Indexed OCR Text

Pages 1-20

جُونَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمْعْوَتَرتیبُ
عَبَدِ الرَّمَن ◌َزْمُحَمَّدَ بْقَاسْم «رَحَهُاله)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّدَ ((وَفَقَهُ اللَّه)»
المجلّد الواحد والعشرون
طُبعَ بِأمْر
خَادِمُ الْهَيْ الشَّرِفَيْ المَلِكِ فَهْدِرْ عَبْدِ الْعَز ◌َلُودِ
أجْزَل اللَّه مَتُوبِتَه.

طبعَت هذه الفتَاوى في
◌ُجَمَعْ لِمَلِ فَهَلِ لْطَائَةِ المُصُّحِفِ الشّريف
في المدينة المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَةُ القُؤُوْنِ الإسْلامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالَّجُومُ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٦٧٢ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
٠٩-٤١-٧٧٠-٩٩٦٠ (ج ٢١)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
ديوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٩-٤١-٧٧٠-٩٩٦٠ ( ج ٢١)

كتب
الفقرة عر
الجزء الأول
الطهارة

3.
مِاللَّهِالرَّهِ الرَّحَّةِ
باب المياه
قال الشيخ الإمام العالم
العامل القدوة ، ربانى الأمة ، ومحيي السنة العلامة شيخ الإسلام .
تقي الدين أبو العباس : أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام
ابن تيمية الحراني قدس الله روحه ؛ ونور ضريحه :
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله
محمد خاتم المرسلين ، وإمام المهتدين ، وعلى آله أجمعين .
فصل
أما العبادات : فأعظمها الصلاة . والناس : إما أن يبتدئوا مسائلها
بالطهور لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور)) كما رتبه
أكثرم ، وإما بالمواقيت التى تجب بها الصلاة ، كما فعله مالك وغيره .
٥

فأما الطهارة والنجاسة فنوعان : من الحلال والحرام - فى اللباس
ونحوه - نابعان الحلال والحرام فى الأطعمة والأشربة .
ومذهب أهل الحديث فى هذا الأصل العظيم الجامع وسط بين
مذهب العراقيين والحجازيين ، فإن أهل المدينة - مالكا وغيره -
يحرمون من الأشربة كل مسكر ، كما صحت بذلك النصوص عن النبى صلى الله
عليه وسلم من وجوه متعددة ، وليسوا فى الأطعمة كذلك ، بل الغالب
عليهم فيها عدم التحريم فيبيحون الطيور مطلقاً وإن كانت من ذات
المخالب ، ويكرهون كل ذي ناب من السباع ، وفى تحريمها عن
مالك روايتان . وكذلك فى الحشرات عنه : هل هي محرمة أو
مكروهة ؟ روايتان .
وكذلك البغال والحمير ، وروى عنه: أنها مكروهة أشد من كراهة
السباع ، وروى عنه: أنها محرمة بالسنة ، دون تحريم الخمر، والخيل أيضاً
يكرهها ، لكن دون كراهة السباع .
وأهل الكوفة فى باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس،
ليست الخمر عنده إلا من العنب، ولا يحرمون القليل من المسكر ،
إلا أن يكون خمراً من العنب ، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب
النيء ، أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلتاه . وم فى
٦

الأطعمة في غاية التحريم ، حتى حرموا الخيل والضباب ، وقيل : إن أبا
حنيفة يكره الضب والضباع ونحوها.
فأخذ أهل الحديث فى الأشربة بقول أهل المدينة وسائر أهل
الأمصار ، موافقة للسنة المستفيضة عن النى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه فى التحريم ، وزادوا عليهم في متابعة السنة .
وصنف الإمام أحمد كتاباً كبيراً فى الأشربة ما علمت أحداً صنف
أكبر منه ، وكتابا أصغر منه . وهو أول من أظهر فى العراق هذه
السنة ، حتى إنه دخل بعضهم بغداد فقال : هل فيها من يحرم النبيذ ؟
فقالوا : لا ، إلا أحمد بن حنبل دون غيره من الأئمة ، وأخذ فيه بعامة
السنة ، حتى إنه حرم العصير والنبيذ بعد ثلاث . وإن لم يظهر فيه شدة ،
متابعة للسنة المأثورة فى ذلك ؛ لأن الثلاث مظنة ظهور الشدة غالباً .
والحكمة هنا مما تخفى ، فأقيمت المظنة مقام الحكمة، حتى إنه كره
الخليطين ، إما كراهة تنزيه أو تحريم ، على اختلاف الروايتين عنه ،
وحتى اختلف قوله فى الانتباذ فى الأوعية : هل هو مباح ؛ أو محرم ؛
أو مكروه ؟ لأن أحاديث النهي كثيرة جداً، وأحاديث النسخ قليلة.
فاختلف اجتهاده : هل تنسخ تلك الأخبار المستفيضة بمثل هذه
الأخبار التى لا تخرج عن كونها أخبار آحاد ولم يخرج البخاري
منها شيئاً؟
٧

وأخذوا فى الأطعمة بقول أهل الكوفة ؛ لصحة السنن عن النبى
صلى الله عليه وسلم بتحريم كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب
من الطير ، وتحريم لحوم الحمر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر
على من تمسك فى هذا الباب بعدم وجود نص التحريم فى القرآن ،
حيث قال: ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته بأتيه الأمر من
أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : بيننا وبينكم هذا القرآن،
فما وجدنا فيه من حلال أحللناء ؛ وما وجدنا فيه من حرام حرمنا ..
ألا وإنبي أوتيت الكتاب ومثله معه! وإن ما حرم رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى))، وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى
اللّه عليه وسلم من غير وجه .
وعلموا أن ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما هو
زيادة تحريم ، ليس نسخاً للقرآن ؛ لأن القرآن إنما دل على أن الله
لم يحرم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير ، وعدم التحريم ليس تحليلا ،
وإنما هو بقاء للأمر على ما كان، وهذا قد ذكره الله في سورة الأنعام
التى هي مكية باتفاق العلماء ، ليس كما ظنه أصحاب مالك والشافعي أنها
من آخر القرآن نزولا ، وإنما سورة المائدة هي المتأخرة ، وقد قال الله
فيها: ( أُحِلَّ لَكُمُ الطِّبَتُ ) ، فعلم أن عدم التحريم المذكور فى سورة الأنعام
ليس تحليلا، وإنما هو عفو . فتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع
٨

للعفو ليس نسخاً للقرآن .
لكن لم يوافق أهل الحديث الكوفيين على جميع ما حرموه ، بل
أحلوا الخيل ، لصحة السنن عن النى صلى الله عليه وسلم بتحليلها يوم
خيبر، وبأنهم ذبحوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً
وأكلوا لحمه . وأحلوا الضب لصحة السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم
بأنه قال: ((لا أحرمه))؛ وبأنه أكل على مائدته وهو ينظر، ولم
ينكر على من أكله ، وغير ذلك مما جاءت فيه الرخصة .
فنقصوا عما حرمه أهل الكوفة من الأطعمة ، كما زادوا على أهل
المدينة فى الأشربة ؛ لأن النصوص الدالة على تحريم الأشربة المسكرة
أكثر من النصوص الدالة على تحريم الأطعمة .
ولأهل المدينة سلف من الصحابة والتابعين فى استحلال ما أحلوه،
أكثر من سلف أهل الكوفة فى استحلال المسكر . والمفاسد الناشئة
من المسكر أعظم من مفاسد خبائث الأطعمة؛ ولهذا سميت الخمر ((أم
الخبائث)) كما سماها عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيره ، وأمر النبي
صلى الله عليه وسلم بجلد شاربها، وفعله هو وخلفاؤه، وأجمع عليه
العلماء ، دون المحرمات من الأطعمة ؛ فإنه لم يحد فيها أحد من أهل
العلم إلا ما بلغنا عن الحسن البصري ، بل قد أمر صلى الله عليه وسلم
٩

بقتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة ، وإن كان الجمهور على أنه
منسوخ . ونهى النبى صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه - عن
تخليل الخمر ، وأمر بشق ظروفها وكسر دنانها ، وإن كان قد اختلفت
الرواية عن أحمد : هل هذا باق ، أو منسوخ ؟
ولما كان الله سبحانه وتعالى إنما حرم الخبائث لما فيها من الفساد:
إما فى العقول ؛ أو الأخلاق ؛ أو غيرها : ظهر على الذين استحلوا
بعض المحرمات من الأطعمة أو الأشربة من النقص بقدر ما فيها من
المفسدة ، ولولا التأويل لاستحقوا العقوبة .
ثم إن الإمام أحمد وغيره من علماء الحديث زادوا فى متابعة السنة
على غيرهم بأن أمروا بما أمر الله به ورسوله مما يزيل ضرر بعض
المباحات ، مثل : لحوم الإبل فإنها حلال بالكتاب والسنة والإجماع،
ولكن فيها من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم
بقوله: (((١) إنها جن خلقت من جن))، وقد قال صلى الله عليه وسلم
فيما رواه أبو داود: ((الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار،
وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ))، فأمر بالتوضؤ
من الأمر العارض من الشيطان ، فأكل لمها يورث قوة شيطانية
تزول بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحمها ، كما
صح ذلك عنه من غير وجه من حديث جابر بن سمرة ، والبراء بن
(١) الحديث ذكره الشافعي في كتاب الأم المجلد الأول ص ٨٠ ولفظه [ فإنها جنّ من جنّ
خلقت ]
١٠

عازب ، وأسيد بن الحضير ، وذي الغرة، وغيرهم فقال مرة: ((توضؤوا
من لحوم الإبل ، ولا توضؤوا من لحوم الغم ، وصلوا فى مرابض الغيم
ولا تصلوا فى معاطن الإبل)) ، فمن توضأ من لحومها اندفع عنه
ما يصيب المدمنين لأكلها من غير وضوء كالأعراب : من الحقد ،
وقسوة القلب؛ التى أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله المخرج
عنه فى الصحيحين: ((إن الغلظة وقسوة القلوب فى الفدادين أصحاب
الإبل ، وإن السكينة فى أهل الغنم )) .
واختلف عن أحمد : هل يتوضأ من سائر اللحوم المحرمة ؟ على
روايتين، بناء على أن الحكم مختص بها ، أو أن المحرم أولى بالتوضؤ
منه من المباح الذي فيه نوع مضرة .
وسائر المصنفين من أصحاب الشافعي وغيره وافقوا أحمد على هذا
الأصل ، وعلموا أن من اعتقد أن هذا منسوخ بترك الوضوء مما مست
النار فقد أبعد ؛ لأنه فرق فى الحديث بين اللحمين ، ليتبين أن العلمة
هي الفارقة بينها لا الجامع.
وكذلك قالوا بما اقتضاه الحديث : من أنه يتوضأ منه نيئاً
ومطبوخا ، ولأن هذا الحديث كان بعد النسخ ؛ ولهذا قال في لحم
الغنم: ((وإن شئت فلا تتوضأ))، ولأن النسخ لم يثبت إلا بالترك
١١

من لحم غنم، فلا عموم له. وهذا معنى قول جابر: ((كان آخر الأمرين
منه: ترك الوضوء مما مست النار))، فإنه رآه يتوضأ، ثم رآء أكل
لحم غنم ولم يتوضأ ، ولم ينقل عن النبى صلى الله عليه وسلم صيغة
عامة فى ذلك ، ولو نقلها لكان فيه نسخ الخاص بالعام الذي لم يثبت
شموله لذلك الخاص عيناً ، وهو أصل لا يقول به أكثر المالكية
والشافعية والحنبلية .
هذا مع أن أحاديث الوضوء مما مست النار لم يثبت أنها منسوخة
بل قد قيل : إنها متأخرة ، ولكن أحد الوجهين فى مذهب
أحمد : أن الوضوء منها مستحب ؛ ليس بواجب . والوجه الآخر :
لا يستحب .
فلما جاءت السنة بتجنب الخبائث الجسمانية والتطهر منها : كذلك
جاءت بتجنب الخبائث الروحانية والتطهر منها ، حتى قال صلى الله عليه
وسلم: ((إذا قام أحدكم من الليل فليستنشق بمنخريه من الماء ؛ فإن
الشيطان يبيت على خيشومه))، وقال: ((إذا قام أحدكم من نوم
الليل فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثاً ؛ فإن أحدكم لا يدري
ء
أين باتت يده)» ، فعلل الأمر بالغسل بمبيت الشيطان على خيشومه
فعلم أن ذلك سبب للطهارة من غير النجاسة الظاهرة ، فلا يستبعد
أن يكون هو السبب لغسل يد القائم من نوم الليل.
١٢

وكذلك نهى عن الصلاة فى أعطان الإبل؛ وقال: ((إِنها جن
خلقت من جن)) ، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)). وقد روى عنه: ((أن
الحمام بيت الشيطان))، وثبت عنه: أنه لما ارتحل عن المكان
الذي ناموا فيه عن صلاة الفجر قال: (( إنه مكان حضرنا فيه الشيطان)).
فعلل صلى الله عليه وسلم الأماكن بالأرواح الخبيثة. كما يعلل
بالأجسام الخبيثة ، وبهذا يقول أحمد وغيره من فقهاء الحديث، ومذهبه
الظاهر عنه: أن ما كان مأوى للشياطين - كالمعاطن والحمامات -
حرمت الصلاة فيه . وما عرض الشيطان فيه - كالمكان الذي ناموا
فيه عن الصلاة - كرهت فيه الصلاة .
والفقهاء الذين لم ينهوا عن ذلك : إما لأنهم لم يسمعوا هذه النصوص
سماعا تثبت به عندم ؛ أو سمعوها ولم يعرفوا العلة ؛ فاستبعدوا ذلك عن
القياس فتأولوه .
وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذه
المسائل، وأنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل : فقد غلط عليهم ،
وإنما توم ذلك لما نقل عنهم: ((أنهم لم يكونوا يتوضؤون مما مست النار))
وإنما المراد : أن أكل ما مس النار ليس هو سبباً عندم لوجوب
١٣

الوضوء، والذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحوم
الإبل ليس سببه مس النار ، كما يقال : كان فلان لا يتوضأ من مس
الذكر . وإن كان يتوضأ منه إذا خرج منه مذي .
ومن تمام هذا : أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فى
صحيح مسلم وغيره من حديث أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنها ،
وجاء من حديث غيرهما: أنه « يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة
والحمار ))، وفرق النبى صلى الله عليه وسلم بين الكلب الأسود
والأحمر والأبيض: بأن ((الأسود شيطان))، وصح عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( إن الشيطان تفلت علي البارحة ليقطع صلاتى، فأخذته
فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد)) - الحديث ، فأخبر
أن الشيطان أراد أن يقطع عليه صلانه . فهذا أيضاً يقتضى أن مرور
الشيطان يقطع الصلاة ؛ فلذلك أخذ أحمد بذلك فى الكلب الأسود ؛
واختلف قوله في المرأة والحمار ؛ لأنه عارض هذا الحديث حديث عائشة
لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهي فى قبلته ، وحديث ابن
عباس رضي الله عنهما لما اجتاز على أتانه بين يدي بعض الصف ، والنبى
صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى ، مع أن المتوجه: أن الجميع
يقطع، وأنه يفرق بين المار واللابث ، كما فرق بينهما فى الرجل فى
كراهة مروره ، دون لبثه في القبلة إذا استدبره المصلي ولم يكن متحدثاً
١٤

وأن مروره ينقص ثواب الصلاة دون الليث .
واختلف المتقدمون من أصحاب أحمد في الشيطان الجني إذا علم
بمروره : هل يقطع الصلاة ؟ والأوجه: أنه يقطعها بتعليل رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وبظاهر قوله: ((يقطع صلاتى))، لأن الأحكام
التى جاءت بها السنة فى الأرواح الخبيثة من الجن وشياطين الدواب فى
الطهارة والصلاة فى أمكنتهم وممريم ، ونحو ذلك : قوية فى الدليل نصاً
وقياساً ، ولذلك أخذ بها فقهاء الحديث ، ولكن مدرك علمها أثراً هو
لأهل الحديث . ومدركه قياساً : هو فى باطن الشريعة وظاهرها ، دون
التفقه فى ظاهرها فقط .
ولو لم يكن فى الأئمة من استعمل هذه السنن الصحيحة النافعة
لكان وصمة على الأمة ترك مثل ذلك والأخذ بما ليس بمثله لا أثراً
ولا رأياً .
ولقد كان أحمد - رحمه الله - يعجب ممن يدع حديث
«الوضوء من لحوم الإبل)) مع صحته التى لا شك فيها، وعدم المعارض
له، ويتوضأ من مس الذكر مع تعارض الأحاديث فيه ، وأن أسانيدها
ليست كأحاديث الوضوء من لحوم الإبل ، ولذلك أعرض عنها الشيخان:
البخاري ومسلم . وإن كان أحمد على المشهور عنه يرجح أحاديث الوضوء
١٥

من مس الذكر ، لكن غرضه : أن الوضوء من لحوم الإبل أقوى فى
الحجة من الوضوء من مس الذكر .
وقد ذكرت ما يبين أنه أظهر فى القياس منه فإن تأثير المخالطة
أعظم من تأثير الملامسة، ولهذا كان كل نجس محرم الأكل ، وليس
كل محرم الأكل نجساً .
وكان أحمد يعجب أيضاً ممن لا يتوضأ من لحوم الإبل ويتوضأ من
الضحك في الصلاة ، مع أنه أبعد عن القياس والأثر، والأثرفيه مرسل
قد ضعفه أكثر الناس ، وقد صح عن الصحابة ما يخالفه .
والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف
بعضهم ، وهو تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه ، أو بأن
عارضوها بروايات ضعيفة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا
يقطع الصلاة شيء )) أو بما روى في ذلك عن الصحابة ، وقد كان
الصحابة مختلفين في هذه المسألة . أو برأى ضعيف لو صح لم يقاوم هذه
الحجة ، خصوصاً مذهب أحمد .
فهذا أصل فى الخبائث الجسمانية والروحانية .
وأصل آخر ، وهو : أن الكوفيين قد عرف تخفيفهم في العفو
١٦

عن النجاسة ، فيعفون من المغلظة : عن قدر الدرهم البغلي ، ومن المخففة :
عن ربع المحل المتنجس .
والشافعي بإزائهم في ذلك ، فلا يعفو عن النجاسات إلا عن أثر
الاستنجاء ؛ وونيم الذباب ونحوه ، ولا يعفو عن دم ولا عن غيره ، إلا
عن دم البراغيث ونحوه ، مع أنه ينجس أروات البهائم وأبوالها وغير
ذلك ! فقوله فى النجاسات نوعا وقدراً أشد أقوال الأئمة الأربعة ،
ومالك متوسط في نوع النجاسة وفى قدرها ؛ فإنه لا يقول بنجاسة
الأروات والأبوال مما يؤكل لحمه، ويعفو عن يسير الدم وغيره .
وأحمد كذلك ؛ فإنه متوسط فى النجاسات ، فلا ينجس الأروات
والأبوال ، ويعفو عن اليسير من النجاسات التى يشق الاحتراز عنها ،
حتى إنه فى إحدى الروايتين عنه يعفو عن يسير روت البغل والحمار
وبول الخفاش ؛ وغير ذلك مما يشق الاحتراز عنه ، بل يعفو فى
إحدى الروايتين عن اليسير من الروث والبول من كل حيوان طاهر،
كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلى فى شرح المذهب ، وهو مع ذلك
يوجب اجتناب النجاسة فى الصلاة فى الجملة من غير خلاف عنه ، لم يختلف
قوله في ذلك كما اختلف أصحاب مالك ، ولو صلى بها جاهلا أو ناسيا لم
تجب عليه الإعادة فى أصح الروايتين ؛ كقول مالك ، كما دل عليه حديث
١٧

النبى صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه فى أثناء الصلاة لأجل الأذى
الذى فيها ، ولم يستقبل الصلاة ، ولما صلى الفجر فوجد فى ثوبه نجاسة
أمر بغسلها ولم يعد الصلاة . والرواية الأخرى : يجب الإعادة ، كقول
أبي حنيفة والشافعي .
وأصل آخر فى إزالتها، فمذهب أبى حنيفة : تزال بكل مزيل من
المائعات والجامدات . والشافعي لا يرى إزالتها إلا بالماء ، حتى ما يصيب
أسفل الخف والحذاء والذيل لا يجزئ فيه إلا الغسل بالماء ؛ وحتى
نجاسة الأرض .
ومذهب أحمد فيه متوسط؛ فكل ما جاءت به السنة قال به : يجوز
- فى الصحيح عنه - مسحها بالتراب ونحوه من النعل ونحوه، كما جاءت به
السنة . كما يجوز مسحها من السبيلين ؛ فإن السبيلين بالنسبة إلى سار
الأعضاء كأسفل الخف بالنسبة إلى سأر الثياب فى تكرر النجاسة على
كل منها .
واختلف أصحابه في أسفل الذيل : هل هو كأسفل الخف ؟ كما
جاءت به السنة واستوائها للأثر فى ذلك. والقياس: إزالتها عن الأرض
بالشمس والريح(١) يجب التوسط فيه.
فإن التشديد فى النجاسات جنساً وقدراً، هو دين اليهود ، والتساهل
(١) بياض بالأصل .
١٨

هو دين النصارى ، ودين الإسلام هو الوسط . فكل قول يكون فيه
شيء من هذا الباب يكون أقرب إلى دين الإسلام .
وأصل آخر : وهو اختلاط الحلال بالحرام ، كاختلاط المائع الطاهر
بالنجس، فقول الكوفيين فيه من الشدة مالا خفاء به .
وسر قولهم : إلحاق الماء بسائر المائعات : وأن النجاسة إذا وقعت في
ماتح لم يمكن استعماله إلا باستعمال الخبث ، فيحرم الجميع ، مع أن تنجيس
المائع غير الماء الآثار فيه قليلة .
وبإزائهم مالك وغيره من أهل المدينة : فإنهم - في المشهور -
لا ينجسون الماء إلا بالتغير ، ولا يمنعون من المستعمل ولا غيره، مبالغة
فى طهورية الماء ، مع فرقهم بينه وبين غيره من المائعات .
ولأحمد قول كمذهبهم ، لكن المشهور عنه التوسط بالفرق بين قليله
وكثيره كقول الشافعي .
واختلف قوله في المائعات غير الماء : هل يلحق بالماء ؛ أولا يلحق
به كقول مالك والشافعى ؟ أو يفرق بين الماء وغير الماء كخل العنب ؟
علی ثلاث روايات .
١٩

وفي هذه الأقوال من التوسط - أثراً ونظراً - مالا خفاء به ،
مع أن قول أحمد الموافق لقول مالك راجح فى الدليل .
وأصل آخر : وهو أن للناس في أجزاء الميتة التى لا رطوبة فيها
- كالشعر والظفر والريش - مذاهب: هل هو طاهر ؛ أو نجس ؟
ثلاثة أقوال :
أحدها : نجاستها مطلقاً . كقول الشافعي ورواية عن أحمد ؛ بناء
على أنها جزء من الميتة .
والثانى : طهارتها مطلقاً، كقول أبى حنيفة وقول في مذهب أحمد ؛
بناء على أن الموجب للنجاسة هو الرطوبات [ وهي إنما تكون فيما يجرى
فيه الدم ] ؛ ولهذا حكم بطهارة مالا نفس له سائلة ، فمالا رطوبة فيه من
الأجزاء بمنزلة مالا نفس له سائلة .
والثالث : نجاسة ما كان فيه حس ، كالعظم ؛ إلحاقا له باللحم
اليابس ، وعدم نجاسة مالم يكن فيه إلا الماء كالشعر ؛ إلحاقا
له بالنبات .
وأصل آخر : وهو طهارة الأحداث التى هي الوضوء والغسل .
فإن مذهب فقهاء الحديث : استعملوا فيها من السنن مالا يوجد لغيرهم،
٢٠