Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَجْوَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن يميّة
((قَدَّسَ اللهَ رُوحَهُ))
جَمْعْ وَتَرَتِبُ
عَبد الرَّمِن ◌ْ مُحَمَّدُ بْقَاسْم ◌ُرَحَمَهُ الَّه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللَّه))
المجلّ التاسع عشر
طُبعَ بِأمْر
خَادِمِ الجَهَيْ الشَّرِفَيْ الملِكِ فَهْ دِبْ عَبْدِ الْعَز ◌َلْسُودِ
أجْزَل اللَّه مَتُوبِتَه

طبعَت هذه الفتاوى في
مُجمَعَ المَلِكِ فَهَدِ لِطْبَّاسَةِ المُصَُّجِ الشّريف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّحْوَةَ وَالإِنْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٣٢٨ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( مجموعة )
٧-٣٩ -٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٩)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨٫٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٧-٣٩-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٩)

ڪتاب
أصول الفقه
الجزء الأول
الاتباع

بِسمِ اللهِالرَِّ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصل
الكتاب والسنة والإجماع، ويلزائه لقوم آخرين المنامات والإسرائيليات
والحكايات ، وذلك أن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل
عن الله، وذلك فى حقنا يعرف بالكتاب والسنة والإجماع ، وأما
ما لم تجئ به الرسل عن الله ؛ أو جاءت به ولكن ليس لنا طريق
موصلة إلى العلم به ففيه الحق والباطل ، فلهذا كانت الحجة الواجبة
الاتباع : للكتاب والسنة والإجماع ، فإن هذا حق لا باطل فيه ، واجب
الاتباع لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب لا يجوز ترك شىء مما دلت
عليه هذه الأصول ، وليس لأحد الخروج عن شىء مما دلت عليه ، وهى
مبنية على أصلين :
٥

أحدهما : أن هذا جاء به الرسول .
والثاني : أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه .
وهذه الثانية إيمانية ضدها الكفر أو النفاق ، وقد دخل فى بعض
ذلك طوائف من المتكلمة والمتفلسفة والمتأمرة والمتصوفة ، إما بناء على
نوع تقصير بالرسالة وإما بناء على نوع تفضل عليها ، وإما على عين
إعراض عنها ، وإما على أنها لا تقبل إلا فى شيء يتغير ، كالفروع مثلا
دون الأصول العقلية أو السياسية أو غير ذلك من الأمور القادحة فى
الإيمان بالرسالة .
أما الأولى فهى مقدمة علمية مبناها على العلم بالإسناد والعلم بالمتن ؛
وذلك لأهل العلم بالكتاب والسنة والإجماع لفظا ومعنى وإسناداً
ومتنا، وأما ما سوى ذلك فإما أن يكون مأثورا عن الأنبياء أولا .
أما الأول : فيدخل فيه الإسرائيليات مما بأيدي المسامين وأيدي
أهل الكتاب ، وذلك قد لبس حقه بباطله ، قال النى صلى الله عليه
وسلم: (( إذا حدتكم أهل الكتاب فلا تصدقوم ولا تكذبوهم ، فإما
أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه))،
ولكن يسمع ويروى إذا علمنا موافقته لما علمناه ؛ لأنه مؤنس مؤكد،
٦

وقد علم أنه حق ، وأما إثبات حكم بمجرده فلا يجوز اتفاقا ، وشرع
من قبلنا إنما هو شرع لنا فيما ثبت أنه شرع لهم؛ دون ما رووه لنا،
وهذا يغلط فيه كثير من المتعبدة والقصاص وبعض أهل التفسير ، وبعض
أهل الكلام .
وأما الثاني فما يروى عن الأوائل من المتفلسفة ونحوم وما يلقى فى
قلوب المسلمين يقظة ومناما ، وما دلت عليه الأقيسة الأصلية أو الفرعية
وما قاله الأكابر من هذه الملة علمائها وأمرائها ، فهذا التقليد والقياس
والإلهام فيه الحق والباطل ، لا يرد كله ، ولا يقبل كله ، وأضعفه
ما كان منقولا عمن ليس قوله حجة بإسناد ضعيف ، مثل المأثور عن
الأوائل ، بخلاف المأثور عن بعض أمتنا مما صح نقله فإن هذا نقله
صحيح ؛ ولكن القائل قد يخطئ وقد يصيب ، ومن التقليد تقليد
أفعال بعض الناس ، وهو الحكايات .
ثم هذه الأمور لا ترد ردا مطلقا لما فيها من حق موافق ، ولا تقبل
قبولا مطلقا لما فيها من الباطل ، بل يقبل منها ما وافق الحق ، ويرد
منها ما كان باطلا.
والأقيسة العقلية الأصلية والفرعية الشرعية هي من هذا الباب ،
فليست العقليات كلها صحيحة ولا كلها فاسدة ، بل فيها حق وباطل ،
٧

بل ما فى الكتاب والسنة والإجماع فإنه حق ليس فيه باطل بحال ،
فما علم من العقليات أنه حق فهو حق ، لكن كثيرا من أهلها يجعلون
الظن يقينا بشبهة وشهوة ، وم :
(إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَمَاتَهْوَى
اُلْأَنفُسُ وَلَقَدْجَآءَ هُمْ مِن ◌َّتِهِمُ الْهُدَىّ )،
ويدلك على ذلك كثرة
نزاعهم مع ذكائهم فى مسائل ودلائل يجعلها أحدم قطعية الصحة ويجعلها
الآخر قطعية الفساد ، بل الشخص الواحد يقطع بصحتها تارة وبفسادها
أخرى ، وليس في المنزل من عند الله شيء. أكثر ما فى الباب أنه إذا
تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته، فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان، ويحكم
الله آياته، والله عليم حكيم ، فغاية ذلك غلط في اللسان يتدار كه الله
فلا يدوم .
وجميع ما تلقته الأمة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حق لا باطل
فيه ؛ وهدى لا ضلال فيه ؛ ونور لا ظلمة فيه ؛ وشفاء ونجاة .
والحمد لله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
٨

وقال شيخ الإسلام رحمه الله(١)
فصل
يجب على الإنسان أن يعلم أن الله عز وجل أرسل محمداً على
الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين : الإنس والجن ، وأوجب عليهم الإيمان
به وبما جاء به وطاعته ، وأن يحللوا ما حلل اللّه ورسوله ويحرموا ما
حرم الله ورسوله ، وأن يوجبوا ما أوجبه الله ورسوله ، ويحبوا ما
أحبه الله ورسوله ، ويكرهوا ماكرهه الله ورسوله ، وأن كل من قامت
عليه الحجة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس والجن فلم يؤمن
به استحق عقاب الله تعالى كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث
إليهم الرسول .
وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة
المسلمين ، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة ، وغيرهم ، رضى
(١) تسمى ((إيضاح الدلالة فى عموم الرسالة)).
٩

الله عنهم أجمعين ، لم يخالف أحد من طوائف المسلمين فى وجود الجن
ولا فى أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إليهم ، وجمهور
طوائف الكفار على إثبات الجن ، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى
فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين ، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك ،
كما يوجد فى المسلمين من ينكر ذلك كما يوجد فى طوائف المسلمين ،
كالجهمية والمعتزلة من ينكر ذلك ، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها
مقرين بذلك .
وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواتراً معلوما
بالاضطرار ، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة ، بل
مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضاً قائمة بالإنسان أو غيره كما
يزعمه بعض الملاحدة ، فلما كان أمر الجن متواتراً عن الأنبياء تواتراً
ظاهراً تعرفه العامة والخاصة لم يمكن طائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين
بالرسل أن تنكريم ، كما لم يمكن لطائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين
بالرسل إنكار الملائكة ، ولا إنكار معاد الأبدان ولا إنكار عبادة
الله وحده لا شريك له، ولا إنكار أن يرسل الله رسولا من الإنس
إلى خلقه ، ونحو ذلك مما تواترت به الأخبار عن الأنبياء تواتراً تعرفه
العامة والخاصة ، كما تواتر عند العامة والخاصة مجيء موسى إلى فرعون
وغرق فرعون ، ومجيء المسيح إلى اليهود وعداوتهم له، وظهور محمد
١٠

صلى الله عليه وسلم بمكة، وهجرته إلى المدينة ، ومجيئه بالقرآن والشرائع
الظاهرة ، وجنس الآيات الخارقة التى ظهرت على يديه ، كتكثير الطعام
والشراب ، والإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة التى لا يعلمها بشر إلا
بإعلام اللّه وغير ذلك.
ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بسؤال أهل الكتاب عما
( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّرِجَالًّا نُوحِيَّ إِلَيْهِمْ فَتْشَلُواْ أَهْلَ
تواتر عندهم كقوله :
الذِّكْرِ إِن كُ لَا تَعْلَمُونَ ) ؛
فإن من الكفار من أنكر أن
يكون لله رسول بشر، فأخبر الله أن الذين أرسلهم قبل محمد كانوا
بشراً ، وأمر بسؤال أهل الكتاب عن ذلك لمن لا يعلم .
وكذلك سؤالهم عن التوحيد وغيره مما جاءت به الأنبياء وكفر به
الكافرون ، قال تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ
عِلْمُ الْكِتَبِ )، وقال تعالى: (فَإِ كُنْتَ فِ شَاتٍ مَِّّا أَنْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ
يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ)، وقال تعالى: (قُلْ أَرَءَيَّتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ
وَكَفَرْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّ يلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْبْتُمْ ) .
وكذلك شهادة أهل الكتاب بتصديق ما أخبر به من أنباء الغيب
التى لا يعلمها إلا نى أو من أخبره نى، وقد علموا أن محمداً لم يتعلم
١١

من أهل الكتاب شيئاً .
وهذا غير شهادة أهل الكتاب له نفسه بما يجدونه من نعته فى
كتبهم، كقوله تعالى: (أَوَيَكُن لَّمَةً أَنْ يَعْلَهُ( عُلَمْتُ أْبِىِّإِسْرََّيلَ ) ، وقوله
تعالى: (وَاُلَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّكَ بِالْحَقّ )، وأمثال
ذلك .
وهذا بخلاف ما تواتر عند الخاصة من أهل العلم ، كأحاديث
الرؤية وعذاب القبر وفتنته ، وأحاديث الشفاعة والصراط والحوض ،
فهذا قد ينكره بعض من لم يعرفه من أهل الجهل والضلال ؛ ولهذا
أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبى بكر الرازي وغيرهما دخول الجن
فى بدن المصروع ، ولم ينكروا وجود الجن ، إذ لم يكن ظهور هذا في
المنقول عن الرسول كظهور هذا ، وإن كانوا مخطئين فى ذلك . ولهذا
ذكر الأشعري فى مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن الجنى
يدخل فى بدن المصروع كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوأ
لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ )،
وقال عبد
الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي : إن قوماً يزعمون أن الخني لا يدخل
فى بدن الإنسي . فقال : يا بني ! يكذبون ، هو ذا يتكلم على لسانه .
وهذا مبسوط فى موضعه .
١٢

والمقصود هنا أن جميع طوائف المسلمين يقرون بوجود الجن ،
وكذلك جمهور الكفار كعامة أهل الكتاب ، وكذلك عامة مشركي
العرب وغيرهم من أولاد سام ، والهند وغيرهم من أولاد حام ، وكذلك
جمهور الكنعانيين واليونانيين وغيرهم من أولاد يافث . جماهير الطوائف نقر
بوجود الجن ، بل يقرون بما يستجلبون به معاونة الجن من العزائم
والطلاسم، سواء أ كان ذلك سائغاً عند أهل الإيمان أو كان شركا ،
فإن المشركين يقرأون من العزائم والطلاسم والرقى ما فيه عبادة للجن
وتعظيم لهم ، وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التى
لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن .
ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التى لا يفقه معناها ؛ لأنها
مظنة الشرك وإن لم يعرف الراقى أنها شرك . وفى صحيح مسلم عن
عوف بن مالك الأشجعى . قال : كنا نرقي في الجاهلية فقلنا : يا رسول
الله ! كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى
ما لم يكن فيه شرك)». وفى صحيح مسلم أيضاً عن جابر قال : نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله! إنه كانت
عندنا رقية ترقى بها من العقرب ، وإنك نهيت عن الرقى ، قال : فعرضوها
عليه، فقال: ((ما أرى بأساً ، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه »
١٣

وقد كان للعرب ولسائر الأمم من ذلك أمور يطول وصفها ،
وأخبار العرب فى ذلك متواترة عند من يعرف أخبارهم من علماء المسلمين
وكذلك عند غيرهم ، ولكن المسلمين أخبر بجاهلية العرب منهم بجاهلية
سائر الأمم ، إذ كان خير القرون كانوا عربا ، وكانوا قد عاينوا وسمعوا
ما كانوا عليه في الجاهلية ، وكان ذلك من أسباب نزول القرآن فذكروا
فى كتب التفسير والحديث والسير والمغازي والفقه ، فتواترت أيام
جاهلية العرب في المسلمين ، وإلا فسائر الأمم المشركين م من جنس
العرب المشركين فى هذا ، وبعضهم كان أشد كفراً وضلالا من مشركي
العرب ، وبعضهم أخف .
والآيات التى أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم فيها خطاب
لجميع الخلق من الإنس والجن ؛ إذ كانت رسالته عامة للثقلين، وإن
كان من أسباب نزول الآيات ما كان موجوداً فى العرب فليس شيء
من الآيات مختصاً بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين ، وإنما
تنازعوا : هل يختص بنوع السبب المسؤول عنه ؟ وأما بعين السبب
فلم يقل أحد من المسلمين : إن آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان
أو حد السرقة والمحاربين وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذي كان
سبب نزول الآية .
وهذا الذي يسميه بعض الناس تنقيح المناط ، وهو أن يكون
١٤

الرسول صلى الله عليه وسلم حكم فى معين وقد علم أن الحكم لا يختص
به فيريد أن ينقح مناط الحكم ، ليعلم النوع الذي حكم فيه كما أنه لما
أمر الأعرابى الذي واقع امرأته فى رمضان بالكفارة ، وقد علم أن
الحكم لا يختص به ، وعلم أن كونه أعرابياً أو عربياً أو الموطوءة
زوجته لا أثر له ، فلو وطئ المسلم العجمي سريته كان الحكم كذلك.
ولكن هل المؤثر فى الكفارة كونه مجامعاً فى رمضان أو كونه
مفطراً ؛ فالأول مذهب الشافعي وأحمد فى المشهور عنه ، والثانى مذهب
مالك وأبي حنيفة ، وهو رواية منصوصة عن أحمد فى الحجامة فغيرها
أولى ، ثم مالك يجعل المؤثر جنس المفطر ، وأبو حنيفة يجعلها المفطر
كتنوع جنسه ، فلا يوجبه فى ابتلاع الحصاة والنواة .
وتنازعوا هل يشترط أن يكون أفسد صوماً صحيحاً ؟ وأحمد
لا يشترط ذلك ؛ بل كل إمساك وجب فى شهر رمضان أوجب فيه
الكفارة ، كما يوجب الأربعة مثل ذلك فى الإحرام الفاسد ، فالصيام
الفاسد عنده كالإحرام الفاسد كلاهما يجب إتمامه والمضي فيه ، والشافعي
وغيره لا يوجبونها إلا فى صوم صحيح، والنزاع فيمن أكل ثم جامع
أو لم ينو الصوم ثم جامع ، ومن جامع وكفر ثم جامع .
ومثل قوله لمن أحرم بالعمرة في جبة متضمخاً بالخلوق: ((ازع
١٥

عنك الجبة واغسل عنك أثر الصفرة))، هل أمره بالغسل لكون
المحرم لا يستديم الطيب كما يقوله مالك ؟ أو لكونه نهى أن يتزعفر
الرجل فلا يمنع من استدامة الطيب كقول الثلاثة ؟ وعلى الأول فهل
هذا الحديث منسوخ بتطبيب عائشة له فى حجة الوداع ؟
ومثل قوله لما سئل عن فأرة وقعت في سمن: «ألقوها وما حولها
وكلوا سمنكم ))، هل المؤثر عدم التغير بالنجاسة ، أو بكونه جامداً .
أو كونها فأرة وقعت في سمن ، فلا يتعدى إلى سائر المائعات ؟
ومثل هذا كثير ، وهذا لا بد منه في الشرائع ، ولا يسمى قياساً عند
كثير من العلماء كأبي حنيفة ونفاة القياس ؛ لاتفاق الناس على العمل
به كما اتفقوا على تحقيق المناط ، وهو: أن يعلق الشارع الحكم بمعنى
كلي فينظر فى ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان ، كأمره
باستقبال الكعبة ، وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من
الشهداء ، وكتحريمه الخمر والميسر ، وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة،
وكتفريقه بين الفدية والطلاق ؛ وغير ذلك .
فيبقى النظر فى بعض الأنواع : هل هي خمر ويمين وميسر وفدية
أو طلاق ؟ وفى بعض الأعيان : هل هي من هذا النوع ؟ وهل هذا
المصلى مستقبل القبلة ؟ وهذا الشخص عدل مرضى ؟ ونحو ذلك ؛ فإن
هذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين ، بل بين العقلاء فيما
يتبعونه من شرائع دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياه وآخرتهم.
١٦

وحقيقة ذلك يرجع إلى تمثيل الشيء بنظيره وإدراج الجزئى تحت
الكلي ، وذاك يسمى قياس التمثيل ؛ وهذا يسمى قياس الشمول ،
وهما متلازمان ، فإن القدر المشترك بين الأفراد فى قياس الشمول
الذي يسميه المنطقيون الحد الأوسط هو القدر المشترك في قياس
التمثيل الذي يسميه الأصوليون الجامع ؛ والمناط ؛ والعلة ؛ والأمارة ؛
والداعي ، والباعث ؛ والمقتضى ؛ والموجب ؛ والمشترك ؛ وغير ذلك
من العبارات .
وأما تخريج المناط وهو: القياس المحض ، وهو : أن ينص على
حكم في أمور قد يظن أنه يختص الحكم بها فيستدل على أن غيرها
مثلها ، إما لانتفاء الفارق ؛ أو للاشتراك فى الوصف الذي قام الدليل
على أن الشارع علق الحكم به فى الأصل ؛ فهذا هو القياس الذي تقر
به جماهير العلماء وينكره نفاة القياس . وإنما يكثر الغلط فيه لعدم العلم
بالجامع المشترك الذي علق الشارع الحكم به ، وهو الذي يسمى سؤال
المطالبة ، وهو : مطالبة المعترض للمستدل بأن الوصف المشترك بين
الأصل والفرع هو علة الحكم ؛ أو دليل العلة . فأكثر غلط القائسين
من ظنهم علة فى الأصل ما ليس بعلة ، ولهذا كثرت شناعاتهم على أهل
القياس الفاسد . فأما إذا قام دليل على إلغاء الفارق وأنه ليس بين
الأصل والفرع فرق يفرق الشارع لأجله بين الصورتين ؛ أو قام
١٧

الدليل على أن المعنى الفلانى هو الذي لأجله حكم الشارع بهذا
الحكم فى الأصل وهو موجود فى صورة أخرى ؛ فهذا القياس لا ينازع
فيه إلا من لم يعرف هاتين المقدمتين .
وبسط هذا له موضع آخر .
والمقصود هنا : أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة للثقلين:
الإنس والجن على اختلاف أجناسهم ، فلا يظن أنه خص العرب بحكم
من الأحكام أصلا ، بل إنما علق الأحكام باسم مسلم وكافر ؛ ومؤمن
ومنافق ؛ وبر وفاجر ؛ ومحسن وظالم ؛ وغير ذلك من الأسماء المذكورة
فى القرآن والحديث ، وليس فى القرآن ولا الحديث تخصيص العرب
يحكم من أحكام الشريعة ، ولكن بعض العلماء ظن ذلك في بعض الأحكام
وخالفه الجمهور ، كما ظن طائفة منهم أبو يوسف أنه خص العرب بأن
لا يسترقوا، وجمهور المسلمين على أنهم يسترقون كما صحت بذلك
الأحاديث الصحيحة ، حيث استرق بنى المصطلق وفيهم جويرية بنت
الحارث ، ثم أعتقها وتزوجها ، وأعتق بسبيها من استرق من قومها .
وقال فى حديث هوازن: ((اختاروا إحدى الطائفتين : إما السبى؛
وإما المال )) ، وفى الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قال: لا إله إلا الله وحده
١٨

لا شريك له ؛ له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير عشر مرات
كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل)) .
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة أنه كانت سبية من سبى
هوازن عند عائشة فقال: ((أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل))، وعامة
من استرقه الرسول صلى الله عليه وسلم من النساء والصبيان كانوا عرباً
وذكر هذا يطول .
ولكن عمر بن الخطاب لما رأى كثرة السبى من العجم واستغناء
الناس عن استرقاق العرب رأى أن يعتقوا العرب ، من باب مشورة
الإمام وأمره بالمصلحة ؛ لا من باب الحكم الشرعى الذي يلزم الخلق
كلهم ، فأخذ من أخذ بما ظنه من قول عمر ، وكذلك ظن من ظن
أن الجزية لا تؤخذ من مشركي العرب مع كونها تؤخذ من
سائر المشركين .
وجمهور العلماء على أنه لا يفرق بين العرب وغيرهم . ثم منهم من
يجوز أخذها من كل مشرك ، ومنهم من لا يأخذها إلا من أهل
الكتاب والمجوس ؛ وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأخذ
الجزية من مشركي العرب وأخذها من المجوس وأهل الكتاب .
فمن قال : تؤخذ من كل كافر . قال : إن آبة الجزية لما نزلت
١٩

أسلم مشركو العرب ، فإنها نزلت عام تبوك ولم يبق عربي مشرك
محاربا ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليغزو النصارى عام تبوك
بجميع المسلمين - إلا من عذر الله - ويدع الحجاز وفيه من
يحاربه ، ويبعث أبا بكر عام تسع فنادى في الموسم أن لا يحج بعد
العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ونبذ العهود المطلقة وأبقى
المؤقتة ما دام أهلها موفين بالعهد ، كما أمر الله بذلك في أول سورة
التوبة ، وأنظر الذين نبذ إليهم أربعة أشهر ، وأمر عند انسلاخها بغزو
المشركين كافة ، قالوا : فدان المشركون كلهم كافة بالإسلام ، ولم يرض
بذل أداء الجزية ، لأنه لم يكن لمشركي العرب من الدين بعد ظهور
دين الإسلام ما يصبرون لأجله على أداء الجزية عن يد وهم صاغرون ؛
إذ كان عامة العرب قد أسلموا ، فلم يبق لمشركي العرب عن يعتزون به
فدانوا بالإسلام حيث أظهره الله في العرب بالحجة والبيان والسيف
والسنان .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس
حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا
الصلاة؛ ويؤتوا الزكاة)) مراده قتال المحاربين الذين أذن الله فى
قتالهم ، لم يرد قتال المعاهدين الذين أمر اللّه بوفاء عهدهم. وكان
النبى صلى الله عليه وسلم قبل نزول ((براءة)) يعاهد من عاهده من الكفار
٢٠