Indexed OCR Text

Pages 101-120

روي فى العاج حديث معروف ، لكن فيه نظر ليس هذا موضعه ؛ فإنا
لا تحتاج إلى الاستدلال بذلك .
وأيضاً فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
فى شاة ميمونة: ((هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به؟!)) قالوا : إنها
ميتة؟ قال: ((إنما حرم أكلها )) . وليس في صحيح البخاري ذكر
الدباغ ، ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه، ولكن ذكره ابن عيينة ،
ورواه مسلم فى صحيحه ، وقد طعن الإمام أحمد فى ذلك وأشار إلى غلط
ابن عيينة فيه ، وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود
الميتة بلا دباغ لأجل هذا الحديث ، وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز
الانتفاع بها بعد الدبغ بطريق الأولى ، لكن إذا قيل : إن الله حرم
بعد ذلك الانتفاع بالجلود حتى تدبخ ، أو قيل : إنها لا تطهر بالدباغ:
لم يلزم تحريم العظام ونحوها ، لأن الجلد جزء من الميتة فيه الدم كما في
سائر أجزائها ، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل دباغه ذكاته ؛ لأن
الدباغ ينشف رطوباته ؛ فدل على أن سبب التنجيس هو الرطوبات :
والعظم ليس فيه رطوبة سائلة ، وما كان فيه منها فإنه يجف ويييس ،
وهو يبقى ويحفظ أكثر من الجلد ، فهو أولى بالطهارة من الجلد .
والعلماء تنازعوا فى الدباغ : هل يطهر ؟
١٠١

فذهب مالك وأحمد فى المشهور عنهما : أنه لا يطهر .
ومذهب أبى حنيفة والشافعي والجمهور : أنه يطهر . وإلى هذا
القول رجع أحمد ، كما ذكر ذلك عنه الترمذي عن أحمد بن الحسن
الترمذي عنه .
وحديث ابن عكيم يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهام
أن ينتفعوا من الميتة بإهاب أو عصب ، بعد أن كان أذن لهم في ذلك ،
لكن هذا قد يكون قبل الدباغ فيكون قد أرخص ، فإن حديث الزهري
الصحيح يبين أنه كان قد رخص فى جلود الميتة قبل الدباغ ، فيكون
قد أرخص لهم فى ذلك ، ثم لما نهى عن الانتفاع بها قبل الدباغ نهام
عن ذلك ، ولهذا قال طائفة من أهل اللغة : إن الإهاب اسم لما لم يدبغ
ولهذا قرن معه العصب ، والعصب لا يدبغ .
فصل
وأما لبن الميتة وأنفحتها ففيه قولان مشهوران للعلماء :
أحدهما : أن ذلك طاهر . كقول أبى حنيفة وغيره ، وهو إحدى
الروايتين عن أحمد .
١٠٢

والثاني: أنه نجس . كقول مالك والشافعي ، والرواية الأخرى
عن أحمد .
وعلى هذا النزاع انبى نزاعهم فى جبن المجوس ، فإن ذبائح المجوس
حرام عند جماهير السلف والخلف ، وقد قيل : إن ذلك مجمع عليه
بين الصحابة ، فإذا صنعوا جبنا - والجين يصنع بالأنفحة - كان فيه
هذان القولان .
والأظهر أن جبنهم حلال ، وأن أنفحة الميتة ولنها طاهر ، وذلك
لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس ، وكان هذا
ظاهراً شائعاً بينهم ، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر ،
فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر . وأهل العراق كانوا أعلم
بهذا ، فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز.
ويدل على ذلك أن سلمان الفارسي كان هو نائب عمر بن الخطاب
على المدائن ، وكان يدعو الفرس إلى الإسلام ، وقد ثبت عنه : أنه
سئل عن شيء من السمن والجين والفراء ؟ فقال: الحلال ما أحل الله
فى كتابه . والحرام ما حرم الله فى كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى
عنه. وقد رواه أبو داود مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ومعلوم
أنه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب ، فإن هذا أمر
١٠٣

بين ، وإنما كان السؤال عن جبن المجوس : فدل ذلك على أن سلمان
كان يفتى بحلها ، وإذا كان روى ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم
انقطع النزاع بقول النبي صلى الله عليه وسلم .
وأيضاً فاللبن والأنفحة لم يموتا ، وإنما نجسها من نجسها لكونها فى
وعاء نجس ، فيكون مائعاً فى وعاء نجس ، فالتنجيس مبني على مقدمتين
على أن المائع لاقى وعاء نجساً ، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجساً .
فيقال أولا : لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة ، وقد تقدم
أن السنة دلت على طهارته لا على نجاسته .
ويقال ثانياً : إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها ، كما قال تعالى :
( فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمِ لََّنَا خَالِصًا سَآِغَا لِلشَّرِيِينَ).
ولهذا يجوز
حمل الصبى الصغير فى الصلاة مع ما فى بطنه . والله أعلم .
١٠٤

باب الاستنجاء
سئل رحمه اللّه
عمن قال: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((غربوا ولا تشرقوا))
ومنهم من قال: ((شرقوا ولا تغربوا)) ؟
فأجاب : الحديثان كذب ، ولكن في الصحيح عنه أنه قال :
((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا)). وفى
السنن عنه أنه قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة))، وهذا خطاب
منه لأهل المدينة ومن جرى مجرام كأهل الشام والجزيرة والعراق ،
وأما مصر فقبلتهم بين المشرق والجنوب ، من مطلع الشمس فى الشتاء.
والله أعلم .
١٠٥

وسئل
عن الاستنجاء هل يحتاج إلى أن يقوم الرجل ويمشي، ويتنحنح، ويستجمر
بالأحجار وغيرها ، بعد كل قليل في ذهابه ومجيئه ، لظنه أنه خرج منه
شيء : فهل فعل هذا السلف رضي الله عنهم . أو هو بدعة أو
هو مباح ؟
فأجاب : الحمد لله. التنحنح بعد البول والمشي، والطفر إلى فوق
والصعود فى السلم، والتعلق فى الحبل ، وتفتيش الذكر بإسالته وغير
ذلك : كل ذلك بدعة ، ليس بواجب ولا مستحب عند أئمة المسلمين ،
بل وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح ، لم يشرع ذلك رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
وكذلك سلت البول بدعة ، لم يشرع ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم . والحديث المروي فى ذلك ضعيف لاأصل له ، والبول يخرج
بطبعه ، وإذا فرغ انقطع بطبعه ، وهو كما قيل : كالضرع إن تركته قر،
وإن حلبته در .
١٠٦

وكما فتح الإنسان ذكره فقد يخرج منه ، ولو تركه لم يخرج منه.
وقد يخيل إليه أنه خرج منه وهو وسواس ، وقد يحس من يجده برداً
لملاقاة رأس الذكر فيظن أنه خرج منه شيء ولم يخرج .
والبول يكون واقفاً محبوساً في رأس الإحليل لا يقطر ، فإذا عصر
الذكر أو الفرج أو الثقب بحجر أو أصبح أو غير ذلك خرجت
الرطوبة ، فهذا أيضاً بدعة ، وذلك البول الواقف لا يحتاج إلى إخراج
باتفاق العلماء ، لا محجر ، ولا أصبح ، ولا غير ذلك ، بل كما أخرجه
جاء غيره ، فإنه يرشح دائماً .
والاستجمار بالحجر كاف لا يحتاج إلى غسل الذكر بالماء ، ويستحب
لمن استنجى أن ينضح على فرجه ماء ، فإذا أحس برطوبته قال : هذا
من ذلك الماء .
وأما من به سلس البول - وهو أن يجري بغير اختياره
لا ينقطع - فهذا يتخذ حفاظاً يمنعه ، فإن كان البول ينقطع مقدار
ما يتطهر ويصلي، وإلا صلى وإن جرى البول - كالمستحاضة - تتوضأ لكل
صلاة . والله أعلم .
١٠٧

باب السواك
سئل رحمه اللّه
عن السواك: هل هو باليد اليسرى أولى من اليد اليمنى أو بالعكس ؟
وهل يسوغ الإنكار على من بستاك باليسرى ؟ وأيما أفضل ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين ، الأفضل أن يستاك باليسرى:
نص عليه الإمام أحمد فى رواية ابن منصور الكوسج ، ذكره عنه فى
مسائله وما علمنا أحداً من الأئمة خالف فى ذلك ؛ وذلك لأن الاستياك
من باب إماطة الأذى ، فهو كالاستنثار والامتخاط ؛ ونحو ذلك مما فيه
إزالة الأذى ، وذلك باليسرى ، كما أن إزالة النجاسات كالاستجمار ونحوه
باليسرى ، وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى .
والأفعال نوعان : أحدهما : مشترك بين العضوين . والثانى :
مختص بأحدهما .
وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التى تشترك فيها
١٠٨

اليمنى واليسرى : تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة :
كالوضوء والغسل ، والابتداء بالشق الأيمن فى السواك؛ ونتف الإبط ؛
وكاللباس ؛ والانتعال، والترجل ، ودخول المسجد والمنزل، والخروج
من الخلاء ، ونحو ذلك .
وتقدم اليسرى فى ضد ذلك ، كدخول الخلاء ، وخلع النعل ،
والخروج من المسجد .
والذي يختص بأحدهما : إن كان من باب الكرامة كان باليمين ،
كالأكل والشرب ، والمصافحة ؛ ومناولة الكتب ، وتناولها، ونحو
ذلك . وإن كان ضد ذلك كان باليسرى ، كالاستجمار ، ومس الذكر،
والاستئثار ، والامتخاط ، ونحو ذلك .
فإن قيل : السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة
وإن لم يكن هناك وسخ ، وما كان عبادة مقصودة كان باليمين .
قيل : كل من المقدمتين ممنوع ؛ فإن الاستياك إنما شرع لإزالة
ما فى داخل الفم ، وهذه العلة متفق عليها بين العلماء ؛ ولهذا شرع
عند الأسباب المغيرة له كالنوم والإغماء ، وعند العبادة التى يشرع لها
تطهير كالصلاة والقراءة ، ولما كان الفم في مظنة التغير شرع عند
١٠٩

القيام إلى الصلاة ، كما شرع غسل اليد للمتوضئ قبل وضوئه ؛ لأنها
آلة لصب الماء . وقد تنازع العلماء فيما إذا تحقق نظافتها : هل يستحب
غسلها ؟ على قولين مشهورين . ومن استحب ذلك - كالمعروف في
مذهب الشافعي وأحمد - يستحب على النادر بل الغالب ، وإزالة
الشك باليقين .
وقد يقال مثل ذلك فى السواك إذا قيل باستحبابه مع نظافة الفم
عند القيام إلى الصلاة ، مع أن غسل اليد قبل المضمضة المقصود بها
النظافة ، فهذا توجيه المنح للمقدمة الأولى .
وأما الثانية : فإذا قدر أنه عبادة مقصودة فما الدليل على أن ذلك
مستحب باليمنى ؟ وهذه مقدمة لا دليل عليها ، بل قد يقال : العبادات
تفعل بما يناسبها ، ويقدم فيها ما يناسبها .
ثم قول القائل : إن ذلك عبادة مقصودة : إن أراد به أنه تعبد
محض لا تعقل علته : فليس هذا بصواب ، لاتفاق المسلمين على أن
السواك معقول ، ليس بمنزلة رمي الجمار . وإن أراد أنها مقصودة أنه
لا بد فيها من النية كالطهارة ، وأنها مشروعة مع تيقن النظافة ونحو
ذلك : فهذا الوصف إذا سلم لم يكن فى ذلك ما يوجب كونها باليمنى ،
إذ لا دليل على ذلك ؛ فإن كونها منوية أو مشروعة مع تيقن النظافة
١١٠

لا ينافى أن يكون من باب الكرامة تختص بها اليمنى ، بل يمكن ذلك
فيها مع هذا الوصف ، ألا ترى أن الطواف بالبيت من أجل العبادات
المقصودة ؟ ويستحب القرب فيه من البيت : ومع هذا فالجانب الأيسر
فيه أقرب إلى البيت ، لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على
اليسرى ، فلما كان إلا كرام فى ذلك للخارج جعل لليمين ، ولم ينقل
إذا كانت مقصودة ، فينبغي تقديم اليمنى فيها إلى البيت ؛ لأن إكرام
اليمين في ذلك أن تكون هي الخارجة .
وكذلك الاستئثار جعله باليسرى إكرام لليمين ، وصيانة لها ،
وكذلك السواك . ثم إذا قيل: هو فى الأصل من باب إزالة الأذى ،
وإذا قيل : إنه مشروع فيه العدول عن اليمنى إلى اليسرى أعظم فى
إكرام اليمين بدون ذلك: لم يمنع أن يكون إزالة الأذى فيه ثابتة
مقصودة ، كالاستجمار بالثلاث عند من يوجبه ، كالشافعي وأحمد ، فإنهم
يوجبون الحجر الثالث مع حصول الإنقاء بما دونه .
وكذلك التثليث والتسبيح في غسل النجاسات حيث وجب ، وعند
من يوجبه يأمر به وإن حصلت الإزالة بما دونه .
وكذلك التثليث فى الوضوء مستحب وإن تنظف العضو بما دونه
مع أنه لا شك أن إزالة النجاسة مقصودة فى الاستنجاء بالماء والحجر.
١١١

فكذلك إماطة الأذى من الفم مقصودة بالسواك قطعاً وإن شرع
مع عدمه ، تحقيقاً لحصول المقصود ؛ وذلك لا يمنع من أن يجعل
باليسرى ، كما أن الحجر الثالث فى الاستجمار يكون باليسرى ،
والمرة السابعة فى ولوغ الكلب تكون باليسرى ، ونحو ذلك مما كان
المقصود به في الأصل إزالة الأذى ، وإن قيل : بشرع مع عدمه
تكميلا للمقصود به وإزالة الشك باليقين، إلحاقا للنادر بالغالب ؛
ولأن الحكمة فى ذلك قد تكون خفية ، فعلق الحكم فيها بالمظنة ، إذ
زوال الأذى بالكلية قد يظنه الظان من غير تيقن ، ويعسمر اليقين
في ذلك ، فأقيمت المظنة فيه مقام الحكمة ، فجعل مشروعا للقيام إلى
الصلاة مع عدم النظر إلى التغير وعدمه ؛ لأن العبادة حصول التغير .
فهذا إذا قيل به فهو من جنس أقوال العلماء ، وذلك لا يخرج
جنس هذا الفعل أن يكون من باب إزالة الأذى ، وإن كان عبادة
مقصودة تشرع فيها النية ، وحينئذ يكون باليسرى كالاستشار
والاستنجاء بالأحجار ، ومباشرة محل الولوغ بالدلك ونحوه ، بخلاف
صب الماء فإنه من باب الكرامة ، ولهذا كان المتوضي يستنشق باليمنى
ويستنثر باليسرى ، والمستنجي يصب الماء باليمين ويدلك باليسرى.
وكذلك المغتسل والمتوضئ من الماء ، كما فعل النبي صلى الله عليه
وسلم: يدخل بده اليمنى فى الإناء فيصب بها على اليسرى ، مع أن
١١٢

مباشرة العورة في الغسل باليسرى ، وهكذا غاسل مورد النجاسة
يصب باليمنى ، وإذا احتاج إلى مباشرة المحل باشره باليسرى، وشواهد
الشريعة وأصولها على ذلك متظاهرة . والله أعلم ؟
وسئل عن الختان: متى يكون؟
فأجاب: أما الختان فمتى شاء اختتن ، لكن إذا راهق البلوغ
فينبغي أن يختتن كما كانت العرب تفعل ، لئلا يبلغ إلا وهو مختون.
وأما الختان فى السابع ففيه قولان ، هما روايتان عن أحمد : قيل:
لا يكره لأن إبراهيم ختن إسحق في السابع . وقيل : يكره لأنه عمل
اليهود ، فيكره التشبه بهم ، وهذا مذهب مالك. والله أعلم ؟
وسئل
عن مسلم بالغ عاقل بصوم ويصلي ، وهو غير مختون وليس مطهرا
هل يجوز ذلك ؟ ومن ترك الختان كيف حكمه ؟
فأجاب: إذا لم يخف عليه ضرر الختان فعليه أن يختتن ، فإن
١١٣

ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة ، وهو واجب عند الشافعي
وأحمد فى المشهور عنه ، وقد اختتن إبراهيم الخليل عليه السلام بعد
ثمانين من عمره ويرجع فى الضرر إلى الأطباء الثقات ، وإذا كان
يضره فى الصيف أخره إلى زمان الخريف . والله أعلى ؟
وسئل عن المرأة: هل تختنق أم لا؟
فأجاب: الحمد لله. نعم! تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة
التى كعرف الديك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للخافضة ... وهي
الخاتنة -: ((أشمى ولا تهكي ، فإنه أبهى للوجه ، وأحظى لها عند
الزوج )) ، يغنى : لا تبالغي فى القطع ، وذلك أن المقصود بختان الرجل
تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة ، والمقصود من ختان المرأة تعديل
شهوتها ، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة .
ولهذا يقال في المشاتمة : يابن القلفاء ! فإن القلفاء تتطلع إلى
الرجال أكثر ، ولهذا يوجد من الفواحش في نساء النتر ونساء
الإفرنج ما لا يوجد فى نساء المسلمين ، وإذا حصلت المبالغة فى الختان
ضعفت الشهوة ، فلا يكمل مقصود الرجل ، فإذا قطع من غير مبالغة
حصل المقصود باعتدال . والله أعلم .
١١٤

وسئل :
إذا مات الصى وهو غير مختون : هل يختن بعد مونه ؟
فأجاب : ولا يختن أحد بعد الموت .
وسل
كم مقدار أن يقعد الرجل حتى يحلق عانته ؟
فأجاب: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( وقت لهم فى حلق العانة ونتف الإبط ونحو ذلك: ألا يترك أكثر
من أربعين يوما))، وهو فى الصحيح. والله أعلم ؟
ما تقول السادة العلماء - رضى الله عنهم - أجمعين
فى أقوام يحلقون رؤوسهم على أيدي الأشياخ ؛ وعند القبور التى
١١٥

يعظمونها ، ويعدون ذلك قربة وعبادة : فهل هذا سنة أو بدعة ؟
وهل حلق الرأس مطلقاً سنة أو بدعة ؟ أفتونا مأجورين ؟
فأجاب شيخ الإسلام : الحمد لله رب العالمين.
حلق الرأس على أربعة أنواع :
أحدها : حلقه فى الحج والعمرة فهذا مما أمر الله به ورسوله ،
وهو مشروع ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، قال تعالى :
(لَتَدْخُلُنَّ اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُه ◌َامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
لَا تَخَافُونَ )، وقد تواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه حلق
رأسه فى حجه وفي عمره ، وكذلك أصحابه منهم من حلق ومنهم من
قصر . والحلق أفضل من التقصير ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا : يا رسول الله! والمقصرين ؟ قال :
((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا : يا رسول الله! والمقصرين؟ قال:
((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال:
((والمقصرين)). وقد أمر الصحابة الذين لم يسوقوا الهدى في حجة
الوداع أن يقصروا رؤوسهم للعمرة إذا طافوا بالبيت ؛ وبين الصفا
والمروة ؛ ثم يحلقوا إذا قضوا الحج . فجمع لهم بين التقصير أولاً ، وبين
الحلق ثانياً .
١١٦

والنوع الثانى : حلق الرأس للحاجة ، مثل أن يحلقه للتداوي ،
فهذا أيضاً جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن الله رخص للمحرم
الذي لا يجوز له حلق رأسه أن يحلقه إذا كان به أذى ، كما قال
تعالى: (وَلَا تَحْلِّقُواْرُءُ وسَكُخَّ بَلْغَ الْهَدِىُّ مِلَّهُ، فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِضًا أَوْبِهِ، أَنَّىمِّنِرَأْسِهِ،
فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُسُكٍ )
وقد ثبت باتفاق المسلمين حديث كعب بن عجرة لما مر به النبي صلى
اللّه عليه وسلم فى عمرة الحديبية - والقمل ينهال من رأسه - فقال:
((أُيؤذيك هوامك؟)) قال: نعم! فقال: ((احلق رأسك وانسك
شاة؛ أو صم ثلاثة أيام؛ أو أطعم فرقاً بين ستة مساكين))، وهذا
الحديث متفق على صحته ؛ متلقى بالقبول من جميع المسلمين .
النوع الثالث : حلقه على وجه التعبد والتدين والزهد ؛ من غير
حج ولا عمرة ، مثل ما يأمر بعض الناس التائب إذا تاب بحلق رأسه
ومثل أن يجعل حلق الرأس شعار أهل النسك والدين ؛ أو من تمام
الزهد والعبادة ، أو يجعل من يحلق رأسه أفضل ممن لم يحلقه أو
أدين أو أزهد ، أو أن يقصر من شعر التائب ، كما يفعل بعض
المنتسبين إلى المشيخة إذا توب أحداً : أن يقص بعض شعره ، ويعين
الشيخ صاحب مقص وسجادة ؛ فيجعل صلاته على السجادة ، وقصه
رؤوس الناس من تمام المشيخة التى يصلح بها أن يكون قدوة يتوب
١١٧

التائبين : فهذا بدعة لم يأمر الله بها ولا رسوله ؛ وليست واجبة ولا
مستحبة عند أحد من أئمة الدين ؛ ولا فعلها أحد من الصحابة والتابعين
لهم بإحسان ، ولا شيوخ المسلمين المشهورين بالزهد والعبادة ، لا من
الصحابة ولا من التابعين ولا تابعيهم ومن بعدهم ، مثل الفضيل بن
عياض ؛ وإبراهيم بن أدهم ؛ وأبى سليمان الداراني ، ومعروف الكرخي،
وأحمد بن أبي الحواري ؛ والسري السقطي ؛ والجنيد بن محمد ، وسهل
ابن عبد الله التستري ، وأمثال هؤلاء لم يكن هؤلاء يقصون شعر أحد
إذا تاب ، ولا يأمرون التائب أن يحلق رأسه .
وقد أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جميع أهل الأرض (١)،
ولم يكن بأمرهم بحلق رؤوسهم إذا أسلموا ، ولا قص النبى صلى الله
عليه وسلم رأس أحد . ولا كان يصلي على سجادة ، بل كان يصلي إماما
بجميع المسلمين يصلي على ما يصلون عليه، ويقعد على ما يقعدون عليه ،
لم يكن متميزاً عنهم بشيء يقعد عليه ، لا سجادة ولا غيره ، ولكن
يسجد أحياناً على الخميرة - وهي شيء يصنع من الخوص صغير -
يسجد عليها أحياناً لأن المسجد لم يكن مفروشاً ، بل كانوا يصلون على
الرمل والحصى ، وكان أكثر الأوقات يسجد على الأرض حتى يبين
الطين فى جبهته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً .
ومن اعتقد البدع التى ليست واجبة ولا مستحبة : قربة وطاعة
(١) عام أريد به الخصوص [ من ] باب قول الله تعالى:
( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْلَكُمْ )
١١٨

وطريقاً إلى الله ، وجعلها من تمام الدين ، ومما يؤمر به التائب والزاهد
والعابد ، فهو ضال ، خارج عن سبيل الرحمن، متبع لخطوات الشياطين .
والنوع الرابع : أن يحلق رأسه فى غير النسك لغير حاجة ،
ولا على وجه التقرب والتدين : فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان
عن أحمد .
أحدهما : أنه مكروه . وهو مذهب مالك وغيره .
والثانى: أنه مباح . وهو المعروف عند أصحاب أبي حنيفة
والشافعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى غلاماً قد حلق بعض
رأسه فقال: ((احلقوه كله أو دعوه كله))، وأتي بأولاد صغار بعد
ثلاث خلق رؤوسهم . ولأنه نهى عن الفزع ، والقزع: حلق البعض:
فدل على جواز حلق الجميع . والأولون يقولون : حلق الرأس شعار
أهل البدع ، فإن الخوارج كانوا يحلقون رؤوسهم ، وبعض الخوارج
يعدون حلق الرأس من تمام التوبة والنسك . وقد ثبت فى الصحيحين
أن النبى صلى الله عليه وسلم لما كان يقسم جاءه رجل عام الفتح
كث اللحية محلوق .
١١٩

وسئل
عن رجل جندي يقلع بياض لحيته : فهل عليه فى ذلك إثم أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين . نتف الشيب مكروه للجندي
وغيره ، فإن فى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم (( نهى عن نتف
الشيب ، وقال: إنه نور المسلم)).
وسئل
عن الرجل إذا كان جنباً وقص ظفره أو شاربه ، أو مشط رأسه
هل عليه شيء فى ذلك ؟ فقد أشار بعضهم إلى هذا وقال : إذا قص
الجنب شعره أو ظفره فإنه تعود إليه أجزاؤه فى الآخرة ، فيقوم يوم
القيامة وعليه قسط من الجنابة بحسب ما نقص من ذلك ، وعلى كل
شعرة قسط من الجنابة : فهل ذلك كذلك أم لا ؟
فأجاب : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة ،
١٢٠