Indexed OCR Text
Pages 161-180
وهذا التوحيد الذي هو أصل الدين هو أعظم العدل ، وضده وهو الشرك أعظم الظلم ، كما أخرجا في الصحيحين عن عبد الله بن (الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْإِيمَنَهُم مسعود قال : لما نزلت هذه الآية : بِظُلْبٍ ) شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا : أنا لم يظلم نفسه؟ فقال: ((ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم ))؟. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال : قلت : يا رسول اللّه! أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله ندا وهو خلقك)) قلت: ثم أي ؟ قال: ((ثم أن تقتل ولدك خشية أن بطعم معك)) قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تزاني بحليلة جارك)) فأزل اللّه تصديق ذلك : ( وَالَّذِينَ لَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَاللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ) الآية. وقد جاء عن غير واحد من السلف. وروى مرفوعا ((الظلم ثلاثة دواوين : فديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً ، وديوان لا يعبأ اللّه به شيئاً. فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئاً فهو الشرك؛ فإن الله لا يغفر أن يشرك به . وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فهو ظلم العباد بعضهم بعضا ؛ فإن الله لا بد أن ينصف المظلوم من الظالم . وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ١٦١ ربه)) أي: مغفرة هذا الضرب ممكنة بدون رضى الخلق ؛ فإن شاء عذب هذا الظالم لنفسه وإن شاء غفر له . وقد بسطنا الكلام فى هذه الأبواب الشريفة والأصول الجامعة فى القواعد ، وبينا أنواع الظلم ، وبينا كيف كان الشرك أعظم أنواع الظلم، ومسمى الشرك جليله ودقيقه؟ فقد جاء فى الحديث: ((الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)) . وروى أن هذه الآية نزلت (فَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبٍِّ فى أهل الرياء ، وكان شداد بن أوس يقول : يا بقايا العرب ! أَحَدَأْ ) يا بقايا العرب ! إنما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية . قال أبو داود السجستاني صاحب السنن المشهورة : الخفية حب الرياسة . وذلك أن حب الرياسة هو أصل البغى والظلم ، كما أن الرياء هو من جنس الشرك أو مبدأ الشرك . والشرك أعظم الفساد كما أن التوحيد أعظم الصلاح ؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِىءِنِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ، إلى أن ختم السورة بقوله : (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوَّا فِى وقال : (وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّإِسْرَاءِیلَ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ). اَلْكِنَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوَّا كَبِيرًا ) ، وقال : ١٦٢ (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِّ إِسْرَّاءِ يلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْفَسَادٍ فِي اُلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ وقالت الملائكة: (أَتَّجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ جَمِيعًاً ) ، فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) فأصل الصلاح : التوحيد والإيمان ، وأصل الفساد : الشرك والكفر. كما قال عن المنافقين: (وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ )، وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له وبه المقصود الذي يراد منه ؛ ولهذا يقول الفقهاء : العقد الصحيح ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده . والفاسد ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصود ، والصحيح المقابل للفاسد فى اصطلاحهم هو الصالح . وكان يكثر فى كلام السلف: هذا لا يصلح أو يصلح ، كما كثر في كلام المتأخرين بصح ولا يصح ، والله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته ، وبدنه تبع لقلبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((ألا إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد . وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب)) وصلاح القلب : في أن يحصل له وبه المقصود الذي خلق له من ١٦٣ معرفة الله ومحبته وتعظيمه ، وفساده فى ضد ذلك . فلا صلاح للقلوب بدون ذلك قط . والقلب له قوتان : العلم ؛ والقصد . كما أن للبدن الحس ؛ والحركة الإرادية ، فكما أنه متى خرجت قوى الحس والحركة عن الحال الفطري الطبيعي فسدت . فإذا خرج القلب عن الحال الفطرية التى يولد عليها كل مولود وهي أن يكون مقراً لربه مريداً له فيكون هو منتهى قصده وإرادته . وذلك هو العبادة ؛ إذ العبادة : كمال الحب بكال الذل ، فمتى لم تكن حركة القلب ووجهه وإرادته لله تعالى: كان فاسداً ؛ إما بأن يكون معرضاً عن الله وعن ذكره غافلا عن ذلك مع تكذيب أو بدون تكذيب ، أو بأن يكون له ذكر وشعور ولكن قصده وإرادته غيره ، لكون الذكر ضعيفاً لم يجتذب القلب إلى إرادة الله ومحبته وعبادته . وإلا فمتى قوى علم القلب وذكره أوجب قصده وعلمه ، قال تعالى: (فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِ نَاوَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا فأحر نبيه بأن يعرض * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ )، عمن كان معرضاً عن ذكر الله، ولم يكن له مراد إلا ما يكون في الدنيا . وهذه حال من فسد قلبه ؛ ولم يذكر ربه ؛ ولم ينب إليه فيريد وجهه ويخلص له الدين. ثم قال: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ) فأخبر أنهم ١٦٤ لم يحصل لهم علم فوق ما يكون في الدنيا ؛ فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم. وأما المؤمن فأكبر همه هو الله، وإليه انتهى علمه وذكره. وهذا الآن باب واسع عظيم قد تكلمنا عليه فى مواضعه . وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل فسادم . والقسط مقرون بالتوحيد ؛ إذ التوحيد أصل العدل ؛ وإرادة العلو مقرونة بالفساد ؛ إذ هو أصل الظلم ، فهذا مع هذا وهذا مع هذا كالملزوزين فى قرن ، فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل ؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات ؛ وهو البر ؛ وهو العدل. والذنوب التى فيها تفريط أو عدوان فى حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم ؛ ولهذا سمى قطاع الطريق مفسدين ، وكانت عقوبتهم حقاً لله تعالى لاجتماع الوصفين ، والذي يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ ؛ إذ ليس كونك عالياً عليه بأولى من كونه عالياً عليك وكلاكما من جنس واحد ، فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك . والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل ؛ ولهذا قال تعالى: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ أَلََّنَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أُشْهَدُواْبِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، ولهذا كان تخصيصه ١٦٥ بالذكر فى مثل قوله : (قُلْ أَمَرَبِ بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَكُلِّ لا يمنع أن يكون داخلا مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) فى القسط ، كما أن ذكر العمل الصالح بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلا فى الإيمان، كما فى قوله: (وَمَلَئِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ وَمِيكَلَ) و(مِنَ التَِّنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ)، هذا إذا قيل: إن اسم الإيمان يتناوله. سواء قيل : إنه في مثل هذا يكون داخلا فى الأول فيكون مذكوراً مرتين ، أو قيل : بل عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفرداً ، كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين وأمثال ذلك مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران . لكن المقصود : أن كل خير فهو داخل فى القسط والعدل ، وكل شر فهو داخل في الظلم . ولهذا كان العدل أمراً واجباً فى كل شيء وعلى كل أحد ، والظلم محرما فى كل شيء ولكل أحد ، فلا يحل ظلم أحد أصلا ، سواء كان مسلماً أو كافراً أو كان ظالماً ، بل الظلم إنما يباح أو يجب فيه العدل عليه أيضاً ، قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِّ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَانُ)، أي: لا يحملنكم شنآن ، أي: بغض قوم - وهم الكفار - على عدم العدل: (قَوْمٍ عَلَىّ أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ ، وقال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) وقال تعالى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) ، ١٦٦ مَاعُوقِبْتُمبِهِ )، وقال تعالى: (وَجَزَّؤُأْسَيِّئَةٍ سَيِنَّةٌ مِّثْلُهَا ) . وقد دل على هذا قوله في الحديث: (( يا عبادي! إنى حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)) فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحد أحداً ، وأمر العالم فى الشريعة مبنى على هذا ، وهو العدل فى الدماء والأموال ، والأبضاع والأنساب ؛ والأعراض . ولهذا جاءت السنة بالقصاص في ذلك ، ومقابلة العادي بمثل فعله . لكن المائلة قد يكون علمها أو عملها متعذراً أو متعسراً ؛ ولهذا يكون الواجب ما يكون أقرب إليها بحسب الإمكان ، ويقال : هذا أمثل ؛ وهذا أشبه . وهذه الطريقة المثلى لما كان أمثل بما هو العدل والحق فى نفس الأمر؛ إذ ذاك معجوز عنه، ولهذا قال تعالى: (وَأَوْفُواْالْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَانُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )، فذكر أنه لم يكلف نفساً إلا وسعها حين أمر بتوفية الكيل والميزان بالقسط ؛ لأن الكيل لا بد له أن يفضل أحد المكيلين على الآخر ولو بحبة أو حبات ، وكذلك التفاضل فى الميزان قد يحصل بشيء يسير لا يمكن الاحتراز منه ، فقال تعالى: (لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) . ولهذا كان القصاص مشروعا إذا أمكن استيفاؤه من غير جنف ، كالاقتصاص فى الجروح التى تنتهي إلى عظم . وفى الأعضاء التى تنتهى إلى مفصل ، فإذا كان الجنف واقعاً فى الاستيفاء عدل إلى بدله وهو ١٦٧ الدية ؛ لأنه أشبه بالعدل من إتلاف زيادة في المقتص منه ، وهذه حجة من رأى من الفقهاء أنه لا قود إلا بالسيف فى العنق ، قال : لأن القتل بغير السيف وفي غير العنق لا نعلم فيه الماثلة ، بل قد يكون التحريق والتغريق والتوسيط ونحو ذلك أشد إيلاما ؛ لكن الذين قالوا : يفعل به مثل ما فعل قولهم أقرب إلى العدل ؛ فإنه مع تحرى التسوية بين الفعلين يكون العبد قد فعل ما يقدر عليه من العدل ، وما حصل من تفاوت الألم خارج عن قدرته . وأما إذا قطع يديه ورجليه ثم وسطه فقوبل ذلك بضرب عنقه بالسيف ؛ أو رض رأسه بين حجرين فضرب بالسيف ، فهنا قد تيقنا عدم المعادلة والماثلة . وكنا قد فعلنا ما تيقنا انتفاء الماثلة فيه ، وأنه يتعذر معه وجودها ، بخلاف الأول فإن المائلة قد تقع ؛ إذ التفاوت فيه غير متيقن . وكذلك القصاص في الضربة واللطمة ونحو ذلك عدل عنه طائفة من الفقهاء إلى التعزير ؛ لعدم إمكان الماثلة فيه . والذى عليه الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة وهو منصوص أحمد : ما جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثبوت القصاص به ؛ لأن ذلك أقرب إلى العدل والماثلة. فإنا إذا تحرينا أن نفعل به من جنس فعله ونقرب ١٦٨ القدر من القدر كان هذا أمثل من أن نأتى بجنس من العقوبة تخالف عقوبته جنساً وقدراً وصفة . وهذا النظر أيضا فى ضان الحيوان والعقار ونحو ذلك بمثله تقريباً أو بالقيمة ، كما نص أحمد على ذلك فى مواضع ضمان الحيوان وغيره . ونص عليه الشافعي فيمن خرب حائط غيره : أنه يبنيه كما كان . وبهذا قضى سليمان عليه السلام فى حكومة الحرث التى حكم فيها هو وأبوه؛ كما قد بين ذلك فى موضعه . جميع هذه الأبواب المقصود للشريعة فيها بحرى العدل بحسب الإمكان وهو مقصود العلماء ، لكن أفهمهم من قال بما هو أشبه بالعدل فى نفس الأمر ، وإن كان كل منهم قد أوتى علما وحكما ؛ لأنه هو الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل، وضده الظلم، كما قال سبحانه: (( يا عبادي! إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا)) . ولما كان العدل لابد أن يتقدمه على - إذ من لا يعلم لا يدري ما العدل ؟ والإنسان ظالم جاهل إلا من تاب الله عليه فصار عالما عادلا - صار الناس من القضاة وغيرهم ثلاثة أصناف : العالم الجائر، والجاهل الظالم ؛ فهذان من أهل النار ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ١٦٩ («القضاة ثلاثة: قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة: رجل علم الحق وقضى به فهو فى الجنة ؛ ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ؛ ورجل على الحق وقضى بخلافه فهو فى النار)) فهذان القسمان كما قال : ((من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ، ومن قال فى القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ مقعده من النار )) . وكل من حكم بين اثنين فهو قاض ، سواء كان صاحب حرب أو متولى ديوان أو منتصباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام . ولما كان الحكام مأمورين بالعدل والعلم وكان المفروض إنما هو بما يبلغه جهد الرجل قال النى صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)). ـل فلما ذكر فى أول الحديث ما أوجبه من العدل وحرمه من الظلم على نفسه وعلى عباده: ذكر بعد ذلك إحسانه إلى عباده مع غناه عنهم وفقرم إليه ، وأنهم لايقدرون على جلب منفعة لأنفسهم ولا دفع مضرة إلا أن يكون هو الميسر لذلك . وأمر العباد أن يسألوه ذلك ، وأخبر ١٧٠ أنهم لا يقدرون على نفعه ولا ضره مع عظم ما يوصل إليهم من النعماء ؛ ويدفع عنهم من البلاء . وجلب المنفعة ودفع المضرة إما أن يكون فى الدين أو في الدنيا ؛ فصارت أربعة أقسام : الهداية : والمغفرة؛ وهما: جلب المنفعة ودفع المضرة فى الدين ، والطعام ؛ والكسوة ، وهما : جلب المنفعة ودفع المضرة فى الدنيا . وإن شئت قلت : الهداية والمغفرة يتعلقان بالقلب الذي هو ملك البدن ، وهو الأصل في الأعمال الإرادية . والطعام والكسوة بتعلقان بالبدن: الطعام لجلب منفعته واللباس لدفع مضرته . وفتح الأمر بالهداية فإنها وإن كانت الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين فكل أعمال الناس تابعة لهدى اللّه إيام، كما قال سبحانه: (سَيِّج أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَفَهَدَى)، وقال وقال تعالى : ( رَبِّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى). موسى : وقال : (إِنَّاهَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا (وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ) كَفُورًا ) . ولهذا قيل : الهدى أربعة أقسام : ( أحدها ) : الهداية إلى مصالح الدنيا ؛ فهذا مشترك بين الحيوان الناطق والأعجم ؛ وبين المؤمن والكافر . ١٧١ ( والثانى) الهدى بمعنى دعاء الخلق إلى ما ينفعهم وأمريم بذلك ، وهو نصب الأدلة وإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فهذا أيضاً يشترك فيه جميع المكلفين ، سواء آمنوا أو كفروا ، كما قال تعالى: ( وَأَمَّا وقال تعالى: ( إِنَّمَا أَنَتَ ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّوْاُلْعَمَى عَلَىَ اُلْهُدَى ) ، مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ). وقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ ◌ُسْتَقِيمٍ)، فهذا مع قوله : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ) يبين أن الهدى الذي أثبته هو البيان والدعاء ؛ والأمر والنهي ؛ والتعليم وما يتبع ذلك ، ليس هو الهدى الذى نفاه ، وهو القسم الثالث الذي لا يقدر عليه إلا الله. والقسم الثالث : الهدى الذى هو جعل الهدى في القلوب . وهو الذي يسميه بعضهم بالإلهام والإرشاد ، وبعضهم يقول : هو خلق القدرة على الإيمان ؛ كالتوفيق عندم ونحو ذلك ، وهو بناء على أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فمن قال ذلك من أهل الإثبات جعل التوفيق والهدى ونحو ذلك خلق القدرة على الطاعة . وأما من قال : إنهما استطاعتان : إحداهما : قبل الفعل ، وهي الاستطاعة المشروطة فى التكليف ، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )، ١٧٢ وقال النبى صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب)) وهذه الاستطاعة يقترن بها الفعل تارة والترك أخرى ، وهي الاستطاعة التى لم تعرف القدرية غيرها ، كما أن أولئك المخالفين لهم من أهل الإثبات لم يعرفوا إلا المقارنة . وأما الذي عليه المحققون من أئمة الفقه والحديث والكلام وغيرهم فإثبات النوعين جميعاً، كما قد بسطناه فى غير هذا الموضع ؛ فإن الأدلة الشرعية والعقلية تثبت النوعين جميعاً . والثانية : المقارنة للفعل ؛ وهي الموجبة له ، وهي المنفية عمن لم يفعل في مثل قوله: (مَاكَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوْيُبْصِرُونَ ). وفى قوله : (لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) وهذا الهدى الذي يكثر ذكره فى القرآن فى مثل قوله: (اهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وقوله: (فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِ يَهُ يَشْرَعْ صَدْرَ مُ لْإِسْلَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًّا حَرَجًا)، وفى قوله: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَلَهُ وَلِيَّا قُرْشِدًا )، وأمثال ذلك . وهذا هو الذي تنكر القدرية أن يكون الله هو الفاعل له ، ويزعمون أن العبد هو الذي يهدي نفسه . وهذا الحديث وأمثاله حجة عليهم ؛ حيث قال: (( يا عبادي ! كلكم ضال إلا من هدیته، فاستهدونی أهدكم ))، فأمر العباد بأن يسألوه الهداية، كما أمرم بذلك في أم ١٧٣ الكتاب فى قوله: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وعند القدرية أن الله لا يقدر من الهدى إلا على ما فعله من: إرسال الرسل ونصب الأدلة وإزاحة العلة ، ولا مزية عندم للمؤمن على الكافر فى هداية الله تعالى ، ولا نعمة له على المؤمن أعظم من نعمته على الكافر فى باب الهدى . وقد بين الاختصاص فى هذه بعد عموم الدعوة فى قوله: ( وَاللَّهُ يَدْ عُوَّمْإِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ ) ، فقد جمع الحديث : تنزيهه عن الظلم الذى يجوزه عليه بعض المثبتة ، وبيان أنه هو الذى يهدى عباده ، رداً على القدرية . فأخبر هناك بعدله الذى يذكره بعض المثبتة ، وأخبر هنا بإحسانه وقدرته الذى تنكر. القدرية ، وإن كان كل منهما قصده تعظيما لا يعرف ما اشتمل عليه قوله . والقسم الرابع : الهدى فى الآخرة ، كما قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ جَتَّاتٍ تَجْرِى مِن ◌َحْتِهَا الْأَنْهَرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَامِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُوَّ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوَأ إِلَى الَّيِّبِ مِن وقال : (إِنَّالَّذِينَ اَلْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ). ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ يَهْدِيهِمْرَتُهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْنِمُ الْأَنْهَرُ فِ جَنَّتِ فقوله: (يَهْدِيهِمْرَبُهُم بِإِيمَنِهِمْ ) كقوله: النَّعِيمِ ) ، ١٧٤ ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّبَعَنْهُمْ ذُرِّيَُّهُم بِإِيمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ وَمَآ أَنْتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِنْ شَىْءٍ ) على أحد القولين فى الآية . وهذا الهدى ثواب الاهتداء فى الدنيا ، كما أن ضلال الآخرة جزاء ضلال الدنيا ؛ وكما أن قصد الشر فى الدنيا جزاؤه الهدى إلى طريق النار ، كما قال تعالى : (أَحْشُرُواْالَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوْيَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ). وقال: (وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَنْ فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا )، وقال : (فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِى هُدَّى فَمَنِ أَتََّعَ هُدَاءَ فَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبٍ لِمَحَشَّرْتَفِىّ أَعْمَى وَقَدَكُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَءَايَتُنَا فَنَسِينَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُسَى ) ، وقال : (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَ مَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ، وَنَحْشَرُهُمْ يوم الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَتُكْمًا وَصُنّاً ) الآية ، فأخبر أن الضالين فى الدنيا يحشرون يوم القيامة عمياً وبكما وصا ، فإن الجزاء أبداً من جنس العمل، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء ))، وقال: (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله فى الدنيا ١٧٥ والآخرة، والله فى عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)). وقال: ((من سئل عن علم يعلمه فكتمه الجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)). وقد قال تعالى: (وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْاْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)، وقال: (إِن نُبْدُ واخَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْتَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا )، وأمثال هذا كثير في الكتاب والسنة . ولهذا أيضاً يجزى الرجل فى الدنيا على ما فعله من خير الهدى بما يفتح عليه من هدى آخر ، ولهذا قيل : من عمل بما علم ورثه الله علم مالم يعلم. وقد قال تعالى: (وَلَوْأَنَّهُمْ فَعَلُوَ أْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرَالَهُمْ وَأَشَدَّ تَتْبِيْتًا) إلى قوله: (مستقيما )، وقال: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اُللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ ) . وقال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَءَامِنُواْبِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ). وقال: (إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ ٠٠٠ يَجْعَل ◌َّكُمْ فُرْقَانًا) ، فسروه بالنصر والنجاة ، كقوله : ( يَوْمَ اٌلْفُرْقَانِ ) . وقد قيل : نور يفرق به بين الحق والباطل. ومثله قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبُ ) وعد المتقين بالمخارج من الضيق وبرزق المنافع . ومن هذا الباب قوله: (وَاُلَّذِينَ اهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَمُهُمْ تَقْوَهُمْ )، ١٧٦ ومنه ( إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْبِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدِّى) . وقوله : قوله: (إِنَّا فَتَحْنَالَكَ فَتْحَامُّبِينًا * لِيَغْفِرَلَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّنِعْمَتَهُ. عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا). وبإزاء ذلك أن الضلال والمعاصي تكون بسبب الذنوب المتقدمة ، كما قال الله: (فَلَمَّا زَاغُواْأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلّفُ بَلْ طَبَعَاللَّهُ وقال : ( فَإِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ) وقال: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَأَتَمَنِهِمْ ) قَسِيَّةٌ) . إلى قوله : ( لَا يُؤْمِنُونَ ) إلى قوله: ( يَعْمَهُونَ). وهذا باب واسع . ولهذا قال من قال من السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها . وقد شاع فى لسان العامة أن قوله : (وَأَتَّقُواْ اللّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) من الباب الأول؛ حيث يستدلون بذلك على أن التقوى سبب تعليم الله ، وأكثر الفضلاء بطعنون فى هذه الدلالة لأنه لم يربط الفعل الثانى بالأول ربط الجزاء بالشرط ، فلم يقل؛ واتقوا الله يعلمكم، ولا قال فيعدكم. وإنما أتى بواو العطف ، وليس من العطف ما يقتضي أن الأول سبب الثانى، وقد يقال العطف قد يتضمن معنى الاقتران والتلازم ، كما يقال : زرنى وأزورك؛ وسلم علينا ونسلم ١٧٧ عليك ، ونحو ذلك مما يقتضى اقتران الفعلين والتعاوض من الطرفين ، كما لو قال لسيده: أعتقنى ولك علي ألف ؛ أو قالت المرأة لزوجها طلقني ولك ألف ؛ أو اخلعى ولك ألف ؛ فإن ذلك بمنزلة قولها بألف أو علي ألف . وكذلك أيضاً لو قال : أنت حر وعليك ألف ، أو أنت طالق وعليك ألف ؛ فإنه كقوله : علي ألف أو بألف عند جمهور الفقهاء . والفرق بينهما قول شاذ، ويقول أحد المتعاوضين للآخر: أعطيك هذا وآخذ هذا ، ونحو ذلك من العبارات ، فيقول الآخر : نعم ! وإن لم يكن أحدهما هو السبب للآخر دون العكس. فقوله: (وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ) قد يكون من هذا الباب ، فكل من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر وبلازمه ويقتضيه ، فمتى علمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك ، ومتى اتقاء زاده من العلم وهلم جرا . فصل وأما قوله: ((ياعبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعمونى أطعمكم، وكلكم عار إلا من كسوته، فاستكسونى أكسكم ، فيقتضي أصلين عظيمين : ١٧٨ ( أحدهما ): وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة كالطعام ، ودفع المضرة كاللباس ، وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة . وإنما القدرة التى يحصل لبعض العباد تكون على بعض أسباب ذلك؛ ولهذا قال: (وَعَلى المَوَّلُودِلَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ وقال: (وَلَا تُؤْتُواْالسُّفَهَاءَ أَمْوَ لَكُمُ الَِّ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا بِالْعْرُوفِ ) وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ ) ، فالمأمور به هو المقدور للعباد، وكذلك قوله: (أَوْإِطْعَمٌ فِ يَوْمِذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيِمَاذَا مَقْرَبَةٍ أَوْمِسْكِيْنَاذَا مَتْرَبَةٍ )، وقوله: ( وَأَطْعِمُواْالْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)، وقوله: (فَكُلُواْمِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآَيِسَ اٌلْفَقِيرَ )، وقال: (وَإِذَاقِيلَ لَهُمْأَنْفِقُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْطْعِمُ مَن لَّوْنَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ )، فذم من يترك المأمور به اكتفاء بما يجرى به القدر . ومن هنا يعرف أن السبب المأمور به أو المباح لا ينافي وجوب التوكل على الله في وجود السبب؛ بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب ؛ إذ ليس فى المخلوقات ما هو وحده سبب تام لحصول المطلوب ؛ ولهذا لا يجب أن تقترن الحوادث بما قد يجعل سبباً إلا بمشيئة الله تعالى ؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فمن ظن الاستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ما أوجب الله عليه من التوكل ؛ وأخل بواجب التوحيد ، ولهذا يخذل أمثال هؤلاء ١٧٩ إذا اعتمدوا على الأسباب . فمن رجا نصرا أو رزقا من غير الله خذله الله ، كما قال علي رضي الله عنه: لا يرجون عبد إلا ربه ، ولا يخافن إِلا ذنبه. وقد قال تعالى: (مَّ يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا وقال يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُمِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّ هُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَاَرَآءَ لِفَضْلِهِ ،يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْعِبَادِهِ. ) ، وقال : ( قُلْ أَفَرَءَيْتُمْ مَاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِِّ أَوْأَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ ). وهذا كما أن من أخذ يدخل فى التوكل تاركاً لما أمر به من الأسباب فهو أيضاً جاهل ظالم ؛ عاص الله بترك ما أمره ؛ فإن فعل المأمور به عبادة لله. وقد قال تعالى: (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) ، وقال: (قُلْ هُوَرَبِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، وقال : (عَلَيْهِتَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ ) ، وقال شعيب عليه السلام : وقال: (وَمَا أُخْتَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى الَّهِ ذَالِكُمُ اللَّهُ ◌ُنِيبُ ) ، وقال : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ رَبِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيْبُ ). أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِى إِنَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَؤْ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَابِكُمْ وَبَدَابَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّ قَوْلَ إِبْزِهِيَمَ ١٨٠