Indexed OCR Text
Pages 241-260
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه باطل عند أهل العلم بالحديث. والواقع لا ضابط له، فمن لم يعلم حيضاً إلا ثلاثاً [قال] ١ غيره قد علم يوما وليلة، ومن لم يعلم إلا يوما وليلة [ف]٢ قد علم غيره يوما، ونحن لا يمكننا أن تنفي ما لا نعلم ، وإذا جعلنا حد الشرع ما علمناه فقلنا : لا حيض دون ثلاث أو يوم وليلة أو يوم ؛ لأنا لم نعلم إلا ذلك ، كان هذا وضع شرع من جهتنا بعد العلم ؛ فإن عدم العلم ليس علماً بالعدم ؛ ولو كان هذا حداً شرعياً فى نفس الأمر لكان الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بمعرفته وبيانه منا ، كما حد للأمة ما حده الله لهم من أوقات الصلوات والحج والصيام ، ومن أماكن الحج ؛ ومن نصب الزكاة وفرائضها ؛ وعدد الصلوات وركوعها وسجودها . فلو كان للحيض وغيره مما لم يقدره النبى صلى الله عليه وسلم حد عند الله ورسوله لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما لم يحده دل على أنه رد ذلك إلى ما يعرفه النساء ويسمى فى اللغة حيضاً ؛ ولهذا كان كثير من السلف إذا سئلوا عن الحيض قالوا : سلوا النساء فإنهن أعلم بذلك ، يعنى : هن يعلمان ما يقع من الحيض وما لا يقع . والحكم الشرعي تعلق بالاسم الدال على الواقع ، فما وقع من دم فهو حيض إذا لم يعلم أنه دم عرق أو جرح ؛ فإن الدم الخارج إما أن ترخيه الرحم ؛ أو ينفجر من عرق من العروق ؛ أو من جلد المرأة أو (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( فإن ) (٢) أضيفت الفاء حسب مفهوم السياق . ٢٤١ لحمها ، فيخرج منه. وذلك يخرج من عروق صغار ؛ لكن دم الجرح الصغير لا يسيل سيلا مستمراً كدم العرق الكبير ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: ((إن هذا دم عرق وليست بالحيضة)) وإنما يسيل الجرح إذا انفجر عرق كما ذكرنا فصد الإنسان ؛ فإن الدم في العروق الصغار والكبار . فصل والنبى صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بالمسح على الخفين، فقال صفوان بن عسال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً أو مسافرين: (( أن لا تنزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم))، ولم يقيد ذلك بكون الخف يثبت بنفسه أو لا يثبت بنفسه ؛ وسليما من الخرق والفتق أو غير سليم ، فما كان يسمى خفاً وليسه الناس ومشوا فيه مسحوا عليه المسح الذي أذن الله فيه ورسوله ، وكلما كان بمعناه مسح عليه، فليس لكونه يسمى خفاً معنى مؤثر بل الحكم يتعلق بما يلبس ويمشى فيه ، ولهذا جاء فى الحديث المسح على الجوربين . ٢٤٢ فصل والله ورسوله علق القصر والفطر بمسمى السفر ولم يحده بمسافة، ولا فرق بين طويل وقصير ، ولو كان للسفر مسافة محدودة لبينه الله ورسوله، ولا له فى اللغة مسافة محدودة ، فكلما يسميه أهل اللغة سفراً فإنه يجوز فيه القصر والفطر كما دل عليه الكتاب والسنة ، وقد قصر أهل مكة مع النبى صلى الله عليه وسلم إلى عرفات ، وهي من مكة بريد فعلم أن التحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة ليس حداً شرعياً عاما . وما نقل في ذلك عن الصحابة قد يكون خاصاً : كان فى بعض الأمور لايكون السفر إلا كذلك، ولهذا اختلفت الرواية عن كل منهم كابن عمر وابن عباس وغيرهما ، فعلم أنهم لم يجعلوا للمسافر ولا الزمان حداً شرعياً عاما كمواقيت الصوم والصلاة ، بل حدوه لبعض الناس بحسب ما رأوه سفراً لمثله فى تلك الحال ، وكما يحد الحاد الغنى والفقير في بعض الصور بحسب ما يراه . لا لأن الشرع جعل للغنى والفقير مقداراً من المال يستوي فيه الناس كلهم ، بل قد يستغنى الرجل بالقليل وغيره لا يغنيه أضعافه . لكثرة عياله وحاجاته ، وبالعكس . وبعض الناس قد يقطع المسافة العظيمة ولا يكون مسافراً ، كالبريد ٢٤٣ إذا ذهب من البلد لتبليغ رسالة أو أخذ حاجة ثم كر راجعاً من غير نزول . فإن هذا لا يسمى مسافراً ، بخلاف ما إذا تزود زاد المسافر وبات هناك فإنه يسمى مسافراً ، وتلك المسافة يقطعها غيره ، فيكون مسافراً يحتاج أن يتزود لها ، ويبيت بتلك القرية ولا يرجع إلا بعد يوم أو يومين ؛ فهذا يسميه الناس مسافراً ، وذلك الذي ذهب إليها طرداً وكر راجعاً على عقبه لا يسمونه مسافراً ، والمسافة واحدة . فالسفر حال من أحوال السير لا يحمد بمسافة ولا زمان ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قباء كل سبت راكباً وماشياً ولم يكن مسافراً، وكان الناس يأتون الجمعة من العوالي والعقيق ثم يدركهم الليل فى أهلهم ولا يكونون مسافرين، وأهل مكة لما خرجوا إلى منى وعرفة كانوا مسافرين يتزودون لذلك ويبيتون خارج البلد ويتأهبون أهبة السفر ، بخلاف من خرج لصلاة الجمعة أو غيرها من الحاجات ثم رجع من يومه ولو قطع بريداً ؛ فقد لا يسمى مسافراً. وما زال الناس يخرجون من مساكنهم إلى البساتين التى حول مدينتهم ؛ ويعمل الواحد فى بستانه أشغالا من غرس وسقى وغير ذلك. كما كانت الأنصار تعمل فى حيطانهم ولا يسمون مسافرين. ولو أقام أحدم طول النهار ، ولو بات فى بستانه وأقام فيه أياماً ؛ ولو كان البستان أبعد من بريد ؛ فإن البستان من توابع البلد عندم، والخروج ٢٤٤ إليه كالخروج إلى بعض نواحي البلد ؛ والبلد الكبير الذي يكون أكثر من بريد متى سار من أحد طرفيه إلى الآخر لم يكن مسافراً ؛ فالناس يفرقون بين المتنقل في المساكن وما يتبعها ، وبين المسافر الراحل عن ذلك كله . كما كان أهل مدينة النبى صلى الله عليه وسلم يذهبون إلى حوائطهم ولا يكونون مسافرين ، والمدينة لم يكن لها سور بل كانت قبائل قبائل ودوراً دوراً وبين جانبيها مسافة كبيرة ، فلم يكن الراحل من قبيلة إلى قبيلة مسافراً ؛ ولو كان كل قبيلة حولهم حيطانهم ومزارعهم فإن اسم المدينة كان يتناول هذا كله . ولهذا قال تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ اْأَعْرَابِ مُتَفِقُونٌّ وَمِنْ أَهْلِ فجعل الناس قسمين : أهل بادية هم اٌلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ ) ، الأعراب ؛ وأهل المدينة ، فكان الساكنون كلهم فى المدر أهل المدينة وهذا يتناول قباء وغيرها ، ويدل على أن اسم المدينة كان يتناول ذلك كله ، فإنه لم يكن لها سور كما هي اليوم . والأبواب تفتح وتغلق ، وإنما كان لها أنقاب ، وتلك الأنقاب وإن كانت داخل قباء وغيرها ، لكن لفظ المدينة قد يعم حاضر البلد ، وهذا معروف فى جميع المدائن يقول القائل : ذهبت إلى دمشق أو مصر أو بغداد أو غير ذلك ، وسكنت فيها وأقمت فيها مدة ، ونحو ذلك ؛ وهو إنما كان ساكنا خارج السور ، فاسم المدينة يعم تلك المساكن كلها ؛ وإن كان الداخل ٢٤٥ المسور أخص بالاسم من الخارج . وكذلك مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لها داخل وخارج تفصل بينهما الأنقاب ، واسم المدينة يتناول ذلك كله فى كتاب الله تعالى، ولهذا كان هؤلاء كلهم يصلون الجمعة والعيدين خلف النى صلى الله عليه وسلم وخلفائه، لم تكن تقام جمعة ولا عيدان لا بقباء ولا غيرها ، كما كانوا يصلون الصلوات الخمس فى كل قبيلة من القبائل . ومن هذا الباب قول النبى صلى الله عليه وسلم ((إن بالمدينة لرجالا)) هو يعم جميع المساكن. ( وَكَمْ مِّن قَرْيَةٍ وكذلك لفظ القرى الشامل للمدائن ، كقوله : ( لِتْنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) ، وقوله : أَهْلَكْتَهَا ) ، وقوله : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِيَّ أُمِّهَا رَسُولًا يَنْلُواْ عَلَيْهِمْءَايَتِنَأْ وَمَا كُنَّا وقوله : (ذَلِكَ مُهْلِكِ الْقُرَىَّ إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ )، مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ عَلَيْكٌ مِنْهَاقَابِهٌ وَحَصِيدٌ)، فإن هذا يتناول المساكن الداخلية والخارجية وإن فصل بينها سور ونحوه ؛ فإن البعث والإهلاك وغير ذلك لم يخص بعضهم دون بعض ، وعامة المدائن لها داخل وخارج . ٢٤٦ ولفظ الكعبة هو فى الأصل اسم لنفس البنية ثم في القرآن قد استعمل فيما حولها، كقوله: (هَذْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ ) . وكذلك لفظ المسجد الحرام ، يعبر به عن المسجد وعما حوله من الحرم ، وكذلك لفظ بدر ، هو اسم للبئر ويسمى به ما حولها . وكذلك أحد، اسم للجبل ويتناول ما حوله فيقال : كانت الوقعة بأحد ؛ وإنما كانت تحت الجيل ، وكذلك يقال لمكان العقبة ولمكان القصر ، والعقيبة تصغير العقبة ، والقصير تصغير قصر ، ويكون قد كان هناك قصر صغير أو عقبة صغيرة ، ثم صار الاسم شاملا لما حول ذلك مع كبره ، فهذا كثير غالب فى أسماء البقاع . والمقصود أن المتردد فى المساكن لا يسمى مسافراً ، وإذا كان الناس يعتادون المبيت فى بساتينهم ولهم فيها مساكن كان خروجهم إليها كخروجهم إلى بعض نواحي مساكنهم ، فلا يكون المسافر مسافراً حتى بسفر فيكشف ويظهر للبرية الخارجة عن المساكن التى لا بسير السائر فيها ، بل يظهر فيها وينكشف فى العادة . والمقصود أن السفر يرجع فيه إلى مسماه لغة وعرفا . ٢٤٧ فصل وكذلك النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة ؛ وليس فيما دون خمس أواق صدقة ؛ وليس فيما دون خمس ذود صدقة))، وقال: (( لا شيء في الرقة حتى تبلغ مائتى درهم))، وقال في السارق: ((يقطع إذا سرق ما يبلغ ثمن المجن))، وقال: ((نقطع اليد في ربع دينار))، والأوقية فى لغته أربعون درهما ولم يذكر للدرهم ولا للدينار حداً ، ولا ضرب هو درهما ، ولا كانت الدرام تضرب فى أرضه ، بل تجلب مضروبة من ضرب الكفار ؛ وفيها كبار وصغار ، وكانوا يتعاملون بها تارة عدداً وتارة وزناً، كما قال: ((زن وأرجح! فإن غير الناس أحسنهم قضاء » ، وكان هناك وزان يزن بالأجر ، ومعلوم أنهم إذا وزنوها فلا بد لهم من صنجة يعرفون بها مقدار الدرام ، لكن هذا لم يحدد النبى صلى الله عليه وسلم ولم يقدره ، وقد ذكروا أن الدرام كانت ثلاثة أصناف : ثمانية دوانق ، وستة ، وأربعة ، فلعل البائع قد يسمى أحد تلك الأصناف فيعطيه المشتري من وزنها ، ثم هو مع هذا أطلق لفظ الدينار والدرم ولم يحده ، فدل على أنه يتناول هذا كله ، وأن من ملك من ٢٤٨ الدرام الصغار خمس أواق مائتى درهم فعليه الزكاة ، وكذلك من الوسطى وكذلك من الكبرى . وعلى هذا فالناس في مقادير الدرام والدنانير على عاداتهم ، فما اصطلحوا عليه وجعلوه درهما فهو درهم ؛ وما جعلوه ديناراً فهو دينار وخطاب الشارع يتناول ما اعتادوه سواء كان صغيراً أو كبيراً ، فإذا كانت الدرام المعتادة بينهم كباراً لا يعرفون غيرها لم تجب عليه الزكاة حتى يملك منها مائتى درهم ، وإن كانت صغاراً لا يعرفون غيرها وجبت عليه إذا ملك منها مائتى درهم ، وإن كانت مختلطة فملك من المجموع ذلك وجبت عليه ، وسواء كانت بضرب واحد أو ضروب مختلفة ، وسواء كانت خالصة أو مغشوشة ، ما دام بسمى درهما مطلقاً . وهذا قول غير واحد من أهل العلم . فأما إذا لم يسم إلا مقيداً مثل : أن يكون أكثره نحاساً فيقال له : درم أسود ، لا يدخل فى مطلق الدرم ، فهذا فيه نظر . وعلى هذا فالصحيح قول من أوجب الزكاة في مائتى درم مغشوشة ، كما هو قول أبي حنيفة وأحد القولين فى مذهب أحمد ، وإذا سرق السارق ثلاثة درام من الكبار أو الصغار أو المختلطة قطعت يده . وأما الوسق فكان معروفاً عندم أنه ستون صاعا ، والصاع ٢٤٩ معروف عندهم . وهو صاع واحد غير مختلف المقدار ، وهم صنعوه لم يجلب إليهم. فلما علق الشارع الوجوب بمقدار خمسة أوسق كان هذا تعليقاً بمقدار محدود يتساوى فيه الناس ، بخلاف الأواقي الخمسة فإنه لم يكن مقداراً محدودا يتساوى فيه الناس ، بل حده فى عادة بعضهم أكثر من حده فى عادة بعضهم ، كلفظ المسجد والبيت والدار والمدينة والقرية ، هو مما تختلف فيه عادات الناس فى كبرها وصغرها ، ولفظ الشارع يتناولها كلها . ولو قال قائل : إن الصاع والمد يرجع فيه إلى عادات الناس : واحتج بأن صاع عمر كان أكبر وبه كان يأخذ الخراج ، وهو ثمانية أرطال كما يقوله أهل العراق ، لكان هذا يمكن فيما يكون لأهل البلد فيه مكيالان : كبير وصغير . وتكون صدقة الفطر مقدرة بالكبير والوسق ستون مكيالا من الكبير ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدر نصاب الموسقات ، ومقدار صدقة الفطر بصاع ، ولم يقدر بالمد شيئاً من النصب والواجبات ، لكن لم أعلم بهذا قائلا ، ولا يمكن أن يقال : إلا ما قاله السلف قبلنا لأنهم علموا مراد الرسول قطعاً ، فإن كان من الصحابة أو التابعين من جعل الصاع غير مقدر بالشرع صارت مسألة اجتهاد . وأما الدرهم والدينار فقد عرفت تنازع الناس فيه ، واضطراب ٢٥٠ أكثرهم ؛ حيث لم يعتمدوا على دليل شرعى ، بل جعلوا مقدار ما أراده الرسول هو مقدار الدراهم التى ضربها عبد الملك ؛ لكونه جمع الدراهم الكبار والصغار والمتوسطة وجعل معدلها ستة دوانيق ، فيقال لهم : هب أن الأمر كذلك ؛ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما خاطب أصحابه وأمته بلفظ الدرهم والدينار وعندهم أوزان. مختلفة المقادير كما ذكرتم لم يحد لهم الدرهم بالقدر الوسط كما فعل عبد الملك ، بل أُطلق لفظ الدرهم والدينار كما أطلق لفظ القميص والسراويل ؛ والإزار والرداء ، والدار والقرية ، والمدينة والبيت ، وغير ذلك من مصنوعات الآدميين ، فلو كان للمسمى عنده حد لحده مع علمه باختلاف المقادير ، فاصطلاح الناس على مقدار درهم ودينار أمر عادي . ولفظ الذراع أقرب إلى الأمور الخلقية منه : فإن الذراع هو فى الأصل ذراع الإنسان والإنسان مخلوق ، فلا يفضل ذراع على ذراع إلا بقدر مخلوق لا اختيار فيه للناس ، بخلاف ما يفعله الناس باختيارهم من درهم ومدينة ودار ؛ فإن هذا لاحد له ؛ بل الثياب تتبع مقاديرهم والدور والمدن بحسب حاجتهم ، وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعى ، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح ؛ وذلك لأنه فى الأصل لا يتعلق المقصود به ؛ بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا نقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل ٢٥١ بها ، ولهذا كانت أثماناً ؛ بخلاف سائر الأموال فإن المقصود الانتفاع بها نفسها ؛ فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية ، والوسيلة المحضة التى لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت . وأيضاً فالتقدير إنما كان لخمسة أوسق وهي خمسة أحمال ، فلو لم يعتبر فى ذلك حدا مستويا لوجب أن تعتبر خمسة أحمال من حمال كل قوم . وأيضاً فسائر الناس لا يسمون كلهم صاعا فلا يتناوله لفظ الشارع كما يتناول الدرهم والدينار ، اللهم إلا أن يقال : إن الصاع اسم لكل ما يكال به ؛ بدليل قوله : (صُوَاعَ الْمَلِكِ ) فيكون كلفظ الدرم . فصل وكذلك لفظ الإطعام لعشرة مساكين لم يقدره الشرع ، بل كما وكل بلد يطعمون قال الله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) من أوسط ما يأكلون كفاية غيره ، كما قد بسطناه فى غير هذا الموضع . ٢٥٢ وكذلك لفظ ((الجزية)) و((الدية)) فإنها فعلة من جزى يجزي إذا قضى وأدى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تجزي عنك ولا يجزي عن أحد بعدك))، وهى فى الأصل جزى جزية كما يقال: وعد عدة ووزن زنة. وكذلك لفظ ((الدبة)) هو من ودى يدى دية ، كما يقال : وعد بعد عدة ، والمفعول يسمى باسم المصدر كثيراً ، فيسمى المودي دية والمجزي المقضى جزية ، كما يسمى الموعود وعداً فى قوله: ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنَ كُ صَدِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللّهِوَ إِنَّمَآَ أَنْنَذِيْرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً ) وإنما رأوا ما وعدوه من العذاب ، وكما يسمى مثل ذلك الإتاوة لأنه تؤتى أي : تعطى . وكذلك لفظ الضريبة لما يضرب على الناس . فهذه الألفاظ كلها ليس لها حد فى اللغة ولكن يرجع إلى عادات الناس ، فإن كان الشرع قد حد لبعض حداً كان اتباعه واجباً . ولهذا اختلف الفقهاء فى الجزية : هل هي مقدرة بالشرع أو يرجع فيها إلى اجتهاد الأمّة ؟. وكذلك الخراج . والصحيح أنها ليست مقدرة بالشرع. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (( أن يأخذ من كل حالم ديناراً، أو عدله معافريا )) قضية فى عين ، لم يجعل ذلك شرعا عاما لكل من تؤخذ منه الجزية إلى يوم القيامة ؛ بدليل أنه صالح لأهل البحرين على ٢٥٣ حالم ولم يقدره هذا التقدير ، وكان ذلك جزية ، وكذلك صالح أهل نجران على أموال غير ذلك ولا مقدرة بذلك ، فعلم أن المرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة وما يرضى به المعاهدون ، فيصير ذلك عليهم حقاً يجزونه ، أي : يقصدونه ويؤدونه . وأما الدية ففي العمد يرجع فيها إلى رضى الخصمين ، وأما فى الخطأ فوجبت عينا بالشرع فلا يمكن الرجوع فيها إلى تراضيهم ، بل قد يقال : هي مقدرة بالشرع تقديراً عاما للأمة كتقدير الصلاة والزكاة ، وقد تختلف باختلاف أقوال الناس فى جنسها وقدرها ، وهذا أقرب القولين وعليه تدل الآثار ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم إنما جعلها مائة لأقوام كانت أموالهم الإبل ؛ ولهذا جعلها على أهل الذهب ذهباً؛ وعلى أهل الفضة فضة ؛ وعلى أهل الشاء شاء ؛ وعلى أهل الثياب ثيابا؛ وبذلك مضت سيرة عمر بن الخطاب وغيره . فصل وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلََّ عَلَ أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا مَكَتْ أَيْمَنُهُمْ )، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك))، وقد دل القرآن على أن ما حرم وطؤه بالنكاح ٢٥٤ حرم بملك اليمين ، فلا يحل التسري بذوات محارمه ولا وطء السرية فى الإحرام والصيام والحيض ، وغير ذلك مما يحرم وطء الزوجة فيه بطريق الأولى . وأما الاستبراء فلم تأت به السنة مطلقاً فى كل مملوكة ، بل قد نهى صلى الله عليه وسلم أن يسقي الرجل ماء. زرع غيره ، وقال فى سبايا أو طاس: (( لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ)»، وهذا كان فى رقيق سى ولم يقل مثل ذلك فيما ملك يارث أو شراء أو غيره . فالواجب أنه إن كانت توطأ المملوكة لا يحل وطؤها حتى تستبرأ ؛ لئلا يسقي الرجل ماءه زرع غيره . وأما إذا على أنها لم يكن سيدها يطؤها: إما لكونها بكراً؛ أو لكون السيد امرأة أو صغيراً؛ أو قال وهو صادق: إني لم أكن أطوّها، لم يكن لتحريم هذه حتى تستبرأ وجه ، لا من نص ولا من قياس . فصل النبى صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وهم : الذين ينصرون الرجل ويعينونه ، وكانت العاقلة على عهده م عصبته . فلما كان فى زمن عمر جعلها على أهل الديوان ؛ ولهذا اختلف فيها الفقهاء، ٢٥٥ فيقال : أصل ذلك أن العاقلة م محدودون بالشرع أو م من ينصره ويعينه من غير تعيين. فمن قال بالأول لم يعدل عن الأقارب ؛ فإنهم العاقلة على عهده . ومن قال بالثانى جعل العاقلة فى كل زمان ومكان من ينصر الرجل ويعينه فى ذلك الزمان والمكان . فلما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما ينصره ويعينه أقاربه كانوا م العاقلة؛ إذ لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ديوان ولا عطاء، فلما وضع عمر الديوان كان معلوما أن جند كل مدينة ينصر بعضه بعضا ويعين بعضه بعضاً وإن لم يكونوا أقارب، فكانوا م العاقلة. وهذا أصح القولين. وأنها تختلف باختلاف الأحوال ؛ وإلافرجل قد سكن بالمغرب وهناك من ينصره ويعينه كيف تكون عاقلته من بالمشرق فى مملكة أخرى ، ولعل أخباره قد انقطعت عنهم ؟ والميراث يمكن حفظه للغائب ؛ فإن النى صلى الله عليه وسلم ((قضى فى المرأة القائلة أن عقلها على عصبتها؛ وأن ميراثها لزوجها وبنيها )) فالوارث غير العاقلة . وكذلك تأجيلها ثلاث سنين ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤجلها بل قضى بها حالة ، وعمر أجلها ثلاث سنين. فكثير من الفقهاء يقولون لا تكون إلا مؤجلة . كما قضى به عمر ، ويجعل ذلك بعضهم إجماعا ، وبعضهم قال : لا تكون إلا حالة . والصحيح أن تعجيلها وتأجيلها بحسب الحال والمصلحة ، فإن كانوا مياسير ولا ضرر عليهم فى التعجيل أخذت ٢٥٦ حالة ، وإن كان فى ذلك مشقة جعلت مؤجلة . وهذا هو المنصوص عن أحمد : أن التأجيل ليس بواجب، كما ذكر كثير من أصحابه أنه واجب، موافقة لمن ذكر ذلك من أصحاب أبى حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم ؛ فإن هذا القول فى غاية الضعف ، وهو يشبه قول من يجعل الأمة يجوز لها نسخ شريعة نبيها ؛ كما يقوله بعض الناس من أن الإجماع ينسخ ؛ وهذا من أنكر الأقوال عند أحمد . فلا تترك سنة ثابتة إلا بسنة ثابتة ، ويمتنع انعقاد الإجماع على خلاف سنة إلا ومع الإجماع سنة معلومة نعلم أنها ناسخة للأولى . فصل وقد قال الله تعالى فى آية الخمس: (فَأَنَّلِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلَرَّسُولِ وَلِذِى اُلْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ ) : ومثل ذلك فى آية الفي . . وقال فى آبة الصدقات: (لِلْفُقَرَآءِ وَاَلْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا ) الآية ، فأطلق الله ذكر الأصناف ؛ وليس في اللفظ ما يدل على التسوية بل على خلافها، فمن أوجب باللفظ التسوية فقد قال ما يخالف الكتاب والسنة ، ألا ترى أن اللّه لما قال: (وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِنَ وَءَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ ٢٥٧ (وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَى حَقَّهُ, وَاُلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ ) ؛ وقال تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْالْقُرْبَى وَالْيَنَمَى السَّبِيلِ)، وقال تعالى : وَالْمَسَكِينُ فَارْزُفُوهُمْ مِنْهُ)، وقال تعالى: ( وَلَّذِينَ فِىَ أَمْوَلِمْحَقٌ مَعْلُومٌ * ( فَكُلُوْمِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وقال تعالى : لِلِسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ) ، وَالْمُعْتَزَّ) وأمثال ذلك ، لم تكن التسوية فى شيء من هذه المواضع واجبة ؟ بل ولا مستحبة فى أكثر هذه المواضع ؟ ! سواء كان الإعطاء واجباً أو مستحباً ، بل بحسب المصلحة . ونحن إذا قلنا فى الهدى والأ ضحية : يستحب أن يأكل ثلشاً ويتصدق بثلث ؛ فإنما ذلك إذا لم يكن هناك سبب يوجب التفضيل : وإلا فلو قدر كثرة الفقراء لاستحبيبنا الصدقة بأكثر من الثلث. وكذلك إذا قدر كثرة من يهدي إليه على الفقراء ، وكذلك الأكل . حيث كان الأخذ بالحاجة أو المنفعة كان الاعتبار بالحاجة والمنفعة بحسب ما يقع ، بخلاف المواريث فإنها قسمت بالأنساب التى لا يختلف فيها أهلها ، فإن اسم الابن يتناول الكبير والصغير والقوى والضعيف ، ولم يكن الأخذ لا لحاجته ولا لمنفعته؛ بل لمجرد نسبه؛ فلهذا سوى فيها بين الجنس الواحد . 3 وأما هذه المواضع فالأخذ فيها بالحاجة والمنفعة ؛ فلا يجوز أن تكون التسوية بين الأصناف واجبة ولا مستحبة ؛ بل العطاء بحسب الحاجة والمنفعة كما كان أصل الاستحقاق معلقاً بذلك ، والواو تقتضي ٢٥٨ التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه فى الحكم المذكور ، والمذكور أنه لا يستحق الصدقة إلا هؤلاء فيشتركون فى أنها حلال لهم، وليس إذا اشتركوا فى الحكم المذكور وهو مطلق الحل يشتركون فى التسوية، فإن اللفظ لا يدل على هذا بحال . ومثله يقال في كلام الواقف والموصى ، وكان بعض الواقفين قد وقف على المدرس والمعيد والقيم والفقهاء والمتفقهة : وجرى الكلام فى ذلك فقلنا : يعطى بحسب المصلحة ، فطلب المدرس الخمس بناء على هذا الظن ؛ فقيل له : فأعطى القيم أيضاً الخمس لأنه نظير المدرس ، فظهر بطلان حجته . آخر. والحمد لله رب العالمين. ٢٥٩ وقال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل قد ذم الله تعالى فى القرآن من عدل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من دين آبائه ، وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله ، وهو: أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول ، وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد ؛ فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ، والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة فى كل وقت وكل مكان؛ في سره وعلانيته ، وفى جميع أحواله . (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى وهذا من الإيمان ، قال الله تعالى: يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْ أ ◌َسْلِيمًا)، وقال: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُعُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )، وقال : ( وَمَاكَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، وقال: ( فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ ) ، ٢٦٠