Indexed OCR Text

Pages 41-60

وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم
بالحديث وإن لم يعرف غيرهم أنه متواتر؛ ولهذا كان أكثر متون الصحيحين
مما يعلم علماء الحديث علما قطعياً أن النبى صلى الله عليه وسلم قاله.
تارة لتواتره عندم ، وتارة لتلقى الأمة له بالقبول .
وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من
أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وهو قول أكثر أصحاب
الأشعري كالإسفرائينى وابن فورك ؛ فإنه وإن كان فى نفسه لا يفيد إلا
الظن ؛ لكن لما اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق
كان بمنزلة إجماع أهل العلم بالفقه على حكم مستندين فى ذلك إلى ظاهر
أو قياس أو خبر واحد ، فإن ذلك الحكم بصير قطعياً عند الجمهور وإن
كان بدون الإجماع ليس بقطعي ؛ لأن الإجماع معصوم ، فأهل العلم
بالأحكام الشرعية لا يجمعون على تحليل حرام ولا تحريم حلال، كذلك أهل
العلم بالحديث لا يجمعون على التصديق بكذب ولا التكذيب بصدق .
وتارة يكون علم أحدم لقرائن تحتف بالأخبار توجب لهم العلم ، ومن
علم ما علموه حصل له من العلم ما حصل لهم .
٤١

ـصـل
وأما ((شرط البخاري ومسلم)) فلهذا رجال يروى عنهم يختص بهم.
ولهذا رجال يروى عنهم يختص بهم ، وهما مشتركان في رجال آخرين ،
وهؤلاء الذين اتفقا عليهم عليهم مدار الحديث المتفق عليه. وقد يروي أحدم
عن رجل فى المتابعات والشواهد دون الأصل، وقد يروى عنه ما عرف
من طريق غيره ولا يروي ما انفرد به ، وقد يترك من حديث الثقة ما
علم أنه أخطأ فيه ، فيظن من لاخبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص
يحتج به أصحاب الصحيح وليس الأمر كذلك ؛ فإن معرفة علل الحديث
علم شريف يعرفه أئمة الفن : كيحيى بن سعيد القطان ، وعلي بن المدنى ،
وأحمد بن حنبل ، والبخاري صاحب الصحيح ، والدار قطنى ، وغيرهم .
وهذه علوم يعرفها أصحابها ، والله أعلم.
٤٢

وسئل :
ما معنى قول بعض العلماء : هذا حديث ضعيف أو ليس
بصحيح ؟ وإذا كان فى المسألة روايتان أو وجهان فهل يباح للإنسان أن
يقلد أحدهما ؟ أم كيف الاعتماد في ذلك ؟ .
فأحاب :
العالم قد يقول : ليس بصحيح أي : هذا القول ضعيف فى الدليل
وإن كان قد قال به بعض العلماء، والحديث الضعيف مثل الذى رواه من
ليس بثقة: إما لسوء حفظه، وإما لعدم عدالته ، وإذا كان فى المسألة
قولان فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين وإلا قلد بعض
العلماء الذين يعتمد عليهم فى بيان أرجح القولين .
٤٣

قال شيخ الإسلام رحمه الله
الخبر إما أن يعلم صدقه أو كذبه أولا :
الأول : ما علم صدقه ، وهو فى غالب الأمر بانضمام القرائن إليه :
إما رواية من لا يقتضي العقل تعمدهم وتواطؤم على الكذب، أو احتفاف
قرائن به، وهو على ضربين: أحدهما : ضروري ليس للنفس فى حصوله
كسب، و(١) ومنه ما تلقته الأمة بالقبول وأجمعوا على العمل به، أو
استندوا إليه فى العمل لأنه لو كان باطلا [ لم يعملوا به لامتناع (١) ]
اجتماعهم على الخطأ وهو (١) ولا يضره كونه بنفسه [ لا ] يفيد العلم
كالحكم المجمع عليه المستند إلى قياس واجتهاد ورأي و(١) ل المختلف(٢)
هو فى نفسه ظنى فكيف ينقلب قطعياً ، ولم يعلم أن الظن والقطع من
عوارض اعتقاد الناظر بحسب ما يظهر له من الأدلة ، والخبر فى نفسه لم
يكتسب صفة .
الثاني : ما يعلم كذبه بتكذيب العقل الصريح أو الكتاب أو
(١) بياض بالأصل .
(٢) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( والمختلف فيه ) .
٤٤

السنة أو الإجماع أو غير ذلك عند أقسام تلك التأويلات وهو كثير ،
أو بقرائن، والقرائن فى البابين لا تحصل محققة إلا لذى دراية بهذا
الشأن ، وإلا فغيرم جهلة به .
الثالث : المحتمل ، وينقسم إلى مستفيض وغيره ، وله درجات ،
فالخبر الذي رواه الصديق والفاروق لا يساوي مارواه غيرهما من أصاغر
الصحابة وقليل الصحبة .
فصل
الخطأ في الخبر يقع من الراوي إما عمدا أو سهواً ؛ ولهذا اشترط
في الراوي العدالة لنأمن من تعمد الكذب ، والحفظ والتيقظ لتأمن
من السهو .
والسهوله أسباب :
أحدها : الاشتغال عن هذا الشأن بغيره فلا ينضبط له ، ككثير
من أهل الزهد والعبادة .
وثانيها : الخلو عن معرفة هذا الشأن .
٤٥

وثالثها : التحديث من الحفظ ؛ فليس كل أحد يضبط ذلك .
ورابعها : أن يدخل فى حديثه ما ليس منه ويزور عليه .
وخامسها : أن يركز إلى الطلبة فيحدث بما يظن أنه من حديثه.
وسادسها : الإرسال ، وربما كان الراوي له غير مرضي .
وسابعها : التحديث من كتاب ؛ لإمكان اختلافه .
فلهذه الأسباب وغيرها اشترط أن يكون الراوي حافظاً ضابطاً ،
معه من الشرائط ما يؤمن معه كذبه من حيث لا يشعر ، وربما كان
لا يسهو ثم وقع له السهو فى الآخر من حديثه ، فسبحان من لا يزل
ولا يسهو ، وذلك يعرفه أرباب هذا الشأن برواية النظراء والأقران ،
وربما كان مغفلا واقترن بحديثه ما يصححه كقرائن تبين أنه حفظ ما
حدث به وأنه لم يخلط في الجميع .
وتعمد الكذب له أسباب :
أحدها: الزندقة والإلحاد فى دين الله (وَيَأَبَى اللَّهُإلَّ أَن يُشِزَّ
نُورَهُوَلَوْكَرِهَ اَلْكَفِرُونَ ) .
وثانيها : نصرة المذاهب والأهواء ، وهو كثير في الأصول
والفروع والوسائط .
٤٦

وثالثها : الترغيب والترهيب لمن يظن جواز ذلك .
ورابعها : الأغراض الدنيوية لجمع الحطام.
وخامسها : حب الرياسة بالحديث الغريب .
فصل
الراوي إما أن نقبل روايته مطلقاً أو مقيداً ، فأما المقبول إطلاقا
فلابد أن يكون مأمون الكذب بالمظنة ، وشرط ذلك العدالة وخلوه
عن الأغراض والعقائد الفاسدة التى يظن معها جواز الوضع ، وأن
يكون مأمون السهو بالحفظ والضبط والإتقان ، وأما المقيد فيختلف
باختلاف القرائن ، ولكل حديث ذوق ، ويختص بنظر ليس للآخر .
فصل
كم من حديث صحيح الاتصال ، ثم يقع فى أثنائه الزيادة والنقصان
غرب زيادة لفظة تحيل المعنى ونقص أخرى كذلك ، ومن مارس هذا
الفن لم يكد يخفى عليه مواقع ذلك ، ولتصحيح الحديث وتضعيفه أبواب
تدخل ، وطرق تسلك ، ومسالك تطرق .
٤٧

قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصل
وأما عدة الأحاديث المتواترة التى فى الصحيحين فلفظ المتواتر :
يراد به معان ؛ إذ المقصود من المتواتر ما يفيد العلم ، لكن من الناس
من لا يسمى متواتراً إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلا بكثرة
عددهم فقط ، ويقولون : إن كل عدد أفاد العلم فى قضية أفاد مثل ذلك
العدد العلم في كل قضية ، وهذا قول ضعيف .
والصحيح ما عليه الأكثرون : أن العلم يحصل بكثرة المخبرين
قارة ، وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم ، وقد يحصل بقرائن تحتف
بالخبر يحصل العلم بمجموع ذلك ، وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة .
وأيضاً فالخبر الذي تلقاء الأئمة بالقبول تصديقاً له أو عملا بموجبه
يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف ، وهذا في معنى المتواتر ؛ لكن
من الناس من يسميه المشهور والمستفيض ، ويقسمون الخبر إلى متواتر
٤٨

ومشهور وخبر واحد ، وإذا كان كذلك فأكثر متون الصحيحين معلومة
متقنة تلقاها أهل العلم بالحديث بالقبول والتصديق وأجمعوا على صحتها ،
وإجماعهم معصوم من الخطأ ، كما أن إجماع الفقهاء على الأحكام معصوم
من الخطأ ، ولو أجمع الفقهاء على حكم كان إجماعهم حجة وإن كان
مستند أحدم خبر واحد أو قياس أو عموم ، فكذلك أهل العلم
بالحديث إذا أجمعوا على صحة خبر أفاد العلم ، وإن كان الواحد منهم
يجوز عليه الخطأ ؛ لكن إجماعهم معصوم عن الخطأ .
ثم هذه الأحاديث التى أجمعوا على صحتها قد تتواتر وتستفيض عند
بعضهم دون بعض ، وقد يحصل العلم بصدقها لبعضهم لعلمه بصفات
المخبرين ، وما اقترن بالخبر من القرائن التى تفيد العلم ، كمن سمع خبراً
من الصديق أو الفاروق يرويه بين المهاجرين والأنصار ، وقد كانوا
شهدوا منه ما شهد ، وم مصدقون له فى ذلك، وهم مقرون له على
ذلك، وقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) هو مما تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق
وليس هو فى أصله متواتراً ؛ بل هو من غرائب الصحيح ، لكن لما
تلقوه بالقبول والتصديق صار مقطوعا بصحته .
وفى السنن أحاديث تلقوها بالقبول والتصديق ، كقوله صلى الله
عليه وسلم: ((لا وصية لوارث)) فإن هذا مما تلقته الأمة بالقبول والعمل
بموجبه ، وهو فى السنن ليس فى الصحيح .
٤٩

وأما عدد ما يحصل به التواتر فمن الناس من جعل له عدداً
محصوراً ، ثم يفرق هؤلاء ، فقيل : أكثر من أربعة ، وقيل : اتنا
عشر ، وقيل : أربعون ، وقيل : سبعون ، وقيل : ثلاثمائة وثلاثة عشر
وقيل : غير ذلك . وكل هذه الأقوال باطلة لتكافئها فى الدعوى .
والصحيح الذي عليه الجمهور : أن التواتر ليس له عدد محصور ، والعلم
الحاصل بخبر من الأخبار يحصل فى القلب ضرورة ، كما يحصل الشبع عقيب
الأكل والري عند الشرب ، وليس لما يشبح كل واحد ويرويه قدر
معين ؛ بل قد يكون الشبع لكثرة الطعام ، وقد يكون لجودته كاللحم
وقد يكون لاستغناء الآ كل بقليله ؛ وقد يكون لاشتغال نفسه بفرح،
أو غضب ؛ أو حزن ونحو ذلك .
كذلك العلم الحاصل عقيب الخبر ، تارة يكون لكثرة المخبرين ،
وإذا كثروا فقد يفيد خبرم العلم ، وإن كانوا كفاراً. وتارة يكون
لدينهم وضبطهم . قرب رجلين أو ثلاثة يحصل من العلم يخبرهم ما لا
يحصل بعشرة وعشرين لا يوثق بدينهم وضبطهم ، وتارة قد يحصل
العلم بكون كل من المخبرين أخبر بمثل ما أخبر به الآخر مع العلم
بأنهما لم يتواطآ ، وأنه يمتنع في العادة الانفاق فى مثل ذلك ، مثل من
يروى حديثاً طويلا فيه فصول ويروبه آخر لم يلقه . وتارة يحصل العلم
بالخبر لمن عنده الفطنة والذكاء والعلم بأحوال المخبرين وبما أخبروا به
٥٠

ما ليس لمن له مثل ذلك . وتارة يحصل العلم بالخبر لكونه روى
بحضرة جماعة كثيرة شاركوا المخبر فى العلم ولم يكذبه أحد منهم؛ فإن الجماعة
الكثيرة قد يمتنع تواطؤم على الكتمان ، كما يمتنع تواطؤهم على الكذب.
وإذا عرف أن العلم بأخبار المخبرين له أسباب غير مجرد العدد
علم أن من قيد العلم بعدد معين وسوى بين جميع الأخبار فى ذلك
فقد غلط غلطاً عظيما ؛ ولهذا كان التواتر ينقسم إلى : عام ؛ وخاص ،
فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما لم يتواتر عند
العامة ، كسجود السهو، ووجوب الشفعة ، وحمل العاقلة العقل ، ورجم الزاني
المحصن ؛ وأحاديث الرؤية وعذاب القبر؛ والحوض والشفاعة ؛ وأمثال ذلك.
وإذا كان الخبر قد تواتر عند قوم دون قوم ، وقد يحصل
العلم بصدقه لقوم دون قوم ، فمن حصل له العلم به وجب عليه
التصديق به والعمل بمقتضاه، كما يجب ذلك فى نظائره، ومن لم
يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإجماع الذين أجمعوا
على صحته ، كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إلى من أجمع
عليها من أهل العلم ؛ فإن اللّه عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة
وإنما يكون إجماعها بأن يسلم غير العالم للعالم ؛ إذ غير العالم لا يكون
له قول، وإنما القول للعالم، فكما أن من لا يعرف أدلة الأحكام
لا يعتد بقوله فمن لا يعرف طرق العلم بصحة الحديث لا يعتد بقوله ،
بل على كل من ليس بعالم أن يتبع إجماع أهل العلم .
٥١

وقال أيضاً
فى الرد على بعض أئمة أهل الكلام لما تكلموا في المتأخرين من
أهل الحديث وذموم بقلة الفهم، وأنهم لا يفهمون معاني الحديث ،
ولا يميزون بين صحيحه من ضعيفه ويفتخرون عليهم بحذقهم ، ودقة
علومهم فيها ، فقال - رحمه الله تعالى - :
لا ريب أن هذا موجود فى بعضهم ، يحتجون بأحاديث موضوعة
فى مسائل الفروع والأصول ، وآثار مفتعلة ، وحكايات غير صحيحة ،
ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه ، وقد رأيت من
هذا عجائب ؛ لكنهم بالنسبة إلى غيرم فى ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية
الملل، فكل شر فى بعض المسلمين فهو في غيرم أكثر ، وكل خير
يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم ، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى
غيرهم ، وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها ، تكلف هؤلاء
من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر ، وما أحسن قول
الإمام أحمد : ضعيف الحديث خير من الرأي !
وقد أمر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة
٥٢

من أبي الحسن الآمدي ، وقال : أخذها منه أفضل من أخذ عكا .
مع أن الآمدي لم يكن فى وقته أكثر تبحراً فى الفنون الكلامية
والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاما، وأمثلهم اعتقاداً، ومن
المعلوم أن الأمور الدقيقة - سواء كانت حقاً أو باطلا ؛ إيماناً أو
كفراً - لا تدرك إلا بذكاء وفطنة؛ فلذلك يستجهلون من لم يشركهم
في عملهم وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم ؛ إذا كان منه قصور فى
( إِنَّالَّذِينَ
الذكاء والبيان ، وهم كما قال الله تعالى :
أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُو أَيَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَنَغَامَزُونَ ) الآيات . فإذا
نقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس
بعلم وقد لا يحصل لكثير منهم منها ما يستفيد به الإيمان الواجب
فيكون كافراً زنديقاً ؛ منافقاً، جاهلا ؛ ضالا ، مضلا ، ظلوماً ،
كفوراً، ويكون من أكابر أعداء الرسل ومنافقي الملة ، من الذين قال
الله فيهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّنَبِّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ )
وقد يحصل لبعضهم إيمان ونفاق ويكون مرتداً: إما عن أصل
الدين أو بعض شرائعه ، إما ردة نفاق وإما ردة كفر ، وهذا كثير
غالب ؛ لا سيما في الأعصار والأمصار التى تغلب فيها الجاهلية والكفر
والنفاق ، فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق
والضلال مالا يتسع لذكره المقال .
٥٣

وإذا كان فى المقالات الخفية ، فقد يقال : إنه فيها مخطئ ضال
لم تقم عليه الحجة التى يكفر صاحبها ، لكن ذلك بقع فى طوائف منهم
في الأمور الظاهرة التى يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين
المسلمين ، بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمداً صلى الله عليه
وسلم بعث بها ، وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لاشريك له
ونهيه عن عبادة أحد سوى الله : من الملائكة والنبيين وغيرهم ، فان
هذا أظهر شعار الإسلام ، ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ،
ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك.
ثم تجد كثيراً من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع ، فكانوا
مرتدين ، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون ، كرؤوس القبائل
مثل : الأقرع وعبينة ونحوهم ممن ارتد عن الإسلام ثم دخل فيه ،
ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب، وفيهم من لم يكن كذلك ،
فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة
صريحة ، وتارة يعود إليه ولكن مع مرض فى قلبه ونفاق ، وقد يكون
له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق ، لكن قل أن يسلموا من نوع
نفاق ، والحكايات عنهم بذلك مشهورة .
وقد ذكر ابن قتيبة عن ذلك طرفاً في أول ((مختلف الحديث))،
وقد حكى أهل المقالات بعضهم عن بعض من ذلك طرفا ، كما يذكره
٥٤

أبو الحسن الأشعري ، والقاضي أبو بكر بن الباقلاني ، وأبو عبد الله
الشهر ستانى وغيرهم .
وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف فى دين المشركين والردة
عن الإسلام ! كما صنف الرازي كتابه فى عبادة الكواكب، وأقام الأدلة
على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه ، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق
المسلمين ، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام ، وجميع ما يأمرون
به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفى في النجاة من عذاب الله
فضلا أن يكون موصلا لنعيم الآخرة، قال الله تعالى: ( فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ أَفْتَرَ عَلَى الَِّكَذِّبًا أَوْكَذَّبَ بِشَايَتِهِ أُوْلَكَ يَنَالَهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ اَلْكِنَبِ )
الآيتين، وقال تعالى: ( فَمَّاجَآءَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْبِمَا
إلى آخر السورة ، فأخبر هنا بمثل ما
عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ )
أخبر به في الأعراف ، وأن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل لما
رأوا بأس الله وحدوا الله وتركوا الشرك فلم ينفعهم ذلك ، وكذلك
أخبر عن فرعون . وهو كافر بالتوحيد والرسالة : أنه لما أدركه الغرق:
الآية . وقال تعالى :
( قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّءَامَنَتِْهِ
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّءَآدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ) الآيتين .
)
وهذا فى القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بعبادة الله
وحده لا شريك له ، ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه ، وأن
٥٥

أهل السعادة م أهل التوحيد ، وأن المشركين م أهل الشقاوة ،
ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون ، فعلم أن التوحيد والإيمان
بالرسل متلازمان ، وكذلك الإيمان باليوم الآخر ، فالثلاثة متلازمة ؛
ولهذا يجمع بينهما فى مثل قوله : (وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَِنَا
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِوَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِ لُونَ ).
وأخبر فى غير موضع أن الرسالة عمت جميع بني آدم ؛ فهذه
الأصول الثلاثة: توحيد الله، والإيمان برسله، وباليوم الآخر أمور متلازمة؛
ولهذا قال - سبحانه -: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ
اُلْإِنسِ وَالْجِنّ) إلى قوله: (وَلِيَفْتَّفُوْ مَاهُمْ مُقْتَرِفُونَ) ، فأخبر أن
جميع الأنبياء لهم أعداء ، وم شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى
بعض القول المزخرف ، وهو : المزين المحسن يغرون به ، والغرور :
التلبيس والتمويه ، وهذا شأن كل كلام وكل عمل يخالف ما جاءت به
الرسل من أمر المتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين ، ثم قال :
فعلم أن مخالفة
( وَلِنَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
الرسل، وترك الإيمان بالآخرة متلازمان، فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى
إلى زخرف أعدائهم مخالف الرسل ، كما هو موجود فى أصناف الكفار
والمنافقين فى هذه الأمة وغيرها ؛ ولهذا قال تعالى: (وَلَقَدْ جِثْنَهُم
بِكِنَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ ) إلى قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ يَوْمَ يَأْتِ تَأْوِيلُهُ.
٥٦

يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْجَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقٍّ)
فأخبر أن الذين تركوا الكتاب وهو الرسالة يقولون إذا جاء تأويله
- وهو ما أخبر به - جاءت رسل ربنا بالحق .
وهذا كما قال تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً
ضَنكاً ) .. الآيتين ، أخبر أن الذين تركوا اتباع آياته يصيبهم ما ذكر
فقد تبين أن أصل السعادة والنجاة من العذاب هو توحيد الله بعبادته
وحده لا شريك له ، والإيمان برسله واليوم الآخر ، والعمل الصالح ؛
وهذه الأمور ليست في حكمتهم، ليس فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له
والنهي عن عبادة المخلوقات ، بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي
جنسهم ، فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له ، ومن لم يأمر بالشرك
منهم فلم ينه عنه ، بل بقر هؤلاء وهؤلاء وإن رجح الموحدين ترجيحاً
ما، فقد يرجح غيره المشركين ، وقد يعرض عن الأمرين جميعاً.
فتدبر هذا فإنه نافع جداً . وقد رأيت من مصنفاتهم فى عبادة
الكواكب والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة: أنفس الأنبياء وغيرهم
ما هو أصل الشرك ، وم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا
بالعبادة والعمل ، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد
باخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له؛ وهذا شيء لا يعرفونه.
٥٧

والتوحيد الذى يدعونه إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات ،
وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك ؛ فلو كانوا
موحدين بالقول والكلام ، وهو : أن يصفوا اللّه بما وصفته به رسله
لكان معهم التوحيد دون العمل ، وذلك لا يكفى فى السعادة والنجاة
بل لا بد أن يعبدوا الله وحده ويتخذوه إلها دون ما سواء ، وهذا معنى
قول: ((لا إله إلا الله)) فكيف وم فى القول والكلام معطلون
جاحدون لا موحدون ولا مخلصون ؟! فإذا كان ما يحصل به السعادة
والنجاة من الشقاوة ليس عندهم أصلا كان ما يأمرون به من الأخلاق
والأعمال والسياسات كما قال تعالى: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرً ا مِنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ
اُلْأَخِرَةِهُمْ غَفِلُونَ ) ، وقد جعل الله لكل شيء قدراً.
والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة وفيهم زهد وأخلاق فهذا القول
لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا بالأصول المتقدمة ، وإنما قوة
الذكاء بمنزلة قوة البدن والإرادة ، فالذي يؤتى فضائل علمية وإرادية
بدون هذه الأصول بمنزلة من يؤتى قوة فى جسمه وبدنه بدون هذه الأصول،
وأهل الرأي والعلم بمنزلة أهل الملك والإمارة ، وكل من هؤلاء
وهؤلاء لا ينفعه ذلك شيئاً إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويؤمن
برسله واليوم الآخر .
ولما كان كل واحد من أهل الملك والعلم قد يعارضون الرسل
٥٨

وقد يتابعونهم ذكر الله ذلك فى غير موضع، فذكر فرعون؛ والذي
حاج إبراهيم لما آتاه الله الملك؛ والملا من قوم نوح وعاد وغيرم ،
وذكر قول علمائهم كقوله: ( فَلَمَّاجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْبِمَا
: (مَا يُجَدِلُ فِىّءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ )
عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ ) وقال
إلى قوله: ( وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْ حِضُواْ بِهِ الْحَقَّ) إلى قوله: ( الَّذِينَ
يُجَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ ) الآية.
والسلطان : هو الوحي المنزل من عند الله .
وقد ذكر فى هذه السورة: ((حم غافر)) من حال مخالفي
الرسل من الملوك والعلماء ومجادلتهم ما فيه عبرة ، مثل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ
يُحَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَهُمْ إِن فِ صُدُورِ هِمْ إِلََّ كِبْرٌ مَّاهُم
( أَلَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اَللَّهِ أَنّ
بِبَلِفِيهِ )، ومثل قوله :
ذَلِكُمْ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيِْ الحِّ
يُصْرَفُونَ ) إلى قوله : (
وَبِمَاكُنْتُمُ تَمْرَحُونَ ) .
وكذلك فى سورة الأنعام والأعراف وعامة السور المكية وطائفة
من السور المدنية ؛ فإنها تشتمل على خطاب هؤلاء وضرب المقاييس
والأمثال لهم ، وذكر قصصهم وقصص الأنبياء وأتباعهم معهم ؛ ولهذا
قال - سبحانه -: ( وَلَقَدْ مَكِّنَّهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّتَكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمّعًا
.. الآية . فأخبر بما مكنوا فيه من أصناف
وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً)
٥٩

الإدراكات والحركات ، وأخبر أن ذلك لم يغن عنهم شيئاً حيث جحدوا
بآيات الله والرسالة؛ ولهذا حدثني ابن الشيخ الفقيه الخضري عن
والده شيخ الحنفية فى زمنه قال : كان فقهاء بخارى يقولون فى ابن
الآبة ، والقوة
سينا: (كَانُوْهُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِىِ الْأَرْضِ )
تعم قوة الإدراك النظرية ، وقوة الحركة العملية ، وقال في الآية الأخرى :
( كَانُواْأَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً) فأخبر بفضلهم فى الكم والكيف ،
وأنهم أشد فى أنفسهم وفى آثارم فى الأرض .
وقد قال - سبحانه - عن أتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك
والعلم المخالفين للرسل : ( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ
وَأَطَعْنَا الرَّسُولَأْ) إلى قوله: (وَالْعَنْهُمْ لَعْنَّا كَبِيرًا )
وقال تعالى: (وَإِذْ يَتَحَلْجُونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَوُاْلِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْاْ
ومثل هذا
إِنَّاكُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّانَصِيبًا مِنَ النَّارِ )
فى القرآن كثير ، يذكر فيه قول أعداء الرسل وأفعالهم، وما أونوه
من قوى الإدراكات والحركات التى لم تنفعهم لما خالفوا الرسل .
وقد ذكر الله سبحانه ما فى المنتسبين إلى أتباع الرسل من
العلماء والعباد والملوك من النفاق والضلال فى مثل قوله: (يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ كَثِيرًامِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْ كُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ )
الآية ، و(يَصُدُّونَ ) يستعمل لازما ؛ يقال : صد صدوداً
٦٠