Indexed OCR Text

Pages 241-260

يعتقد ضعفه ؛ لاطلاعه على سبب جارح ، وقد يكون الصواب مع
الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح ؛ إما لان جنسه غير جارح ؛
أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح . وهذا باب واسع، والعلماء
بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من
سائر أهل العلم فى علومهم .
ومنها : ألا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه، وغيره
يعتقد أنه سمعه لأسباب توجب ذلك معروفة .
ومنها : أن يكون للمحدث حالان : حال استقامة وحال اضطراب،
مثل أن يختلط أو تحترق كتبه ، فما حدث به فى حال الاستقامة صحيح،
وما حدث به فى حال الاضطراب ضعيف ، فلا يدرى ذلك الحديث من
أي النوعين وقد على غيره أنه مما حدث به في حال الاستقامة.
ومنها : أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث فلم يذكر.
فيما بعد ، أو أنكر أن يكون حدثه ، معتقداً أن هذا علة ترجب
ترك الحديث . ويرى غيره أن هذا مما يصح الاستدلال به .
والمسألة معروفة .
ومنها : أن كثيراً من الحجازيين يرون ألا يحتج بحديث عراقي
أو شامي إن لم يكن له أصل بالحجاز ، حتى قال قائلهم: نزلوا أحاديث
٢٤١

أهل العراق بمنزلة أحاديث أهل الكتاب ، لا تصدقوم ولا تكذبوم !
وقيل لآخر : سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله
حجة ؟ قال : إن لم يكن له أصل بالحجاز فلا !
وهذا لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة فلم يشذ عنهم منها
شىء ، وأن أحاديث العراقيين وقع فيها اضطراب أوجب التوقف فيها .
وبعض العراقيين يرى ألا يحتج بحديث الشاميين ، وإن كان
أكثر الناس على ترك التضعيف بهذا، فمتى كان الإسناد جيداً كان
الحديث حجة ، سواء كان الحديث حجازياً أو عراقياً أو شامياً أو
غير ذلك .
وقد صنف أبو داود السجستانى كتاباً في مفاريد أهل الأمصار
من السنن ، يبين ما اختص به أهل كل مصر من الأمصار من السنن
التى لا توجد مسندة عند غيرهم ، مثل المدينة ؛ ومكة ؛ والطائف ؛
ودمشق ، وحمص، والكوفة، والبصرة ، وغيرها . إلى أسباب
أخر غير هذه .
السبب الرابع : اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطاً
يخالفه فيها غيره ، مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب
٢٤٢

والسنة ، واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيهاً إذا خالف قياس
الأصول ، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما تعم به
البلوى ، إلى غير ذلك مما هو معروف فى مواضعه .
السبب الخامس : أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن
نسيه ، وهذا يرد في الكتاب والسنة ، مثل الحديث المشهور عن عمر
رضي الله عنه أنه سئل عن الرجل يجنب فى السفر فلا يجد الماء؟
فقال : لا يصل حتى يجد الماء ! فقال له عمار : يا أمير المؤمنين ! أما
تذكر إذكنت أنا وأنت فى الإبل فأجنبنا، فأما أنا فتمرغت كما تمرغ
الدابة ، وأما أنت فلم تصل ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم
فقال: ((إنما يكفيك هكذا.)) وضرب بيديه الأرض فمسح بها
وجهه وكفيه ؟ فقال له عمر: انق اللّه يا عمار! فقال: إن شئت لم
أحدث به . فقال : بل نوليك من ذلك ما توليت . فهذه سنة شهدها
عمر ثم نسيها حتى أفتى بخلافها، وذكره عمار فلم يذكر ، وهو لم
يكذب عماراً بل أمره أن يحدث به .
وأبلغ من هذا أنه خطب الناس فقال : لا يزيد رجل على صداق
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته إلا رددته . فقالت امرأة:
يا أمير المؤمنين ! لم تحرمنا شيئاً أعطانا الله إياه ؟ ثم قرأت:
٢٤٣

(وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنْطَارًا )، فرجع عمر إلى قولها ، وقد كان حافظاً
للآية ولكن نسيها .
وكذلك ما روي أن علياً ذكر الزبير يوم الجمل شيئاً عهده إليها
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره حتى انصرف عن القتال.
وهذا كثير فى السلف والخلف .
السبب السادس : عدم معرفته بدلالة الحديث ، نارة لكون اللفظ
الذي في الحديث غريباً عنده، مثل لفظ المزابنة، والمحاقلة ، والمخابرة
والملامسة ، والمنابذة ، والغرر ؛ إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التى
قد يختلف العلماء في تفسيرها، وكالحديث المرفوع: ((لا طلاق ولا
عتاق في إغلاق))؛ فإنهم قد فسروا الإغلاق بالإكراه ، ومن يخالفه
لا يعرف هذا التفسير .
وتارة لكون معناه فى لغته وعرفه غير معناه فى لغة النبي صلى الله
عليه وسلم ، وهو يحمله على ما يفهمه فى لغته ، بناء على أن الأصل
بقاء اللغة ، كما سمع بعضهم آثاراً فى الرخصة فى النبيذ فظنوه بعض أنواع
المسكر ؛ لأنه لغتهم ، وإنما هو ما ينبذ لتحلية الماء قبل أن يشتد ؛ فإنه
جاء مفسراً في أحاديث كثيرة صحيحة . وسمعوا لفظ الخمر في الكتاب
والسنة فاعتقدوه عصير العنب المشتد خاصة ، بناء على أنه كذلك فى
٢٤٤

اللغة، وإن كان قد جاء من الأحاديث أحاديث صحيحة تبين أن الحمر اسم
لكل شراب مسكر .
وتارة لكون اللفظ مشتركا، أو تجملا ؛ أو متردداً بين حقيقة ومجاز؛
فيحمله على الأقرب عنده ، وإن كان المراد هو الآخر ، كما حمل جماعة
من الصحابة فى أول الأمر الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل ،
وكما حمل آخرون قوله: (فَأَمْسَحُواْبِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم ) على اليد
إلى الإبط .
ونارة لكون الدلالة من النص خفية ؛ فإن جهات دلالات الأقوال
متسعة جداً ، يتفاوت الناس فى إدراكها وفهم وجوه الكلام بحسب
منح الحق سبحانه ومواهبه ، ثم قد يعرفها الرجل من حيث العموم ولا
يتفطن لكون هذا المعنى داخلا فى ذلك العام ، ثم قد يتفطن له تارة
ثم ينساه بعد ذلك .
وهذا باب واسع جداً لا يحيط به إلا الله، وقد يغلط الرجل
فيفهم من الكلام ما لا تحتمله اللغة العربية التى بعث الرسول صلى
الله عليه وسلم بها .
السبب السابع : اعتقاده أن لا دلالة فى الحديث . والفرق بين
هذا وبين الذي قبله أن الأول لم يعرف جهة الدلالة ، والثانى عرف
٢٤٥

جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست دلالة صحيحة ، بأن يكون له من
الأصول ما يرد تلك الدلالة سواء كانت فى نفس الأمر صوابا أو خطأ ،
مثل أن يعتقد أن العام المخصوص ليس بحجة ، وأن المفهوم ليس بحجة،
وأن العموم الوارد على سبب مقصور على سببه ، أو أن الأمر المجرد
لا يقتضى الوجوب ؛ أو لا يقتضى الفور ، أو أن المعرف باللام لا عموم
له ، أو أن الأفعال المنفية لا تنفي ذواتها ولا جميع أحكامها ، أو أن
المقتضى لا عموم له ، ؛ فلا يدعى العموم فى المضمرات والمعاني ، إلى غير
ذلك مما يتسع القول فيه ، فإن شطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف
منه فى هذا القسم ، وإن كانت الأصول المجردة لم تحط بجميع الدلالات
المختلف فيها ، وتدخل فيه أفراد أجناس الدلالات : هل هي من ذلك
الجنس أم لا ؟ مثل أن يعتقد أن هذا اللفظ المعين مجمل ، بأن يكون
مشتركا لا دلالة تعين أحد معنييه ، أو غير ذلك .
السبب الثامن : اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها
ليست مرادة، مثل معارضة العام بخاص ، أو المطلق بمقيد ، أو الأمر
المطلق بما ينفي الوجوب ، أو الحقيقة بما يدل على المجاز ، إلى أنواع
المعارضات .
وهو باب واسع أيضاً ؛ فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح
بعضها على بعض بحر خضم.
٢٤٦

السبب التاسع : اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه ؛
أو نسخه؛ أو تأويله إن كان قابلا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضاً
بالاتفاق ، مثل آية أو حديث آخر ، أو مثل إجماع ، وهذا نوعان :
أحدهما : أن يعتقد أن هذا المعارض راجح فى الجملة ، فيتعين أحد
الثلاثة من غير تعيين واحد منها .
وتارة بعين أحدها ، بأن يعتقد أنه منسوخ ؛ أو أنه مؤول . ثم
قد يغلط فى النسخ فيعتقد المتأخر متقدما ، وقد يغلط في التأويل بأن
يحمل الحديث على ما لا يحتمله لفظه ، أو هناك ما يدفعه ، وإذا عارضه
من حيث الجملة فقد لا يكون ذلك المعارض دالا ، وقد لا يكون
الحديث المعارض فى قوة الأول إسناداً أو متنا ، وتجىء هنا الأسباب
المتقدمة وغيرها فى الحديث الأول ، والإجماع المدعى فى الغالب إنما هو
عدم العلم بالمخالف .
وقد وجدنا من أعيان العلماء من صاروا إلى القول بأشياء متمسكهم
فيها عدم العلم بالمخالف ، مع أن ظاهر الأدلة عندم يقتضى خلاف ذلك،
لكن لا يمكن العالم أن يبتدى. قولا لم يعلم به قائلا؛ مع علمه بأن
الناس قد قالوا خلافه ، حتى إن منهم من يعلق القول فيقول : إن كان
فى المسألة إجماع فهو أحق ما يتبح ، وإلا فالقول عندي كذا وكذا ،
٢٤٧

وذلك مثل من يقول : لا أعلم أحداً أجاز شهادة العبد . وقبولها
محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم ، ويقول : أجمعوا على أن المعتق
بعضه لا يرث ، وتوريثه محفوظ عن علي وابن مسعود ، وفيه حديث
حسن عن النبى صلى الله عليه وسلم.
ويقول آخر : لا أعلم أحداً أوجب الصلاة على النبى صلى الله عليه
وسلم في الصلاة ، وإيجابها محفوظ عن أبي جعفر الباقر ؛ وذلك أن غابة
كثير من العلماء أن يعلم قول أهل العلم الذين أدركهم فى بلاده وأقوال
جماعات غيرهم ، كما تجد كثيراً من المتقدمين لا يعلم إلا قول المدنيين
والكوفيين، وكثير من المتأخرين لا يعلم إلا قول اثنين أو ثلاثة من
الأئمة المتبوعين ، وما خرج عن ذلك فإنه عنده يخالف الإجماع ؛ لأنه
لا يعلم به قائلا وما زال يقرع سمعه خلافه ، فهذا لا يمكنه أن يصير
إلى حديث يخالف هذا؛ لخوفه أن يكون هذا خلافا للإجماع ، أو
لاعتقاده أنه مخالف للإجماع ، والإجماع أعظم الحجيج .
وهذا عذر كثير من الناس فى كثير مما يتركونه ، وبعضهم معذور
فيه حقيقة ؛ وبعضهم معذور فيه وليس في الحقيقة بمعذور ، وكذلك كثير
من الأسباب قبله وبعده .
السبب العاشر : معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله ،
٢٤٨

مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارض ؛ أو لا يكون فى الحقيقة معارضاً
راجحاً؛ كمعارضة كثير من الكوفيين الحديث الصحيح بظاهر القرآن ،
واعتقادهم أن ظاهر القرآن من العموم ونحوه مقدم على نص الحديث ،
ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر ظاهراً لما فى دلالات القول من الوجوه الكثيرة.
ولهذا ردوا حديث الشاهد واليمين ، وإن كان غيرهم يعلم أن ليس
فى ظاهر القرآن ما يمنع الحكم بشاهد ويمين، ولو كان فيه ذلك فالسنة
هي المفسرة للقرآن عندم .
وللشافعي فى هذه القاعدة كلام معروف، ولأحمد فيها رسالته المشهورة
فى الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وقد أورد فيها من الدلائل ما يضيق هذا
الموضع عن ذكره .
ومن ذلك دفع الخبر الذي فيه تخصيص لعموم الكتاب ، أو تقييد
المطلقه ، أو فيه زيادة عليه، واعتقاد من يقول ذلك أن الزيادة على النص
كتقييد المطلق نسخ، وأن تخصيص العام نسخ، وكمعارضة طائفة من
المدنيين الحديث الصحيح بعمل أهل المدينة ، بناء على أنهم مجمعون على
مخالفة الخبر ، وأن إجماعهم حجة مقدمة على الخبر ، كمخالفة أحاديث
خيار المجلس بناء على هذا الأصل ، وإن كان أكثر الناس قد يثبتون
٢٤٩

أن المدنيين قد اختلفوا فى تلك المسألة وأنهم لو أجمعوا وخالفهم غيرهم
لكانت الحجة في الخبر .
وكمعارضة قوم من البلدين بعض الأحاديث بالقياس الجلي ، بناء على
أن القواعد الكلية لا تنقض بمثل هذا الخبر .
إلى غير ذلك من أنواع المعارضات ، سواء كان المعارض مصيباً
أو مخطئا .
فهذه الأسباب العشرة ظاهرة ، وفى كثير من الأحاديث يجوز أن
يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها ؛ فإن مدارك
العلم واسعة ، ولم نطلع نحن على جميع ما فى بواطن العلماء ، والعالم قد
يبدي حجته وقد لا يبديها، وإذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا تبلغ ، وإذا
بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه ، سواء كانت الحجة
صوابا فى نفس الأمر أم لا ، لكن نحن وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا
أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل
العلم ؛ إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة
وإن كان أعلى؛ إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى
الأدلة الشرعية ، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده بخلاف
رأي العالم .
٢٥٠

والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر،
ورأي العالم ليس كذلك ، ولو كان العمل بهذا التجويز جازًا لما بقي فى
أيدينا شيء من الأدلة التى يجوز فيها مثل هذا ، لكن الغرض أنه في
نفسه قد يكون معذوراً في تركه له، ونحن معذورون في تركنا لهذا
الترك، وقد قال سبحانه: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَاكَسَبَتْ)
الآية ،
وقال سبحانه: (فَإِن ◌َزَ عْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .
وليس لأحد أن يعارض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
بقول أحد من الناس ، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما لرجل سأله
عن مسألة فأجابه فيها بحديث ، فقال له : قال أبو بكر وعمر ، فقال
ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر؟
وإذا كان الترك يكون لبعض هذه الأسباب ؛ فإذا جاء حديث
صحيح فيه تحليل أو تحريم أو حكم ؛ فلا يجوز أن يعتقد أن التارك له
من العلماء الذين وصفنا أسباب تركهم يعاقب؛ لكونه حلل الحرام أو
حرم الحلال ؛ أو حكم بغير ما أنزل الله .
وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل : من لعنة أو غضب
أو عذاب ونحو ذلك ؛ فلا يجوز أن يقال : أن ذلك العالم الذي أباح
٢٥١

هذا أو فعله داخل فى هذا الوعيد . وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه
خلافا إلا شيئا يحكى عن بعض معتزلة بغداد ، مثل المريسى وأضرابه :
أنهم زعموا أن المخطئ من المجتهدين يعاقب على خطئه ، وهذا لأن
لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم ؛ أو بتمكنه من
العلم بالتحريم ؛ فإن من نشأ ببادية أو كان حديث عهد بالإسلام وفعل
شيئًا من المحرمات غير عالم بتحريمها لم يأتم ولم يحد ، وإن لم يستند في
استحلاله إلى دليل شرعى . فمن لم يبلغه الحديث المحرم واستند فى الإباحة
إلى دليل شرعى أولى أن يكون معذورا ؛ ولهذا كان هذا مأجورا
محمودا لأجل اجتهاده، قال الله سبحانه: (وَدَاوُودَوَسُلَيْمَنَ ) إلى قوله
( وَعِلْمًا) ، فاختص سليمان بالفهم، وأثنى عليها بالحكم والعلم.
وفى الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى
اللّه عليه وسلم قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد
فأخطأ فله أجر )) فتبين أن المجتهد مع خطئه له أجر ؛ وذلك لأجل
اجتهاده ، وخطؤه مغفور له ؛ لأن درك الصواب فى جميع أعيان الأحكام
(مَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
إما متعذر أو متعسر ، وقد قال تعالى :
مِنْ حَرَجٍ ) وقال تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ).
وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه عام
الخندق: (( لا يصلين أحد العصر إلا فى بني قريظة))، فأدركتهم صلاة
٢٥٢

العصر فى الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي إلا في بني قريظة ، وقال
بعضهم : لم يرد منا هذا ؛ فصلوا فى الطريق . فلم يعب واحدة من
الطائفتين ، فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات داخلة
فى العموم ، والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه
الصورة عن العموم ، فإن المقصود المبادرة إلى القوم . وهي مسألة اختلف
فيها الفقهاء اختلافا مشهوراً : هل يخص العموم بالقياس ؟ ومع هذا
فالذين صلوا فى الطريق كانوا أصوب .
وكذلك بلال رضي الله عنه لما باع الصاعين بالصاع، أمره النبى
صلى الله عليه وسلم برده ، ولم يرتب على ذلك حكم آكل الربا من
التفسيق واللعن والتغليظ لعدم علمه بالتحريم.
وكذلك عدي بن حاتم وجماعة من الصحابة لما اعتقدوا أن قوله
معناه
(حَّ يَتَّبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ )
تعالى :
الحبال البيض والسود ، فكان أحدهم يجعل عقالين أبيض وأسود
ويأكل حتى يتبين أحدهما من الآخر ! فقال النبى صلى الله عليه وسلم
لعدي: ((إن وسادك إذا لعريض، إنما هو بياض النهار وسواد الليل))
فأشار إلى عدم فقهه لمعنى الكلام ، ولم يرتب على هذا الفعل ذم من
أفطر فى رمضان وإن كان من أعظم الكبائر ، بخلاف الذين أفتوا
المشجوج فى البرد بوجوب الغسل فاغتسل فمات؛ فإنه قال: ((قتلوه
٢٥٣

قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال)) فإن
هؤلاء أخطأوا بغير اجتهاد ؛ إذ لم يكونوا من أهل العلم .
وكذلك لم يوجب على أسامة بن زيد قودا ولادية ولاكفارة لما
قتل الذي قال لا إله إلا الله في غزوة الحرقات ؛ فإنه كان معتقداً
جواز قتله بناء على أن هذا الإسلام ليس بصحيح ، مع أن
قتله حرام .
وعمل بذلك السلف وجمهور الفقهاء فى أن ما استباحه أهل البغي
من دماء أهل العدل بتأويل سائغ لم يضمن بقود ولا دية ولا كفارة؛
وإن كان قتلهم وقتالهم محرما .
وهذا الشرط الذي ذكرناه فى لحوق الوعيد لا يحتاج أن يذكر
فى كل خطاب ؛ لاستقرار العلم به فى القلوب ، كما أن الوعد على العمل
مشروط بإخلاص العمل لله؛ وبعدم حبوط العمل بالردة ، ثم إن
هذا الشرط لا يذكر فى كل حديث فيه وعد .
ثم حيث قدر قيام الموجب للوعيد فإن الحكم يتخلف عنه لمانع .
وموانع لحوق الوعيد متعددة منها التوبة ، ومنها الاستغفار ، ومنها
الحسنات الماحية للسيئات ، ومنها بلاء الدنيا ومصائبها ، ومنها شفاعة
٢٥٤

شفيع مطاع ، ومنها رحمة أرحم الراحمين . فإذا عدمت هذه الأسباب
كلها ولن تعدم إلا فى حق من عتا وتمرد ، وشرد على الله شراد
البعير على أهله فهنالك يلحق الوعيد به ؛ وذلك أن حقيقة الوعيد بيان
أن هذا العمل سبب فى هذا العذاب ، فيستفاد من ذلك تحريم الفعل
وقبحه ، أما أن كل شخص قام به ذلك السبب يجب وقوع ذلك
المسبب به فهذا باطل قطعاً ؛ لتوقف ذلك المسبب على وجود الشرط
وزوال جميع الموانع .
وإيضاح هذا أن من ترك العمل بحديث فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يكون تركا جائزاً باتفاق المسلمين ، كالترك في حق من لم يبلغه؛
ولا قصر في الطلب مع حاجته إلى الفتيا أو الحكم، كما ذكرناه عن
الخلفاء الراشدين وغيرهم ، فهذا لا يشك مسلم أن صاحبه لا يلحقه من
معرة الترك شيء .
وإما أن يكون تركا غير جائز ، فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن
شاء الله تعالى ، لكن قد يخاف على بعض العلماء أن يكون الرجل
قاصراً في درك تلك المسألة فيقول مع عدم أسباب القول وإن كان
له فيها نظر واجتهاد ، أو يقصر فى الاستدلال فيقول قبل أن يبلغ
النظر نهايته ، مع كونه متمسكا بحجة ، أو يغلب عليه عادة أو غرض
يمنعه من استيفاء النظر لينظر فيما يعارض ما عنده ، وإن كان لم يقل إلا
٢٥٥

بالاجتهاد والاستدلال ، فإن الحد الذي يجب أن ينتهي إليه الاجتهاد
قد لا ينضبط للمجتهد .
ولهذا كان العلماء يخافون مثل هذا ، خشية ألا يكون الاجتهاد
المعتبر قد وجد في تلك المسألة المخصوصة ، فهذه ذنوب ؛ لكن لحوق
عقوبة الذنب بصاحبه إنما تنال لمن لم يتب ، وقد يمحوها الاستغفار
والإحسان والبلاء والشفاعة والرحمة ، ولم يدخل فى هذا من يغلبه
الهوى ويصرعه حتى ينصر ما يعلم أنه باطل ، أو من يجزم بصواب
قول أو خطئه من غير معرفة منه بدلائل ذلك القول نفياً وإثباتاً ؛
فإن هذين فى النار ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((القضاة ثلاثة:
قاضيان في النار ، وقاض فى الجنة ، فأما الذي فى الجنة فرجل على الحق
فقضى به ، وأما اللذان فى النار فرجل قضى للناس على جهل ، ورجل
على الحق وقضى بخلافه )) والمفتون كذلك .
لكن لحوق الوعيد للشخص المعين أيضاً له موانع كما بيناه ، فلو
فرض وقوع بعض هذا من بعض الأعيان من العلماء المحمودين عند
الأمة - مع أن هذا بعيد أو غير واقع - لم يعدم أحدم أحد هذه
الأسباب ؛ ولو وقع لم يقدح فى إمامتهم على الإطلاق ، فإنا لا نعتقد
فى القوم العصمة ، بل تجوز عليهم الذنوب ، ونرجو لهم مع ذلك أعلى
الدرجات : لما اختصهم الله به من الأعمال الصالحة والأحوال السنية ،
٢٥٦

وإنهم لم يكونوا مصرين على ذنب ، وليسوا بأعلى درجة من الصحابة
رضي الله عنهم ، والقول فيهم كذلك فيما اجتهدوا فيه من الفتاوى
والقضايا ، والدماء التى كانت بينهم ، وغير ذلك .
ثم إنهم مع العلم بأن التارك الموصوف معذور بل مأجور لا يمنعنا
أن نتبع الأحاديث الصحيحة التى لا نعلم لها معارضاً يدفعها ، وأن
نعتقد وجوب العمل على الأمة ووجوب تبليغها ، وهذا مما لا يختلف
العلماء فيه.
ثم هي منقسمة إلى : ما دلالته قطعية ؛ بأن يكون قطعي السند
والمتن، وهو ما تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، وتيقنا
أنه أراد به تلك الصورة . وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية .
فأما الأول فيجب اعتقاد موجبه علماً وعملا ؛ وهذا مما لا خلاف
فيه بين العلماء في الجملة ، وإنما قد يختلفون فى بعض الأخبار هل هو
قطعي السند أو ليس بقطعي ؟ وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي؟
مثل اختلافهم في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول والتصديق ،
أو الذي اتفقت على العمل به ، فعند عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين
أنه يفيد العلم ، وذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لا يفيده .
وكذلك الخبر المروي من عدة جهات يصدق بعضها بعضاً من أناس
٢٥٧

مخصوصين ، قد تفيد العلم اليقينى لمن كان عالماً بتلك الجهات ؛ ومحال
أولئك المخبرين؛ وبقرائن وضائم تحتف بالخبر ، وإن كان العلم بذلك
الخبر لا يحصل لمن لم يشركه فى ذلك .
ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة فيه المتبحرون فى معرفته قد
يحصل لهم اليقين التام بأخبار ؛ وإن كان غيرم من العلماء قد لا يظن
صدقها فضلا عن العلم بصدقها ، ومبنى هذا على أن الخبر المفيد للعلم
يفيده من كثرة المخبرين تارة ، ومن صفات المخبرين أخرى ، ومن
نفس الإخبار به أخرى ، ومن نفس إدراك المخبر له أخرى ، ومن
الأمر المخبر به أخرى ، فرب عدد قليل أفاد خبرم العلم لما م عليه من
الديانة والحفظ الذي يؤمن معه كذبهم أو خطؤم ، وأضعاف ذلك العدد
من غيرهم قد لا يفيد العلم . هذا هو الحق الذي لا ريب فيه ، وهو
قول جمهور الفقهاء والمحدثين وطوائف من المتكلمين .
وذهب طوائف من المتكلمين وبعض الفقهاء إلى أن كل عدد
أفاد العلم خبرهم بقضية أفاد خبر مثل ذلك العدد العلم فى كل قضية ،
وهذا باطل قطعاً ، لكن ليس هذا موضع بيان ذلك .
فأما تأثير القرائن الخارجة عن المخبرين فى العلم بالخبر فلم نذكره ؛
لأن تلك القرآن قد تفيد العلم لو تجردت عن الخبر ، وإذا كانت
٢٥٨

بنفسها قد تفيد العلم لم تجعل تابعة للخبر على الإطلاق كما لم يجعل
الخبر تابعاً لها ، بل كل منها طريق إلى العلم تارة وإلى الظن أخرى ،
وإن اتفق اجتماع ما يوجب العلم به منها ، أو اجتماع موجب العلم من
أحدهما ، وموجب الظن من الآخر ، وكل من كان بالأخبار أعلم قد
يقطع بصدق أخبار لا يقطع بصدقها من ليس مثله ، وتارة يختلفون فى
كون الدلالة قطعية لاختلافهم فى أن ذلك الحديث هل هو نص أو
ظاهر ؟ وإذا كان ظاهراً فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أولا ؟
وهذا أيضاً باب واسع، فقد يقطع قوم من العلماء بدلالة أحاديث
لا يقطع بها غيرهم، إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى ، أو
لعلمهم بأن المعنى الآخر يمنع حمل الحديث عليه ، أو لغير ذلك من
الأدلة الموجبة للقطع .
وأما القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به فى الأحكام
الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين ، فإن كان قد تضمن حكما علمياً مثل الوعيد
ونحوه فقد اختلفوا فيه :
فذهب طوائف من الفقهاء إلى أن خبر الواحد العدل إذا تضمن
وعيداً على فعل فإنه يجب العمل به في تحريم ذلك الفعل ، ولا يعمل
به فى الوعيد إلا أن يكون قطعيا ، وكذلك لو كان المتن قطعياً لكن
الدلالة ظاهرة ، وعلى هذا حملوا قول عائشة رضي الله عنها : أبلغي
٢٥٩

زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن
يتوب ! قالوا : فعائشة ذكرت الوعيد لأنها كانت عالمة به ونحن نعمل
بخبرها فى التحريم وإن كنا لا نقول بهذا الوعيد ، لأن الحديث إنما
ثبت عندنا بخبر واحد .
وحجة هؤلاء أن الوعيد من الأمور العلمية ؛ فلا تثبت إلا بما
يفيد العلم ، وأيضاً فإن الفعل إذا كان مجتهداً فى حكمه لم يلحق فاعله
الوعيد . فعلى قول هؤلاء يحتج بأحاديث الوعيد فى تحريم الأفعال
مطلقاً ، ولا يثبت بها الوعيد إلا أن تكون الدلالة قطعية ، ومثله
احتجاج أكثر العلماء بالقراءات التى محت عن بعض الصحابة مع كونها
ليست في مصحف عثمان رضي الله عنه ، فإنها تضمنت عملا وعلماً وهي
خبر واحد صحيح فاحتجوا بها في إثبات العمل ، ولم يثبتوها قرآناً لأنها من
الأمور العلمية التى لا تثبت إلا بيقين .
وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن
هذه الأحاديث حجة فى جميع ما تضمنته من الوعيد ؛ فإن أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بعدم مازالوا يثبتون بهذه الأحاديث
الوعيد كما يثبتون بها العمل ، ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها
للفاعل في الجملة ، وهذا منتشر عنهم فى أحاديثهم وفتاويهم ، وذلك
لأن الوعيد من حملة الأحكام الشرعية التى ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة ،
٢٦٠