Indexed OCR Text
Pages 121-140
وأيضاً فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبرى كما تشترط للصلاة. الطهارتان ، والذكر لا يشترط له الكبرى ولا الصغرى ، فعلم أن أعلى أنواع ذكر الله هو الصلاة ، ثم القراءة ، ثم الذكر المطلق، ثم الذكر فى الركوع والسجود أفضل بالنص والإجماع من قراءة القرآن ، وكذلك كثير من العباد قد ينتفع بالذكر فى الابتداء ما لا ينتفع بالقراءة ؛ إذ الذكر يعطيه إيماناً والقرآن بعطيه العلم ؛ وقد لا يفهمه ؛ ويكون إلى الإيمان أحوج منه لكونه في الابتداء ، والقرآن مع الفهم لأهل الإيمان أفضل بالاتفاق . فهذا وأمثاله يشبه تنوع شرائح الأنبياء؛ فإنهم متفقون على أن الله أمر كلا منهم بالدين الجامع ، وأن نعبده بتلك الشرعة والمنهاج ، كما أن الأمة الإسلامية متفقة على أن الله أمر كل مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به ، إما إيجاباً وإما استحباباً ، وإن تنوعت الأفعال في حق أصناف الأمة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم ، ولا أخطأ أحد منهم ؛ بل كلهم متفقون على ذلك يصدق بعضهم بعضاً . ١٢١ فصل وأما ما يشبه ذلك من وجه دون وجه ؛ فهو : ما تنازعوا فيه مما أقروا عليه وساغ لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والأمراء والملوك ، كاجتهاد الصحابة فى قطع اللينة وتركها : واجتهاده في صلاة العصر لما بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى بنى قريظة وأمرهم أن لايصلوا العصر إلا فى بني قريظة ، فصلى قوم فى الطريق فى الوقت ، وقالوا : إنما أراد التعجل لا تفويت الصلاة . وأخرها قوم إلى أن وصلوا وصلوها بعد الوقت تمسكا بظاهر لفظ العموم ، فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر )) . وقد اتفق الصحابة فى مسائل تنازعوا فيها ؛ على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم ، كمسائل فى العبادات والمناكح ، والمواريث والعطاء ، والسياسة وغير ذلك ، وحكم عمر أول عام في الفريضة الحمارية بعدم التشريك ، وفى العام الثانى بالتشريك في واقعة مثل الأولى ، ولما سئل عن ذلك قال : تلك على ما قضينا وهذه على مانقضى ٠٠ ١٢٢ وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم . وتنازعوا فى مسائل علمية اعتقادية ، كسماع الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله . ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه قبل الموت، مع بقاء الجماعة والألفة . وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ قطعاً ، ومنها ما المصيب فى نفس الأمر واحد عند الجمهور اتباع السلف والآخر مؤد لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه ، وهل يقال له : مصيب أو مخطئ ؟ فيه نزاع. ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ، ولا حكم في نفس الأمر. ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ فهذا النوع يشبه النوع الأول من وجه دون وجه ، أما وجه المخالفة فلأن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الإقرار على الخطأ بخلاف الواحد من العلماء والأمراء ؛ فإنه ليس معصوماً من ذلك ، ولهذا يسوغ بل يجب أن نبين الحق الذي يجب اتباعه وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ من العلماء والأمراء ، وأما الأنبياء فلا يبين أحدهما ما يظهر به خطأ الآخر ، وأما المشابهة فلأن كلا مأمور باتباع ما بان له من الحق بالدليل الشرعى ، كأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم باتباع ما أوحى إليه، ١٢٣ وليس لأحدهما أن يوجب على الآخر طاعته كما ليس ذلك لأحد النبيين مع الآخر ، وقد يظهر له من الدليل ما كان خافياً عليه فيكون انتقاله بالاجتهاد عن الاجتهاد ، ويشبه النسخ فى حق النبى ؛ لكن هذا رفع للاعتقاد وذاك رفع للحكم حقيقة ، وعلى الأتباع اتباع من ولى أمرهم من الأمراء والعلماء فيما ساغ له اتباعه وأمر فيه باتباع اجتهاده ، كما على الأمة اتباع أي نبى بعث إليهم وإن خالف شرعه شرع الأول ، لكن تنوع الشرع لهؤلاء وانتقاله لم يكن لتنوع نفس الأمر النازل على الرسول ، ولكن تنوع أحوالهم ، وهو : إدراك هذا لما بلغه من الوحي سمعاً وعقلا وعجز الآخر عن إدراك ذلك البلاغ ، إما سمعا لعدم تمكنه من سماع ذلك النص ، وإما عقلا لعدم فهمه لما فهمه الأول من النص ، وإذا كان عاجزاً سقط عنه الإثم فيما عجز عنه ، وقد يتبين لأحدهما عجز الآخر وخطؤه وبعذره فى ذلك ، وقد لا يتبين له عجزه ؛ وقد لايتبين لكل منها أيهما الذي أدرك الحق وأصابه ؟ ولهذا امتنع من امتنع من تسمية مثل هذا خطأ ، قال : لأن التكليف مشروط بالقدرة ، فما عجز عنه من العلم لم يكن حكم الله فى حقه ، فلا يقال : أخطأ . . وأما الجمهور فيقولون : أخطأه ، كما دلت عليه السنة والإجماع لكن خطؤه معذور فيه ، وهو معنى قوله : عجز عن إدراكه وعلمه ، لكن ١٢٤ هذا لا يمنع أن يكون ذاك هو مراد الله ومأموره؛ فإن عجز الإنسان عن فهم كلام العالم لا يمنع أن يكون قد أراد بكلامه ذلك المعنى ، وأن يكون الذي فهمه هو المصيب الذي له الأجران . ولهذا تنازع أصحابنا فيمن لم يصب الحكم الباطن : هل يقال : إنه مصيب فى الظاهر ؛ لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده واقتصاره ؟ أولا يطلق عليه اسم الإصابة بحال ، وإن كان له أجر على اجتهاده وقصده الحق ؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد، وذلك لأنه لم يصب الحكم الباطن ولكن قصد الحق ، وهل اجتهد الاجتهاد المأمور به؟ التحقيق : أنه اجتهد الاجتهاد المقدور عليه فهو مصيب من هذا الوجه من جهة المأمور المقدور ، وإن لم يكن مصيباً من جهة إدراك المطلوب وفعل المأمور المطلق . يوضح ذلك أن السلطان نوعان : سلطان الحجة والعلم ، وهو أكثر ما سمى فى القرآن سلطاناً، حتى روى عن ابن عباس أن كل سلطان فى القرآن فهو الحجة . والثانى سلطان القدرة . والعمل الصالح لا يقوم إلا بالسلطانين ، فإذا ضعف سلطان الحجة كان الأمر بقدره وإذا ضعف سلطان القدرة كان الأمر بحسبه ، والأمر مشروط بالقدرة على السلطانين ، فالإثم ينتفي عن الأمر بالعجز عن كل منهما . وسلطان الله في العلم هو الرسالة وهو حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: ١٢٥ ) ، وقال تعالى: ( إِنْ و٠ ٥٠٠/٢٤ لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُهُوهَا أَنْتُمْ وَءَآ ◌َّكُمَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنِ ) ، .( وقال: ( أَمْ أَنَزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ بَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْبِهِ يُشْرِكُونَ ونظائره متعددة. فالمذاهب والطرائق والسياسات للعلماء والمشايخ والأمراء إذا قصدوا بها وجه الله تعالى دون الأهواء ، ليكونوا مستمسكين بالملة والدين الجامع الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم من الكتاب والسنة بحسب الإمكان بعد الاجتهاد التام : هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع والمناهج للأنبياء ، وهم مثابون على ابتغامهم وجه الله وعبادته وحده لا شريك له وهو الدين الأصلي الجامع، كما يثاب الأنبياء على عبادتهم الله وحده لا شريك له، ويثابون على طاعة الله ورسوله فيما تمسكوا به لا من شرعة رسوله ومنهاجه ، كما يتاب كل نى على طاعة الله فى شرعه ومنهاجه . ويتنوع شرعهم ومناهجهم ، مثل أن يبلغ أحدم الأحاديث بألفاظ غير الألفاظ التى بلغت الآخر ، وتفسر له بعض آيات القرآن بتفسير يخالف لفظه لفظ التفسير الآخر ، ويتصرف فى الجمع بين النصوص واستخراج الأحكام منها بنوع من الترتيب والتوفيق ليس هو النوع ١٢٦ الذي سلكه غيره ، وكذلك في عباداته وتوجهاته ، وقد يتمسك هذا بآية أو حديث وهذا بحديث أو آية أخرى . وكذلك فى العلم . من العلماء من يسلك بالاتباع طريقة ذلك العالم فتكون هي شرعهم حتى بسمعوا كلام غيره ويروا طريقته ، فيرجح الراجح منها ، فتتنوع فى حقهم الأقوال والأفعال السالفة لهم من هذا الوجه ، وم مأمورون بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه كما أمرت الرسل بذلك ، ومأمورون بأن لا يفرقوا بين الأمة بل هي أمة واحدة كما أمرت الرسل بذلك، وهؤلاء آكد ؛ فإن هؤلاء تجمعهم الشريعة الواحدة والكتاب الواحد . وأما القدر الذي تنازعوا فيه فلا يقال : إن الله أمر كلا منهم باطنا وظاهراً بالتمسك بما هو عليه كما أمر بذلك الأنبياء ، وإن كان هذا قول طائفة من أهل الكلام ، فإنما يقال : إن الله أمر كلا منهم أن يطلب الحق بقدر وسعه وإمكانه ، فإن أصابه وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وقد قال المؤمنون: ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ )، وقال الله: قد فعلت! وقال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ ◌ُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ)، فمن ذمهم ولامهم على مالم يؤاخذهم الله عليه فقد اعتدى ، ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله وينتصر لها بغير هدى من الله فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى ١٢٧ من اللّه، ومن فعل ما أمر به بحسب حاله : من اجتهاد يقدر عليه ، أو تقليد إذا لم يقدر على الاجتهاد ؛ وسلك فى تقليده مسلك العدل ، فهو مقتصد. إذ الأمر مشروط بالقدرة، (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، فعلى المسلم فى كل موطن أن يسلم وجهه لله وهو محسن ويدوم على هذا الإسلام ، فإسلام وجهه إخلاصه لله وإحسانه فعله الحسن. فتدبر هذا فإنه أصل جامع نافع عظيم . ١٢٨ وقال شيخ الإسلام هذه ((قاعدة عظيمة جامعة متشعبة )) وللناس في تفاصيلها اضطراب عظيم ، حتى إن منهم من صار فى طرفي نقيض فى كلا نوعي الأحكام العلمية والأحكام العينية النظرية ، وذلك أن كل واحد من العاوم والاعتقادات والأحكام والكلمات بل والمحبة والإرادات : إما أن يكون تابعاً لمتعلقه مطابقاً له ؛ وإما أن يكون متبوعه تابعاً له مطابقاً له . ولهذا انقسم الحق والحقائق والكلمات إلى موجود ؛ ومقصود . إلى كوني ؛ وديني . إلى قدري ، وشرعي . كما قد بينته في غير هذا الموضع ، وقد تنازع النظار فى العلم : هل هو تابع للمعلوم غير مؤثر فيه ؟ بل هو انفعالى كما يقوله كثير من أهل الكلام ؟ أو المعلوم تابع له والعلم مؤثر فيه وهو فعلي كما يقوله كثير من أهل الفلسفة ؟ . والصواب أن العلم نوعان: أحدهما تابع ، والثانى متبوع . والوصفان يجتمعان فى العلم غالباً أو دائما ، فعلمنا بمالا يفتقر إلى علمنا كعلمنا بوجود السموات والأرض ، وكذلك علمنا بالله وأسمائه وصفاته ، وملائكته، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والنبيين ، وغير ذلك : ١٢٩ علم تابع انفعالي . وعلمنا بما يتوقف على علمنا مثل ما تريده من أفعالنا علم فعلي متبوع ، وهو سبب لوجود المعلوم . وكذلك علم اللّه بنفسه المقدسة تابع غير مؤثر فيها ، وأما علمه بمخلوقاته فهو متبوع وبه خلق الله الخلق، كما قال تعالى: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَيرُ ). فإن الإرادة مستلزمة للعلم فى كل مريد ، كما أن هذه الصفات مستلزمة للحياة ، فلا إرادة إلا بعلم ، ولا إرادة وعلم إلا بحياة ، وقد يجوز أن يقال : كله علم ، فهو تابع للمعلوم مطابق سواء كان سبباً فى وجود المعلوم أو لم يكن، فيكون إطلاق المتكلمين أحسن وأصوب من إطلاق المتفلسفة : أن كل علم فهو فعلى متبوع . وما أظن العقلاء من الفريقين إلا يقصدون معنى صحيحاً، وهو أن يشيروا إلى ما تصوروه ، فينظر هؤلاء فى أن العلم تابع لمعلومه مطابق له، ويشير هؤلاء إلى مافى حسن العلم فى الجملة ، من أنه قد يؤثر فى المعلوم وغيره ويكون سبباً له ، وأن وجود الكائنات كان بعلم الله وعلم الإنسان بما هو حق أو باطل ؛ وهدى أو ضلال، ورشاد أو غي؛ وصدق أو كذب ؛ وصلاح أو فساد من اعتقاداته وإراداته ، وأقواله وأعماله ونحو ذلك يجتمع فيه الوصفان ، بل غالب العلم أو كله يجتمع فيه الأمران . ولهذا كان الإيمان قولا وعملا قول القلب وعمله وقول الجسد ١٣٠ وعمله ، فإنه من عرف الله أحبه، فعلمه باللّه تابع للمعلوم ومتبوع لحبه لله ، ومن عرف الشيطان أبغضه، فمعرفته به تابعة للمعلوم ومتبوعة لبغضه، وكذلك عامة العلم لا بد أن يتبعه أثرمافي العالم من حب أو غيره ، حتى علم الرب سبحانه بنفسه المقدسة يتبعه صفات وكلمات وأفعال متعلقة بنفسه المقدسة ، فما من علم إلا ويتبعه حال ما ، وعمل ما ، فيكون متبوعا مؤثراً فاعلا بهذا الاعتبار ، وما من علم إلا وهو مطابق المعلومه موافق له ، سواء كان المعلوم مستغنياً عنه أو كان وجود المعلوم بوجوده ، فيكون تابعاً منفعلا مطابقاً بهذا الاعتبار ، لكن كل علم وإن كان له تأثير فلا يجب أن يكون تأثيره في معلومه ، فإن من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فأحب الله وملائكته وأنبياءه والجنة وأبغض النار لم يكن علمه بذلك مؤثراً فى المعلوم ، وإنما أثر فى محبة المعلوم وإرادته أو فى بغضه وكراهته لذلك . وإن كان كل علم فإنه مطابق للمعلوم، لكن قد يكون ثبوت المعلوم فى ذهن العالم وتصوره قبل وجوده فى الخارج، كتصور الإنسان لأقواله وأعماله ، وقد يكون وجوده في الخارج قبل تصور الإنسان له وعلمه ، أو بدون تصور الإنسان له، فلهذا التفريق حصل التقسيم الذي قدمناه ، من أنه ينقسم إلى مؤثر فى المعلوم وغير مؤثر فيه ، وإلى تابع للمعلوم وغير تابع له، وإن كان كل علم فإن له أثراً فى نفس العالم ، وإن كان ١٣١ كل علم فإنه تابع تبع المطابقة والموافقة ، وإن لم يكن بعضه تابعاً تبع التأخر والتأثر والافتقار والتعلل . فهذه مقدمة جامعة نافعة جداً فى أمور كثيرة . إذا تبين هذا فى جنس العلم ظهر ذلك فى الاعتقاد والرأي والظن ، ونحو ذلك الذي قد يكون علماً وقد لا يكون علماً، بل يكون اعتقاداً صحيحاً أو غير صحيح ، أو ظناً صحيحاً أو غير صحيح ، أو غير ذلك من أنواع الشعور والإحساس والإدراك ، فإن هذا الجنس هو الأصل فى الحركات والأفعال الروحانية والجسمانية ما كان من جنس الحب والبغض وغير ذلك ، وما كان من جنس القيام والقعود وغير ذلك ، فإن جميع ذلك تابع للشعور مفتقر إليه مسبوق به ، والعلم أصل العمل مطلقاً وإن كان قد يكون فرعا لعلوم غير العمل كما تقدم . فالاعتقاد تارة يكون فرعا للمعتقد تابعاً له ، كاعتقاد الأمور الخارجة عن كسب العبد ، كاعتقاد المؤمنين والكفار في الله تعالى وفي اليوم الآخر . وقد يكون أصلا للمعتقد متبوعا له ؛ كاعتقاد المعتقد وظنه أن هذا العمل يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة إما فى الدنيا وإما فى الآخرة ، مثل اعتقاده أن أكل هذا الطعام يشبعه وأن تناول هذا السم يقتله ، وأن هذه الرمية تصيب هذا الغرض ، وهذه الضربة تقطع هذا العنق ، وهذا البيع والتجارة يورثه ربحاً أو خسارة ، وأن ١٣٢ صلانه وزكاته وحجه وبره وصدقه ونحو ذلك من الأعمال الصالحة يورثه السعادة فى الدنيا والآخرة ، وأن كفره وفسوقه وعصيانه يورثه الشقاوة فى الدنيا والآخرة . وهذا باب واسع تدخل فيه الديانات والسياسات وسائر الأعمال الدينية والدنيوية ، ويشترك فيه الدين الصحيح والفاسد ؛ لكن هذا الاعتقاد العملى لا بد أن يتعلق أيضاً بأمور غير العمل ، فإن اعتقاده أن هذا العمل ينفعه فى الدنيا والآخرة أو يضره يتعلق أيضاً بصفات ثابتة الأعيان لا يتعلق باعتقاده، كما أن الاعتقاد النظرى وإن كان معتقده غير العمل فإنه يتبعه عمل ، كما تقدم أن كلا من الاعتقادين تابع متبوع . والأحكام أيضاً من جنس الاعتقادات ، فإنه أيضاً ينقسم قسمين : أحكام عينية تابعة للمحكوم فيه ؛ كالحكم بما يستحقه الله تعالى من الحمد والثناء وما يتقدس عنه من الفقر والشركاء . وأحكام عملية يتبعها المحكوم فيه؛ كالحكم بأن هذا العمل حسن أو قبيح؛ صالح أو فاسد ، خير أو شر، نافع أو ضار ، واجب أو محرم ، مأمور به أو منهى عنه، رشاد أوغى ، عدل أو ظلم . وكذلك الكلمات فإنها تنقسم إلى خبرية وإنشائية ، فالكلمات الخبرية ١٣٣ تطابق المخبر عنه وتتبعه ، وهي موافقة للعلم التابع والاعتقاد التابع والحكم التابع . والكلمات الإنشائية مثل الأمر والنهي والإباحة تستتبع المتكلم فيه المأمور به والمنهى عنه والمباح ، وتكون سبباً فى وجوده أو عدمه كالعلم المتبوع والاعتقاد المتبوع، وهو الحكم العملي . إذا عرف هذان النوعان ، فمن الناس من يسمى العلم والاعتقاد والحكم والقول الخبري التابع : علم الأصول ، وأصول الدين ، أو علم الكلام، أو الفقه الأكبر ، ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات . ويسمى النوع الآخر : علم الفروع؛ وفروع الدين ؛ وعلم الفقه والشريعة ، ونحو ذلك من الأسماء . وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين . ومن الناس من يجعل أصول الدين اسما لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير ؛ سواء كان علمياً أو عملياً ، سواء كان من القسم الأول أو الآخر ؛ حتى يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين ، وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه، ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك ، وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف ، وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام . ١٣٤ فصل إذا تبين هذا ؛ فمن الناس من صار فى طرفي نقيض، فحكى عن بعض السوفسطائية أنه جعل جميع العقائد هي المؤثرة فى الاعتقادات ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة فى نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق فى كل شىء ما اعتقده المعتقد ، وجعل الحقائق تابعة للعقائد ، وهذا القول على إطلاقه وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل ، وإنما هو من جنس ما يحكى أن السوفسطائية أنكروا الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة ، وأن لهم مقدما يقال له : سوفسطا كما يذكره فريق من أهل الكلام . وزعم آخرون أن هذا القول لا يعرف أن عاقلا قاله ولا طائفة تسمى بهذا الاسم، وإنما هي كلمة معربة من اللغة اليونانية ومعناها : الحكمة المموهة ، يعنون الكلام الباطل الذى قد بشبه الحق ، كما قد يتخيله الإنسان لفساد عقله أو مزاجه أو اشتباه الأمر عليه ، وجعلوا ١٣٥ هذا نوعا من الكلام والرأي يعرض للنفوس ، لا أنه صنف من الآدميين وبكل حال فمعلوم أن التخيلات الفاسدة كثيراً ما تعرض لبني آدم، بل هي كثيرة عليهم ، وهم يجحدون الحق إما عنادا وإما خطأ فى أمور كثيرة وفى أحوال كثيرة ، وإن كان الجاحد قد يقر بحق آخر أو بقر بذلك الحق فى وقت آخر ، فالجهل والعناد الذي هو السفسطة هو فيهم خاص مقيد لا أنه عام مطلق ، قد يبتلى به بعضهم مطلقا وإن لم يستمر به الأمر ، وقد يبتلى به فى شيء بعينه على سبيل الدوام ، وأما ابتلاء الشخص المعين به فقد يكون إما مع فساد العقل المسقط للتكليف وهو الجنون ، وإما مع صحة العقل المشروط فى التكليف ، فما أعلم شخصا جاهلا بكل شيء معاندا لكل شيء حتى يكون سوفسطائيا . ومما يبين أن هذا لم يقع عند المتكلمة أيضاً أن كثيراً من متكلمة أهل الحديث والسنة وغيرم يقولون : إن العقل المشروط في التكليف نوع من العلوم الضرورية ، كالعلم بوجوب الواجبات وجواز الجائزات وامتناع الممتنعات . واستدلوا على ذلك بأن العاقل لا يخلو من علم شيء من ذلك ، وهذا قول القاضي أبى بكر ، وابن الباقلاني ، وأبى الطيب الطبري ، والقاضي أبي يعلى ؛ وابن عقيل وغيرم ، فمن كان هذا ١٣٦ قوله لم يصح أن يحكى عن عاقل أنه أنكر العلوم جميعها إلا على سبيل العناد ، ومعلوم أن العناد لا يكون إلا لغرض ، وليس لأحد غرض أن يعاند فى كل شيء ويجحده على سبيل الدوام . ومن الناس بإزاء هؤلاء من قد يتوم أنه لا تأثير للعقائد فى المعتقدات . ولا تختلف الأحكام باختلاف العقائد ، بل يتخيل أنه إذا اعتقد وجوب فعل أو تحريمه كان من خرج عن اعتقاده مبطلا مرتكباً للمحرم أو تاركا للواجب ، وأنه يستحق من الذم والعقاب ما يستحقه جنس من ترك الواجب أو فعل المحرم ، وإذا عورض بأنه متأول أو مجتهد لم يلتفت إلى هذا ، وقال هو ضال مخطئ مستحق للعقاب ، وهذا أيضاً على إطلاقه وعمومه لا يعتقده صحيح العقل والدين ، ما أعلم قائلا به على الاطلاق والعموم كالطرف الأول ، وإنما أعلم أقواما وطوائف يبتلون ببعض ذلك ولوازمه فى بعض الأشياء ، فإن من غالب من يقول بعصمة الأنبياء والأئمة الاثنى عشر عن الخطأ فى الأقوال والأعمال من قديرى أنه لو أخطأ الامام فى فعل لكان ذلك عيباً وذما ، وبين هذين الطرفين المتباعدين أطراف أيضاً نشأ منها اختلاف الناس فى تصويب المجتهدين وتخطئتهم فى الأصول والفروع ، كما سننبه عليه إن شاء الله. ١٣٧ فصل والمتحقق أن الأحكام والأقوال والاعتقادات كما تقدم نوعان : عيني، وعملي ، تابع للمعتقد ؛ ومتبوع للمعتقد ، فرع للمعتقد ؛ وأصل له . فأما الأول وهو العيني التابع للمعتقد المتفرع عليه ، فهذا لا تؤثر فيه الاعتقادات ولا يختلف باختلافها ، فإن حقائق الموجودات ثابتة في نفسها سواء اعتقدها الناس أو لم يعتقدوها، وسواء اتفقت عقائدم فيها أو اختلفت، وإذ اختلف الناس فيها على قولين متناقضين لم يكن كل مجتهد مصيبا ، بمعنى أن قوله مطابق للمعتقد موافق له ، لا يقول ذلك عاقل كما تقدم . ومن حكى عن أحد من علماء المسلمين - سواء كان عبيد الله بن الحسن العنبري ؛ أو غيره - أنه قال : كل مجتهد في الأصول مصيب ؛ بمعنى أن القولين المتناقضين صادقان مطابقان ؛ فقد حكى عنه الباطل بحسب توهمه ؛ وإذا رد هذا القول وأبطله فقد أحسن في رده وإبطاله ، وإن كان هذا القول المردود لا قائل به . ولكن المنازعات والمخالفات في هذا الجنس تشتمل على أقسام ، وذلك أن التنازع إما أن يكون في اللفظ فقط ، أو فى المعنى فقط ، أو فى كل منها ؛ أو فى مجموعها . ١٣٨ فإن كان فى المعنى مع اللفظ أو بدونه ؛ فلا يخلو إما أن يتناقض المعنيان أو يمكن الجمع بينها ، فإن كان النزاع فى المعنيين المتناقضين فأحد القولين صواب والآخر خطأ ، وأما بقية الأقسام فيمكن فيها أن يكون القولان صوابا ويمكن أن يكون الجميع خطأ ، ويمكن أن يكون كل منها أو أحدهما صوابا من وجه خطأ من وجه ، وحيث كان القولان خطأ وقد لا يكون ، وإذا لم يكن كفراً فقد يكون فسوقا وقد لا يكون . فمن قال : إن المتنازعين كل منهما صواب بمعنى الاصابة فى بعض الأقسام المتقدمة أو بمعنى أنه لا يعاقب على ذلك فهذا ممكن ، وأما تصويب المتناقضين فمحال. فإنه كثيراً ما يكون النزاع في المعنى نزاع تنوع لانزاع تضاد وتناقض ، فيثبت أحدهما شيئاً وينفي الآخر شيئاً آخر ، ثم قد لا يشتركان فى لفظ ما نفاه أحدهما وأثبته الآخر، وقد يشتركان فى اللفظ ، فيكون التناقض والاختلاف فى اللفظ ، وأما المعنى فلا يختلفان فيه ولا يتناقضان . ثم قد يكونان متفقين عليه يقوله كل منها ، وقد يكون أحدهما قاله أو يقوله والآخر لا يتعرض له بإثبات ولا نفى، وقد يكون النزاع اللفظي مع اتحاد المعنى لا تنوعه ، وكثير من تنازع الأمة فى دينهم هو من هذا الباب فى الأصول والفروع والقرآن والحديث وغير ذلك . مثال التنوع الذي ليس فيه نزاع لفظي أن يقول أحدهما : الصراط ١٣٩ المستقيم هو الإسلام . ويقول الآخر : هو السنة والجماعة . ويقول الآخر: هو القرآن. ويقول الآخر : هو طريق العبودية . فإن هذا تنوع فى الأسماء والصفات التى يبين بها الصراط المستقيم بمنزلة أسماء اللّه وأسماء رسوله وكتابه، وليس بينها تضاد لا فى اللفظ ولا فى المعنى. وكذلك إذا قال بعضهم فى السابق والمقتصد والظالم أقوالا يذكر فيها كل قوم نوعا من المسلمين ويكون الاسم متناولا للجميع من غير منافاة. ومثال التنوع الذي فيه نزاع لفظي لأجل اشتراك اللفظ - كما قيل : أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء - تنازع قوم فى أن محمداً رأى ربه فى الدنيا أو فى الآخرة ؟ فقال قوم : رآه فى الدنيا لأنه رآه قبل الموت ، وقال آخرون: بل فى الآخرة لأنه رآه وهو فوق السموات ولم يره وهو في الأرض . والتحقيق أن لفظ الآخرة يراد به الحياة الدنيا والحياة الآخرة، ويراد به الدار الدنيا والدار الآخرة؛ ومحمد رأى ربه فى الحياة الدنيا في الدار الآخرة . وكذلك كثير ممن يتنازعون في أن الله في السماء أو ليس فى السماء فالمثبتة تطلق القول بأن الله فى السماء كما جاءت به النصوص ودلت عليه بمعنى أنه فوق السموات على عرشه بائن من خلقه ، وآخرون ينفون ١٤٠