبل أولا يتوضأ منها ، كما يتوضأ من لحوم الغنم ، وغيرها . ثم نسخ هذا الأمر العام المشترك . فأما ما يختص به لحم الإبل فلو كان قبل النسخ لم يكن منسوخا ، فكيف وذلك غير معلوم . يؤيد ذلك ((الوجه الثاني)) وهو أن الحديث كان بعد نسخ الوضوء مما مست النار ، فإنه بين فيه أنه لا يجب الوضوء من لحوم الغنم ، وقد أمر فيه بالوضوء من لحوم الإبل ، فعلم أن الأمر بذلك بعد النسخ . ٢٦١ ( الثالث ) : أنه فرق بينهما فى الوضوء ، وفى الصلاة فى المعاطن أيضاً ، وهذا التفريق ثابت محكم لم بأت عنه نص بالتسوية بيها في الوضوء والصلاة ، فدعوى النسخ باطل ، بل عمل المسلمين بهذا الحديث فى الصلاة يوجب العمل فيه بالوضوء إذ لا فرق بينهما . ( الرابع) أنه أمر بالوضوء من لحم الإبل، وذلك يقتضي الوضوء منه نيا ومطبوخا ، وذلك يمنح كونه منسوخا . ( الخامس ) أنه لو أتى عن النبى صلى الله عليه وسلم نص عام بقوله : لا وضوء مما مست النار ، لم يجز جعله ناسخاً لهذا الحديث من وجهين : (أحدهما ) أنه لا يعلم أنه قبله، وإذا تعارض العام والخاص. ولم يعلم التاريخ فلم يقل أحد من العلماء إنه ينسخه ، بل إما أن يقال الخاص هو المقدم ، كما هو المشهور من مذهب مالك والشافعى وأحمد فى المشهور عنه، وإما أن يتوقف ؛ بل لو علم أن العام بعد الخاص لكان الخاص مقدما . (الثاني ) أنه قد بينا أن هذا الخاص بعد العام ، فإن كان نسخ كان الخاص ٢٦٢ ناسخاً. وقد اتفق العلماء على أن الخاص المتأخر هو المقدم على العام المتقدم ، فعلم باتفاق المسلمين على أنه لا يجوز تقديم مثل هذا العام على الخاص ، لو كان هنا لفظ عام . كيف ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث عام ينسخ الوضوء من كل ما مسته النار . وإنما ثبت فى الصحيح أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ، وكذلك أتى بالسويق فأكل منه ثم لم يتوضأ ، وهذا فعل لا عموم له فإن التوضؤ من لحم الغنم لا يجب باتفاق الأئمة المتبوعين . والحديث المتقدم دليل ذلك . وأما جابر فيما نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار))، وهذا نقل لفعله لا لقوله . فإذا شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ بعد أن كان يتوضأ منه صح أن يقال الترك آخر الأمرين ، والترك العام لا يحاط به إلا بدوام معاشرته ، وليس فى حديث جابر ما يدل على ذلك ، بل المنقول عنه الترك فى قضية معينة. ثم ترك الوضوء مما مست النار لا يوجب تركه من جهة أخرى ، ولحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مس النار ، كما تقدم ؛ بل المعنى يختص به ويتناوله نيا ومطبوخا، فبين الوضوء من لحم الإبل والوضوء مما مست النار عموم وخصوص . هذا أعم من وجه ، وهذا أخص من وجه . وقد يتفق الوجهان ، فيكون للحكم علتان ، وقد ينفرد أحدهما عن الآخر ، بمنزلة التوضؤ من خروج ٢٦٣ النجاسة مع الوضوء من القبلة ، فإنه قد يقبل فيمذي ، وقد يقبل فلا يمدى وقد يمذى من غير مباشرة . فإذا قدر أنه لا وضوء من مس النساء ، لم ينف الوضوء من المذى وكذلك بالعكس ، وهذا بين . وأضعف من ذلك قول بعضهم : إن المراد بذلك الوضوء اللغوي وهو غسل اليد ، أو اليد والفم ، فإن هذا باطل من وجوه . (أحدها) أن الوضوء فى كلام رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لم يرد به قط إلا وضوء الصلاة ، وإنما ورد بذلك المعنى فى لغة اليهود. كما روى: ((أن سلمان قال: يارسول الله! إنه فى التوراة من بركة الطعام الوضوء قبله. فقال: ((من بركة الطعام الوضوء قبله ، والوضوء بعده )). فهذا الحديث قد تنوزع فى صحته ، وإذا كان صحيحا فقد أجاب سلمان باللغة التى خاطبه بها لغة أهل التوراة ، وأما اللغة التى خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بها أهل القرآن فلم يرد فيها الوضوء إلا فى الوضوء الذي يعرفه المسلمون . ( الثاني ): أنه قد فرق بين اللحمين ، ومعلوم أن غسل اليد والفم من الغمر مشروع مطلقا ، بل قد ثبت عنه أنه تمضمض من لبن ٢٦٤ شربه. وقال: ((إن له دسما)). وقال: ((من بات وبيده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه )) فإذا كان قد شرع ذلك من اللبن والغمر فكيف لا يشرعه من لحم الغنم . (الثالث ) : أن الأمر بالتوضؤ من لحم الإبل : إن كان أمر إيجاب امتنع حمله على غسل اليد والفم ، وإن كان أمر استحباب امتنع رفع الاستحباب عن لحم الغنم، والحديث فيه أنه رفع عن لحم الغنم ، ما أثبته للحم الإبل . وهذا يبطل كونه غسل اليد ، سواء كان حكم الحديث إيجابا ، أو استحبابا . (الرابع ): أنه قد قرنه بالصلاة فى مباركها ، مفرقا بين ذلك، وهذا مما يفهم منه وضوء الصلاة قطعا . والله أعلم. وسل عن رجل يقرأ القرآن وليس له على الوضوء قدرة في كل وقت : فهل له أن يكتب فى اللوح ويقرؤه إن كان على وضوء وغير وضوء . أم لا؟ وقد ذكر بعض المالكية أن معنى قوله: (لَا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) تطهير القلب ، وأن المسلم لا ينجس ، وقال : بعض الشافعية : لا يجوز ٢٦٥ له أن يمس اللوح ، أو المصحف على غير وضوء أبداً فهل بين الآثمة خلاف فى هذا أم لا ؟. فأجاب : الحمد لله، إذا قرأ فى المصحف، أو اللوح، ولم يمسه جاز ذلك ، وإن كان على غير طهور ، ويجوز له أن يكتب فى اللوح وهو على غير وضوء . والله أعلم . وسئل هل يجوز مس المصحف بغير وضوء ، أم لا ؟. فأجاب : مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر . كما قال فى الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو ابن حزم: (( أن لا يمس القرآن إلا طاهر )). قال الإمام أحمد: لاشك أن النبى صلى الله عليه وسلم كتبه له، وهو أيضاً قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر ، وغيرهما . ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف . ٢٦٦ وسئل : عن الإنسان إذا كان على غير طهر ، وحمل المصحف بأكمامه ، ليقرأ به ، ويرفعه من مكان إلى مكان ، هل يكره ذلك ؟ فأجاب : وأما إذا حمل الإنسان المصحف بكمه فلا بأس ، ولكن لا يمسه بيديه . وسئل عمن معه مصحف ، وهو على غير طهارة ، كيف يحمله ؟ فأجاب : ومن كان معه مصحف فله أن يحمله بين قماشه ، وفى خرجه وحمله ، سواء كان ذلك القماش لرجل ، أو امرأة ، أو صبى ، وإن كان القاش فوقه أو تحته . والله أعلم . ٢٦٧ وسئل شيخ الإسلام عما نجب له الطهارتان : الغسل ، والوضوء؟ فأجاب : ذلك واجب للصلاة بالكتاب والسنة والإجماع ، فرضها ونفلها ، واختلف فى الطواف ومس المصحف . واختلف أيضاً في سجود التلاوة ، وصلاة الجنازة ، هل تدخل فى مسمى الصلاة التى يجب لها الطهارة ؟ . وأما الاعتكاف فما علمت أحدا قال إنه يجب له الوضوء ، وكذلك الذكر والدعاء فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر الحائض بذلك. وأما القراءة ففيها خلاف شاذ . فذهب الأربعة تجب الطهارتان لهذا كله إلا الطواف مع الحدث الأصغر ، فقد قيل فيه نزاع . والأربعة أيضاً لا يجوزون للجنب قراءة القرآن ، ولا اللبث فى المسجد ، إذا لم يكن على وضوء ، وتنازعوا فى قراءة الحائض ، وفى قراءة الشيء اليسير . وفى هذا نزاع فى مذهب ٢٦٨ الإمام أحمد وغيره ، كما قد ذكر في غير هذا الموضع . ومذهب أهل الظاهر : يجوز للجنب أن يقرأ القرآن ، واللبث فى المسجد ، هذا مذهب داود وأصحابه ، وابن حزم . وهذا منقول عن بعض السلف . وأما مذهبهم فيما تجب له الطهارتان فالذي ذكره ابن حزم أنها لا تجب إلا لصلاة: هي ركعتان، أو ركعة الوتر، أو ركعة فى الخوف. أو صلاة الجنازة ، ولا تجب عنده الطهارة لسجدتي السهو، فيجوز عنده للجنب والمحدث والحائض قراءة القرآن ، والسجود فيه ، ومس المصحف قال : لأن هذه الأفعال خير مندوب إليها ، فمن ادعى منع هؤلاء منها فعليه الدليل . وأما الطواف فلا يجوز للحائض بالنص ، والإجماع . وأما الحدث ففيه نزاع بين السلف ، وقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد فى المناسك بإسناده عن النخعى ، وحماد بن أبي سليمان: أنه يجوز الطواف مع الحدث الأصغر ، وقد قيل إن هذا قول الحنفية، أو بعضهم. وأما مع الجنابة والحيض فلا يجوز عند الأربعة؛ لكن مذهب أبى حنيفة أن ذلك واجب فيه لا فرض ، وهو قول فى مذهب أحمد . ٢٦٩ وظاهر مذهبه كمذهب مالك والشافعي أنه ركز فيه . والصحيح فى هذا الباب ما ثبت عن الصحابة - رضوان الله عليهم - وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة ، وهو أن مس المصحف لا يجوز للمحدث، ولا يجوز له صلاة جنازة، ويجوز له سجود التلاوة. فهذه الثلاثة ثابتة عن الصحابة . وأما الطواف فلا أعرف الساعة فيه نقلا خاصا عن الصحابة، لكن إذا جاز سجود التلاوة مع الحدث ، فالطواف أولى ، كما قاله من قاله من التابعين . قال البخاري في ((باب سجدة المسلمين مع المشركين » والمشرك بجس ليس له وضوء ، وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء. ووقع فى بعض نسخ البخاري يسجد على وضوء . قال ابن بطال فى شرح البخاري : الصواب إثبات غير ؛ لأن المعروف عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء . ذكر ابن أبى شيبة حدثنا محمد بن بشار حدثنا زكريا بن أبي زائدة . حدثنا أبو الحسن يعني عبيد بن الحسن - عن رجل زعم أنه نسيه عن سعيد بن جبير قال كان عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب ، فيقرأ السجدة فيسجد ، وما يتوضأ. وذكر عن وكيع عن زكريا عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة على غير وضوء ، قال : يسجد حيث كان وجهه . قال ابن المنذر : واختلفوا فى الحائض تسمع السجدة فقال عطاء وأبو قلابة ، والزهري ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري ، وإبراهيم ٢٧٠ وقتادة : ليس عليها أن تسجد ، وبه قال مالك والثوري والشافعي ، وأصحاب الرأي . وقد روينا عن عثمان بن عفان قال تومي برأسها . وبه قال سعيد بن المسيب قال تومئ ، وتقول : لك سجدت . وقال ابن المنذر ( ذكر من سمع السجدة وهو على غير وضوء ) قال أبو بكر ، واختلفوا فى ذلك . فقالت طائفة بتوضأ ويسجد ، هكذا قال النخعي وسفيان الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي . وقد روينا عن النخعي قولا ثالثاً أنه يتيمم ويسجد ، وروينا عن الشعبى قولا ثالثاً أنه يسجد حيث كان وجهه . وقال ابن حزم وقد روى عن عثمان بن عفان ، وسعيد بن المسيب تومئ الحائض بالسجود ، وقال سعيد : وتقول : رب لك سجدت ، وعن الشعبى جواز سجود التلاوة إلى غير القبلة . وأما ( صلاة الجنازة ) فقد قال البخاري : قال النى صلى الله عليه وسلم: ((من صلى على الجنازة)). وقال: ((صلوا على صاحبكم)) وقال: ((صلوا على النجاشى)) سماها صلاة وليس فيها ركوع ولا سجود ، ولا يتكلم فيها ، وفيها تكبير ، وتسليم . قال : وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهراً، ولا يصلي عند طلوع الشمس، ولا غروبها ، ويرفع يديه . ٢٧١ قال ابن بطال : عرض البخاري للرد على الشعبى ، فإنه أجاز الصلاة على الجنازة بغير طهارة ، قال : لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود ، والفقهاء مجمعون من السلف والخلف على خلاف قوله ، فلا يلتفت إلى شذوذه، وأجمعوا أنها لا تصلى إلا إلى القبلة ، ولو كانت دعاء كما زعم الشعبى لجازت إلى غير القبلة. قال : واحتجاج البخاري في هذا الباب حسن . قلت : فالنزاع فى سجود التلاوة ، وفي صلاة الجنازة . قيل : هما جميعاً ليسا صلاة، كما قال الشعبى ومن وافقه ، وقيل : هما جميعاً صلاة يجب لهما الطهارة . والمأثور عن الصحابة وهو الذي تدل عليه النصوص والقياس : الفرق بين الجنازة ، والسجود المجرد سجود التلاوة والشكر . وذلك لأنه قد ثبت بالنص لا صلاة إلا بطهور ، كما فى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)). وفى صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)). وهذا قد دل عليه القرآن بقوله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِ يَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) الآية وقد حرم الصلاة مع الجنابة والسكر فى قوله: (لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ ٢٧٢ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَاجُنُبًا إِلََّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ ). وثبت أيضاً أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة ، لما ثبت فى صحيح مسلم من حديث ابن جريج: ثنا سعيد بن الحارث ، عن ابن عباس : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته من الخلاء ، فقرب له طعام فأكل ، ولم يمس ماء )). قال ابن جريج وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إنك لم تتوضأ. قال: ((ما أردت صلاة فأتوضأ)) قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث . والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلا ، فإنه لم ينقل أحد عن النى صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف ، أنه أمر بالوضوء للطواف ، مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة ، وقد اعتمر عمراً متعددة ، والناس يعتمرون معه ، فلو كان الوضوء فرضاً للطواف لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملون ، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ . وهذا وحده لا يدل على الوجوب، فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر فيتيمم لرد السلام . ٢٧٣ وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه لما خرج من الخلاء وأكل وهو محدث قيل له: ألا تتوضأ؟ قال: (( ما أردت صلاة فأتوضأ)). يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة ، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب ليس بواجب . وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما أردت صلاة فأتوضأ)) ليس إنكاراً للوضوء لغير الصلاة . لكن إنكار لإ يجاب الوضوء لغير الصلاة ؛ فإن بعض الحاضرين قال له: ألا تتوضأ ؟ فكأن هذا القائل ظن وجوب الوضوء للأكل ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((ما أردت صلاة فأتوضأ)) فبين له أنه إنما فرض الله الوضوء على من قام إلى الصلاة . والحديث الذي يروى: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام ، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير)) قد رواه النسائي ، وهو يروى موقوفاً ومرفوعا ، وأهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفا ويجعلونه من كلام ابن عباس لا يثبتون رفعه ، وبكل حال فلا حجة فيه ؛ لأنه ليس المراد به أن الطواف نوع من الصلاة : كصلاة العيد، والجنائِّر ؛ ولا أنه مثل الصلاة مطلقاً ، فإن الطواف يباح فيه الكلام بالنص والإجماع ، ولا تسليم فيه ، ولا يبطله الضحك والقهقهة ، ولا يجب فيه القراءة باتفاق المسلمين ، فليس هو مثل الجنازة ، فإن الجنازة فيها تكبير وتسليم ، فتفتح بالتكبير ، وتختم بالتسليم . وهذا حد الصلاة التي أمر فيها بالوضوء ، كما قال صلى الله عليه ٢٧٤ وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) والطواف ليس له تحريم، ولا تحليل ، وإن كبر فى أوله ، فكما يكبر على الصفا والمروة، وعند رمي الجمار ، من غير أن يكون ذلك تحريماً ، ولهذا يكبر كما حاذى الركن ، والصلاة لها تحريم ؛ لأنه بتكبيرها يحرم على المصلي ما كان حلالا له من الكلام ، أو الأكل ، أو الضحك، أو الشرب ، أو غير ذلك ، والطواف لا يحرم شيئاً ، بل كل ما كان مباحاً قبل الطواف فى المسجد ، فهو مباح في الطواف، وإن كان قد يكره ذلك لأنه يشغل عن مقصود الطواف ، كما يكره فى عرفة ، وعند رمي الجمار ، ولا يعرف نزاع بين العلماء [في](١) أن الطواف لا يبطل بالكلام والأكل والشرب والقهقهة ، كما لا يبطل غيره من مناسك الحج بذلك ، وكما لا يبطل الاعتكاف بذلك . والاعتكاف يستحب له طهارة الحدث ، ولا يجب ، فلو قعد المعتكف وهو محدث فى المسجد لم يحرم ، بخلاف ما إذا كان جنبا أو حائضا ، فإن هذا يمنعه منه الجمهور ، كمنعهم الجنب والحائض من اللبث فى المسجد لا لأن ذلك يبطل الاعتكاف ؛ ولهذا إذا خرج المعتكف للاغتسال كان حكم اعتكافه عليه في حال خروجه ، فيحرم عليه مباشرة النساء فى غير المسجد . ومن جوز له اللبث مع الوضوء ، جوز للمعتكف أن يتوضأ (١) اضيفت حسب مفهوم السياق ٢٧٥ ويلبث فى المسجد ، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره . والذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى الحائض عن الطواف ، وبعث أبا بكر أميراً على الموسم، فأمر أن ينادي: ((أن لا يحتج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)). وكان المشركون يحجون وكانوا يطوفون بالبيت عراة ، فيقولون : ثياب عصينا الله فيها فلا نطوف فيها، إلا الخمس، ومن دان دينها. وفى ذلك أنزل الله (يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُ واْزِينَتَّكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ) وقوله (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً) مثل طوافهم بالبيت عراة (قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيَّهَآ ءَ ابَآءَنَا وَاَللَّهُ أَمَنَا بِهَأْقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ومعلوم أن ستر العورة يجب مطلقا ، خصوصا إذا كان في المسجد الحرام والناس يرونه ، فلم يجب ذلك لخصوص الطواف ؛ لكن الاستتار فى حال الطواف أوكد لكثرة من يراء وقت الطواف ، فينبغي النظر فى معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله ، وهو أن يعرف مسمى الصلاة التى لا يقبلها الله إلا بطهور ، التى أمر بالوضوء عند القيام إليها . وقد فسر ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - بقوله في الحديث الذي فى السنن عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم » . ففي هذا الحديث دلالتان: ٢٧٦ إحداها : أن الصلاة تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، فما لم يكن تحريمه التكبير ، وتحليله التسليم لم يكن من الصلاة . والثانية : أن هذه هي الصلاة التى مفتاحها الطهور ، فكل صلاة مفتاحها الطهور ، فتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، فما لم يكن محرمه التكبير ، وتحليله التسليم ، فليس مفتاحه الطهور ، فدخلت صلاة الجنازة فى هذا ، فإن مفتاحها الطهور ، ومحريمها التكبير . وتحليلها التسليم . وأما سجود التلاوة والشكر : فلم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه أن فيه تسليما ، ولا أنهم كانوا يسلمون منه ؛ ولهذا كان أحمد بن حنبل وغيره من العلماء لا يعرفون فيه التسليم . وأحمد في إحدى الروايتين عنه لا يسلم فيه؛ لعدم ورود الأثر بذلك . وفى الرواية الأخرى يسلم واحدة أو اثنتين ، ولم يثبت ذلك بنص ، بل بالقياس ، وكذلك من رأى فيه تسليما من الفقهاء ليس معه نص ؛ بل القياس ، أو قول بعض التابعين . وقد تكلم الخطابى على حديث نافع عن ابن عمر قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد، وسجدنا معه)). قال: فيه بيان أن السنة أن يكبر ٢٧٧ للسجود ، وعلى هذا مذاهب أكثر أهل العلم ، وكذلك يكبر إذا رفع رأسه من السجود ، قال : وكان الشافعي وأحمد يقولان يرفع يديه إذا أراد أن يسجد . وعن ابن سيرين وعطاء إذا رفع رأسه من السجود يسلم . وبه قال إسحاق بن راهويه . قال: واحتج لهم في ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. وكان أحمد لا يعرف - وفى لفظ - لا يرى التسليم فى هذا . قلت : وهذه الحجة إنما تستقيم لهم أن ذلك داخل في مسمى الصلاة ، لكن قد يحتجون بهذا على من يسلم أنها صلاة ، فيتناقض قوله . وحديث ابن عمر رواه البخاري فى صحيحه وليس فيه التكبير . قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد ، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته . وفى لفظ ــ حتى ما يجد أحدنا مكانا لجهته )). فابن عمر قد أخبر أنهم كانوا يسجدون مع النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر تسليما ، وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء . ومن المعلوم أنه لو كان النبى صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه أن السجود لا يكون إلا على وضوء لكان هذا مما يعلمه عامتهم؛ لأنهم كلهم ٢٧٨ كانوا يسجدون معه ، وكان هذا شائعا فى الصحابة ، فإذا لم يعرف عن أحد منهم أنه أوجب الطهارة لسجود التلاوة ، وكان ابن عمر من أعلمهم وأفقههم وأتبعهم للسنة ، وقد بقى إلى آخر الأمر ويسجد للتلاوة على غير طهارة ، كان هو ما يبين أنه لم يكن معروفا بينهم أن الطهارة واجبة لها . ولو كان هذا مما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم لكان ذلك شائعا بينهم ، كشياع وجوب الطهارة للصلاة، وصلاة الجنازة ، وابن عمر لم يعرف أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها ، ولكن سجودها على الطهارة أفضل باتفاق المسلمين . وقد يقال : إنه يكره سجودها على غير طهارة مع القدرة على الطهارة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه مسلم لم يرد عليه حتى تيمم ، وقال كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، فالسجود أوكد من رد السلام . لكن كون الإنسان إذا قرأ وهو محدث يحرم عليه السجود ، ولا يحل له أن يسجد لله إلا بطهارة ، قول لا دليل عليه . وما ذكر أيضاً يدل: على أن الطواف ليس من الصلاة، ويدل على ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب)) والطواف والسجود لا يقرأ فيهما بأم الكتاب ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا فى الصلاة )) والكلام يجوز فى الطواف، ٢٧٩ والطواف أيضا ليس فيه تسليم ، لكن يفتتح بالتكبير ، كما يسجد للتلاوة بالتكبير ، ومجرد الافتتاح بالتكبير لا يوجب أن يكون المفتح صلاة . فقد ثبت فى الصحيح ((أن النبى صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، كما أتى الركن أشار إليه بشيء بيده ، وكبر)). وكذلك ثبت عنه: أنه كبر على الصفا والمروة ، وعند رمي الجمار ؛ ولأن الطواف يشبه الصلاة من بعض الوجوه . (وأما الحائض : ) فقد قيل إنما منعت من الطواف لأجل المسجد. كما تمنع من الاعتكاف لأجل المسجد ، والمسجد الحرام أفضل المساجد، وقد قال تعالى لإبراهيم: (وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّبِفِينَ وَالْقَآيِمِينَ وَالُّكَعِ الشُّجُودِ ) فأمر بتطهيره، فتمنع منه الحائض من الطواف ، وغير الطواف. وهذا من سر قول من يجعل الطهارة واجبة فيه ، ويقول إذا طافت وهي حائض عصت بدخول المسجد مع الحيض ، ولا يجعل طهارتها للطواف كطهارتها للصلاة ، بل يجعله من جنس منعها أن تعتكف في المسجد وهي حائض؛ ولهذا لم تمنع الحائض من سائر المناسك ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وقال لعائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)). ولما قيل له عن صفية: إنها حائض قال: ((أحابستنا هي ؟ . قيل له : إنها قد أفاضت، قال: فلا إذا )) متفق عليه . ٢٨٠