Indexed OCR Text
Pages 41-60
فتلاه عليهم زماناً . ولما كان القرآن أحسن الكلام نهوا عن اتباع ما سواه ، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) . وروى النسائى وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد عمر بن الخطاب [ شيئاً من التوراة فقال]: لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتر كتموني لضللتم. وفى رواية ما وسعه إلا اتباعى. وفي لفظ: فتغير وجه النبى صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه عمر ذلك، فقال له بعض الأنصار : يا ابن الخطاب! ألا ترى إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا . ولهذا كان الصحابة ينهون عن اتباع كتب غير القرآن . وعمر انتفع بهذا حتى أنه لما فتحت الإسكندرية وجد فيها كتب كثيرة من كتب الروم فكتبوا فيها إلى عمر فأمر بها أن تحرق وقال : حسبنا كتاب الله. وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن خليل حدثنا على بن مسهر حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن خليفة بن قيس عن خالد بن عرفطة قال : كنت عند عمر بن الخطاب ، إذ أتى برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس . فقال له عمر: أنت فلان ابن فلان العبدي ؟ قال : نعم. قال: وأنت النازل بالسوس ؟ قال : نعم . فضربه بقناة معه ، فقال له : ماذنى ؟ قال ٤١ فقرأ عليه (الرِئِلْكَءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ... نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ بِمَآ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ) فقرأها عليه ثلاث مرات وضربه ثلاث ضربات ، ثم قال له عمر : أنت الذي انتسخت كتاب دانيال ؟ قال : نعم . قال : اذهب فامحه بالهميم والصوف الأبيض ، ولا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس . فقرأ عليه عمر هذه الآية ليبين له أن القرآن أحسن القصص فلا يحتاج معه إلى غيره . وهذا يدل على أن القصص عام لا يختص بسورة يوسف، ويدل على أنهم كانوا يعلمون أن القرآن أفضل من كتاب دانيال ونحوه من كتب الأنبياء . وكذلك مثل هذه القصة مأثورة عن ابن مسعود لما أتى بما كتب من الكتب محاه وذكر فضيلة القرآن كما فعل عمر رضي الله عنهما. وروى ابن أبي حاتم عن قتادة ( نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ ﴾ قال : من الكتب الماضية وأمور الله السالفة فى الأمم (بِمَا أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ ) . وهذا يدل على أن أحسن القصص بعم هذا كله؛ بل لفظ ((القصص)) يتناول ما قصه الأنبياء من آيات الله غير أخبار الأمم كقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى وقال فى موضع وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَ أَنْفُسِنَا) آخر: (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْءَايَتِ رَبِّكُمْ) وقد قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ ٤٢ وروی الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ ) . ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن ابن عباس قال: مؤتماً عليه ، قال: وروى عن عكرمة والحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني أنه الأمين . وروى من تفسير الوالى عن ابن عباس قال : المهيمن الأمين ، قال : على كل كتاب قبله . وكذلك عن الحسن قال : مصدقا بهذه الكتب وأميناً عليها . ومن تفسير الوالى أيضاً عن ابن عباس ومهيمناً عليه قال: شهيداً، وكذلك قال السدي عن ابن عباس . وقال فى قوله : ( وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) على كل كتاب قبله . قال : وروى عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطية وعطاء الخراساني ومحمد بن كعب وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ذلك ، وابن أبى حاتم قد ذكر فى أول كتابه فى التفسير أنه طلب منه إخراج تفسير القرآن مختصراً بأصح الأسانيد وأنه تحرى إخراجه بأصح الأخبار إسناداً وأشبعها مناً ، وذكر إسناده عن كل من نقل عنه شيئاً . فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب ، ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة. ومن أسماء الله ((المهيمن))، ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم (المهيمن)). قال المبرد والجوهري وغيرهما: المهيمن في اللغة المؤتمن . وقال الخليل : الرقيب الحافظ ، وقال الخطابى : المهيمن ٤٣ الشهيد . قال وقال بعض أهل اللغة : الهيمنة القيام على الشيء والرعاية له ، وأنشد : مهيمنه التاليه في العرف والنكر ألا إن خير الناس بعد نبيهم يريد القائم على الناس بالرعاية لهم . وفى مهيمن قولان : قيل أصله مؤيمن والهاء مبدلة من الهمزة ، وقيل بل الهاء أصلية . وهكذا القرآن فإنه قرر ما فى الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر ، وزاد ذلك بياناً وتفصيلا ، وبين الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ، ورسالة المرسلين ، وقرر الشرائع الكلية التى بعثت بها الرسل كلهم ، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين ، وبين عقوبات اللّه لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها ، وبين ما حرف منها وبدل ، وما فعله أهل الكتاب فى الكتب المتقدمة، وبين أيضاً ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التى نزل بها القرآن ، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة ، فهو شاهد بصدقها وشاهد بكذب ما حرف منها ، وهو حاكم بإقرار ما أقره اللّه، ونسخ ما نسخه ، فهو شاهد فى الخبريات حاكم فى الأمريات . ٤٤ وكذلك معنى ((الشهادة)) و((الحكم)) يتضمن إثبات ما أثبته اللّه من صدق ومحكم، وإبطال ما أبطله من كذب ومنسوخ ، وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور بهذه المثابة ، بل هي متبعة الشريعة التوراة إلا يسيراً نسخه الله بالإنجيل؛ بخلاف القرآن. ثم إنه معجز فى نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله ، ففيه دعوة الرسول، وهو آية الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته ، وفيه ما جاء به الرسول وهو نفسه برهان على ماجاء به . وفيه أيضاً من ضرب الأمثال وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول ما لو جمع إليه علوم جميع العلماء لم يكن ما عندهم إلا بعض ما فى القرآن . ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون فى أصول الدين والعلوم الإلهية وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ويجاتها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالتفلسفة وغيرهم إلا بعض ماجاء به القرآن . ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر ؛ فضلا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره ، سواء كان من علم المحدثين والملهمين ، أو من علم أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء . ولهذا قال النبى صلى ٤٥ الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (( إنه كان فى الأمم قبلكم محدثون فإن يكن فى أمتى أحد فعمر )) . فعلق ذلك تعليقاً فى أمته مع جزمه به فيمن تقدم ، لأن الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدثين كما كانوا محتاجين إلى نى بعد نبى ، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فأغنام الله برسولهم وكتابهم عن كل ما سواه ، حتى إن المحدث منهم كعمر ابن الخطاب رضى الله عنه إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب والسنة ، وإذا حدث شيئاً فى قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه على الكتاب والسنة ، وكذلك لا يقبله إلا إن وافق الكتاب والسنة . وهذا باب واسع فى فضائل القرآن على ما سواه . والمقصود أن نبين أن مثل هذا هو من العلم المستقر فى نفوس الأمة السابقين والتابعين ، ولم يعرف قط أحد من السلف رد مثل هذا، ولا قال : لا يكون كلام الله بعضه أشرف من بعض، فإنه كله من صفات الله ونحو ذلك ، إنما حدث هذا الإنكار لما ظهرت بدع الجهمية الذين اختلفوا في الكتاب وجعلوه عضين . وممن ذكر ((تفضيل بعض القرآن على بعض فى نفسه)) أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهما كالشيخ أبى حامد الإسفرائيني والقاضى أبى الطيب وأبى إسحاق الشيرازي وغيرهم ، ومثل القاضي أبي يعلى والحلوانى الكبير وابنه عبد الرحمن وابن عقيل ، قال أبو الوفاء بن عقيل فى ٤٦ ((كتاب الواضح في أصول الفقه)) فى احتجاجه على أن القرآن لا ينسخ بالسنة قال : فمن ذلك قوله: (مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا نَأَتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ وليست السنة مثل القرآن ولا خيراً منه ، فبطل النسخ مِثْلِهَآَ ) بها لأنه يؤدي إلى المحال وهو كون خبره بخلاف مخبره وذلك محال على الله، فما أدى إليه فهو محال . قال : فإن قيل : أصل استدلالكم مبني على أن المراد بالخير الفضل وليس المراد به ذلك، وإنما المراد نأت بخير منها لكم، وذلك يرجع إلى أحد أمرين في حقنا : إما سهولة في التكليف فهو خير عاجل ، أو أكثر ثواباً لكونه أنقل وأشق ويكون نفعاً فى الآجل والعاقبة، وكلاهما قد يتحقق بطريق السنة . ويحتمل : نأت بخير منها لا ناسخاً لها ، بل يكون تكليفا مبتدأ هو خير لكم وإن لم يكن طريقه القرآن الناسخ ولا السنة الناسخة . قالوا : يوضح هذه التأويلات أن القرآن نفسه ليس بعضه خيراً من بعض ، فلابد أن يصرفوا اللفظ عن ظاهره من خير يعود إلى التكليف لا إلى الطريق . وقال فى الجواب : قولهم : الخير يرجع إلى ما يخصنا من سهولة أو ثواب لا يصح؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: ((لكم)). فلما حذف ذلك دل على ما يقتضيه الإطلاق وهو كون الناسخ خيراً من جهة نفسه وذاته ومن جهة الانتفاع به في العاجل والآجل على أن ظاهره يقتضى : ٤٧ بآيات خير منها ، فإن ذلك يعود إلى الجنس كما إذا قال القائل : ما آخذ منك ديناراً إلا أعطيك خيراً منه ، لا يعقل بالإطلاق إلا ديناراً خيراً منه، فيتخير من الجنس أولا ثم النفع، فإما أن يرجع ذلك إلى ثوب أو عرض غير الدينار فلا ، وفى آخر الآية ما يشهد بأنه أراد به القرآن لأنه قال: (أَمْ تَعْلَمْ أَنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ) ووصفه لنفسه بالقدرة يدل على أن الذي يأتى به هو أمر يرجع إليه دون غيره ، وكذلك قوله (أَوْمِثْلِهَآَ ) يشهد لما ذكرناه ، لأن الماثلة يقتضى إطلاقها من كل وجه، لا سيما وقد أنثها تأنيث الآية ، فكأنه قال : نأت بآية خير منها أو بآية مثلها . ((قلت )): وأيضاً فلا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه أخف عملا أو أشق وأكثر ثوابا ، لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخا ، فإنه إما أن يكون أيسر من غيره في الدنيا وإما أن يكون أشق فيكون ثوابه أكثر ، فإذا كانت هذه الصفة لازمة لجميع الأحكام لم يحسن أن يقال ما ننسخ من حكم نأت بخير منه أو مثله ، فإن المنسوخ أيضاً يكون غيراً ومثلا بهذا الاعتبار ، فإنهم إن فسروا الخير بكونه أسهل فقد يكون المنسوخ أسهل فيكون خيراً، وإن فسروه بكونه أعظم أجراً لمشقته فقد يكون المنسوخ كذلك ، والله قد أخبر أنه لابد أن يأتى بخير مما ينسخه أو مثله ، فلا يأتى بما هو دونه . ٤٨ وأيضاً فعلى ما قالوه لا يكون شيء خيراً من شيء ، بل إن كان خيراً من جهة السهولة فذلك خير من جهة كثرة الأجر . قال ابن عقيل: وأما قولهم إن القرآن في نفسه لا يتخاير ولا يتفاضل فعلم أنه لم يرد به الخير الذي هو الأفضلية ، فليس كذلك ، فإن توحيد الله الذي فى ((سورة الإخلاص)) وما ضمنها من نفي التجزئ والانقسام أفضل من ((تبت )) المتضمنة ذم أبى لهب وذم زوجته، إن شئت فى كون المدح أفضل من القدح ، وإن شئت في الإعجاز ، فإن تلاوة غيرها من الآيات التى تظهر منها الفصاحة والبيان أفضل ، وليس من حيث كان المتكلم واحداً لا يكون التفاضل لمعنى يعود إلى الكلام ثانياً كما أن المرسل واحد لذى النون وإبراهيم ، وإبراهيم أفضل من ذي النون . قال : وأما قولهم: ( نَأْتِ بِخَيْرِمِنْهَآ ) لا يكون ناسخا بل مبتدأ فلا يصح ، لأنه خرج مخرج الجزاء مجزوما ، وهذا يعطي البدلية والمقابلة ، مثل قولهم: إن تكرمني أكرمك وإن أطعتني أطعتك، يقتضى أن يكون الجزاء مقابلة وبدلا ، لا فعلا مبتدأ . قلت : المقصود هنا ذكر ما نصره ـ من كون القرآن فى نفسه بعضه خيراً من بعض - ليس المقصود الكلام في مسألة النسخ ، وكذلك غير هؤلاء صرحوا بأن بعض القرآن قد يكون خيراً من بعض وممن ذكر ذلك أبو حامد الغزالي فى كتابه ((جواهر القرآن)) قال ٤٩ لعلك تقول قد توجه قصدك فى هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض ، والكل كلام الله، فكيف يفارق بعضها بعضاً؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض ؟ فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات ، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت ، وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك الخوارة المستغرقة فى التقليد ، فقلد صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقال: ((قلب القرآن يس))، وقد دلت الأخبار على شرف بعضه على بعض فقال: (( فاتحة الكتاب أفضل سور القرآن )) وقال: (( آية الكرسي سيدة آي القرآن)) وقال: ((قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)) والأخبار الواردة في فضائل قوارع القرآن ، وتخصص بعض السور والآيات بالفضل ، وكثرة الثواب فى تلاوتها لا تحصى ، فاطلبه من كتب الحديث إن أردت . ونليهك الآن على معنى هذه الأخبار الأربعة فى تفضيل هذه السور . قلت: وسنذكر إن شاء الله ما ذكره في تفضيل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ). وممن ذكر كلام الناس فى ذلك وحكى هذا القول عمن حكاه من السلف القاضي عياض في ((شرح مسلم)) قال فى قول النبى صلى اللّه عليه وسلم لأبى: (( أندري أي آية من كتاب الله أعظم؟)) وذكر آية الكرسي : فيه حجة لتفضيل بعض القرآن على بعض ٥٠ وتفضيل القرآن على سائر كتب الله عند من اختاره : منهم إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين . قال : وذلك راجع إلى عظم أجر قارئي ذلك وجزيل ثوابه على بعضه أكثر من سائره . قال: وهذا مما اختلف أهل العلم فيه ، فأبى ذلك الأشعري وابن الباقلانى وجماعة من الفقهاء وأهل العلم لأن مقتضى الأفضل نقص المفضول عنه، وكلام الله لا يتبعض. قالوا: وما وردمن ذلك بقوله: ((أفضل)) و «أعظم)) لبعض الآي والسور فمعناه عظيم وفاضل. قال : وقيل: كانت آية الكرسي أعظم لأنها جمعت أصول الأسماء والصفات من الإلهية والحياة والوحدانية والعلم والملك والقدرة والإرادة ، وهذه السبعة قالوا هي أصول الأسماء والصفات . قلت : المقصود ما ذكره من كلام العلماء ، وأما قول القائل إن هذه السبعة هي أصول الأسماء . فهذه السبعة عند كثير من المتكلمين هي المعروفة بالعقل ، وما سواها قالوا إنما يعلم بالسمع ، وهذا أمر يرجع إلى طريق علمنا لا إلى أمر حقيقي ثابت لها فى نفس الأمر ، فكيف والجمهور على أن ما سواها قد يعلم بالعقل أيضاً كالمحبة والرضا والأمر والنهي؟! ومذهب ابن كلاب وأكثر قدماء الصفاتية أن العلو من الصفات العقلية ، وهو مذهب أبى العباس القلانسي والحارث المحاسبى ومذهب طوائف من أهل الكلام والحديث والفقه، وهو آخر قولي القاضي أبي ٥١ يعلى وأبي الحسن بن الزاغونى وغيره ، ومذهب ابن كرام وأصحابه ، وهو قول عامة أئمة الحديث والفقه والتصوف . وكذلك ما فسره القاضي عياض من قول المفضلين إن المراد كثرة الثواب ، فهذا لا ينازع فيه الأشعري وابن الباقلانى ، فإن الثواب مخلوق من مخلوقات الله تعالى فلا ينازع أحد فى أن بعضه أفضل من بعض ، وإنما النزاع في نفس كلام الله الذي هو كلامه فحكايته النزاع يناقض ما فسر به قول المثبتة . وقد بين مأخذ الممتنعين عن التفضيل : منهم من نفى التفاضل فى الصفات مطلقاً ، بناء على أن القديم لا يتفاضل ، والقرآن من الصفات . ومنهم من خص القرآن بأنه واحد على أصله فلا يعقل فيه معنيان فضلا أن يعقل فيه فاضل ومفضول ، وهذا أصل أبى الحسن ومن وافقه كما سنبينه إن شاء الله تعالى . وهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم فى أن كلام الله يكون بعضه أفضل من بعض ليس فيهم أحد من القائلين بأن كلام اللّه مخلوق - كما يقول ذلك من يقوله من أهل البدع كالجهمية والمعتزلة - بل كل هؤلاء يقولون: إن كلام الله غير مخلوق، ولو تتبع ذكر من قال ذلك لكثروا ، فإن هذا قول جماهير المسلمين من السلف والخلف أهل السنة وأهل البدعة . أما السلف - كالصحابة والتابعين لهم بإحسان - فلم يعرف لهم فى هذا الأصل تنازع، بل الآثار متواترة عنهم به . ٥٢ واشتهر القول بإنكار تفاضله بعد المائتين لما أظهرت الجهمية القول بأن القرآن مخلوق . واتفق أئمة السنة وجماهير الأمة على إنكار ذلك ورده عليهم . وظنت طائفة كثيرة - مثل أبى محمد بن كلاب ومن وافقه - أن هذا القول لا يمكن رده إلا إذا قيل إن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته ، ولا كلم موسى حين أتاه ، ولا قال للملائكة اسجدوا لآدم بعد أن خلقه ، ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به ، ولا يرضى عنه بعد أن يطيعه ، ولا يحبه بعد أن يتقرب إليه بالنوافل ، ولا يتكلم بكلام بعد كلام فتكون كلماته لا نهاية لها ، إلى غير ذلك مما ظنوا انتفاءه عن الله . وقالوا إنما يمكن مخالفة هؤلاء إذا قيل بأن القرآن وغيره من الكلام لازم لذات الله تعالى، لم يزل ولا يزال يتكلم بكل كلام له كقوله : يا آدم ، يا نوح . وصاروا طائفتين : طائفة تقول إنه معنى واحد قائم بذاته ، وطائفة تقول إنه حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبداً، وإن كانت مترتبة في ذاتها ترتباً ذاتيا لا ترتبا وجوديا، كما قد بين مقالات الناس في كلام الله فى غير هذا الموضع . والأولون عندم كلام اللّ شيء واحد لا بعض له، فضلا عن أن يقال بعضه أفضل من بعض . والآخرون يقولون : هو قديم لازم لذاته ، والقديم لا يتفاضل . وربما نقل عن بعض السلف فى قوله تعالى: (نَأَتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) أنه قال: ٥٣ خير لكم منها ، أو أنفع لكم. فيظن الظان أن ذلك القائل موافق لهؤلاء ، وليس كذلك ، بل مقصوده بيان وجه كونه خيراً وهو أن يكون أنفع للعباد ، فإن ما كان أكثر من الكلام نفعا للعباد كان فى نفسه أفضل ، كما بين فى موضعه . وصار من سلك مسلك الكلابية من متأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرم يظنون أن القول بتفاضل كلام الله بعضه على بعض إنما يمكن على قول المعتزلة ونحوهم الذين يقولون إنه مخلوق ، فإن القائلين بأنه مخلوق يرون فضل بعضه على بعض فضل مخلوق على مخلوق ، وتفضيل بعض المخلوقات على بعض لا ينكره أحد . فإذا ظن أولئك أن القول بتفضيل بعض كلام الله على بعض مستلزم لكون القرآن مخلوقا فروا من ذلك وأنكروا القول به لأجل ماظنوه من التلازم ، وليس الأمر كما ظنوه ، بل سلف الأمة وجمهورها يقولون : إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وكذلك سائر كلام الله غير مخلوق. ويقولون مع ذلك: إن كلام اللّه بعضه أفضل من بعض كما نطق بذلك الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك عنهم . وحدتنا أبى عن جدنا أبي البركات وصاحبه أبى عبد الله بن عبد الوهاب أنهما نظرا فيما ذكره بعض المفسرين من الأقوال فى قوله : (نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْمِثْلِهَا )، وأظنه كان نظرم فى تفسير أبى عبد ٥٤ اللّه محمد بن تيمية، فلما رأيا تلك الأقوال قالا: هذا إنما يجيء على قول المعتزلة . وزار مرة أبو عبد الله بن عبد الوهاب هذا لشيخنا أبى زكريا بن الصيرفي وكان مريضاً. فدعا أبوزكريا بدعاء مأثور عن الإمام أحمد يقول فيه ((أسألك - بقدرتك التى قدرت بها أن تقول للسموات والأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين - أن تفعل بنا كذا وكذا)) فلما خرج الناس من عنده قال له : ما هذا الدعاء الذي دعوت به ؟ هذا إنما يجيء على قول المعتزلة الذين يقولون القرآن مخلوق، فأما أهل السنة فلا يقال عندم قدر أن يتكلم ، أو يقول ، فإن كلامه قديم لازم لذانه لا يتعلق بمشيئته وقدرته . وكان أبو عبد الله بن عبد الوهاب رحمه الله قد تلقى هذا عن البحوث التى يذكرها أبو الحسن بن الزاغونى وأمثاله، وقبله أبو الوفاء ابن عقيل وأمثاله، وقبلها القاضي أبو يعلى ونحوه، فإن هؤلاء وأمثالهم من أصحاب مالك والشافعي - كأبى الوليد الباجي وأبى المعالى الجويني - وطائفة من أصحاب أبي حنيفة يوافقون ابن كلاب على قوله : إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، وعلى قوله: إن القرآن لازم لذات اللّه، بل يظنون أن هذا قول السلف - قول أحمد بن حنبل ومالك والشافعي وسائر السلف - الذين يقولون : القرآن غير مخلوق ، حتى إن من سلك مسلك السالمية من هؤلاء - كالقاضى وابن عقيل وابن ٥٥ الزاغونى - يصرحون بأن مذهب أحمد أن القرآن قديم ، وأنه حروف وأصوات ، وأحمد بن حنبل وغيره من الأئمة الأربعة لم يقولوا هذا قط ولا ناظروا عليه ، ولكنهم وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة لم يعرفوا أقوالهم في بعض المسائل . ولكن الذين ظنوا أن قول ابن كلاب وأتباعه هو مذهب السلف ومن أن القرآن غير مخلوق ثم الذين صاروا يقولون : إن كلام الله بعضه أفضل إنما يجىء على قول أهل البدع الجهمية والمعتزلة ، كما صار يقول ذلك طوائف من أتباع الأئمة كما سنذكره من أقوال بعض أصحاب مالك والشافعي ، ولم يعلموا أن السلف لم يقل أحد منهم بهذا، بل أنكروا على ابن كلاب هذا الأصل ، وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر الكلابية على هذا الأصل ، حتى مجر الحارث المحاسبى لأنه كان صاحب ابن كلاب وكان قد وافقه على هذا الأصل ثم روى عنه أنه رجع عن ذلك ، وكان أحمد يحذر عن الكلابية. وكان قد وقع بين أبى بكر بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة وبين بعض أصحابه مشاجرة على هذا الأصل لأنهم كانوا يقولون بقول ابن كلاب ، وقد ذكر قصتهم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري فى ( تاريخ نيسابور ) ، وبسط الكلام على هذا الأصل له موضع آخر ، وإنما نبهنا على المآخذ التى تعرف بها حقائق الأقوال . ٥٦ فصل وفى الجملة: فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية والأحكام الشرعية والحجج العقلية على أن كلام اللّه بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة المشهورة . وأيضاً فإن القرآن وإن كان كله كلام الله، وكذلك التوراة والإنجيل والأحاديث الإلهية التى يحكيها الرسول عن الله تبارك وتعالى كقوله: (( يا عبادي، إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلاتظالموا)) الحديث وكقوله: (( من ذكرني فى نفسه ذكرته فى نفسي)) وأمثال ذلك، هي وإن اشتركت فى كونها كلام الله فمعلوم أن الكلام له نسبتان : نسبة إلى المتكلم به ، ونسبة إلى المتكلم فيه . فهو يتفاضل باعتبار النسبتين ، وباعتبار نفسه أيضاً، مثل الكلام الخبري له نسبتان: نسبة إلى المتكلم المخبر ، ونسبة إلى المخبر عنه المتكلم فيه . فقل هو الله أحد وتبت بدا أبى لهب كلاهما كلام الله، وهما مشتركان من هذه الجهة ، لكنها متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه . فهذه كلام اللّه وخبره الذي يخبر به عن نفسه . وصفته التى يصف بها نفسه، ٥٧ وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه. وهذه كلام اللّه الذي يتكلم به عن بعض خلقه، ويخبر به عنه، ويصف به حاله ، وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين . ألا ترى أن المخلوق يتكلم بكلام هو كله كلامه ، لكن كلامه الذي يذكر به ربه أعظم من كلامه الذي يذكر به بعض المخلوقات ، والجميع كلامه؟ ! فاشتراك الكلامين بالنسبة إلى المتكلم لا يمنع تفاضلها بالنسبة إلى المتكلم فيه ، سواء كانت النسبتان أو إحداهما توجب التفضيل أو لا توجبه. فكلام الأنبياء ثم العلماء والخطباء والشعراء بعضه أفضل من بعض وإن كان المتكلم واحداً، وكذلك كلام الملائكة والجن، وسواء أريد بالكلام المعاني فقط أو الألفاظ فقط أو كلاهما أو كل منها فلا ريب فى تفاضل الألفاظ والمعاني من المتكلم الواحد ، فدل ذلك على أن مجرد اتفاق الكلامين في أن المتكلم بها واحد لا يوجب تماثلها من سائر الجهات . فتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كان خبراً أو إنشاء أمر معلوم بالفطرة والشرعة ، فليس الخبر المتضمن للحمد الله والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس ، وإن كان هذا كلاماً عظيما معظما تكلم الله به ، وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت ٥٨ به الشرائح كلها وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة والنهي عن الشرك وقتل النفس والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائح كلها وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة والنهي عن القران فى التمر ، ولو كان الأمران واجبين ، فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت . ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاضل أنواع الإيجاب والتحريم وقالوا : إن إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر ، وتحريمه أشد من تحريم الآخر ، فهذا أعظم إيجاباً وهذا أعظم تحريما ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا فى ذلك كابن عقيل وغيره فقالوا : التفاضل ليس في نفس الإيجاب والتحريم ، لكن في متعلق ذلك وهو كثرة الثواب والعقاب. والجمهور يقولون: بل التفاضل فى الأمرين والتفاضل فى المسببات دليل على التفاضل في الأسباب، وكون أحد الفعلين ثوابه أعظم وعقابه أعظم: دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد، وكون أحد الأمرين والنهيين مخصوصاً بالتوكيد دون الثاني مما لا يستريب فيه عاقل ، ولو تساويا من كل وجه لامتنع الاختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح ، فإن التسوية والتفضيل متضادان . وجمهور أئمة الفقهاء على التفاضل فى الإيجاب والتحريم ، وإطلاق ٥٩ ذلك هو قول جماهير المتأخرين من أصحاب الأئمة الأربعة . وهو قول القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب والقاضى يعقوب البرزيني وعبد الرحمن الحلوانى وأبى الحسن بن الزاغونى وغيرهم ، لكن من هؤلاء من يفسر التفاضل بتفاضل الثواب والعقاب ونحو ذلك مما لا ينازع فيه النفاة . والتحقيق أن نفس المحبة والرضا والبغض والإرادة والكرامة والطلب والاقتضاء ونحو ذلك من المعانى تتفاضل، وتتفاضل الألفاظ الدالة عليها . ونفس حب العباد لربهم يتفاضل، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوَأْأَشَذُ حُبَّالِلَّهِ ) . ونفس حب الله لهم يتفاضل أيضاً، فإن الخليلين إبراهيم ومحمداً أحب إليه ممن سواهما، وبعض الأعمال أحب إلى الله من بعض ، والقول بأن هذا الفعل أحب إلي من هذا مشهور ومستفيض فى الآثار النبوية وكلام خير البرية كقول بعض الصحابة : لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لفعلناه، فأنزل الله سورة الصف، وهو مشهور ثابت رواه الترمذي وغيره . وكون هذا أحب إلى الله من هذا هو داخل فى تفضيل بعض الأعمال وبعض الأشخاص على بعض . وبعض الأمكنة والأزمنة على بعض، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمكة: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله . ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت)) قال الترمذي : حديث حسن صحيح رواه من ٦٠