Indexed OCR Text

Pages 21-40

من غير أن يعطى الجزية عن يد ، فلما أنزل الله براءة وأمره بنبذ
العهود المطلقة لم يكن له أن يعاهدم كما كان يعاهدهم ، بل كان عليه أن
يجاهد الجميع كما قال: (فَإِذَا أَنْسَخَ آلْأَشْهُمْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَفْعُدُ واْلَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ
وَءَاتَوُا الزَّكَوَةَ فَخَلُّوْ سَبِيلَهُمْ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).
وكان دين أهل الكتاب خيراً من دين المشركين ، ومع هذا فأمروا
بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، فإذا كان أهل
الكتاب لا تجوز معاهدتهم كما كان ذلك قبل نزول براءة فالمشركون أولى
بذلك أن لا تجوز معاهدتهم بدون ذلك .
قالوا : فكان فى تخصيص أهل الكتاب بالذكر تنبيه بطريق
الأولى على ترك معاهدة المشركين بدون الصغار والجزية؛ كما كان يعاهده
فى مثل هدنة الحديبية وغير ذلك من المعاهدات .
قالوا : وقد ثبت فى الصحيح من حديث بريدة قال: ((كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه فى
خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال : اغزوا بسم
الله في سبيل اللّه، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا،
ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين
فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال ، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم
٢١

وكف عنهم ، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم .
ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنهم إن
فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين ، فإن أبوا أن
يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجرى عليهم حكم
الله الذي يجرى على المؤمنين ، ولا يكون لهم فى الغنيمة والفي شيء،
إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإن م أبوا فاسألهم الجزية ، فإن هم
أجابوك فاقبل منهم وكف منهم ، فإن ثم أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم،
وإذا حاصرت أهل حصن فأراد.ك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه
فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة
أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا
ذمة الله وذمة رسوله ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم
على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك ؛ فإنك
لا تدرى أنصيب حكم الله فيهم أم لا)).
قالوا : ففي الحديث أمره لمن أرسله أن يدعو الكفار إلى الإسلام
ثم إلى الهجرة إلى الأمصار ، وإلا فإلى أداء الجزية ، وإن لم يهاجروا
كانوا كأعراب المسلمين ، والأعراب عامتهم كانوا مشركين ، فدل على
أنه دعا إلى أداء الجزية من حاصره من المشركين وأهل الكتاب .
والحصون كانت باليمن كثيرة بعد نزول آية الجزية ، وأهل اليمن كان
٢٢

فيهم مشركون وأهل كتاب ، وأمر معاذاً أن يأخذ من كل حالم ديناراً
أوعد له معافرياً ، ولم يميز بين المشركين وأهل الكتاب ، فدل
ذلك على أن المشركين من العرب آمنوا كما آمن من آمن من
أهل الكتاب ، ومن لم يؤمن من أهل الكتاب أدى الجزية .
وقد أخذ النبى صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا
مجوساً ، وأسلمت عبد القيس وغيرم من أهل البحرين طوعا ، ولم
يكن النبى صلى الله عليه وسلم ضرب الجزية على أحد من اليهود بالمدينة
ولا بخيبر ؛ بل حاربهم قبل نزول آية الجزية وأقر اليهود بخيبر فلاحين
بلا جزية إلى أن أجلام عمر ؛ لأنهم كانوا مهادئين له ، وكانوا فلاحين
في الأرض فأقرم لحاجة المسلمين إليهم ، ثم أمر بإجلائهم قبل موته ،
وأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، فقيل : هذا الحكم
مخصوص بجزيرة العرب ، وقيل : بل هو عام فى جميع أهل الذمة إذا
استغنى المسلمون عنهم أجلوم من ديار الإسلام : وهذا قول ابن جرير
وغيره . ومن قال: إن الجزية لا تؤخذ من مشرك قال : إن آية الجزية
نزلت والمشركون موجودون فلم يأخذها منهم .
والمقصود أنه لم يخص العرب بحكم ، وإن قيل: إنه خص جزيرة
العرب التى هي حول المسجد الحرام ، كما خص المسجد الحرام بقوله :
(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ ◌َجَسُ فَلاَيَقْرَبُوْ اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ).
٢٣

وكذلك من قال من العلماء : إنه حرم على جميع المسلمين ماتستخبئه
العرب وأحل لهم ما تستطيبه . جمهور العلماء على خلاف هذا القول
كمالك وأبى حنيفة وأحمد وقدماء أصحابه ، ولكن الخرقى وطائفة منهم
وافقوا الشافعي على هذا القول ، وأما أحمد نفسه فعامة نصوصه موافقة
لقول جمهور العلماء ، وما كان عليه الصحابة والتابعون أن التحليل والتحريم
لا يتعلق باستطابة العرب ولا باستخبائهم ؛ بل كانوا يستطيبون أشياء
حرمها الله، كالدم والميتة ؛ والمنخنقة والموقوذة ؛ والمتردية والنطيحة؛
وأكيلة السبع؛ وما أهل به لغير الله، وكانوا - بل خيارم -
يكرهون أشياء لم يحرمها الله، حتى لحم الضب كان النبى صلى الله عليه
وسلم بكرهه، وقال: (( لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه))، وقال
مع هذا: ((إنه ليس بمحرم)) وأكل على مائدته وهو ينظر ، وقال
فيه: (( لا آ كله ولا أحرمه)).
وقال جمهور العلماء : الطيبات التى أحلها اللّه ما كان نافعاً لآ كله فى
دينه ، والخبيث ما كان ضاراً له فى دينه .
وأصل الدين العدل الذي بعث الله الرسل بإقامته ، فما أورث
الآكل بغياً وظلما حرمه كما حرم كل ذى ناب من السباع ؛ لأنها باغية
عادية والغاذي شبيه بالمغتذى ، فإذا تولد اللحم منها صار فى الإنسان
خلق البغي والعدوان .
٢٤

وكذلك الدم يجمع قوى النفس من الشهوة والغضب فإذا اغتذى
منه زادت شهوته وغضبه على المعتدل ، ولهذا لم يحرم منه إلا المسفوح
بخلاف القليل فإنه لا يضر .
ولحم الخنزير يورث عامة الأخلاق الخبيثة؛ إذ كان أعظم الحيوان في
أكل كل شيء، لا يعاف شيئاً، والله لم يحرم على أمة محمد شيئاً من
الطيبات وإنما حرم ذلك على أهل الكتاب ، كما قال تعالى: (فَيُظُلْمِيِّنَ
الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيَهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ). وقال تعالى: ( وَعَلَى الَّذِينَ
هَادُواحَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ اُلْبَقَرِ وَاُلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَتَّهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا
مَا حَمَلَتْ ظُهُورُ هُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْمَا أَخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا
لَصَدِقُونَ ) .
وأما المسلمون فلم يحرم عليهم إلا الخبائث كالدم المسفوح ، فأما
غير المسفوح كالذي يكون فى العروق فلم يحرمه ، بل ذكرت عائشة
أنهم كانوا يضعون اللحم فى القدر فيرون آثار الدم فى القدر : ولهذا
عفى جمهور الفقهاء عن الدم اليسير فى البدن والثياب إذا كان غير
مسفوح ، وإذا عفى عنه فى الأكل ففي اللباس والهمل أولى أن
يعفى عنه.
وكذلك ريق الكلب يعفى عنه عند جمهور العلماء فى الصيد ، كما هو
٢٥

مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد فى أظهر القولين فى مذهبه، وهو أحد
الوجهين فى مذهب الشافعي ، وإن وجب غسل الإناء من ولوغه عند
جمهورم. إذ كان الريق فى الولوغ كثيراً ساريا فى المائع لا يشق
الاحتراز منه ، بخلاف ما يصيب الصيد فإنه قليل ناشف فى جامد بشق
الاحتراز منه .
وكذلك التقديم فى إمامة الصلاة بالنسب لا يقول به أكثر العلماء .
وليس فيه نص عن النبى صلى الله عليه وسلم ، بل الذي ثبت فى
الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يؤم القوم أقرؤم لكتاب
الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فى السنة سواء
فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا فى الهجرة سواء فأقدمهم سناً)) ، فقدمه
صلى الله عليه وسلم بالفضيلة العلمية ثم بالفضيلة العملية، وقدم العالم
بالقرآن على العالم بالسنة ، ثم الأسبق إلى الدين باختياره ، ثم الأسبق
إلى الدين بسنه ، ولم يذكر النسب .
وبهذا أخذ أحمد وغيره ، فرتب الأئمة كما رتبهم النبى صلى الله عليه
وسلم ولم يذكر النسب، وكذلك أكثر العلماء كمالك وأبى حنيفة لم
يرجحوا بالنسب ، ولكن رجح به الشافعى وطائفة من أصحاب أحمد :
كالخرقي وابن حامد والقاضي وغيرم، واحتجوا بقول سلمان
٢٦

الفارسي : إن لكم علينا معشر العرب ألا نؤمكم فى صلاتكم ولا
تكح نساءكم .
والأولون يقولون : إنما قال سلمان هذا تقديماً منه للعرب على الفرس ،
كما يقول الرجل لمن هو أشرف منه : حقك على كذا ، وليس قول
سلمان حكما شرعيا يلزم جميع الخلق اتباعه كما يجب عليهم اتباع أحكام
الله ورسوله ، ولكن من تأسى من الفرس بسلمان فله به أسوة حسنة ؛
فإن سلمان سابق الفرس .
وكذلك اعتبار النسب فى أهل الكتاب ليس هو قول أحد من
الصحابة ، ولا يقول به جمهور العلماء كمالك وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل
وقدماء أصحابه ، ولكن طائفة منهم ذكرت عنه روايتين ، واختار بعضهم
اعتبار النسب موافقة للشافعي ، والشافعي أخذ ذلك عن عطاء ، وبسط
هذا له موضع آخر .
والمقصود هنا أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما علق الأحكام
بالصفات المؤثرة فيما يحبه اللّه وفيما يبغض ، فأمر بما يحبه الله ودعا إليه
بحسب الإمكان ، وهى عما يبغضه الله وحسم مادته بحسب الإمكان،
لم يخص العرب بنوع من أنواع الأحكام الشرعية ؛ إذ كانت دعونه
لجميع البرية؛ لكن نزل القرآن بلسانهم بل نزل بلسان قريش، كما ثبت
٢٧

عن عمر بن الخطاب أنه قال لابن مسعود : أقرئ الناس بلغة قريش
فإن القرآن نزل بلسانهم ، وكما قال عثمان الذين يكتبون المصحف من
قريش والأنصار : إذا اختلفتم فى شيء فاكتبوه بلغة هذا الحي من
قريش ، فإن القرآن نزل بلسانهم ، وهذا لأجل التبليغ ؛ لأنه بلغ قومه
أولا ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم، وأمره الله بتبليغ قومه أولا، ثم
بتبليغ الأقرب فالأقرب إليه ، كما أمر بجهاد الأقرب فالأقرب .
وما ذكره كثير من العلماء من أن غير العرب ليسوا أكفاء للعرب
فى النكاح فهذه مسألة نزاع بين العلماء ، فمنهم من لا يرى الكفاءة إلا
فى الدين ، ومن رآها فى النسب أيضاً فإنه يحتج بقول عمر : لأمنعن ذوات
الأحساب إلا من الأكفاء ؛ لأن النكاح مقصوده حسن الألفة فإذا
كانت المرأة أعلى منصباً اشتغلت عن الرجل فلا يتم به المقصود .
وهذه حجة من جعل ذلك حقا لله. حتى أبطل النكاح إذا زوجت
المرأة بمن لا يكافئها فى الدين أو المنصب، ومن جعلها حقاً لآدمي
قال : إن فى ذلك غضاضة على أولياء المرأة وعليها والأمر إليهم
في ذلك .
ثم هؤلاء لا يخصون الكفاءة بالنسب ، بل يقولون : هي من
الصفات التى تتفاضل بها النفوس، كالصناعة واليسار والحرية وغير ذلك،
وهذه مسائل اجتهادية ترد إلى الله والرسول ؛ فإن جاء عن الله ورسوله
٢٨

ما يوافق أحد القولين فما جاء عن الله لا يختلف ، وإلا فلا يكون قول
أحد حجة على الله ورسوله .
وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم نص صحيح صريح في هذه
الأمور، بل قد قال صلى الله عليه وسلم: (( إن الله أذهب عنكم عيبة
الجاهلية وفخرها بالآباء ، الناس رجلان: مؤمن تقي؛ وفاجر شقي))،
وفى صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أربع فى أمتى من
أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر بالأحساب ؛ والطعن فى الأنساب؛
والنياحة؛ والاستسقاء بالنجوم))، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله
وسلم أنه قال: ((إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل. واصطفى قريشاً
من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفانى من بنى هاشم .
فأنا خيركم نفساً وخيركم نسباً )) .
وجمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرم ، كما أن جنس
قريش خير من غيرهم ، وجنس بني هاشم خير من غيرهم . وقد ثبت
في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الناس معادن كمعادن
الذهب والفضة ، خيارهم في الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا » .
لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل
من كل فرد، فإن في غير العرب خلقا كثيرا خيرا من أكثر العرب ؛
٢٩

وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش .
وفي غير بنى هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بنى
هاشم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن خير القرون القرن الذين
بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) ، وفى القرون المتأخرة من
هو خير من كثير من القرن الثاني والثالث ، ومع هذا فلم يخص النبى
صلى الله عليه وسلم القرن الثاني والثالث بحكم شرعي، كذلك لم يخص
العرب بحكم شرعي، بل ولا خص بعض أصحابه بحكم دون سائر أمته ،
ولكن الصحابة لما كان لهم من الفضل أخبر بفضلهم ، وكذلك السابقون
الأولون لم يخصهم بحكم، ولكن أخبر بما لهم من الفضل لما اختصوا به
من العمل ، وذلك لا يتعلق بالنسب .
والمقصود هنا أنه أرسل إلى جميع الثقلين: الإنس والجن ، فلم يخص
العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية ، ولكن خص قريشاً بأن
الإمامة فيهم ، وخص بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم ، وذلك لأن جنس
قريش لما كانوا أفضل وجب أن تكون الإمامة فى أفضل الأجناس مع
الإمكان ، وليست الإمامة أحراً شاملا لكل أحد منهم ، وإنما يتولاها
واحد من الناس .
وأما تحريم الصدقة فرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلا لتطهيرهم
ودفعاً للتهمة عنه . كما لم يورث ، فلا يأخذ ورثته درهما ولا ديناراً؛
٣٠

بل لا يكون له ولمن يمونه من مال اللّه إلا نفقتهم، وسائر مال الله
يصرف فيما يحبه الله ورسوله، وذوو قرباه يعطون بمعروف من مال
الخمس، والفيء الذي يعطى منه فى سائر مصالح المسلمين لا يختص بأصناف
معينة كالصدقات ، ثم ما جعل لذوى القربى قد قيل : إنه سقط
بموته كما يقوله أبو حنيفة ، وقيل: هو لقربى من يلي الأمر بعده ، كما
روى عنه: (( ما أطعم اللّه نبياً طعمة إلا كانت لمن يلي الأمر بعده)) وهذا
قول أبي ثور وغيره . وقيل : إن هذا كان مأخذ عثمان في
إعطاء بنى أمية ، وقيل : هو لذوي قربى الرسول صلى الله عليه
وسلم دائماً .
ثم من هؤلاء من يقول: هو مقدر بالشرع وهو خمس الخمس كما
يقوله الشافعي وأحمد فى المشهور عنه. وقيل: بل الخمس والفيء بصرف
فى مصالح المسلمين باجتهاد الإمام ، ولا يقسم على أجزاء مقدرة متساوية،
وهذا قول مالك وغيره . وعن أحمد أنه جعل خمس الزكاة فيئاً ، وعلى
هذا القول يدل الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين ، وبسط هذه
الأمور له موضع آخر .
والمقصودهنا: أن بعض آيات القرآن وإن كان سببه أموراً كانت
في العرب فيكم الآيات عام ، يتناول ما تقتضيه الآيات لفظاً
٣١

ومعنى فى أي نوع كان، ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى
الإنس والجن.
وجماهير الأمم يقر بالجن ولهم معهم وقائع يطول وصفها ، ولم ينكر
الجن إلا شرذمة قليلة من جهال المتفلسفة والأطباء ونحوم، وأما أكابر
القوم فالمأثور عنهم: إما الإقرار بها ؛ وإما أن لا يحكمى عنهم فى ذلك
قول . ومن المعروف عن بقراط أنه قال في بعض المياه : إنه ينفع من
الصرع ، لست أعني الذي يعالجه أصحاب الهياكل وإنما أعنى الصرع الذي
يعالجه الأطباء . وأنه قال : طبنا مع طب أهل الهياكل كطب العجاهز
مع طبنا
وليس لمن أنكر ذلك حجة يعتمد عليها تدل على النفي ، وإنما
معه عدم العلم ؛ إذ كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك ، كالطبيب
الذي ينظر فى البدن من جهة صحته وعرضه الذي يتعلق بمزاجه ، وليس
في هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس ولا من جهة الجن ، وإن كان
قد علم من غير طبه أن للنفس تأثيراً عظيما في البدن أعظم من تأثير
الأسباب الطبية ، وكذلك للجن تأثير فى ذلك، كما قال النبي صلى الله
عليه وسلم في الحديث الصحيح: (( إن الشيطان يجري من ابن آدم
مجرى الدم)) ، وفى الدم الذي هو البخار الذي تسميه الأطباء الروح
الحيواني المنبعث من القلب الساري فى البدن الذي به حياة البدن ، كما
٣٢
٠

قد بسط هذا فى موضع آخر .
والمراد هنا أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم أرسل إلى الثقلين الإنس
والجن ، وقد أخبر اللّه فى القرآن أن الجن استمعوا القرآن وأنهم
آمنوا به ، كما قال تعالى: (وَإِذْصَرَفْنَا إِلَيَكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ
إلى قوله : ( أُوْلَئِكَ فِ ضَلَلٍ
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْأَنْصِتُواْ )
تُبِينٍ )، ثم أمره أن يخبر الناس بذلك فقال تعالى: (قُلْ أُوحِىَ إِلَ أَنَّهُ
اُسْتَمَعَ نَفَرِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْإِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا )
إلخ ،
فأمره أن يقول ذلك ليعلم الإنس بأحوال الجن ، وأنه مبعوث إلى
الإنس والجن ؛ لما فى ذلك من هدى الإنس والجن ما يجب عليهم من
الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ، وما يجب من طاعة رسله ومن
تحريم الشرك بالجن وغيرهم، كما قال في السورة: (وَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ
يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِنَ الْجِنِّفَزَادُوهُمْ رَهَقًّا).
كان الرجل من الإنس ينزل بالوادي - والأودية مظان الجن ؛
فإنهم يكونون بالأودية أكثر مما يكونون بأعالي الأرض - فكان
الإنسي يقول : أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهاته، فلما رأت الجن
أن الإنس تستعيذ بها زاد طغيانهم وغيرهم ، وبهذا يجيبون المعزم
والراقي بأسمائهم وأسماء ملوكهم ، فإنه يقسم عليهم بأسماء من يعظمونه
٣٣

فيحصل لهم بذلك من الرئاسة والشرف على الإنس ما يحملهم على أن
يعطوم بعض سؤلهم، لاسيما وهم يعلمون أن الإنس أشرف منهم وأعظم
قدراً . فإذا خضعت الإنس لهم واستعادت بهم كان بمنزلة أكابر الناس
إذا خضع لأصاغريم ليقضى له حاجته .
ثم الشياطين منهم من يختار الكفر والشرك ومعاصي الرب .
وإبليس وجنوده من الشياطين يشتهون الشر ، ويلتذون به ويطلبونه.
ويحرصون عليه بمقتضى خبث أنفسهم، وإن كان موجباً لعذابهم
وعذاب من يغوونه، كما قال إبليس: (فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
وقال تعالى: (قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى
* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) .
كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا )، وقال
تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ، فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ).
والإنسان إذا فسدت نفسه أو مزاجه يشتهي ما يضره ويلتذ به ؛
بل يعشق ذلك عشقاً يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله ، والشيطان
هو نفسه خبيث فإذا تقرب صاحب العزائم والأقسام وكتب الروحانيات
السحرية وأمثال ذلك إليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك
كالرشوة والبرطيل لهم ، فيقضون بعض أغراضه ، كمن يعطى غيره مالا
٣٤

ليقتل له من يريد قتله أو يعينه على فاحشة أو ينال معه فاحشة .
ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام اللّه بالنجاسة - وقد
يقلبون حروف كلام الله عز وجل ، إما حروف الفاتحة ، وإما حروف
قل هو الله أحد، وإما غيرهما - إما دم وإما غيره، وإما
بغير نجاسة . أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان ، أو يتكلمون
بذلك . فإذا قالوا أو كتبوا ماترضاء الشياطين أعانتهم على بعض أغراضهم
إما تغوير ماء من المياه ، وإما أن يحمل فى الهواء إلى بعض الأمكنة ،
وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس ، كما تسرقه الشياطين من
أموال الخائنين ومن لم يذكر اسم الله عليه وتأتى به ، وإما غير ذلك.
وأعرف فى كل نوع من هذه الأنواع من الأمور المعينة ومن وقعت
له ممن أعرفه ما يطول حكايته ؛ فإنهم كثيرون جداً .
والمقصود أن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث إلى الثقلين ، واستمع
الجن لقراءته وولوا إلى قومهم منذرين كما أخبر الله عز وجل ، وهذا
متفق عليه بين المسلمين . ثم أكثر المسلمين من الصحابة والتابعين
وغيرهم يقولون : إنهم جاؤوه بعد هذا، وإنه قرأ عليهم القرآن
وبايعوه، وسألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال لهم: ((لكم كل عظم
٣٥

ذكر اسم الله عليه يعود أوفر ما يكون لحماً، ولكم كل بعرة علف لدوابكم»
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( فلا تستنجوا بهما فإنها زاد إخوانكم
من الجن)) ، وهذا ثابت فى صحيح مسلم وغيره من حديث
ابن مسعود .
وقد ثبت فى صحيح البخاري وغيره من حديث أبى هريرة نهيه
صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظم والروث فى أحاديث متعددة.
وفى صحيح مسلم وغيره عن سلمان قال : قيل له : قد علمكم نبيكم كل
شيء حتى الخراءة ، قال : فقال : أجل ! لقد نهانا أن نستقبل القبلة
بغائط أو بول ، وأن نستنجي باليمين ، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة
أحجار ، وأن نستنجي برجيع أو عظم . وفى صحيح مسلم وغيره
أيضاً عن جابر قال: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتمسح
بعظم أو ببعر)» ، وكذلك النهي عن ذلك فى حديث خزيمة بن
ثابت وغيره .
وقد بين علة ذلك فى حديث ابن مسعود ، ففي صحيح مسلم وغيره
عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتانى داعى الجن
فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن ، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار
نيرانهم ، وسألوه الزاد فقال : لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه بقع
٣٦

في أيديكم لحماً ، وكل بعرة علف لدوابكم ، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: فلا تستنجوا بهما فإنها زاد إخوانكم». وفى صحيح البخاري
وغيره عن أبى هريرة « أنه كان يحمل مع النبى صلى الله عليه وسلم
إداوة لوضوئه وحاجته ، فبينما هو يتبعه بها قال : من هذا ؟ قلت : أبو
هريرة ، قال : ابغنى أحجاراً أستنفض بها ، ولا تأتي بعظم ولا برونة
فأتيته بأحجار أحملها فى طرف ثوبى حتى وضعتها إلى جنبه ثم انصرفت
حتى إذا فرغ مشيت فقلت : ما بال العظم والروثة ؟ قال : هما من
طعام الجن، وإنه أتانى وفد جن نصيبين - ونعم الجن ــ فسألونى الزاد
فدعوت اللّه لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاماً)).
ولما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بما يفسد طعام
الجن وطعام دوابهم كان هذا تنبيهاً على النهي عما يفسد طعام الإنس
وطعام دوابهم بطريق الأولى ، لكن كراهة هذا والنفور عنه ظاهر في
فطر الناس ، بخلاف العظم والروتة فإنه لا يعرف نجاسة طعام الجن ؛
فلهذا جاءت الأحاديث الصحيحة المتعددة بالنهي عنه . وقد ثبت بهذه
الأحاديث الصحيحة أنه خاطب الجن وخاطبوه ، وقرأ عليهم القرآن وأنهم
سألوه الزاد .
وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس أنه كان يقول : إن النبى
٣٧

صلى الله عليه وسلم لم ير الجن ولا خاطبهم ولكن أخبره أنهم سمعوا القرآن
وابن عباس قد على ما دل عليه القرآن من ذلك ولم يعلم ما علمه ابن
مسعود وأبو هريرة وغيرهما من إتيان الجن إليه ومخاطبته إياه ، وأنه أخبره
بذلك في القرآن وأمره أن يخبر به ، وكان ذلك في أول الأمر لما
حرست السماء وحيل بينهم وبين خبر السماء ، وملئت حرساً شديداً ،
وكان في ذلك من دلائل النبوة ما فيه عبرة ، كما قد بسط فى موضع آخر،
وبعد هذا أنوه وقرأ عليهم القرآن ، وروى أنه قرأ عليهم سورة الرحمن
وصار كما قال: (فَبِأَتِءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) قالوا: ولا بشيء من
آلائك ربنا نكذب فلك الحمد .
وقد ذكر الله فى القرآن من خطاب الثقلين ما يبين هذا الأصل ،
كقوله تعالى: (يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُمْ
ءَايَكِ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا)، وقد أخبر الله
عن الجن أنهم قالوا : (وَأَنَامِنَالصَّلِحُونَ وَمِنَّادُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَابِقَ قِدَدًا )،
أي : مذاهب شتى: مسلمون وكفار ؛ وأهل سنة وأهل بدعة ، وقالوا :
( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَالْقَسِطُونِّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَهِكَ تَحَرَّوْرَشَدًا * وَأَمَّا الْقَسِطُونَ
فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا )، والقاسط : الجائر ، يقال: قسط إذا حار وأقسط
إذا عدل .
وكافرم معذب فى الآخرة باتفاق العلماء . وأما مؤمنهم فجمهور
٣٨

العلماء على أنه في الجنة، وقد روى: ((أنهم يكونون فى ربض الجنة
ترام الإنس من حيث لا يرونهم )) وهذا القول مأثور عن مالك والشافعي
وأحمد وأبي يوسف ومحمد . وقيل: إن ثوابهم النجاة من النار ، وهو
مأثور عن أبى حنيفة. وقد احتج الجمهور بقوله: (لَوْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسُ
قَبْلَهُمْ وَلَاجَازٌ ) ، قالوا : فدل ذلك على تأتي الطمث منهم لأن طمث
الحور العين إنما يكون فى الجنة .
فصل
وإذا كان الجن أحياء عقلاء مأمورين منهين لهم ثواب وعقاب
وقد أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فالواجب على المسلم أن يستعمل
فيهم ما يستعمله في الإنس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة
إلى الله كما شرع الله ورسوله ، وكما دعاهم النبى صلى الله عليه وسلم،
ويعاملهم إذا اعتدوا بما يعامل به المعتدون ، فيدفع صولهم بما يدفع
صول الإنس .
وصرعهم للإنس قد يكون عن شهوة وهوى وعشق كما يتفق
للإنس مع الإنس، وقد يتناكح الإنس والجن ويولد بينهما ولد ! وهذا
كثير معروف، وقد ذكر العلماء ذلك وتكلموا عليه، وكره أكثر
٣٩

العلماء مناكحة الجن . وقد يكون وهو كثير أو الأكثر عن بغض
ومجازاة ، مثل أن يؤذيهم بعض الإنس أو يظنوا أنهم يتعمدون أذام
إما ببول على بعضهم، وإما بصب ماء حار ، وإما بقتل بعضهم ، وإن
كان الإنسى لا يعرف ذلك - وفى الجن جهل وظلم ــ فيعاقبونه
بأكثر مما يستحقه ، وقد يكون عن عبث منهم وشر بمثل
سفهاء الإنس .
وحينئذ فما كان من الباب الأول فهو من الفواحش التى حرمها الله
تعالى كما حرم ذلك على الإنس وإن كان برضا الآخر، فكيف إذا كان
مع كراهته ، فإنه فاحشة وظلم ؟ فيخاطب الجن بذلك ويعرفون أن
هذا فاحشة محرمة أو فاحشة وعدوان لتقوم الحجة عليهم بذلك ، ويعلموا
أنه يحكم فيهم بحكم الله ورسوله الذي أرسله إلى جميع الثقلين
الإنس والجن ،
وما كان من القسم الثانى فإن كان الإنسي لم يعلم فيخاطبون
بأن هذا لم يعلم ، ومن لم يتعمد الأذى لا يستحق العقوبة، وإن كان قد فعل
ذلك فى داره وملكه عرفوا بأن الدار ملكه فله أن يتصرف فيها بما يجوز ،
وأنتم ليس لكم أن تمكثوا فى ملك الإنس بغير إذنهم ، بل لكم ما ليس
من مساكن الإنس كالخراب والفلوات ؛ ولهذا يوجدون كثيراً في الخراب
٤٠