Indexed OCR Text
Pages 141-160
أو مشتبهة أو كلها، وآل الأمر ببعضهم إلى إحلالها لذى سلطان ؛ لأنه مستحق لها ، وإلى أنه لا يقطع بها يد السارق ولا يحكم فيها بالأموال المغصوبة . وقد أنكر حال هؤلاء الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره ، وذم المتنطعين فى الورع. وقد روى مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثاً . وورع أهل البدع كثير منه من هذا الباب . بل ورع اليهود والنصارى والكفار عن واجبات دين الإسلام من هذا الباب، وكذلك ماذمه الله تعالى فى القرآن من ورعهم عما حرموه ولم يحرمه الله تعالى كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام . ومن هذا الباب الورع الذي ذمه الرسول صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي في الصحيح ، لما ترخص فى أشياء فبلغه أن أقواماً تنزهوا عنها فقال: (( ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أنرخص فيها ؟! والله إنى لأرجو أن أكون أعلمهم باللّه وأخشام))، وفى رواية: «أخشام وأعلمهم بحدوده له ))، وكذلك حديث صاحب القبلة . ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة والفقه ١٤١ فى الدين ، وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه ، كما فعله الكفار وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم . الثالثة : جهة المعارض الراجح . هذا أصعب من الذي قبله ؛ فإن الشيء قد يكون جهة فساده يقتضي تركه فيلحظه المتورع؛ ولا لحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح ؛ وبالعكس فهذا هذا . وقد تبين أن من جعل الورع الترك فقط ؛ وأدخل فى هذا الورع أفعال قوم ذوي مقاصد صالحة بلا بصيرة من دينهم ، وأعرض عما فوتوه بورعهم من الحسنات الراجحة ، فإن الذي فاته من دين الإسلام أعظم مما أدركه فإنه قد يعيب أقواماً م إلى النجاة والسعادة أقرب . وهذه القاعدة منفعتها لهذا الضرب وأمثاله كثيرة ؛ فإنه ينتفع بها أهل الورع الناقص أو الفاسد ، وكذلك أهل الزهد الناقص أو الفاسد فإن الزهد المشروع الذي به أمر الله ورسوله هو عدم الرغبة فيما لا ينفع من فضول المباح ، فترك فضول المباح الذي لا ينفع فى الدين زهد وليس بورع ، ولا ريب أن الحرص والرغبة فى الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا من المال والسلطان مضر ، كما روى الترمذي عن كعب بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ذئبان جائعان أرسلا فى زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)» قال الترمذي حديث حسن صحيح . فذم النبي صلى الله عليه وسلم الحرص ١٤٢ على المال والشرف ، وهو الرياسة والسلطان ، وأخبر أن ذلك يفسد الدين مثل أو فوق إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغم. وهذا دليل على أن هذا الحرص إنما ذم لأنه يفسد الدين الذي هو الإيمان والعمل الصالح ، فكان ترك هذا الحرص لصالح العمل ، وهذان هما المذكوران فى قوله تعالى: (مَآ أَغْنَى عَنِّ مَالِيَّةٌ * هَلَكَ عَنِى سُلْطَنِيَةْ ) وهما اللذان ذكرهما الله فى سورة القصص حيث افتتحها بأمر فرعون ، وذكر علوه في الأرض ، وهو الرياسة والشرف والسلطان ، ثم ذكر فى آخرها قارون وما أوتيه من الأموال ، وذكر عاقبة سلطان هذا وعاقبة مال هذا، ثم قال: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَيُرِيدُ ونَ عُلُوا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) كمال فرعون وقارون ؛ فإن جمع الأموال من غير إنفاقها فى مواضعها المأمور بها وأخذها من غير وجهها هو من نوع الفساد . وكذلك الإنسان إذا اختار السلطان لنفسه بغير العدل والحق لا يحصل إلا بفساد وظلم ، وأما نفس وجود السلطان والمال الذي يبتغي به وجه الله والقيام بالحق والدار الآخرة ، ويستعان به على طاعة الله، ولا يفتر القلب عن محبة الله ورسوله والجهاد فى سبيله، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ، ولا يصده عن ذكر الله ، فهذا من أكبر نعم الله تعالى على عبده إذا كان كذلك. ولكن قل أن ١٤٣ تجد ذا سلطان أو مال إلا وهو مبطأ مشبط عن طاعة الله ومحبته، متبع هواء فيما آتاه الله ، وفيه نكول حال الحرب والقتال في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فيهذه الخصال يكتسب المهانة والم دنيا وأخرى . وقد قال تعالى لنبيه وأصحابه: (وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ اُلْأَعْلَوْنَ )، فأخبر أنهم ثم الأعلون وم مع ذلك لا يريدون علواً فى الأرض ولا فساداً، وقال تعالى: (فَلاَتَهِنُواْ وَتَّدْعُواْ إِلَى السَّمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ)، (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)، وقال: (وَلَا تُؤْتُواْالسُّفَهَاءَ أَمْوَ لَكُمُ الَّتِ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا) ، فالشرف والمال لا يحمد مطلقاً ولا يذم مطلقاً ، بل محمد منه ما أعان على طاعة الله، وقد يكون ذلك واجباً، وهو ما لا بد منه فى فعل الواجبات . وقد يكون مستحباً . وإنما يحمد إذا كان بهذه النية . ويذم ما استعين به على معصية الله أو صد عن الواجبات، فهذا محرم . وينتقص منه ما شغل عن المستحبات وأوقع فى المكروهات. والله أعلم. كما جاء فى الحديث ((من طلب هذا المال استغناء عن الناس واستعفافا عن المسألة ؛ وعودا على جاره الضعيف والأرملة والمسكين لقى الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلبه حرائيا مفاخراً ١٤٤ مكاتراً لقي الله وهو عليه غضبان))، وقال: ((التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين))، وقال: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح )). واعلم أن الورع لا ينفع صاحبه فيكون له ثواب إلا بفعل المأمور به من الإخلاص ، أما فى الورع بفعل المأمور به فظاهر ؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه ، وأما بترك المنهى عنه الذي يسميه بعض الناس ورعا فإنه إذا ترك السيئات لغير وجه الله لم يثب عليها ؛ وإن لم يعاقب عليها. وإن تركها لوجه الله أتيب عليها، ولا يكون ذلك إلا بما يقوم بقلبه من رجاء رحمة الله، أو خشية عذابه . ورجاء رحمته وخشية عذابه من الأمور الوجودية المأمور بها ، فتبين أن الورع لا يكون عملا صالحا إلا بفعل المأمور به من الرجاء والخشية، وإلا فمجرد الترك العدمى لا ثواب فيه . وأما الزهد الذي هو ضد الرغبة فإنما يحمد حمدا مطلقا ، وتذم الرغبة لترك العمل للآخرة ، قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيَهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ وقال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ إِلَّا التَّارُ )، نَزِدْلَهُ، فِى حَرْئِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ،ِمِنْهَا وَمَالَهُ فِ اْلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ) (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ وقال : ١٤٥ فمن لم يرد جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا )، الدار الآخرة قولا وعملا وإيثار! ومحبة ورغبة وإنابة فلا خلاق له في الآخرة ، ولا فائدة له فى الدار الدنيا ، بل هو كافر ملعون ؛ مشتت معذب ، لكن قد ينتفع زهده فى الدنيا بنوع من الراحة العاجلة ، وهو زهد غير مشروع ، وقد يستضر بما يفوته من لذات الدنيا ، وإن كان غير زاهد فلا راحة له فى هذا . فمن زهد لطلب راحة الدنيا أو رغب لطلب لذاتها لم يكن واحد منها فى عمل صالح ولا هو محمود فى الشرع على ذلك ، ولكن قد يترجح هذا تارة وهذا تاره فى مصلحة الدنيا، كما تترجح صناعة على صناعة وتجارة على تجارة ، وذلك أن لذات الدنيا لا تنال غالبا إلا بنوع من التعب ، فقد تترجح تارة لذة الترك على تعب الطلب ، وقد يترجح تعب الطلب على لذة الترك، فلا حمد على ترك الدنيا لغير عمل الآخرة، كما لا حمد لطلبها لغير عمل الآخرة . فثبت أن مجرد الزهد فى الدنيا لاحمد فيه ، كما لاحمد على الرغبة فيها ، وإنما الحمد على إرادة الله والدار الآخرة، والذم على إرادة الدنيا المانعة من إرادة ذلك كما تقدم ، وكما فى قوله تعالى: (إِن كُنُسُنَّ تُرِدْن اٌلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَّهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِحْكُنَّ سَرَاءَا جَمِيلاً * وَإِنَكُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَّلِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّأَجْرَا عَظِيمًا )، ولهذا جرت عادة أهل المعرفة بتسمية هذا : الطالب المريد ؛ ١٤٦ فإن أول الخير إرادة الله ورسوله والدار الآخرة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)) ، فثبت أن الزهد، الواجب هو ترك ما يمنع عن الواجب من إرادة الله والدار الآخرة ، والزهد المستحب هو ما يشغل عن المستحب من أعمال المقربين والصديقين . فظهر بذلك أن المطلوب بالزهد فعل المأمور به من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه لولا كون الدنيا تشغل عن عبادة الله والدار الآخرة لم يشرع الزهد فيها ، بل كان يكون فعله وتركه سواء، أو يرجح هذا أو يرجح هذا ترجحاً دنيويا . الثاني : أنه إذا قدر أن شخصين أحدهما يريد الآخرة ويريد الدنيا، والآخر زاهد في الدنيا وفي الآخرة ، لكان الأول منهما مؤمناً محموداً والثانى كافراً ملعونا ، مع أن الثانى زاهد في الدنيا والأول طالب لها لكن امتاز الأول بفعل مأمور مع ارتكاب محظور ، والثانى لم يكن معه ذلك المأمور به . فثبت أن فعل المأمور به من إرادة الآخرة ينفع ، والزهد بدون فعل هذا المأمور لاينفع . الثالث : المحمود فى الكتاب والسنة إنما هو إرادة الدار الآخرة، والمذموم إنما هو من ترك إرادة الدار الآخرة واشتغل بإرادة الدنيا ١٤٧ عنها ، فإما مجرد مدح ترك الدنيا فليس فى كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تنظر إلى كثرة ذم الناس الدنيا ذما غير ديني ، فإن أكثر العامة إنما يذمونها لعدم حصول أغراضهم منها ، فإنها لم نصف لأحد قط ! ولو نال منها ما عساه أن ينال ، وما امتلأت دار حبرة إلا امتلأت عبرة . فالعقلاء يذمون الجهال الذين يركنون إليها ويظنون بقاء الرياسة والمال وتناول الشهوات فيها ، وهم مع هذا يحتاجون إلى مالا بد لهم منه منها ، وأكثرهم طالب لما يذمه منها ، وهؤلاء حقيقة ذمهم لها ذم دنيوي لما فيها من الضرر الدنيوي ، كما يذم العقلاء التجارة والصناعة التى لا ربح فيها ، بل فيها تعب ، وكما تذم معاشرة من يضرك ولا ينفعك في التزويج بسيئة الخلق ، ونحو ذلك من الأمور التى لا تعود مضرتها ومنفعتها إلا إلى الدنيا أيضاً . ولا ريب أن ما فيه ضرر فى الدنيا مذموم إذا لم يكن نافعاً في الآخرة ، كإضاعة المال ، والعبادات الشاقة التى لم يأمر الله بها ولا رسوله ، وما فيه منفعة في الدنيا مذموم إذا كان ضاراً فى الآخرة ، كنيل اللذات وإدراك الشهوات المحرمة ، وكذلك اللذات والشهوات المباحات إذا حصل للعبدبها وهنا وتأخيراً في أمر الآخرة وطلبها ، وما كان مضراً فى الدنيا والآخرة فهو شر وشدة ، وما كان نافعاً في الآخرة فهو محمود وإن كان ضاراً فى الدنيا ، كإذهاب النفوس والأموال ١٤٨ فى الجهاد فى سبيل اللّه، وكذلك مالم يكن ضاراً فى الدنيا مثل كثير من العبادات ، وما كان نافعاً فى الدنيا والآخرة فهو محمود أبضاً ، فالأقسام سبعة : فما كان نافعاً في الآخرة فهو محمود، سواء ضر في الدنيا أو نفع . أو لم ينفع ولم يضر . وما كان ضاراً في الآخرة فهو مذموم وإن كان نافعاً في الدنيا أو ضاراً ، أولا نافعاً ولا ضاراً . وبقي ثلاثة أقسام : ما كان نافعاً فى الدنيا غير ضار فى الآخرة ، وضاراً فى الدنيا غير نافع فى الآخرة ، والنافع محمود والضار مذموم . والقسم الثالث فيه قولان : قيل : لاحمد فيه ولا ذم . وقيل : بل هو مذموم . فأكثر ذم الناس للدنيا ليس من جهة شغلها لهم عن الآخرة ، وإنما هو من جهة ما يلحقهم من الضرر فيها ، وهي مذمومة من ذلك الوجه . وأعلى وجوه النم هو ما شغل عن الآخرة ، ولكن الإنسان قد يعدد المصائب وينسى النعم ، فقد يذم أموراً كثيرة لمضرة تلحقه ويكون فيها منافع كثيرة لا يذكرها ، وهذا الذم من نوع الهلع والجزع ، كما ١٤٩ قال تعالى: (إِنَّاُلْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَهُ الشَّرُّجَزُوعًا * وَإِذَامَسَهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّيْنَ )، وإنما الذم المحقق هو ما يشغل عن مصلحة الآخرة من الواجب ، والنقص هو ما يشغل عن مصلحتها المستحبة ، ويذم ما ترجحت مضرته على منفعته فيها ، فهذه ثلاثة أمور هي فصل الخطاب ، فقد تبين أن المحمود فيها وجودي أو عدمي . وقد يقع الغلط فى الزهد من وجوه كما وقع فى الورع : أحدها : أن قوما زهدوا فيما ينفعهم بلا مضرة ، فوقعوا به في ترك واجبات أو مستحبات ، كمن ترك النساء واللحم ونحو ذلك ، وقد قال صلى الله عليه وسلم ((لكني أصوم وأفطر؛ وأتزوج النساء، وآكل اللحم ، فمن رغب عن سنتى فليس مني )) . والثاني : أن زهد هذا أوقعه فى فعل محظورات ، كمن ترك تناول ما أبيح له من المال والمنفعة ، واحتاج إلى ذلك فأخذه من حرام ، أو سأل الناس المسألة المحرمة ، أو استشرف إليهم ، والاستشراف مكروه. والثالث : من زهد زهد الكسل والبطالة والراحة ، لا لطلب الدار الآخرة بالعمل الصالح والعلم النافع ؛ فإن العبد إذا كان زاهداً بطالا فسد أعظم فساد ، فهؤلاء لا يعمرون الدنيا ولا الآخرة ، كما قال ١٥٠ عبد الله بن مسعود: إني لأكره أن أرى الرجل بطالا ليس فى أمر الدنيا ولا في أمر الآخرة. وهؤلاء من أهل النار ، وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي رواه مسلم فى صحيحه ؛ عن عياض ابن حمار؛ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أهل النار خمسة)) فذكر منهم: ((الضعيف الذي لا زبر له ، الذين هم فيكم تبح ، لا يبتغون أهلا ولا مالا». فمن ترك بزهده حسنات مأمورابها كان ما تركه خيراً من زهده أو فعل سيئات منهياً عنها ، أو دخل فى الكسل والبطالات ، فهو من الأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ومن زهد فيما بشغله عن الواجبات أو يوقعه فى المحرمات فهو من المقتصدين أصحاب اليمين . ومن زهد فيما بشغله عن المستحبات والدرجات فهو من المقدمين السابقين . فهذه جملة مختصرة فى الزهد ، وقد تبين المطلوب الأول أنما هو فعل المأمور به ؛ لأنه يعين عليه ، وهذا هو المقصود هنا ، والله أعلم • ١٥١ واحذر أن تغتر بزهد الكافرين والمبتدعين ؛ فإن الفاسق المؤمن الذي يريد الآخرة ويريد الدنيا خير من زهاد أهل البدع وزهاد الكفار ، إما لفساد عقدم، وإما لفساد قصدهم ، وإما لفسادهما جميعاً. الوجه الثاني والعشرون أن الحسنات سبب للتحليل دينا وكوناً ، والسيئات سبب للتحريم دينا وكوناً ؛ فإن التحريم قد يكون حمية ؛ وقد يكون عقوبة، والإحلال قد يكون سعة ؛ وقد يكون عقوبة وفتنة ، قال تعالى : ( أُحِلَّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ تُحِلِى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُ ) ، فأباح بهيمة الأنعام في حال كونهم غير محلى الصيد ، وهو اعتقاد محريم ذلك واجتنابه . وقال : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَدَّمُ وَحْمُ الْخِنِزِيرِ )، إلى قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ) وقد ثبت أنها نزلت عشية عرفة فى حجة الوداع ، فأكمل الله الدين بإيجابه لما أوجبه من الواجبات التى آخرها الحج، وتحريمه للمحرمات المذكورة فى هذه الآية ، هذا من جهة شرعه ، ومن جهة الفعل الذي هو تقويته وإعانته ونصره يئس الذين كفروا من ديننا ، وحج النبى صلى الله عليه وسلم حجة الإسلام ، فلما أكملوا الدين قال عقب ذلك : ١٥٢ ( يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكِِّينَ)، إلى قوله: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ) فكان إحلاله الطيبات يوم أكمل الدين فأكمله تحريماً وتحليلا لما أكملوه امتثالا . وقال: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ) الآية، وهي بينة فى الإصلاح والتقوى والإحسان ، موجبة لرفع الحرج ، وإن المؤمن العامل الصالحات المحسن لا حرج عليه ولا جناح فيما طعم ، فإن فيه عونا له وقوة على الإيمان والعمل الصالح والإحسان ؛ ومن سوام على الحرج والجناح ؛ لأن النعم إنما خلقها الله ليستعان بها على الطاعة ، والآية مدنية، وهي من آخر ما نزل من القرآن، وقال تعالى عن إبراهيم: (وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّعَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ ) . وقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ ) (وَلَوْأَنَّ أَهْلَ الْقُرَىِّءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْلَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وقال : وَاُلْأَرْضِ ) . وقال : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَكَفَرْنَاعَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ * وَلَوْأَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّتِهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَ مِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ). ١٥٣ (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا وأما الطرف الآخر فقال تعالى : عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الْرّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ (وَعَلَى الَّذِينَ ، وقال : وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ ) هَادُوْ أحَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ)، إلى قوله: ( ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِبَغْيِهِمْ ) ، وقال تعالى: (وَسُثَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْيَعْدُونَ فِ السَّبْتِ ) إلى آخر الآيات . وأما كون الإحلال والإعطاء فتنة فقوله: (وَأَلَّوِ أُسْتَقَمُواْ عَلَى اُلْطَرِيفَةِ (وَمِنْهُمْ مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنُ لَأَسْقَيْنَهُمْ مََّ غَدَقًا * لِنَفْئِنَهُمْ فِيهِ ) ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَِّحِينَ * فَلَمَآءَاتَّمُهُمْ مِّن فَضْلِهِ، بَخْلُواْبِهِ، (إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ الآيات ، وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ ) ◌َمَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ( وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِ فُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ، إلى (يَبَنِىّ إِسْرَِّ يَ قَدْ أَنْجَتَّنَكُمْمِنْ عَدُوَّكُمْ) اُلْمُسْرِفِينَ ) قوله : (كُلُواْ مِن طَيَِّتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْفِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِىِ فَقَدْ هَوَى ) . ويختلف التحليل والتحريم باعتبار النية كما قال تعالى: (وَبُعُولَفْهُنَّ أَحَّبِرَّهِنَ فِ ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْإِصْلَاحًا)، وقال: (مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْدَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ ) ١٥٤ وقد كتبت فى قاعدة ((العهود والعقود)) - القاعدة فى العهود الدينية فى القواعد المطلقة ، والقاعدة فى العقود الدنيوية فى القواعد الفقهية ؛ وفى كتاب النذر أيضاً - أن ما وجب بالشرع إن نذره العبد أو عاهد اللّه عليه أو بايع عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة ، فإن هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوبا ثانياً غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول ، فتكون واجبة من وجهين ، بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهد والميثاق ، وما يستحقه عاصى الله ورسوله . هذا هو التحقيق . ومن قال من أصحاب أحمد : إنه إذا نذر واجباً فهو بعد النذر كما كان قبل النذر بخلاف نذر المستحب ، فليس كما قال ، بل النذر إذا كان يوجب فعل المستحب فإيجابه لفعل الواجب أولى ، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل ، بل هما وجوبان من نوعين ، لكل نوع حكم غير حكم الآخر ، مثل الجدة إذا كانت أم أم أم وأم أب أب ، فإن فيها شيئين كل منها تستحق به السدس . وكذلك من قال من أصحاب أحمد : إن الشروط التى هي من مقتضى العقد لا يصح اشتراطها ، أو قد نفسده، حتى قال بعض أصحاب الشافعي : إذا قال : زوجتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان كان النكاح فاسداً ؛ لأنه شرط فيه الطلاق . فهذا ١٥٥ كلام فاسد جداً ؛ فإن العقود إنما وجبت موجباتها لإيجاب المتعاقدين لها على أنفسهما ، ومطلق العقد له معنى مفهوم ، فإذا أطلق كانا قد أوجبا ما هو المفهوم منه ؛ فإن موجب العقد هو واجب بالعقد ، كموجب النذر لم يوجبه الشارع ابتداء ، وإنما أوجب الوفاء بالعقود كما أوجب الوفاء بالنذر ، فإذا كان له موجب معلوم بلفظ مطلق ، أو يعرف المتعاقدان إيجابه بلفظ خاص : كان هذا من باب عطف الخاص على العام ، فيكون قد أوجبه مرتين ، أو جعل له إيجاباً خاصا يستغنى به عن الإيجاب العام. (مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وفي القرآن من هذا نظائر ، مثل قوله : وَمَلَتَبِ كَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِّلْكَفِرِينَ )، وقوله: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِِّنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نَوْجِ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) ومثل قوله: (حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى) وقوله : (قُل لِّأَزْوَحِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله: (إِنَّاللَّهَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ ، وقوله : وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِّى ) فإن الله أعلن عهده الذي أمرم به من بعد بَعْدٍ مِيثَقِهِ ) ما أخذ عليهم الميثاق بالوفاء به ، فاجتمع فيه الوجهان : العهدي ؛ والميثاقي . ١٥٦ وفي القرآن من العهود والمواثيق على ما وجب بأمر الله شيء كثير فمن ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلْطُوَرَ ) الآية، وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِىّ إِسْرَّاءِ يلَ لَا تَعْبُدُ ونَ إِلََّ اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ (وَإِذْ أَخَذْنَامِيثَقَكُمْ إلى آخر الكلام ، وقوله : إِحْسَانًا ) وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اْلُوَرَ خُذُواْ مَآءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْسَمِعْنَا وَعَصَيْنَا )، وقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنُهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهٍِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم الآية ، إلى قوله : مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآخِرَةِ) فإن قوله: (بَلَى مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ) بعد ذكره للإيمان يقتضي أنه الوفاء بموجب العقود فى المعاملات ونحوها ، كما قال فى آية البيع : ، فأداء الأمانة هو (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّالَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ ) الوفاء بموجب العقود فى المعاملات من القبض والتسليم ؛ فإن ذلك واجب بعقده فقط، ثم قال بعده : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ) فعهد الله ما عهده إليهم ، وأيمانهم ما عقدوه من الأيمان . وسبب نزولها قصة الأشعث بن قيس التى فى الصحيحين فى محا كمته مع اليهودي، حين قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان )) وأنزل الله هذه الآية ، فإن ذلك المال كان يجب تسليمه إلى مستحقه ١٥٧ بموجب عهده ، فإذا حلف بعد هذا على استحقاقه دون مستحقه فقد صار عاصياً من وجهين، نظير قوله: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ ) ، وضدم الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، وقوله : (وَإِذْ أَ خَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا ) الآية ، قال ابن عباس : ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرفه ، وأمر أن يأخذ الميثاق على أمته إن بعث محمد وم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . ومعلوم أن محمداً إذا بعثه الله برسالة عامة وجب الإيمان به ونصرته على كل من بلغته دعوته ، وإن لم يكن قد أخذ عليه ميثاق بذلك ، وقد أخذ عليهم الميثاق بما هو واجب بأمر الله بلا ميثاق ، إلى قوله : (فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ) وقوله تعالى : (وَرَفَعْنَافَوْقَهُمُ الُْوَرَ بِمِيثَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْأَلْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُ واْ فِى السَّبْتِ وَأَخَذْ نَامِنْهُمْ مِنَفَّ غَلِظَا * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيتَقَهُمْ وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ الِّوَقَبْلِهِمُ الْأَنِيَ بِغَيْرِ حَقِّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَفُ ) الآيات فهذا ميثاق أخذه الله. (١) .(١) بياض في الأصل . ١٥٨ وقال رحم الله تنازع الناس في الأمر بالشيء هل يكون أمها بلوازمه ؟ وهل يكون نهيا عن ضده؟ مع اتفاقهم على أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده . ومنشأ النزاع أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصوده اللوازم ولا ترك الضد ؛ ولهذا إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا على ترك المأمور فقط ، لا يعاقبه على ترك لوازمه وفعل ضده . وهذه المسألة هي الملقبة بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . وقد غلط فيها بعض الناس ، فقسموا ذلك إلى مالا يقدر المكلف عليه ؛ كالصحة فى الأعضاء والعدد فى الجمعة ؛ ونحو ذلك مما لا يكون قادراً على تحصيله . وإلى ما يقدر عليه، كقطع المسافة فى الحج ، وغسل جزء من الرأس فى الوضوء ، وإمساك جزء من الليل فى الصيام ، ونحو ذلك . فقالوا : ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب . ١٥٩ وهذا التقسيم خطأ ؛ فإن هذه الأمور التى ذكروها هي شرط في الوجوب ، فلا يتم الواجب إلا بها ، وما لا يتم الواجب إلا به يجب على العبد فعله باتفاق المسلمين ، سواء كان مقدوراً عليه أولا ، كالاستطاعة فى الحج واكتساب نصاب الزكاة ؛ فإن العبد إذا كان مستطيعاً للحج وجب عليه الحج ، وإذا كان مالكا لنصاب الزكاة وجبت عليه الزكاة ، فالوجوب لا يتم إلا بذلك، فلا يجب عليه تحصيل استطاعة الحج ولا ملك النصاب؛ ولهذا من يقول: إن الاستطاعة في الحج ملك المال - كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد - فلا يوجبون عليه الاكتساب، ولم يتنازعوا إلا فيما إذا بذلت له الاستطاعة ، إما بذل الحج وإما بذل المال له من ولده . وفيه نزاع معروف في مذهب الشافعي وأحمد ، ولكن المشهور من مذهب أحمد عدم الوجوب ، وإنما أوجبه طائفة من أصحابه؛ لكون الأب له على أصله أن يتملك مال ولده فيكون قبوله كتملك المباحات . والمشهور من مذهب الشافعي الوجوب ببذل الابن بالفعل . والمقصود هنا : الفرق بين ما لا يتم الواجب إلا به وما لا يتم الوجوب إلا به ، وأن الكلام في القسم الثاني إنما هو فيما لا يتم الواجب إلا به ، كقطع المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك ، فعلى المكلف فعله باتفاق المسلمين ، لكن من ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة ؛ أو ترك ١٦٠