Indexed OCR Text

Pages 301-320

فهم مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب مجتمعون على مخالفة الكتاب،
يقولون على الله وفى الله وفى كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من
الكلام ، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم ، فنعوذ بالله من
فتن المضلين .
والثانية طريقة هشام وأتباعه يحكى عنهم : أنهم أثبتوا ما قد زه
الله نفسه عنه من انصافه بالنقائص، ومماثلته للمخلوقات ، فأجابهم الإمام
أحمد بطريقة الأنبياء وأتباعهم وهو الاعتصام بحبل الله الذي قال الله فيه:
(يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُواْ
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً
وقال :
◌ِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ)
فَبَعَثَ اَللَّهُالنَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيَّهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاَللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ )
وقال تعالى :
(الْمَصّ * كِتَبُّ أَنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
* أَتَّبِعُواْمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءٌ قَلِلًا مَا تَذَكَّرُونَ)
وقال تعالى: (فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِى هُدَى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْفَى
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى *
٣٠١

قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُسَى)
وقال تعالى: (يَتُهَا الَّذِينَءَامَنُواْأَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنِ تَزَعْتُمْ
فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاُلْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُو ◌ْبَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنَّقُواْاللَّهَ إِنَّاللَّهَ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ وَلَا تَجْهَرُ واْلَهُ بِآلْقَوْلِ
كَجَهْرِبَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ).
وقال تعالى: (أَمَّتَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْبِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ
أَنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْبِهِ،وَيُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى
الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم
مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُ وَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ إِحْسَانًا
وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل
لَهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيمًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ
اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْأَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ
الرَّسُولُ لَوَجَدُواْاللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا * فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
٣٠٢

شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوأ ◌َسْلِيمًا )
وقوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) وقوله تعالى: (إِنَّاُلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعَالَّسْتَ مِنْهُمْ
فِي شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُ هُمْ إِلَى اللَّهِثُمَ يُنَبِّثُّهُم بِمَا كَانُوَأْيَفْعَلُونَ ) وقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلِّينِ حَنِيفًاً فِطْرَتَ اللَّهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَنَبْدِيَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَبِّهُ
مُنِيِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْالصَّلَوةَ
٠٠ ورء
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * **
وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْشِيَعًا كُلُّ حِرْبٍ
بِمَالَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْأَّذِينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْفِيهِ ) .
فهذه النصوص وغيرها تبين أن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب
لبيان الحق من الباطل ، وبيان ما اختلف فيه الناس ، وأن الواجب على
الناس اتباع ما أنزل إليهم من ربهم ، ورد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب
والسنة ، وأن من لم يتبع ذلك كان منافقا ، وأن من اتبع الهدى
الذي جاءت به الرسل فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذلك
حشر أعمى ضالا شقيا معذبا، وأن الذين فرقوا دينهم قد برئ اللّه
ورسوله منهم.
فاتبح الإمام أحمد طريقة سلفه من أئمة السنة والجماعة المعتصمين
٣٠٣

بالكتاب والسنة ، المتبعين ما أنزل [الله ] إليهم من ربهم، وذلك أن تنظر
فما وجدنا الرب قد أثبته لنفسه فى كتابه أثبتناه ، وما وجدناه قد نفاه
عن نفسه نفيناه ، وكل لفظ وجد فى الكتاب والسنة بالإثبات أثبت
ذلك اللفظ ، وكل لفظ وجد منفياً نفي ذلك اللفظ ، وأما الألفاظ التى
لا توجد فى الكتاب والسنة ، بل ولا فى كلام الصحابة والتابعين لهم
بإحسان ، وسائر أئمة المسلمين لا إثباتها ولا نفيها .
وقد تنازع فيها الناس، فهذه الألفاظ لا تثبت ولا تنفى إلا بعد
الاستفسار عن معانيها ، فإن وجدت معانيها مما أثبته الرب لنفسه
أثبتت ، وإن وجدت مما نفاه الرب عن نفسه نفيت ، وإن وجدنا اللفظ
أثبت به حق وباطل ، أو نفى به حق وباطل ، أو كان مجملا يراد به
حق وباطل ، وصاحبه أراد به بعضها ، لكنه عند الإطلاق يوم الناس
أو يفهمهم ما أراد وغير ما أراد، فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا
نفيها ، كلفظ الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك من الألفاظ التى
تدخل فى هذا المعنى ، فقل من تكلم بها نفياً أو إثباتا إلا وأدخل فيها
باطلا ، وإن أراد بها حقاً .
والسلف والأئمة كرهوا هذا الكلام المحدث ؛ لاشتماله على باطل
وكذب، وقول على اللّه بلا على، وكذلك ذكر أحمد فى رده على الجهمية
أنهم يفترون على الله فيما ينفونه عنه، ويقولون عليه بغير علم، وكل
٣٠٤

ذلك مما حرمه الله ورسوله، ولم يكره السلف هذه لمجرد كونها
اصطلاحية ، ولاكرهوا الاستدلال بدليل صحيح جاء به الرسول ، بل
كرهوا الأقوال الباطلة المخالفة للكتاب والسنة ، ولا يخالف الكتاب والسنة
إلا ماهو باطل ، لا يصح بعقل ولا سمع .
ولهذا لما سئل أبو العباس ابن سريج عن التوحيد فذكر توحيد المسلمين
وقال: وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض فى الجواهر والأعراض، وإنما
بعث [ الله] النبي صلى الله عليه وسلم بإنكار ذلك، ولم يرد بذلك أنه أنكر
هذين اللفظين، فإنها لم يكونا قد أحدثا فى زمنه ، وإنما أراد إنكار ما
يغنى بها من المعاني الباطلة ، فإن أول من أحدثهما الجهمية والمعتزلة .
وقصدم بذلك إنكار صفات الله تعالى أو أن يرى ، أو أن يكون
له كلام يتصف به ، وأنكرت الجهمية أسماءه أيضاً.
وأول من عرف عنه إنكار ذلك الجعد بن درهم ، فضحى به خالد
ابن عبد الله القسري بواسط. وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله
ضحاياكم ، فإنى مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن اللّه لم يتخذ إبراهيم
خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم
نزل فذبحه .
وكلام السلف والأئمة فى ذم هذا الكلام وأهله مبسوط فى غير
هذا الموضع .
٣٠٥

والمقصود هنا: أن أئمة السنة كأحمد بن حنبل وغيره كانوا إذا
ذكرت لهم أهل البدع الألفاظ المجملة: كلفظ الجسم والجوهر والحيز
ونحوها لم يوافقوم لا على إطلاق الإثبات ، ولا على إطلاق النفسي .
وأهل البدع بالعكس ابتدعوا ألفاظاً ومعانى، إما في النفي ، وإما فى
الإثبات ، وجعلوها هي الأصل المعقول المحكم ، الذي يجب اعتقاده.
والبناء عليه ، ثم نظروا فى الكتاب والسنة فما أمكنهم أن يتأولوه على
قولهم تأولوه ، وإلا قالوا هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التى لا
ندري ما أريد بها . فجعلوا بدعهم أصلا محكماً ، وما جاء به الرسول
فرعا له ومشكلا: إذا لم يوافقه . وهذا أصل الجهمية والقدرية وأمثالهم،
وأصل الملاحدة من الفلاسفة الباطنية ، جميع كتبهم توجد على هذا
الطريق ، ومعرفة الفرق بين هذا وهذا من أعظم ما يعلم به الفرق بين
الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله ، وبين السبل المخالفة له ،
وكذلك الحكم في المسائل العلمية الفقهية، ومسائل أعمال القلوب
وحقائقها وغير ذلك ، كل هذه الأمور قد دخل فيها ألفاظ ومعان
محدثة ، وألفاظ ومعان مشتركة .
فالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلا في جميع
هذه الأمور ، ثم يرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك ، ويبين ما فى الألفاظ
المجملة من المعانى الموافقة للكتاب والسنة فتقبل ، وما فيها من المعانى
٣٠٦

المخالفة للكتاب والسنة فترد .
ولهذا كل طائفة أنكر عليها ما ابتدعت احتجت بما ابتدعته الأخرى ،
كما يوجد فى ألفاظ أهل الرأي والكلام والتصوف، وإنما يجوز أن
يقال فى بعض الآيات إنه مشكل ومتشابه إذا ظن أنه يخالف غيره من
الآيات المحكمة البينة ، فإذا جاءت نصوص بينة محكمة بأمر ، وجاء نص
آخر يظن أن ظاهره يخالف ذلك يقال في هذا إنه يرد المتشابه إلى
المحكم، أما إذا نطق الكتاب أو السنة بمعنى واحد لم يجز أن يجعل ما
يضاد ذلك المعنى هو الأصل، ويجعل ما فى القرآن والسنة مشكلا متشابها ،
فلا يقبل مادل عليه .
نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها ، فتكون
مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها ، ولا يجوز أن يكون فى
القرآن ما يخالف صريح العقل والحس إلا وفي القرآن بيان معناه ، فإن
القرآن جعله الله شفاءاً لما في الصدور ، وبيانا للناس ، فلا يجوز أن
يكون بخلاف ذلك ؛ لكن قد تخفى آثار الرسالة فى بعض الأمكنة
والأزمنة ، حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. إما
أن لا يعرفوا اللفظ ، وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه ، فحينئذ
يصيرون فى جاهلية بسبب عدم نور النبوة ، ومن ههنا يقع الشرك ،
وتفريق الدين شيعا ، كالفتن التى تحدث السيف ، فالفتن القولية والعملية
٣٠٧

هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم ، كما قال مالك بن أنس :
إذا قل العلم ظهر الجفاء ، وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء .
ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم ، ولهذا قال أحمد فى
خطبته: الحمد لله الذي جعل فى كل زمان فترة بقايا من أهل العلم.
فالهدى الحاصل لأهل الأرض إنما هو من نور النبوة كما قال تعالى :
فأهل
(فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَّى فَمَنِ أَتََّعَ هُدَاَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى )
الهدى والفلاح : هم المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون فى كل زمان
ومكان . وأهل العذاب والضلال : م المكذبون للأنبياء ، يبقى أهل
الجاهلية الذين لم يصل إليهم ماجاءت به الأنبياء .
فهؤلاء فى ضلال وجهل وشرك وشر، لكن الله يقول : (وَمَا
(رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا
كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) وقال :
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)
وقال :
( وَمَا كَانَ رَبُّكَ
مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَارَسُولَا يَتْلُواْ عَلَيْهِمْءَايَتِنَأْوَمَا كُنَّامُهْلِكِ
فهؤلاء لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى
الْقُرَى إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ)
يرسل إليهم رسولا . وقد رويت آثار متعددة فى أن من
لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في
عرصات القيامة .
٣٠٨

وقد زعم بعضهم أن هذا يخالف دين المسلمين ؛ فإن الآخرة لا
تكليف فيها ، وليس كما قال ، إنما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار
الجزاء الجنة أو النار ، وإلافهم فى قبورهم ممتحنون ومفتونون ، يقال
لأحدهم : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ . وكذلك فى عرصات
القيامة يقال : ليتبح كل قوم ما كانوا يعبدون ، فيتبع من كان يعبد
الشمس الشمس ، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الطواغيت
الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فى صورة غير
الصورة التى رأوه فيها أول مرة ، ويقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ
بالله منك ، هذا مكانا حتى يأتينا ربنا . وفى رواية فيسألهم ويثبتهم،
وذلك امتحان لهم ، هل يتبعون غير الرب الذي عرفوا أنه الله الذي
تجلى لهم أول مرة فيثبتهم الله تعالى عند هذه المحنة، كما يثبتهم فى فتة
القبر ، فإذا لم يتبعوه لكونه أتى فى غير الصورة التى يعرفون ، أنام
حينئذ فى الصورة التى بعرفون فيكشف عن ساق ، فإذا رأوه خروا له
سجداً ، إلا من كان منافقاً فإنه يريد السجود فلا يستطيعه . يبقى
ظهره مثل الطبق وهذا المعنى مستفيض عن النبى صلى الله عليه وسلم
فى عدة أحاديث ثابتة من حديث أبى هريرة ، وأبى سعيد، وقد أخرجاهما
فى الصحيحين ، ومن حديث جابر ، وقد رواه مسلم من حديث ابن
مسعود ، وأبى موسى ، وهو معروف من رواية أحمد وغيره ، فدل
٣٠٩

ذلك على أن المحنة إنما تنقطع إذا دخلوا دار الجزاء ، وأما قبل دار
الجزاء امتحان وابتلاء .
فإذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن ، وحدثت
البدع والفجور ، ووقع الشر بينهم . كما في الصحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: (( سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعنى
الثالثة ، سألته أن لا يهلك أمتى بسنة عامة فأعطانيها ، وسألته أن لا
يسلط عليهم عدواً من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل
بأسهم بينهم فمنعنيها )) والبأس مشتق من البؤس. قال الله تعالى (قُلْ هُوَ
اَلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم
بَأْسَ بَعْضٍ )
وفى الصحيحين عن النبى
صلى الله عليه وسلم ((أنه لما نزل قوله تعالى: (قُلْ هُوَالْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ
قال أعوذ بوجهك
عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِّكُمْ )
( أَوْمِن تَحْتِ
( أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُرْ بَأْسَ
أَرْجُلِكُمْ ) قال : أعوذ بوجهك .
بَعْضٍ ) قال هاتان أهون)). فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعاً،
ويذيق بعضهم بأس بعض ، مع براءة الرسول فى هذه الحال، وهم فيها
في جاهلية .
ولهذا قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم متوافرون ، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج
٣١٠

أصيب بتأويل القرآن فهو هدر ، أزلوم منزلة الجاهلية ، وقد روى
مالك بإسناده الثابت عن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تقول: ترك
الناس العمل بهذه الآية تعنى قوله تعالى: (وَإِن طَاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ
فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا )
فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب
الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى، فلما لم يعمل بذلك صارت
فتنة وجاهلية .
وهكذا مسائل النزاع التى تنازع فيها الأمة فى الأصول والفروع
إذا لم ترد إلى الله والرسول لم يتبين فيها الحق، بل بصير فيها
المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضاً،
ولم يبخ بعضهم على بعض ، كما كان الصحابة فى خلافة عمر وعثمان
يتنازعون فى بعض مسائل الاجتهاد فيقر بعضهم بعضاً ، ولا يعتدى عليه
وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم ، فبغى بعضهم على بعض ،
إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه ، وإما بالفعل مثل حبسه وضربه
وقتله. وهذه حال أهل البدع والظلم كالخوارج وأمثالهم ، يظلمون
الأمة ويعتدون عليهم ، إذا نازعوم في بعض مسائل الدين ، وكذلك
سائر أهل الأهواء ، فإنهم يبتدعون بدعة ، ويكفرون من خالفهم فيها.
كما تفعل الرافضة والمعتزلة والجهمية وغيرهم ، والذين امتحنوا الناس
بخلق القرآن كانوا من هؤلاء ؛ ابتدعوا بدعة وكفروا من خالفهم فيها ،
٣١١

واستحلوا منع حقه وعقوبته .
فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه
وسلم إما عادلون ، وإما ظالمون ، فالعادل فيهم الذي يعمل بما وصل
إليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره ، والظالم الذي يعتدى على غيره ،
وهؤلاء ظالمون مع علمهم بأنهم يظلمون، كما قال تعالى: (وَمَا نَفَرَّقَ
الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ إِلَّمِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ نْهُمُ الْبَيْنَةُ )
وإلا فلو
سلكوا ما علموه من العدل أقر بعضهم بعضاً ، كالمقلدين لأئمة الفقه
الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله فى
تلك المسائل ، فجعلوا أتمتهم نوابا عن الرسول ، وقالوا هذه غاية ماقدرنا
عليه ، فالعادل منهم لا يظلم الآخر ، ولا يعتدى عليه بقول ولا فعل،
مثل أن يدعى أن قول متبوعه هو الصحيح بلا حجة يبديها ، ويذم
من يخالفه مع أنه معذور .
وكان الذين امتحنوا أحمد وغيره من هؤلاء الجاهلين فابتدعوا
كلاماً متشابهاً نفوا به الحق ، فأجابهم أحمد لما ناظروه فى المحنة ،
وذكروا الجسم ونحو ذلك، وأحبهم بأنى أقول كما قال الله تعالى: ( قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ * اَللَّهُ الصََّمَدُ) وأما لفظ الجسم فلفظ مبتدع محدث ، ليس
على أحد، أن يتكلم به ألبتة ، والمعنى الذي يراد به مجمل ، ولم تبينوا
مرادكم حتى نوافقكم على المعنى الصحيح ، فقال ما أدرى ما تقولون؟
٣١٢

لكن أقول: (اللَّهُ أَحَدَّ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِّدْ وَلَمْ يُولَذْ *
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوا أَحَدٌ).
يقول : ما أدري ما تعنون بلفظ الجسم ، فأنا لا أوافقكم على إثبات
لفظ ونفيه ، إذ لم يرد الكتاب والسنة بإثباته ولا نفيه ، إن لم ندر
معناه الذي عناه المتكلم ، فإن عنى فى النفي والإثبات ما يوافق الكتاب
والسنة وافقناه ، وإن عنى ما يخالف الكتاب والسنة فى النفى والإثبات
لم نوافقه .
ولفظ ((الجسم)) و ((الجوهر)) ونحوهما لم يأت فى كتاب الله ولا
سنة رسوله، ولا كلام أحد - من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
وسائر أئمة المسلمين - التكلم بها في حق الله تعالى، لا بنفي ولا إثبات،
ولهذا قال أحمد فى رسالته إلى المتوكل : لا أحب الكلام فى شيء
من ذلك إلا ما كان في كتاب الله ، أو فى حديث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أو عن الصحابة أو التابعين لهم بإحسان، وأما غير ذلك فإن
الكلام فيه غير محمود .
وذكر أيضاً فيما حكاه عن الجهمية أنهم يقولون: ليس فيه كذا
ولا كذا ولاكذا ، وهو كما قال ، فإن لفظ الجسم له فى اللغة التى
نزل بها القرآن معنى، كما قال تعالى: (وَإِذَارَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ
٣١٣

(وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ
وَإِن يَقُولُوَ أْتَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) وقال تعالى :
وَاَلْجِسْمِ ) قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بنى إسرائيل بالحرب ،
وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه، و((البسطة)) السعة ، قال ابن
قتيبة : هو من قولك بسطت الشيء إذا كان مجموعا ففتحته ووسعته ،
قال بعضهم : والمراد بتعظيم الجسم فضل القوة ، إذ العادة أن من
كان أعظم جسما كان أكثر قوة . فهذا لفظ الجسم فى لغة العرب التى
نزل بها القرآن . قال الجوهري : قال أبو زيد الأنصاري : الجسم
الجسد ، وكذلك الجسمان والجثمان ، وقال الأصمعي : الجسم ،
والجسد ، والجثمان الشخص، وقال جماعة جسم الإنسان يقال له الجثمان
وقد جسم الشيء أي عظم، فهو جسيم وجسام ، والجسام بالكسر جمع
جسيم . قال أبو عبيدة تجسمت فلانا من بين القوم أي اخترته .
كأنك قصدت جسمه . كما تقول : تأتيته أي قصدت أنيه وشخصه ،
وأنشد أبو عبيدة .
بجسمته من بينهن بمرهف
وتجسمت الأرض إذا أخذت نحوها تريدها ، وبجسم من الجسم،
وقال ابن السكيت : تجسمت الأمر : أي ركبت أجسمه وجسيمه ،
أي معظمه ، قال : وكذلك تجسمت الرمل والجيل أي ركبت أعظمه،
والأجسم الأضخم قال عامر بن الطفيل :
٣١٤

بأن لنا الذروة الأجسما
لقد علم الحي من عامر
فهذا الجسم فى لغة العرب ، وعلى هذا فلا يقال للهواء جسم، ولا
للنفس الخارج من الإنسان جسم ، ولا لروحه المنفوخة فيه جسم ،
ومعلوم أن الله سبحانه لا يماثل شيئاً من ذلك، لا بدن الإنسان ولا غيره
فلا يوصف الله تعالى بشيء من خصائص المخلوقين، ولا يطلق عليه
من الأسماء ما يختص بصفات المخلوقين ، فلا يجوز أن يقال : هو
جسم ، ولا جسد .
( وأما أهل الكلام ) فالجسم عندم أعم من هذا، وم مختلفون
فى معناه اختلافا كثيراً عقلياً واختلافا لفظياً اصطلاحياً ، فهم
يقولون كل ما يشار إليه إشارة حسية فهو جسم، ثم اختلفوا بعد هذا
فقال كثير منهم : كل ما كان كذلك فهو مركب من الجواهر الفردة ،
ثم منهم من قال : الجسم أقل ما يكون جوهراً ، بشرط أن ينضم إلى
غيره ، وقيل بل الجوهران ، والجواهر فصاعداً ، وقيل بل أربعة
فصاعداً ، وقيل بل ستة ، وقيل بل ثمانية ، وقيل بل ستة عشر ،
وقيل بل اثنان وثلاثون ، وهذا قول من يقول إن الأجسام كلها
مركبة من الجواهر التى لا تنقسم .
وقال آخرون من أهل الفلسفة كل الأجسام مركبة من الهيولى .
٣١٥

والصورة لا من الجواهر الفردة .
وقال كثير من أهل الكلام وغير أهل الكلام ليست مركبة لا
من هذا ولا من هذا، ولا من هذا ولا من هذا ، وهذا قول الهشامية
والكلابية والضرارية وغيرهم من الطوائف الكبار ، لا يقولون بالجوهر
الفرد ولا بالمادة والصورة ، وآخرون يدعون إجماع المسلمين على إثبات
الجوهر الفرد ، كما قال أبو المعالي وغيره : اتفق المسلمون على أن
الأجسام تتناهى في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفراداً ، ومع هذا
فقد شك هو فيه ، وكذلك شك فيه أبو الحسين البصري . وأبو عبد
الله الرازي .
ومعلوم أن هذا القول لم يقله أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة
ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من أئمة العلم المشهورين بين
المسلمين ، وأول من قال ذلك فى الإسلام طائفة من الجهمية والمعتزلة ،
وهذا من الكلام الذي ذمه السلف وعابوه ، ولكن حاكي هذا
الإجماع لما لم يعرف أصول الدين إلا ما في كتب الكلام ، ولم يجد
إلا من يقول بذلك اعتقد هذا إجماع المسلمين ، والقول بالجوهر الفرد
باطل ، والقول بالهيولى والصورة باطل ، وقد بسط الكلام على هذه
المقالات فى مواضع أخر .
٣١٦

وقال آخرون : الجسم هو القائم بنفسه ، وكل قائم بنفسه جسم،
وكل جسم فهو قائم بنفسه ، وهو مشار إليه ، واختلفوا فى الأجسام
هل هي متماثلة أم لا ؟ على قولين مشهورين .
وإذا عرف ذلك فمن قال : إنه جسم ، وأراد أنه مركب من
الأجزاء فهذا قوله باطل ، وكذلك إن أراد أنه يماثل غيره من المخلوقات
فقد علم بالشرع والعقل أن اللّه ليس كمتله شيء في شيء من صفاته،
فمن أثبت للّ مثلا في شيء من صفاته فهو مبطل ، ومن قال إنه جسم
بهذا المعنى فهو مبطل ، ومن قال إنه ليس بجسم بمعنى أنه لا يرى فى
الآخرة ، ولا يتكلم بالقرآن وغيره من الكلام ، ولا يقوم به العلم
والقدرة وغيرهما من الصفات ، ولا ترفع الأيدي إليه فى الدعاء، ولا
عرج بالرسول صلى الله عليه وسلم إليه ، ولا يصعد إليه الكلم الطيب
ولا تعرج الملائكة والروح إليه ، فهذا قوله باطل . وكذلك كل من
نفى ما أثبته الله ورسوله، وقال إن هذا تجسيم فنفيه باطل، وتسمية
ذلك تجسيماً تلبيس منه ، فإنه إن أراد أن هذا فى اللغة يسمى جسماً
فقد أبطل ، وإن أراد أن هذا يقتضى أن يكون جسماً مركباً من
الجواهر الفردة أو من المادة والصورة ، أو أن هذا يقتضى أن يكون
جسماً، والأجسام متماثلة ، قيل له أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل
الأجسام المخلوقة ، وفى أنها مركبة ، فلا يقولون : إن الهواء مثل الماء
٣١٧

ولا أبدان الحيوان مثل الحديد والجبال، فكيف يوافقونك على أن الرب
تعالى يكون مماثلا لخلقه، إذا أثبتوا له ما أثبت له الكتاب والسنة ؟!
والله تعالى قد نفى المماثلات في بعض المخلوقات ، وكلاهما جسم كقوله :
مع أن
(وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا يَكُونُواْأَمْثَلَكُمْ)
كلاهما بشر. فكيف يجوز أن يقال: إذا كان لرب السموات على
وقدرة أنه يكون مماثلا لخلقه ؟! والله تعالى ليس كمثله شىء لا فى ذاته
ولا فى صفاته ولا فى أفعاله .
ونكتة الأمر أن الجسم في اعتقاد هذا النافى يستلزم مماثلة سأر
الأجسام، ويستلزم أن يكون مركباً من الجواهر الفردة ، أو من المادة
والصورة ، وأكثر العقلاء يخالفونه فى هذا التلازم ، وهذا التلازم
منتف باتفاق الفريقين ، وهو المطلوب .
فإذا اتفقوا على انتفاء النقص المنفى عن الله شرعا وعقلا بقى
بحثهم فى الجسم الاصطلاحي ، هل هو مستلزم لهذا المحذور ؟ وهو
بحث عقلي ، كبحث الناس في الأعراض هل تبقى أو لا تبقى؟ وهذا
البحث العقلي لم يرتبط به دين المسلمين ، بل لم ينطق كتاب ولا سنة
ولا أثر من السلف بلفظ الجسم فى حق الله تعالى لا نفياً ولا إثباتاً.
فليس لأحد أن يبتدع اسماً مجملا يحتمل معاني مختلفة، لم ينطق به الشرع
ويعلق به دين المسلمين ، ولو كان قد نطق باللغة العربية ، فكيف إذا
٣١٨

أحدث للفظ معنى آخر ؟!
والمعنى الذي يقصده إذا كان حقاً عبر عنه بالعبارة التى لا لبس فيها
فإذا كان معتقده أن الأجسام متماثلة ، وأن اللّه ليس كمثله شيء ، وهو
سبحانه لا سمي له ، ولا كفوله، ولا ند له ، فهذه عبارات القرآن
تؤدي هذا المعنى بلا تلبيس ولا نزاع ، وإن كان معتقده أن الأجسام
غير متماثلة ، وأن كل ما يرى وتقوم به الصفات فهو جسم ، فإن عليه
أن يثبت ما أثبته الله ورسوله من علمه وقدرته وسائر صفاته. كقوله:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّبِمَا شَآءَ) وقوله: (إِنَّاللَّهَ هُوَ اَلَزَّقُ
وقوله عليه السلام فى حديث الاستخارة :
ذُوُ اَلْقُوَّةِ الْمَتِينُ )
: اللهم إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك)) وقوله في الحديث
الآخر: ((اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق)) ويقول كما قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم ترون ربكم يوم القيامة عيانا
كما ترون الشمس والقمر لا تضامون في رؤيته)» فشبه الرؤية بالرؤية ، وإن
لم يكن المرئي كالمرئي .
فهذه عبارات الكتاب والسنة عن هذا المعنى الصحيح بلا تلبيس
ولا نزاع بين أهل السنة المتبعين للكتاب والسنة وأقوال الصحابة ،
ثم بعد هذا من كان قد تبين له معنى من جهة العقل أنه لازم للحق
لم يدفعه عن عقله ، فلازم الحق حق ، لكن ذلك المعنى لا بد أن يدل
٣١٩

الشرع عليه فيبينه بالألفاظ الشرعية ، وإن قدر أن الشرع لم بدل
عليه لم يكن مما يجب على الناس اعتقاده ، وحينئذ فليس لأحد أن
يدعو الناس إليه ، وإن قدر أنه فى نفسه حق .
(ومسألة) تماثل الأجسام وتركيبها من الجواهر الفردة قد
اضطرب فيها جماهير أهل الكلام . وكثير منهم يقول بهذا تارة وبهذا
تارة . وأكثر ذلك لأجل الألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة ، وقد بسط
الكلام عليه فى غير هذا الموضع .
لكن المقصود هنا : أنه لو قدر أن الإنسان تبين له أن الأجسام
ليست متماثلة ، ولا مركبة لا من هذا ولا من هذا لم يكن له أن يبتدع
فى دين الإسلام قوله : إن اللّه جسم ، ويناظر على المعنى الصحيح الذي
دل عليه الكتاب والسنة ، بل يكفيه إثبات ذلك المعنى بالعبارات الشرعية
ولو قدر أنه تبين له أن الأجسام متماثلة ، وأن الجسم مركب ، لم يكن
له أن يبتدع النفي بهذا الاسم ، ويناظر على معناه الذي اعتقده بعقله؛
بل ذلك المعنى المعلوم بالشرع والعقل يمكن إظهاره بعبارة لا إجمال فيها
ولا تلبيس ، والذين يقولون: إن الجسم مركب من الجواهر ، يدعى
كثير منهم أنه كذلك فى لغة العرب ؛ لأن العرب يقولون هذا أجسم
من هذا ، يريدون به أنه أكثر أجزاء منه . ويقولون : هذا جسيم ،
أي كثير الأجزاء .
٣٢٠